توجيهات في فقه الدعوة والداعية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5146 - عددالزوار : 2446087 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4737 - عددالزوار : 1767654 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 37 - عددالزوار : 3096 )           »          الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 183 - عددالزوار : 1988 )           »          تعلم كيف تدرُس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          أرجوزة الشهاب في آداب الاتصال والواتسآب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الأضرار الفكرية والمعرفية للوجبات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          وساوس التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          عشر مظاهر لرحمة الله في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 18-06-2021, 10:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,227
الدولة : Egypt
افتراضي توجيهات في فقه الدعوة والداعية

توجيهات في فقه الدعوة والداعية
الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي



ما أشرفَ الدعوةَ إلى الله وأعلاها من منزلة، وما أكرمَ الداعيَ إلى الله تعالى وإلى دينه وشريعته! وعلى طريق الدعوة كثيرٌ من الآلام والآمال، والتوجيهاتِ والمنطلقات، والعقبات والعثرات أيضًا، وهذه كلماتٌ وجيزة في منطلقات الداعية، وأهمية مراعاة فقه الدعوة إلى الله تعالى.





أولًا: التفات الداعية إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب:

مِن فقه الداعية على طريق الدعوة أن يَلتَفِتَ إلى ما عند الله من الأجر والثواب العظيم؛ ذلك أن الداعية إلى الله تعالى لا يعمل لحسابِ مخلوق، ولا يعمل لتحصيل منافعَ دنيويةٍ فانية؛ وإنما هو عاملٌ بحق العبودية لله تعالى، قائم بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مُبلِّغٌ منهجَ الله إلى الناس، ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].



فالدعوة أمرٌ مِن الله تعالى، وأجرُها أيضًا لا يكون إلا على الله، وهذا ما أعلنه كلُّ أنبياء الله ورسله، كما قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 105 - 109]، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيبٌ، وغيرُهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام.



ثم إن على الداعية - أيها الشباب - أن يَلتَفِت إلى ما عندَ الله من الأجرِ والثواب؛ لأن أجره عند الله عظيم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

وقد قال النبيصلى الله عليه وسلملعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ((انفذْ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجب عليهم مِن حق الله فيه، فواللهِ لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم))؛ متفق عليه.



وفي الحديث عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أُبدِعَ بي فاحمِلْني، فقال: ((ما عندي))، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدلُّه على مَن يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن دَلَّ على خير، فله مثلُ أجر فاعله))؛ رواه مسلم.



وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: ((مَن دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثلُ أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا))؛ رواه مسلم.



ثم إن الداعية قد يصيبه شيءٌ من الضجر والألم النفسي؛ لِمَا يرى من صدود الناس عنه، وردِّهم لدعوته، وإعراضهم عنها، ومحاولة إيذائه أحيانًا، وصدِّه أحيانًا أخرى، فعندها يَلتفت إلى ما ينتظره من الأجر والنعيم في الآخرة، وما أعدَّه الله تعالى لأوليائه وأحبابه، فيُخفِّف ذلك الألم عن نفسه، ويُسلِّي النفسَ بما ينتظرها في الآخرة، فتَهُون عليه عقباتُ الطريق وشدائده، كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، وكما قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 127، 128].



وإن لنا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلملقومه المثلَ الأعلى، وهو القائل: ((لقد أُوذِي موسى بأكثر من هذا، فصبَر))، فلقد أوذي كثيرًا من صناديد الكفر، ووُضِعت أمامه العقبات، وسُلِّط عليه السفهاء، وسالت منه الدماء، وكم حاول أهلُ الكفر صدَّه بالإغراء والكيد، والنَّيْل منه، بل ومحاولة قَتْله، ولكن الله تعالى يُدافع عن نبيِّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل أوليائه.



ونحن اليوم نتعرَّض إلى صنوفٍ وألوان من الكيد والمكر والأذى، من الكافرين والمنافقين، الصادين عن سبيل الله، والشانئين لدعوة الحق والسُّنة، وهؤلاء صاروا يملكون كثيرًا من المنابر الإعلامية المقروء منها والمرئي والمسموع، وصاروا يُصوِّبون سِهامهم الباطلة إلى صدور الدعاة الصادقين والعلماء المخلصين، ويعملون على تشويه صورتِهم ومكانتهم، بل وَصَل بهم الأمر إلى التشكيك في ثوابت الإسلام وأصوله العظيمة، في قلوب أتباعه، وصدور حمَلَتِه.



فالواجب إذًا أن نصبِر على كيد هؤلاء واستعلائهم بالباطل الذي معهم، وأن نعمل لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه، راغبين في ثواب الله وجنته، وعلى ثقة ويقين من نصره ووعده بالخلافة والتمكين.

لكننا لا نيئس ولا نتخلَّف عن الرَّكْب، ولنعلَمْ أن كل هذا النَّصَبِ والأذى والكيد يزولُ عند أول قدم تُوضع على باب الجنة بإذن الله تعالى، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴾ [الكهف: 107، 108].



ثانيًا: التزود من سِيَر الأنبياء والدعاة والمصلحين:

الداعية إلى الله تعالى ليس في المَيدان وحيدًا، ولا يسير في الطريق وحدَه؛ وإنما هو واحدٌ من كثير من السابقين على الطريق، فعليه أن يأخذ الزاد ممن سبق، وأن ينظر في سِيَرهم، ويلتمس العبرةَ في منهجهم ودعوتهم، وأخلاقهم وعبادتهم، وأن يتزوَّد مِن مَعِينهم، ويعمل كما عمِلوا، ويصبر كما صبروا، ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، ففي نظرِ الداعية الصادق إلى السابقين دروسٌ وعِبَر؛ من التبليغ للرسالة، والصبر على الكيد والمكر، وسَعَةِ الصدر للناس، وسَعَة الأفق في التعامل مع الأحداث الجارية، والتخلُّقِ بآداب وأخلاق الدعاة الموفَّقين مِن الله تعالى.



ولو تأمَّلنا بعضًا من سور القرآن، لوجدنا المثلَ الأعلى لكل داعية إلى الله على طريق الدعوة، وهذا المثل الجليل يتمثَّل في "أنبياء الله ورسله عليهم السلام"، وهم - ولا ريب - أولُ الدعاة إلى طريق الله وعبادته وتوحيده، فَلَكَمْ دعَوا إلى توحيد الله تعالى أقوامَهم، ولكم أُوذُوا في سبيل الله، ولاقوا من الصدود والكيد، وصنوف الإيذاء والإعراض.



فهذا أول رسل الله إلى قومه نوحٌ عليه السلام يأمره الله بدعوتِهم وتبليغهم، وإخراجِهم من عبادة الأوثان والأصنام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومكث فيهم قرابةَ ألف عام، يدعو بكل السبل في السر والجهر، في الليل والنهار، في النوادي والمجتمعات، حتى جاء وعدُ الله، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 14].



وهذا إبراهيم عليه السلام يدعو قومَه ويأخذ بأيديهم إلى الله، ويحمل دعوته بهمةٍ عالية، حتى إنه أجهز على أصنامهم فحطَّمها، وجعلها جُذاذًا، وتعرَّض للحرق في النار، ومع ذلك صبَر وجاهد، كما قال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 16، 17].



وهذا يوسف عليه السلام، ولكَمْ تعرَّض إلى صنوف من الابتلاءات والمحن منذ صغره، فلقد أُلقِي في الجُبِّ، وبِيعَ مملوكًا، ودخل السجن في محنة امرأة العزيز، فما كلَّ ولا ملَّ، لكنه دعا إلى الله وهو في سجنه، إلى توحيد الله تعالى وعبادته دون ما سواه، كما قال تعالى: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 39، 40].



وهذا موسى عليه السلام يتعرَّض لكثير من الإيذاء من بني إسرائيل، ويرى ألوانًا من عَنَتهم وشِدَّتهم، ومع ذلك صبر كثيرًا، كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبَر)).



وهذا النبي صلى الله عليه وسلمسيِّد الدعاة والمصلحين، صاحبُ المثل الأعلى الفريد، يدعو إلى توحيد الله تعالى وعبادته، فيُواجَه من قريش وكفارها بصنوفٍ وألوان من الكيد والعَنَت، والمكر والصدِّ، حتى تآمر القوم - كما روت لنا كتبُ السُّنة والسِّير - على قتله، والاستراحة منه ومن دعوته، لكن الله تعالى كان في كل موقف مؤيِّدَه ونصيره، حتى مكَّن الله له ولصحابته الكرام، وهاجروا إلى المدينة، وقامت لهم الدولة والخلافة، بعد صبرٍ وجهاد ويقين، وقد بيَّن الله ذلك في كتابه العزيز، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر: 1 - 7]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 87، 88].



ولا ينسى الداعيةُ بعد هذا أن ينظر في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، ليأخذَ منها خير زادٍ، فلقد كان يقومُ من الليل حتى تورَّمت قدماه، ويصلي ويطيل القراءةَ والقيام والركوع والسجود، وكان كثيرَ الصيام والذِّكر، والسعيِ لحوائج الناس والضعفاء، ولا يرد سائلًا، ولا ينهر مخالفًا، وقد قال تعالى له في كتابه: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 78 - 80]، وقال أيضًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4].



فهذا بعضٌ مِن أمرهم ودعوتهم، يجب على الداعية أن يطالعه ويقف معه طويلًا، على طول الطريق، عندها تهون عليه شدائدُ الطريق وآلامه، ويعلم أن العاقبة له لا لأعدائه، وأنه مؤيَّد منصور؛ لأنه على درب الأنبياء والمرسلين يسير، ومِن قصصهم يأخذ الزادَ والعبرة، ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 21].



ثالثًا: الاهتمام بفقه الأولويات:

والاهتمام بترتيب الأولويات وتعلُّم فقهِها من أهم قواعد الانطلاق الدعويِّ الصحيح، والتخبُّطُ في هذا الباب والاستهانة به لا ريب أنه مخالف للنصوص الشرعية الواضحة من الكتاب والسُّنة، وعملِ أهل العلم وسلف الأمة، كما أنه طريق بعيد عن الوصول إلى جَنْي الثمار الحقيقية للدعوة إلى الله تعالى، كما أنه بعد ذلك عقبةٌ في طريق العمل الإسلامي وتقدُّمِه.




والإشكال هنا أن كثيرًا من الناس عندما ينطلق في طريق الدعوة إلى الله، لا يلتفت كثيرًا إلى أهمية هذا الفقه ومكانته، ولا إلى العواقب والنتائج من وراء تركه، هذا من جانب، أما على الجانب الآخر، فنجد فريقًا آخر قد احتفى بهذا الباب، وعُنِي به أيما عناية، إلا أنه حيَّزه إلى فكر بذاته، أو اتجاه دعوي بذاته، ثم يُنزِل في هذا الاتجاه بعد ذلك النصوصَ الواردة، التي يرجو منها أن تؤكِّد وجهتَه، وتدعم دعوته، وكلا الأمرين بهذا التصورِ العقلي والفكري طرفَا نقيضٍ.



والحق أن الأمر لا يرجع إلى اجتهاد بشري، أو فكري دعوي؛ إنما مرجعُه إلى الشرع، وإلى ما دلَّت عليه نصوص الشرع من الكتاب والسُّنة؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى من الواجباتِ الشرعية المأمور بها، والتي بها تكون خيريَّةُ الأمة المسلمة دائمةً، فلا بد إذًا أن يجتمع الدعاة إلى الله تعالى على هذه القاعدة، ثم بعدها نرى.



ونحن إذا تأمَّلنا دعوةَ كل الأنبياء والرسل عليهم السلام - من خلال القَصص الوارد عنهم في القرآن - ظهر لنا وبدون لفٍّ أو مواربة أنهم جميعًا متفقون ابتداءً على الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفرادِه بالعبادة، ثم بعد هذا الأمر ينطلق النبيُّ والرسول بدعوة قومِه بما هو أَولى لهم، وأهمُّ في واقعهم، لا في واقع غيرهم من الأمم والأقوام.



وقد قال تعالى في هذا عن دعوة جميع الأنبياء والرسل:

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 59].

وقال: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65].

وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 73].

وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 85].

وقال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 16، 17]، إلى غير ذلك من الآيات.



ثم بعد إقرار هذا الأصل العظيم من التوحيد لله تعالى، والتوجُّهِ له وحدَه بالعبادة دون ما سواه من الآلهة الباطلة، نجدُ أن كل نبيٍّ ينطلق في علاج أمراض أمَّته وقضاياها المصيرية، فنجد على سبيل المثال نبيَّ الله إبراهيم عليه السلام يُرسخ قضية التوحيد ونبذ الشرك وعبادة الأصنام الباطلة المدَّعاة من دون الله، وكذلك كانت قضية نبي الله نوح عليه السلام، بينما نجد أن نبي الله شعيبًا عليه السلام قام يدعو بعد العقيدة والتوحيد إلى تطهيرِ المجتمع من داء الغش والتطفيف في البيع والشراء، ونجد نبي الله لوطًا عليه السلام يُحذِّر قومه من الفواحش واللواط والشذوذ والمنكرات، وهكذا صارت دعوة كلِّ الرسل عليهم الصلاة والسلام في طريقها.



فدعوتهم تُقدِّم الأهمَّ فالمهم، ولقد اتفقوا جميعًا على أصل الانطلاق الدعوي، نحو التغيير والإصلاح لأممهم وأقوامهم، ونحن لنا فيهم الأسوةُ الحسنة في ذلك ولا ريب.



وحسْبُنا هنا دعوةُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي كان عمادها أولًا على التأسيس على التوحيد والعقيدة؛ حيث وجدنا في سيرته صلى الله عليه وسلمأنه ظلَّ في دعوة الناس من الكفار والمشركين فترةً طويلة في مكة، تزيد على الثلاثة عشرَ عامًا، وكان القرآن ينزل ويؤكِّد هذا جليًّا؛ ولهذا كانتِ السُّور القرآنية التي نزَلَت بمكة تزيد كثيرًا، على السور التي نزلت بالشرائع والأحكام بعد هذا في المدينة.



كما أن النبي صلى الله عليه وسلمكان يُؤكِّد هذا الأمر في تقديم الأهم فالمهم في دعوة الناس وتعليمِهم شريعةَ الإسلام العظيمة؛ فقد روى أبو داودَ بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلمبعث معاذًا إلى اليمن، فقال: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤخَذ من أغنيائهم، وتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجابٌ)).



فتأمَّل كيف علَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلممعاذًا رضي الله عنه أصولَ الدعوة وأولوياتِها، وكيف أرشده إلى التدرُّج في الدعوة والتعليم مع الناس؛ وذلك حتى لا ينفِروا من كثرة التعاليم عليهم، وحتى يكون أَدْعَى لقَبول الإسلام وتطبيقه في واقعهم.



ثم نجد خبرًا آخر في تقديم الإيمان والعمل به على غيرِه من شرائع الإسلام، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))؛ متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بِضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان))؛ متفق عليه.





يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 116.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 114.97 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]