|
|||||||
| ملتقى الشعر والخواطر كل ما يخص الشعر والشعراء والابداع واحساس الكلمة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
وقال أيضًا: "يَا رُبَّ حَرْبٍ بِغَيْرِ الْعِلْمِ مَا اتَّقَدَتْ ![]() وَرُبَّ جَيْشٍ بِغَيْرِ الْعِلْمِ مَا صَالاَ ![]() فِي الْمَاءِ وَالْجَوِّ آلاَتٌ مُسَخَّرَةٌ ![]() تُصَوِّرُ الْمَوْتَ أَلْوَانًا وَأَشْكَالاَ"[62] ![]() وهذه حقيقة واضحة ملموسة، أليست الحروبُ منبتة في مُعظم أرجاء المعمورة، تطحَنُ البشر طَحْنَ الرَّحَى للحَبِّ؟ أليس العالَمُ كله مُهدَّدًا بضغطة زر أحمر؟ أليست المئات من الأرواح الإنسانية تَصْعَد لربها شاكيةً له ظلم العباد؟ وثالث الأدلة أنَّ: الحضارة شَكَّلت أحزابًا مناوئة للدين، وهل قامت هذه الحضارة إلاَّ على أنقاضِ الكنيسة في فرنسا؟ فأصبح ينظر إلى الدين - بسبب تصرُّفات رجال الدين الخاطئة - نظرةَ ازدراء وتَهكُّم، ولم تقصر هذه النظرة على الكنيسة وَحْدَها، وإنَّما على كل ما يطلق عليه اسم "الدين". وانتقلت هذه النظرة إلى الأوطان الإسلامية كذلك، وشمخ زَيْفُ الحضارة على يد المبهورين بها، وعلى حساب الدين؛ قال غنيم: تَحَضَّرَ النَّاسُ حَتَّى مَا لِمَكْرُمَةٍ ![]() قُدْسٌ لَدَيْهِمْ وَلَكِنْ قَدَّسُوا الْمَالاَ[63] ![]() وقال: يَدُ السِّيَاسَةِ بِالْأَخْلاَقِ قَدْ عَبَثَتْ ![]() وَقَوَّضَ الْعِلْمُ صَرْحَ الدِّينِ فَانْهَالاَ[64] ![]() المطلب السادس: بين الشرق والغرب: وإذ قد تبينت حقيقةُ هذا البريق الزَّائف، الذي يُدعى "حضارة وتقدمًا"، فماذا عسى يكون موقف المسلمين من الغرب، هل هو موقف المنادَدَة والمنافسة، أو أنَّ الشرقَ أبدى ضعفَه وانبهاره وانقيادَه، فانبطح أمام هذا البريق الزائف؟ لا شكَّ أن الواقع مؤلم للغاية، فالغفلة قد أطبقت على الشرق، مع معرفتهم بأنَّ العدوَّ الذي يُبجِّلُونه يَحتال لهم في كُلِّ آونة، ويدبر لهم من الخصومات والاستفزازات - ما تبرهن عليه هذه الحروب التي نشاهدها تدور رَحاها بين المسلمين أنفُسِهم؛ قال: الشَّرْقُ مُضْطَرِبُ الْجَوَانِحِ ثَائِرٌ ![]() وَالْغَرْبُ يَهْدِرُ كَالْخِضَمِّ الْمُزْبَدِ[65] ![]() ويقتطف الشاعر لقطةً يُحسها كل مسلم في عصرنا الحاضر، ويَحياها في كل حين، وهي هذا "الغزو الحضاري" الدَّخيل، الذي تسرب إلينا حتى في أيسر الأمور، وأدق العادات من مأكل ومشرب وملبس؛ يقول: "إِنِّي رَأَيْتُ جُيُوشَهُ لَمْ تَغْزُنَا ![]() فِي الْحَرْبِ بَلْ فِي مَشْرَبٍ وَطَعَامِ"[66] ![]() ثم يثور على التقليد، ناعيًا على الشرق ومؤنبًا، فقد أوشك هذا التقليد أنْ يُصبح عبادةً للغرب؛ لأنه تقليد مطلق، من دون مقاييس ولا نظام؛ يقول: "يَتَوَسَّمُونَ الْغَرْبَ حَتَّى أَوْشَكُوا ![]() أَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ ![]() مَا قَلَّدُوهُمْ مُبْصِرِينَ وَإِنَّمَا ![]() تَبِعُوا نِظَامَهُمُ بِغَيْرِ نِظَامِ"[67] ![]() وكيف لا يَجرؤ على مثل هذه الصيحات، وهو يعلم عِلْمَ اليقين أنَّ للشرق عاداتِه المميزةَ، ودينَه الذي لا يُساميه دين؛ لأنَّه دين ربِّ العالمين الذي لا يعزب عنه شيء؟ كيف لا يثور وفي الشرق متبجحون، يلهجون باسم "أوروبا"، ويَجعلونها قبلتهم الأولى؟ ولعلَّ لفتةَ الشاعر هاتِه تُؤكِّد مدى "الهوس" الفكري الذي كان الشرقُ يضجُّ به، و"الهيستيريا" التي أصابت بعضَ أنصاف المثقَّفين من الكتاب ورائدي الفكر، فرَدَّت أقلامَهم حبيسةَ الثناء على الغرب، وحضارته البراقة، وتقدمه المزيف. ولذلك نجد أنَّ هذه القضية كانت تُقِضُّ مضجعَ "غنيم"، ونراه يرصد قلمَه للحديث عنها كُلَّما عنَّت له مناسبة، وها هو ذا يُؤكد من جديد أنَّ رسالةَ الغرب لم تَجُرَّ على المسلمين سوى الخِذْلان والإذلال، والتبعية والهوان: "رِسَالَةُ الْغَرْبِ لاَ كَانَتْ رِسَالَتَهُ ![]() كَمْ سَامَنَا بِاسْمِهَا خَسْفًا وَإِذْلاَلاَ"[68] ![]() ولا يرى "غنيم" بُدًّا من أن يَجهر بتأليبِ الشرق ضِدَّ الغرب، ويدعوه لمُعاداتِه ومُقاطعته، ففي ذلك فلاحُه ونَجاحُه، ورجوعه إلى منبعه الرَّشيد، وأصله العتيد، بادئًا بالدَّعْوة إلى مُقاطعة المنبهرين بالغرب؛ فإن ضررهم أشد، ووقعهم أنكى؛ فهم كالسوس الذي ينخر المجتمع من الدَّاخل؛ يقول: "إِنِّي أُعِيذُ الشَّرْقَ مِنْ مُتَمَسِّحٍ ![]() بِالْأَجْنَبِيِّ لِقَوْمِهِ هَدَّامِ"[69] ![]() ثم يرتفع صوتُه بالتحذير من الغرب المستخرب، ومن مكايده ضد "العربية"، وضد العادات الإسلامية الراسخة، ناهيًا عن أن نثقَ فيهم بمستحدثاتهم: "لاَ تَأْمَنُوا الْمُسْتَعْمِرِينَ فَكَمْ لَهُمْ ![]() حَرْبٌ تَقَنَّعَ وَجْهُهَا بِسَلاَمِ ![]() حَرْبٌ عَلَى لُغَةِ الْبِلاَدِ وَعَادِهَا ![]() لَيْسَتْ تُشَنُّ بِمِدْفَعٍ وَحُسَامِ"[70] ![]() يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |