تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5361 - عددالزوار : 2757209 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4967 - عددالزوار : 2099485 )           »          مراعاة أوامر الله -تعالى- ونواهيه وحدوده (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 631 )           »          غزة في ذاكرة التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 17 - عددالزوار : 24013 )           »          (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 61 )           »          الحركات الصهيونية المسيحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          مغبة الغش على الفرد والمجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 67 )           »          من ضبط النفس إلى صناعة الحضارة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 09-09-2021, 04:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,742
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (59)

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (14)
صـ 391 إلى صـ 395


[ ص: 391 ] وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ، بَيْنَ مَنْ جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْأَنْفُسِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [ 5 \ 45 ] .

وَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ ، فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ; مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ أَطْرَافَ الْعَبِيدِ مَالٌ كَالْبَهَائِمِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْجُمْهُورِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا ، وَبِأَنَّ أَنْفُسَ الْعَبِيدِ مَالٌ أَيْضًا كَالْبَهَائِمِ ، مَعَ تَصْرِيحِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقِصَاصِ فِيهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ .

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ :

الْأَوَّلُ : كَوْنُهُ عَمْدًا ، وَهَذَا يُشْتَرَطُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ أَيْضًا .

الثَّانِي : كَوْنُهُمَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .

الثَّالِثُ : إِمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَلَا زِيَادَةٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الْآيَةَ [ 16 \ 126 ] ، وَيَقُولُ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [ 2 \ 194 ] ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ ، وَلِأَجْلِ هَذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَلَا زِيَادَةٍ ، فِيهِ الْقِصَاصُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ، وَكَالْجِرَاحِ الَّتِي تَكُونُ فِي مَفْصِلٍ ، كَقَطْعِ الْيَدِ ، وَالرِّجْلِ مِنْ مَفْصِلَيْهِمَا .

وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الْعُضْوِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ ، بَلْ مِنْ نَفْسِ الْعَظْمِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الْقِصَاصَ ; نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكٌ ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي قَطْعِ الْعَظْمِ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ ، إِلَّا فِيمَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ ، كَقَطْعِ الْفَخِذِ ، وَغَيْرِهَا .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَغَيْرُهُ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يَجُبِ الْقِصَاصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِظَامِ ، إِلَّا فِي السِّنِّ .

[ ص: 392 ] وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي قَطْعِ الْعَظْمِ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ ، بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ دَهْثَمِ بْنِ قُرَّانٍ ، عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِيهِ جَارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ الْحَنَفِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ فَقَطَعَهَا ، فَاسْتَعْدَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ الْقِصَاصَ ، فَقَالَ : " خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا " وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَدَهْثَمُ بْنُ قُرَّانٍ الْعُكْلِيُّ ضَعِيفٌ أَعْرَابِيٌّ لَيْسَ حَدِيثُهُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ ، وَنِمْرَانُ بْنُ جَارِيَةَ ضَعِيفٌ أَعْرَابِيٌّ أَيْضًا ، وَأَبُوهُ جَارِيَةُ بْنُ ظَفَرٍ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ ، اهـ . مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ .

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " فِي دَهْثَمٍ الْمَذْكُورِ : مَتْرُوكٌ ، وَفِي نِمْرَانَ الْمَذْكُورِ : مَجْهُولٌ ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، إِنَّمَا هُوَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْمَسْأَلَةِ ، فَالَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْقِصَاصِ ، يَقُولُونَ : إِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِهِ ، يَقُولُونَ : لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِزِيَادَةٍ ، أَوْ نَقْصٍ ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ .

وَمِنْ هُنَا مَنَعَ الْعُلَمَاءُ الْقِصَاصَ ، فِيمَا يُظَنُّ بِهِ الْمَوْتُ ، كَمَا بَعْدَ الْمُوَضِّحَةِ مِنْ مُنَقِّلَةٍ أَطَارَتْ بَعْضَ عِظَامِ الرَّأْسِ ، أَوْ مَأْمُومَةٍ وَصَلَتْ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ ، أَوْ دَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ ، وَكَالْجَائِفَةِ ، وَهِيَ الَّتِي نَفَذَتْ إِلَى الْجَوْفِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْخَوْفِ مِنَ الْهَلَاكِ .

وَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ الْقِصَاصَ فِي الْمَأْمُومَةِ . وَقَالُوا : مَا سَمِعْنَا بِأَحَدٍ قَالَهُ قَبْلَهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالْعَوْرَاءِ ، وَالْيَدَ الصَّحِيحَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّلَّاءِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ .
تَنْبِيهٌ

إِذَا اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الْجَانِي ، فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَمَاتَ مِنَ الْقِصَاصِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ مِنْهُ ، عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَغَيْرِهِمْ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْمُقْتَصِّ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيِّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ .

[ ص: 393 ] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، يُسْقَطُ عَنِ الْمُقْتَصِّ لَهُ قَدْرُ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ ، وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي مَالِهِ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ .

وَالْحُقُّ أَنَّ سِرَايَةَ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ، لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ الْقَوَدُ ، قَتَلَهُ الْحَقُّ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَغَيْرِهِمَا ، بِخِلَافِ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ ، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ جِدًّا .

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ عَيْنٌ ، وَلَا أُذُنٌ ، وَلَا يَدٌ يُسْرَى بِيُمْنَى ، وَلَا عَكْسُ ذَلِكَ ، لِوُجُوبِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ فِي الْقِصَاصِ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَشَرِيكٍ أَنَّهُمَا قَالَا : بِأَنَّ إِحْدَاهُمَا تُؤْخَذُ بِالْأُخْرَى ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ حَتَّى تَنْدَمِلَ جِرَاحَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، ثُمَّ زَادَ جُرْحُهُ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ .

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ، مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ ، فَجَاءَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَقِدْنِي ، فَقَالَ : " حَتَّى تَبْرَأَ " ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَقِدْنِي ، فَأَقَادَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ ، فَقَالَ : " قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي ، فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ " ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ صَاحِبُهُ ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ .

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ تَعْجِيلِ الْقِصَاصِ قَبْلَ الْبُرْءِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا ، أَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ بَعْدَ الْقِصَاصِ هَدَرٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَتْ هَدَرًا ، بَلْ هِيَ مَضْمُونَةٌ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْجَالُهُ ، فَأَبْطَلَ الشَّارِعُ حَقَّهُ .
وَإِذَا عَرَفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا تَفْصِيلَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ الْآيَةَ . فَاعْلَمْ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ : أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ [ 5 \ 32 ] ، هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [ 5 \ 33 ] .

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : الْمُحَارَبَةُ هِيَ الْمُخَالَفَةُ وَالْمُضَادَّةُ ، وَهِيَ صَادِقَةٌ عَلَى الْكُفْرِ ، وَعَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ ، وَكَذَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ ، يُطْلَقُ عَلَى أَنْوَاعٍ [ ص: 394 ] مِنَ الشَّرِّ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [ 2 \ 205 ] .

فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحَارِبَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، وَيُخِيفُ السَّبِيلَ ، ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ جَزَاءَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَرْبَعِ خِلَالٍ هِيَ : أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعُ أَيْدِيهِمْ ، وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهَا ، يَفْعَلُ مَا شَاءَ مِنْهَا بِالْمُحَارِبِ ، كَمَا هُوَ مَدْلُولٌ ، أَوْ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ .

وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ 2 \ 196 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ 5 \ 89 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [ 5 \ 95 ] .

وَكَوْنُ الْإِمَامِ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَقَالَ : وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَرَجَّحَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهِ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا دَارَ بَيْنَ الِاسْتِقْلَالِ ، وَالِافْتِقَارِ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ ، فَالِاسْتِقْلَالُ مُقَدَّمٌ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ ، إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَلَى لُزُومِ تَقْدِيرِ الْمَحْذُوفِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ : [ الرَّجَزُ ]



كَذَاكَ مَا قَابَلَ ذَا اعْتِلَالِ مِنَ التَّأَصُّلِ وَالِاسْتِقْلَالِ
إِلَى قَوْلِهِ : [ الرَّجَزُ ]



كَذَاكَ تَرْتِيبٌ لِإِيجَابِ الْعَمَلْ بِمَا لَهُ الرُّجْحَانُ مِمَّا يَحْتَمِلُ

وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ ، وَفِيهَا قُيُودٌ مُقَدَّرَةٌ ، وَإِيضَاحُهُ : أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَقَتَّلُوا إِذَا قَتَلُوا ، وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ ، أَوْ يُصَلَّبُوا إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ ، وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إِذَا أَخَذُوا وَلَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا ، [ ص: 395 ] أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، إِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا ، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ .

قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ .

وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، إِذَا قَتَلَ قُتِلَ ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ ، فَالسُّلْطَانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْ وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنَ الْآيَةِ ، هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ بِقُيُودٍ تَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ مِنْ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ لِهَذَا بِذَلِكَ ، لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْهُ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ ، خَبَرًا مَرْفُوعًا ، إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَنَسٍ :

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ الْعُرَنَيِّينَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِبْرِيلَ عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ ، فَقَالَ : مَنْ سَرَقَ ، وَأَخَافَ السَّبِيلَ ، فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ ، وَرِجْلَهُ بِإِخَافَتِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ ، وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ ، فَاصْلُبْهُ " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ ، وَلَكِنْ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ خَلَّطَ بَعْدَ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ رَاوِيهِ عَنْهُ ابْنَ الْمُبَارَكَ ، وَلَا ابْنَ وَهْبٍ ; لِأَنَّ رِوَايَتَهُمَا عَنْهُ أَعْدَلُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا ، وَابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ يَرَى عَدَمَ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي سَوْقِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ الَّذِي قَدَّمْنَا آنِفًا ، وَذَكَرْنَا مَعَهُ مَحَلَّ الْغَرَضِ مِنَ الْمَتْنِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ، فَإِنَّهُ يُقَوِّي هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِلْجُمْهُورِ .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,263.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,262.11 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.14%)]