
18-02-2021, 09:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,757
الدولة :
|
|
أثر عوائد العرب في تفسير آي القرآن
أثر عوائد العرب في تفسير آي القرآن
لخضر بن عبد القادر بوغفور
ربما ينقدح في ذهن بعض أهل الشريعة أن ربط أحكام الشارع بقواعدها الكلية وسياقاتها التاريخية غاية سهلة المنال، إذا وقف على بعض المسلمات الجلية والتقريرات البديعة المرقومة في هذا الشأن، ومن ثم يعجل في توظيفها والتخريج عليها.
وما إن يتأنى وينظر فيما رقمه أهل التحقيق فيما له صلة بالموضوع تأصيلا وتخريجا، فيسبر هذا المهيع الجليل على حقيقته، وينظر في دقائقه، ويلمح مزالقه، ويقف على بعض فروعه المغلوطة؛ حتى يدرك أن الأمر ليس كما توهم؛ قال الصنعاني في سياق حديثه عن علم أصول الفقه: «لعظم قدره؛ الهفوة فيه أشد من غيره، ومتعلمه يخاف عليه الزلل، ويخشى أن يميل مع الهوى فيقع في شرك الخطأ، فأول حوائج طالبه: إصلاح النية، إذ هي الأصل الأجل، ولا يميل إلى جهة حتى يصل إلى حقائقها وينظر مزالقها» (1).
وقاعدة الاعتبار بالمعهود عند العرب من جملة المسالك الاستدلالية الدقيقة التي اعتراها ما اعتراها من الخطأ والزلل، على غرار ما حصل مع نظائرها، وخصوصا لما يتعلق الشأن بملاحظة القاعدة في طريق الوصول إلى مراد الشارع الحكيم، وتأويل الوحي على ضوئه، قال ابن عاشور: «على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل، ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي، وإياه والتساهل والتسرع في ذلك، لأن تعيين مقصد شرعي -كلي أو جزئي- أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط، ففي الخطأ فيه خطر عظيم»، فكان حريا بنا -طلبا للحق، ونقدا للذات، وإقامة للعدل، وتجنبا للخطأ ما أمكن- عرض هذه القاعدة من الزاوية النقدية على حد مقولة: «لولا الخطأ ما أشرق نور الصواب» (2).
المطلب الأول: حدود علاقة عوائد العرب وقت التنزيل بالوقوف على مراد الله عزوجل من الآية.
لاريب أن الوقوف على مراد الله عزوجل من أجل المطالب وأسمى الغايات التي يسعى إليها كل موفق مسدد، وثمت عدة وسائل مساعدة على بلوغ هذا الشأو بحثها أهل العلم وسردوا تفاصيلها عند حديثهم عن شروط المفسر، أو شروط الاجتهاد والفتيا، ومن أبرز ما ذكروه منها، واستفاض عنهم هو معرفة المجتهد بلسان العرب وطرائقهم في الكلام والبيان.
وتبقى هناك معرفة أخرى متحدة التعلق مختلفة المحل، ربما دقت وخفيت ملاحظتها، وهي اعتبار المجتهد بأحوال العرب وعاداتهم وقت التشريع، ليسترشد بها الناظر في إدراكه المراد من الآية على وجه التحديد. قال الشاطبي في سياق حديثه عن أهمية معرفة أسباب التنزيل لمن أراد علم القرآن: «من ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثم سبب خاص لابد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة» (3).
ولكن يتعين على العالم المعتبر بهذه القاعدة في تأويل آي الكتاب أن يستمسك بجملة من الحدود العاصمة من توظيفها توظيفا مغلوطا، على غرار غيرها من القواعد، ومن أهمها ما يلي:
أولها: إجلال مقام الاعتبار بهذه القاعدة وقت معالجة الآيات على ضوئها.
اشتهر ورع السلف عن الفتيا وتدافعهم، حتى قال عطاء بن السائب: «أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء، فيتكلم وإنه ليرعد!» (4). وأولى النظار بهذا الورع من يروم تقحم هذه المضايق التي قد تفضي إلى صرف الآيات عن ظواهرها الجلية.
ولا يتصور هذا الورع إلا مع افتقار الناظر إلى ربه عز وجل في بلوغ التأويل الصحيح للآية.
ثانيها: تعظيم أصول الشريعة المعصومة والوقوف عند حدها.
قال الشاطبي: «لا يصح الخروج عما حد في الشريعة، ولا تطلب ما وراء هذه الغاية؛ فإنها مظنة الضلال، ومزلة الأقدام» (5).
وبناء عليه، فاعتبار الناظر بهذه القاعدة أو بغيرها من قواعد، يقاس بأصول الشريعة، وليس العكس، فما يقرره لا يكون مسلما قاضيا على غيره مهما علا كعب صاحبه، أو برع في تحريره، حتى يعرضه على ما جلته تلك الأصول المعصومة «عرض الدرهم المجهول على أخبر الناقدين، فما حكمت بصحته فهو منها المقبول، وما حكمت برده فهو المردود» (6). قال ابن دقيق العيد: «ليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره» (7).
ثالثها: بذل الجهد في جمع كل النصوص الواردة في المسألة مع دلالاتها الظاهرة والدقيقة.
ينبغي لمن يعتبر بمعهود العرب ألا يعجل بالخروج عن ظاهر الآية حتى يستفرغ جهده في جمع النصوص الشرعية الأخرى التي وردت في المسألة، ومن ثم يغوص في دلالات ألفاظها. قال ابن تيمية: «إذا أقاموا -يعني العلماء- كتاب الله، وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله " صلى الله عليه وسلم" -وهي سنته-؛ لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول عزوجل: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة:143). ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين، وما كان من الحجج صحيحا ومن الرأي سديدا، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه» (8)، وهكذا الشأن في قاعدتنا، إنما الاعتبار فيها بميزان الشريعة.
رابعها: الرجوع إلى ما فهمه سلف الأمة من الآية، وعلى رأسهم صحابة النبي " صلى الله عليه وسلم" .
قال ابن رجب في بيان العلم النافع للخلق، هو: «ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث» (9).
وإذا أجمعت الأمة على حمل الآية على معنى ما؛ فالواجب المتعين خضوع من يأتي بعدها إلى مضمون هذا الإجماع، كما سبق التنبيه إليه في الحد الثالث، ولكن ماذا لو عدم إجماع في هذا المحل، وكانت ثمت آثار هادية؟
إن حصل بين هذه الآثار تعارض؛ رجح الناظر بينها على وفق الجادة المعروفة في باب التعارض والترجيح، وأما لو اتفقت هذه الآثار فإعمالها في ميزان الشرع والعقل أولى من إهمالها، بالنظر إلى شهود الصحابة لمواقع التنزيل وسماعهم لكلام النبي " صلى الله عليه وسلم" ، ومن ثم فهموا مرادات تشريعاته، وأضحوا أخبر الناس بها والقدوة في مراعاتها (10)، «كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها بطول المخالطة والممارسة» (11).
وهكذا الشأن فيمن نهل من معينهم واقتفى أثرهم سيكون السداد أقرب إليه من غيره، وإن كان دون السابق.
ومن ثم تعين على من يتحرى استقامة اعتباره بمعهود العرب أن يتقيد بهدي من مضى في تأويل الآي، ولهذا كان من وصية عمر بن عبدالعزيز لرجل كتب إليه يسأله عن القدر: «ارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم؛ فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى» (12)، وهذا الشافعي -الذي أثنى عليه العلماء قديما وحديثا ثناء فائقا في نفوذ نظره وعمق فقهه- قد قال عن رأي الصحابة: «رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» (13).
فإن وافق اعتباره رأيهم، وتواطأت الأدلة على مطلوب واحد واشتد ساقها؛ فالحمد لله، وإن شذت نتيجة اعتباره؛ اتهم حينئذ نظره، واكتفى برأي من سلف وسلم، قال الشاطبي: «يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل» (14).
خامسها: التحقق من إناطة النص القرآني بعوائد العرب وجودا وعدما.
قرر الشاطبي كما سبق لزوم وقوف من يغوص في دلالات كتاب الله على عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإلا أخطأ الفهم الصحيح، وهو تقرير متين بلاريب، وهو يشير ضمنا إلى لزوم التأكد من حقيقة ما يدعى من عوائد العرب من الناحية التاريخية، ولكن ربما ذهل من يروم توظيفه عن شرط مهم دقيق لا يخفى تأصيله عن العلماء، وربما خفي عن بعضهم في حال التطبيق، ألا وهو التحقق من إناطة النص القرآني بهذه العوائد وجودا وعدما، والتحقق من عدم ارتباطه بمعاني أخرى.
فلربما عجل بعض الناظرين في إعمال هذه القاعدة، فعلق الدلالة القرآنية بحال معينة للعرب، وذهل عن مناطات أخرى، دلت عليها نصوص أخرى من القرآن أو السنة، لا تخضع لتبدل أحوال المخاطبين، وما يأتي لاحقا يجلي هذا المعنى ويبين خطورته.
المطلب الثاني: قوادح الاعتبار بمعهود العرب في فهم مراد الله عزوجل من الآية.
ربما صح الاعتبار بالكلية في طريق الوصول إلى مراد الشارع الحكيم، وربما أخطأ الهدف وعاد عليه بالإبطال، و«كل ما يكر على الأصل بالإبطال فهو باطل» (15)، والسبيل إلى معرفة ذلك والتحقق منه مرده إلى أصول علمية في النقد، بينها لنا أهل الأصول والجدل، وذللوها لنا في طريق كشفنا عن الخطأ والزلل، وغالبا ما بحثوها عند كلامهم عن قوادح القياس، وهي واردة في الجملة على أي استدلال أو تفسير، وفيما يلي ما ظهر لي منها مناسبا للمقام، جاريا على وفق خصوصيات القاعدة، وقد اقتصرت على بيان حدها الواضح، وأرجأت التخريج على بعضها في ثنايا المطلب التالي:
القادح الأول: فساد الاعتبار.
وهو مخالفة الاعتبار بمعهود العرب للوحي أو للإجماع.
القادح الثاني: قادح الاعتراض.
وهو الاعتراض بأن ما جعله الناظر معهودا للعرب ليس كذلك.
القادح الثالث: فساد الوضع.
وهو التعليق على معهود العرب ضد ما يقتضيه.
القادح الرابع: النقض.
وهو وجود معهود العرب وعدم الحكم المدعى، ولو في صورة.
القادح الخامس: المعارضة.
وهي معارضة الاعتبار بمعهود العرب بمعنى أقوى منه في الاستدلال.
القادح السادس: المنع.
وهو المنع من إحدى مقدمات الاعتبار بمعهود العرب، وتحته نوعان:
أ- عدم تحقق الاعتبار بمعهود العرب في الفرع.
ب- كون المسألة مما لا يجري فيها الاعتبار بمعهود العرب.
القادح السابع: الفرق.
وهو إبداء الفرق المؤثر بين النظائر التي اعتبر في بعضها بمعهود العرب.
القادح الثامن: القلب
وهو إبداء نقيض حكم المستدل بعين اعتباره بمعهود العرب.
القادح التاسع: القول بالموجب.
وهو نفي دلالة الاعتبار بمعهود العرب على محل النزاع.
المطلب الثالث: تخريجان للقاعدة في الميزان.
التخريج الأول العقدي: قوله عزوجل في سورة النحل: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ } (النحل:50)، وقوله في سورة الملك: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} (الملك:16)، وأشباه هذه الآيات التي نصت على فوقية الباري جل في علاه.
توظيف القاعدة في تأويلها
سبق إيراد كلام الشاطبي في التنويه بأهمية قاعدة الاعتبار بمعهود العرب في فهم كلام الله، وكان من جملة ما مثل به عليها هذه الآيات الدالة على صفة علو الباري عزوجل، حيث أولها تأويلا يلغي دلالتها الجلية، جريا على مذهبه العقدي النافي وصف الباري بهذه الصفة (16)، حيث قال عن ظاهرها: «إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق؛ فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض؛ فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة ألبتة، ولذلك قال تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} (النحل:26)، فتأمله، واجر على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث» (17).
وقد جلى عبدالله دراز وجه استشهاده بآية النحل؛ فقال: «أي: فليست الفوقية لتخصيص الجهة؛ لأن السقف لا يكون إلا فوق، إنما ذلك ذكر للمعهود فيه» (18).
التخريج في ميزان النقد (19)
«لفظ الجهة لم يرد ذكره في نصوص الوحي، فيتوقف في إطلاقه، ويستفصل في معناه؛ فإن أريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلا في المخلوقات، وإن أريد بها ما وراء العالم فلاريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات» (20)، هذا هو الحق الظاهر الذي جلته أدلة الشرع التي نصت على علو الله واستوائه على عرشه، ونزول بعض الأشياء منه وصعودها إليه، وغير ذلك من الدلالات، فضلا عن أدلة العقل الراجح والفطرة السوية وإجماع أهل الملة.
وإنكار علو ذات الله على خلقه قول باطل، دخيل حتى على الأشاعرة، وأصله نابع من الاعتزال، والمسألة أشهر من أن تبسط أدلتها المتكاثرة الجلية، وإنما أشير إشارة إلى بعض أفرادها.
1- قال ابن رشد: «لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية؛ كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (الحاقة:17). ومثل قوله {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (السجدة:5)، ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } (المعارج:4)، ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } (الملك:16)، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي " صلى الله عليه وسلم" حتى قرب من سدرة المنتهى، وجميع الحكماء قد اتفقوا أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك» (21).
وبهذا تبين فساد الاعتبار بمعهود العرب في إنكار هذه الصفة الربانية الجليلة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|