|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الحلقة (27) سورة آل عمران (5) بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء تنبيه قال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه : واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، ليس له مفهوم إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة ، اثنتين ، أو ثلاثا ، أو أربعا ، كمن خاف فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك وأن حكمها أعم من ذلك . ا هـ منه بلفظه . قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر في الآية على ما فسرتها به عائشة ، وارتضاه القرطبي ، وغير واحد من المحققين ودل عليه القرآن : أن لها مفهوما معتبرا ; لأن معناها : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات فانكحوا ما طاب لكم من سواهن ، ومفهومه أنهم إن لم يخافوا عدم القسط لم يؤمروا بمجاوزتهن إلى غيرهن ، بل يجوز لهم حينئذ الاقتصار عليهن وهو واضح كما ترى ، إلا أنه تعالى لما أمر بمجاوزتهن إلى غيرهن عند خوفهم أن لا يقسطوا فيهن ، أشار إلى القدر الجائز من تعدد الزوجات ، ولا إشكال في [ ص: 223 ] ذلك ، والله أعلم . وقال بعض العلماء : معنى الآية وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، أي : إن خشيتم ذلك فتحرجتم من ظلم اليتامى ، فاخشوا أيضا وتحرجوا من ظلم النساء بعدم العدل بينهن ، وعدم القيام بحقوقهن ، فقللوا عدد المنكوحات ولا تزيدوا على أربع ، وإن خفتم عدم إمكان ذلك مع التعدد فاقتصروا على الواحدة ; لأن المرأة شبيهة باليتيم ، لضعف كل واحد منهما وعدم قدرته على المدافعة عن حقه فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها . وقال بعض العلماء : كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم ولا يتحرجون من الزنى ، فقيل لهم في الآية : إن خفتم الذنب في مال اليتيم فخافوا ذنب الزنى ، فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولا تقربوا الزنا . وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر والله تعالى أعلم . ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أيضا : أن من كان في حجره يتيمة لا يجوز له نكاحها إلا بتوفيته حقوقها كاملة ، وأنه يجوز نكاح أربع ويحرم الزيادة عليها ، كما دل على ذلك أيضا إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف الضال ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لغيلان بن سلمة : " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " . وكذا قال للحارث بن قيس الأسدي وأنه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير واحدة ، والخوف في الآية ، قال بعض العلماء : معناه الخشية ، وقال بعض العلماء : معناه العلم ، أي : وإن علمتم ألا تقسطوا الآية ، ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم قول أبي محجن الثقفي : [ الطويل ] إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها فقوله أخاف : يعني أعلم . تنبيه عبر تعالى عن النساء في هذه الآية بما التي هي لغير العاقل في قوله : فانكحوا ما طاب لكم [ 4 \ 3 ] ، ولم يقل من طاب ; لأنها هنا أريد بها الصفات لا الذوات . أي : ما طاب لكم من بكر أو ثيب ، أو ما طاب لكم لكونه حلالا ، وإذا كان المراد الوصف عبر عن العاقل بما كقولك ما زيد في الاستفهام تعني أفاضل ؟ . [ ص: 224 ] وقال بعض العلماء : عبر عنهن بـ ( ما ) إشارة إلى نقصانهن وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض ، والله تعالى أعلم . قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ، لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون ، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله : يوصيكم الله في أولادكم الآيتين [ 4 \ 11 ] ، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة الآية [ 4 \ 176 ] . قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ، لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة ، ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [ 4 ] ; لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائما ، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائما ، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبر لنقصة المترقبة ظاهرة جدا . قوله تعالى : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف الآية ، صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا ، فلهن الثلثان وقوله : فوق اثنتين يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك ، وصرح بأن الواحدة لها النصف ، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا ، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال . وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له ، وأن للبنتين الثلثين أيضا : الأول قوله تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين ، إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع ، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة ، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين ; لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا ، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع ، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان ، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر . واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلا : إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حظ الأنثيين ; لأنه ما علم من [ ص: 225 ] الآية إلا أن للذكر مثل حظ الأنثتين ، فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ساقط ; لأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان ، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقا ، فلا دور لانفكاك الجهة ، واعترضه بعضهم أيضا بأن للابن مع البنتين النصف ، فيدل على أن فرضهما النصف ، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إن انفردتا عنه ، استحقتا أكثر من ذلك ; لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف بعدما كانت معه تأخذ الثلث ، ويزيده إيضاحا أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع ، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى . فبهذا يظهر أنه جل وعلا أشار إلى ميراث البنتين بقوله : للذكر مثل حظ الأنثيين ، كما بينا ، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات ، وحكم الواحدة منهن بقوله : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ، ومما يزيده إيضاحا ، أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله : فإن كن ، إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر . الموضع الثاني : هو قوله تعالى في الأختين : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [ 4 \ 176 ] ; لأن البنت أمس رحما ، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع . فإذا صرح تعالى : بأن للأختين الثلثين ، علم أن البنتين كذلك من باب أولى ، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب ، أعني : مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق ، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس ، خلافا للشافعي وقوم ، كما علم في الأصول فالله تبارك وتعالى لما بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى . وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط ، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات ، أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين ; لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات ، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به ، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه ، ويزيد ما ذكرنا إيضاحا ما أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه عن جابر - رضي الله [ ص: 226 ] عنه - قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد ، وإن عمهما أخذ مالهما ، ولم يدع لهما مالا ، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال صلى الله عليه وسلم : " يقضي الله تعالى في ذلك " فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما ، فقال : " أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك " . وما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - من أنه قال : للبنتين النصف ; لأن الله تعالى قال : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور : الأول : أنه مردود بمثله ; لأن الله قال أيضا : وإن كانت واحدة فلها النصف ، فصرح بأن النصف للواحدة جاعلا كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف . وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها ، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف ; لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم ، إلا ما قال فيه بعض العلماء : إنه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات ، وإنما من صيغ الحصر والغاية ، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط ، قال في " مراقي السعود " مبينا مراتب مفهوم المخالفة : [ الرجز ] أعلاه لا يرشد إلا العلما فما لمنطوق بضعف انتمى فالشرط فالوصف الذي يناسب فمطلق الوصف الذي يقارب فعدد ثمت تقديم يلي وهو حجة على النهج الجلي وقال صاحب " جمع الجوامع " ما نصه : مسألة الغاية قيل : منطوق والحق مفهوم يتلوه الشرط ، فالصفة المناسبة ، فمطلق الصفة غير العدد ، فالعدد ، فتقديم المعمول إلخ . وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله : وإن كانت واحدة فلها النصف أقوى من مفهوم الظرف في قوله : فإن كن نساء فوق اثنتين . الثاني : دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين . الثالث : تصريح النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في حديث جابر المذكور آنفا . [ ص: 227 ] الرابع : أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك . قال الألوسي في " تفسيره " ما نصه : وفي " شرح الينبوع " نقلا عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في " شرح فرائض الوسيط " : صح رجوع ابن عباس - رضي الله عنهما - عن ذلك فصار إجماعا . ا هـ منه بلفظه . تنبيهان الأول : ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في " تفسيره " من أن المفهوم في قوله : وإن كانت واحدة فلها النصف مفهوم عدد غلط . والتحقيق هو ما ذكرنا من أنه مفهوم شرط ، وهو أقوى من مفهوم العدد بدرجات كما رأيت فيما تقدم . قال في " نشر البنود على مراقي السعود " في شرح قوله : وهو ظرف علة وعدد ومنه شرط غاية تعتمد ما نصه : والمراد بمفهوم الشرط ما فهم من تعليق حكم على شيء بأداة شرط كإن وإذا ، وقال في شرح هذا البيت أيضا قبل هذا ما نصه : ومنها الشرط نحو : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن [ 65 \ 6 ] ، مفهوم انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط ، أي : فغير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن ونحو : من تطهر صحت صلاته . اهـ منه بلفظه . فكذلك قوله : وإن كانت واحدة فلها النصف ، علق فيه فرض النصف على شرط هو كون البنت واحدة ، ومفهومه أنه إن انتفى الشرط الذي هو كونها واحدة انتفى المشروط الذي هو فرض النصف كما هو ظاهر ، فإن قيل : كذلك المفهوم في قوله : فإن كن نساء فوق اثنتين ; لتعليقه بالشرط فالجواب من وجهين : الأول : أن حقيقة الشرط كونهن نساء ، وقوله فوق اثنتين وصف زائد ، وكونها واحدة هو نفس الشرط لا وصف زائد ، وقد عرفت تقديم مفهوم الشرط على مفهوم الصفة ظرفا كانت أو غيره . الثاني : أنا لو سلمنا جدليا أنه مفهوم شرط لتساقط المفهومان لاستوائهما ويطلب الدليل من خارج ، وقد ذكرنا الأدلة على كون البنتين ترثان الثلثين كما تقدم . الثاني : إن قيل : فما الفائدة في لفظة فوق اثنتين إذا كانت الاثنتان كذلك ؟ [ ص: 228 ] فالجواب من وجهين : الأول : هو ما ذكرنا من أن حكم الاثنتين أخذ من قوله قبله : للذكر مثل حظ الأنثيين ، كما تقدم وإذن قوله : فوق اثنتين تنصيص على حكم الثلاث فصاعدا كما تقدم . الثاني : أن لفظة فوق ذكرت ; لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ عددهن ما بلغ . وأما ادعاء أن لفظة فوق زائدة وادعاء أن فوق اثنتين معناه اثنتان فما فوقهما فكله ظاهر السقوط كما ترى ، والقرآن ينزه عن مثله وإن قال به جماعة من أهل العلم . قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث المراد في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس وعند التعدد يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم ، سواء أخوة الأم بدليل بيانه تعالى أن الإخوة من الأب أشقاء أو لا ، يرث الواحد منهم كل المال ، وعند اجتماعهم يرثون المال كله للذكر مثل حظ الأنثيين . وقال في المنفرد منهم وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ، وقال في جماعتهم : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين . وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة من الأب ، كانوا أشقاء أو لأب . كما أجمعوا أن قوله : وإن كان رجل يورث كلالة الآية ، أنها في إخوة الأم ، وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم . والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع ، كما قال الناظم : [ الرجز ] ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة لا والد يبقى ولا مولود وهذا قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأكثر الصحابة وهو الحق إن شاء الله تعالى . واعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، وعلى الميت الذي لم يخلف والدا ولا ولدا ، وعلى الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد ، وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد ; إلا أنه استعمال غير شائع واختلف في اشتقاق الكلالة . فانقطع الأبناء والجدود واختار كثير من العلماء أن أصلها من تكلله إذا أحاط به ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس ، والكل لإحاطته [ ص: 229 ] بالرأس ، والكل لإحاطته بالعدد ; لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله ولا فرعه . وقال بعض العلماء : أصلها من الكلال بمعنى الإعياء ; لأن الكلالة أضعف من قرابة الآباء والأبناء . وقال بعض العلماء : أصلها من الكل بمعنى الظهر وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره ، واختلف في إعراب قوله كلالة . فقال بعض العلماء : هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف ، أي : يورث في حال كونه ذا كلالة أي قرابة غير الآباء والأبناء ، واختاره الزجاج وهو الأظهر ، وقيل : هي مفعول له ، أي : يورث لأجل الكلالة أي القرابة ، وقيل : هي خبر كان ، ويورث صفة لرجل ، أي : كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد ، وقيل غير ذلك ، والله تعالى أعلم . قوله تعالى : فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أو لا ؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما الآية [ 24 \ 2 ] ، ، وقوله في الثيب : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) ; لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه وإن كانت منسوخة التلاوة . وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن حكم الرجم مأخوذ أيضا من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة ، وهي قوله تعالى : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ، فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان ورجمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فذمه تعالى في هذا الكتاب للمعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن ، دليل قرآني واضح على بقاء حكم الرجم ، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد ، قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا " الحديث . قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب ، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب [ ص: 230 ] هل هو العقد أو الوطء ؟ ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده ، وإن لم يحصل مسيس وذلك في قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [ 33 \ 49 ] ، فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه . وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه ، وإن لم يمسها الأب ، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعا ، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى مريدا به الجماع بعد العقد ، وذلك في قوله : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ 2 \ 230 ] ; لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد ، بل لا بد معه من الوطء ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لامرأة رفاعة القرظي : " لا ، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " يعني الجماع ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن سعيد بن المسيب ; لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة . ومن هنا قال بعض العلماء : لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع ، وقال بعضهم : هو حقيقة في الجماع مجاز في العقد ; لأنه سببه وقال بعضهم بالعكس . تنبيه قال بعض العلماء : إن لفظة ما من قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم [ 4 \ 22 ] ، مصدرية وعليه فقوله من النساء متعلق بقوله : تنكحوا لا بقوله نكح ، وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم ، أي : لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد ، وهذا القول هو اختيار ابن جرير ، والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن ما موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء ، كقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ 4 \ 3 ] ، وقد قدمنا وجه ذلك ; لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول ، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم أن سبب نزولها أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته ، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فقال : " ارجعي إلى بيتك " ، فنزلت : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم الآية .
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |