|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
صفعات قادت إلى الخيرات (9) محمود شاكر عميد الأدب العربي أحمد الجوهري في بستان العلم والأدب، وبين زهوره ورياحينه نشأ أبو فهر، كان واحدًا من أربعة إخوة، أبناء لعالم جليل، شغل ثاني أخطر منصب ديني في المنطقة العربية وما حولها؛ فقد شغل والده العلامة محمد شاكر منصبَ وكيل الأزهر الشريف، كان ذلك في أواخر عهد الملكيَّة بمصر. وإذا نظرنا إلى أبناء الشيخ محمَّد الأربعة، وجدنا أنه قد برز منهم اثنان؛ الأكبر والأصغر، أمَّا الآخران فأحدهما "محمد" ولا يَرد عنه شيء، لم يعرف له اشتغال بالعلم، بل إنه لم يُكمِل تعليمه، والثاني "علي" وكان قاضيًا شرعيًّا، توجَّه إلى الاهتمام بالعلم، وساعد أخاه الشيخ "أحمد" في تحقيق بعض كتب التراث[1]. • أما "أحمد محمد شاكر" الابن الأكبر، فقد اشتغل بالعلم حتى صار محدِّثًا كبيرًا يُشار إليه بالبنان، وانتهت إليه رئاسة الحديث في مصر، وكان أحد المَعدودين في هذا العلم في زمانه، وعليه المعوَّل فيه قرابة (50 سنة)، ويكفي أن يذكر اسمُ "أحمد شاكر" حتى تتداعَى إلى الذِّهن مؤلفات ومقالات وأعمال وتحقيقات، خدمت العلم خدمة جليلة، ولا تزال ينهل منها الأساتذة، ويتتلمذ عليها الطُّلاب إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله[2]. • وأما "محمود محمد شاكر" الابن الأصغر، محور حديثنا في هذه الكلمات: صورة عامَّة: • فـ "محمود شاكر" هو القارئ الذي جرَد كتب التراث الإسلامي كلها قراءة وفحصًا، لا سيما كتب الأدب والشعر واللغة، "كما لم يقرأهُ أحد في عصره، حتى شعَّت على يديه من أنواره وانبلجت من أسراره ما جعله قِبلةً لكل من أراد أن ينهل من هذا التراث ويَستكشِف مكنوناته"[3]. • و"محمود شاكر" هو الجنديُّ الذي خاض المعارك مدافعًا ومنافحًا عن العربية في مواجهة التغريب، وقرر أصالة الثقافة العربية في قلوب أبنائها من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق غير قليل منهم، ونقَّب عن مصادر الشعر الجاهلي، مثبتًا أصالته، "بل كان من أوائل من اكتشف الخطر الرهيب الذي كان يَحيق بالعرب والمسلمين حين كانت سموم التبشير تتغلغل في العقول، وحمَّى التفرنُج تَنتشر، في الوقت الذي كان الكبار يحرصون فيه على إرضاء نزعات المستشرقين، وتعلم اللغات الأجنبية، وتفسير التاريخ الإسلامي بما ينسجم مع العقل الغربي المادي، فكشف عن هذا الخطر المحدق وعرَّاه". • و"محمود شاكر" هو الرائد الذي استقرأ الكلام العربيَّ - وبخاصَّة الشِّعر - وهو لم يبلغ العشرين من عمره، فما بلغ السادسة والعشرين حتى هزَّ الأوساط الأدبية معلنًا عن منهجه الجديد، وهو منهج "التذوق"، الذي لم يأتِ أحد من أدباء العصر الحديث بمثله، بل حاول مَن حاول منهم احتذاء منهجِه فأعجزهم ذلك. • و"محمود شاكر" هو مفكِّرٌ عميق الفِكر، بعيد الغور، واسع الأفق، فسيح الإدراك، الذي سبق جيله بمراحل، وكتب على نسق الأولين، فمن طالع ما كتبه مِن ذوي الدُّربة ظن أنه يقرأ لروَّاد العلوم الأوائل ومنظِّريه. • و"محمود شاكر" هو الأديب الذي تسنَّم ذرى المجد الأدبي، وطارت شهرته في الآفاق. • و"محمود شاكر" هو العالم الأبيُّ، الذي سُجن في عهد عبدالناصر لأجل صدعه بكلمة الحق، فسُجِنَ تسعة أشهر؛ لوقوفه ضد ممارسات العسكريِّين الذين استلموا الحكم بعد انقلاب 1952 م، وسجن مرَّة أخرى متَّهَمًا بالدعوة إلى فتنةٍ طائفية، وبقيَ في السجن سنتين وشيئًا حتى كانت نكسة يونيه. وفي كليهما طُلِبَ منه أن يَعتذر عما كتب ليُفرَج عنه، فرفض أشد الرفض. وقد شهد له إخوانه أنه كان في السجن مثالاً للصبر، على كِبر سنِّه ومرضه، وكان كذلك سمح الروح، واسع الصدر. وأخيرًا، "محمود شاكر" هو المعنيُّ في قول الرافعي: "إنَّ مِن الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية، ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها!"، وحسبُكَ بالرافعيِّ شاهدًا. هذه هي الصورة العامة التي ترتسم بخيال من قرأ عن محمود شاكر - رحمه الله تعالى - فهو قارئ وجندي لدى هذا الدين، وهو رائد وهو قائد لمُريدي التفوق فيه، وهو مفكِّر وأديب سبق زمانه بمراحل، وهو عالم أبيٌّ يبذل روحه فداءَ ما يعتنق من حق ولا يعتذر عنه.. ولو شئنا أن نقول: إن ذلك التألُّق والمجد كان نتاج تلك الصفعة التي أصابت الشاب الطالب في السنة الأولى مِن دراسته الجامعية، لم نعْدُ الحقيقة قِيدَ شبرٍ! فمَن هو "محمود" هذا؟! وما نبأ تلك الصفعة؟! مفارقات وعجائب: نشأ الأستاذ محمود شاكر في بيئة متديِّنة - كما عرفنا - لكن في الوقت الذي التحَقَ فيه إخوته بالتعليم الأزهري انصرف هو إلى التعليم المدني! فكانت تلك أولى المفارقات العجيبة في حياته؛ فقد عرفنا أن والده كان كبير علماء الإسكندرية، ثم وكيلاً للجامع الأزهر. وقد تنقَّل "محمود" عبر مراحل التعليم المختلفة، حتى كانت المرحلة الثانوية فالتحَقَ بالقسم العلمي، وتعلَّق بدراسة الرياضيات والإنجليزي، فلمَّا اجتاز الثانويَّة فضَّل أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية! وهذه أيضًا مفارقة جديدة في حياة "الطالب محمود شاكر". وقد تعذَّر دخوله كلية الآداب في البداية؛ لأنه من خرِّيجي القسم العلمي في الثانوية، إلا أنه بوساطة من "طه حسين" لدى "أحمد لطفي السيد" رئيس الجامعة المصرية آنذاك استطاع أن يلتحق بكلية الآداب، وبدأ العام الدراسي بالكلية و"الطالب محمود شاكر" بين صفوف طلابها. وهناك في مقاعد السنة الأولى من كلية الآداب بالجامعة المصرية حدثت المفارقة الثالثة والكبيرة في حياة الطالب والعالم محمود شاكر، حين صدم في دكتور الجامعة "طه حسين" وهو يَسمعه يُردِّد مقالةَ كفرٍ في القرآن، تلك المقالة هي أن "الشعر الجاهلي منتحَل، وأنه كذب ملفَّق، لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنَّما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي ليُثبِتوا تفوُّق القرآن على كلام العرب"! وضاعف من شدة هذه الصدمة أنَّ ما سمعه من المحاضر الكبير كان قد سبق له أن اطَّلع عليه بحذافيره في مجلة استشراقية في مقال بها للمستشرق الإنجليزي مرجليوث![4] ولأن محمود شاكر اطَّلع على المقالة فقد كان سماعه لمُحاضرات الدكتور طه مختلفًا عن بقيَّة الطلاب تمام الاختلاف، ومن ثمَّ جاءت المفارقة أو المحنة أو الصفعة، كما نُسميها في هذه المقالات، ولندعِ الأستاذ يروي لنا بنفسه أحداث هذه المرحلة التي ولد فيها محمود شاكر ولادة جديدة عبر محنة عظيمة قادته إلى المجد، فصار رجلاً "متعدِّد الملكات، تتصالح كلها في كيانه دون تنافُر؛ فهو الشاعر - والشعر أكبر ملكاته عندنا - وهو المحقِّق، والمؤرِّخ والناقد، والمُفكِّر، وكاتب المقال، وربما بَدا للناس أنه محقِّق كل شيء؛ حيث استغرق في التحقيق من عمره السنوات ذوات العدد، لكنه - عندنا - شيخ المحقِّقين؛ لأنه شاعر مبدع، فبان إبداعه في كل ما خطته يراعه، وما هو بالقليل!"[5]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |