الكفارة بثمنِ الرقبةِ عند تعذُّرِها - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ويندوز 11 يحصل على بعض التحسينات لدعم hdr في نظام التشغيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ما تضيعش وقتك بالساعات.. كيف تتحكم في تصفح إنستجرام؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          خطوة بخطوة.. كيفية مشاركة قصة إنستجرام مع قائمة الأصدقاء المقربين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          خطوات.. كيفية توثيق حسابك على منصة "بلوسكي" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          ثغرة أمنية بمتصفح كروم تسرق الأجهزة.. التفاصيل الكاملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          5 خطوات للرد على مكالمات iPhone باستخدام صوتك فقط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          كيف تحمي حسابك على واتساب من المكالمات والرسائل المجهولة والمزعجة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          نصائح إنستجرام.. كيف تقيد شخصًا دون إلغاء متابعته أو حظره؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          فى 5 خطوات.. كيف تستعيد خدمة الواى فاى على هاتفك الآيفون أو الآيباد؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          كيفية تعطيل ميزة تتبع AirPods تمامًا عبر أيفون وماك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 29-11-2020, 04:34 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,289
الدولة : Egypt
افتراضي الكفارة بثمنِ الرقبةِ عند تعذُّرِها

الكفارة بثمنِ الرقبةِ عند تعذُّرِها






د. عبد الله بن حمد السَّكاكر










المقدمة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لا ريب فيه، وسلم تسليمًا، أما بعد:
اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، إن نوازل الفقه ومستجداته مدحضة مزلة, ومسالك الفقه كالسبل يأنس سالكها بكثرة العابرين، ويستوحش لقلتهم أن يكون على غير الجادة، وإن من نوازل العصر ومستجداته مسألةَ قُدْرَةِ المكفِّر على ثمن الرقبة وعجزه عن الحصول عليها بعدما انضمت الدول الإسلامية لبقية دول العالم في تحرير الأرقاء، ومنع الرق، وبعيدًا عن مدى مشروعية هذا القرار، وتواؤمه مع مقاصد الإسلام العظيمة في تحرير الأرقاء، وفي منع استرقاق البشر بالطرق غير الشرعية كالسرقة والخطف والقهر، فإن ارتباط كثير من الكفارات في الإسلام بعتق الرقاب جعل هذه المسألة في هذه الحال من نوازل العصر، وتتأكد النازلة في الكفارات المبنية على الترتيب ككفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان، فإذا ملك من وجبت عليه الكفارة مالاً يكفي لشراء الرقبة مع تعذر وجودها فهل ينتقل إلى بدلها ويكون في حكم من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أم أنه في حكم الواجد لها ولا يجوز له الانتقال إلى بدلها بل يلزمه التصدق بثمنها؟
أهمية البحث:
يكتسب البحث أهميته لعدد من الأمور:
ارتباطه ببعض كبائر الذنوب حين يسعى المؤمن للفكاك من تبعاتها، والتخلص من شؤمها.
ما يترتب عليه من نفع متعد للفقراء أو قاصر على المكفر.
كما أن لهذه المسألة أهمية كبيرة من جهة أن عتق الرقبة أو التصدق بثمنها لواجده أهون عند كثير من الناس من البدل وهو صيام شهرين متتابعين، وقد يكون في بحث هذه المسألة مخرج تتحقق به جميع مقاصد الشارع الحكيم.
مشكلة البحث:
تتركز مشكلة البحث -بعد إلغاء الرق في أنحاء العالم- فيمن وجب عليه عتق رقبة وكان واجدًا لثمن الرقبة عاجزًا عن الحصول على الرقبة، فهل يُعدَّ قادرًا ويتصدق بثمنها على المساكين أو يُعْتَبر عاجزًا وينتقل للبدل؟
الدراسات السابقة:
لم أعثر على دراسات فقهية خاصة في المسألة، وقصارى ما وجدته:
إشارة يسيرة إليها في كتاب التشريع الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي للشيخ عبدالقادر عودة رحمه الله، وقد اختار قيام ثمن الرقبة مقامها عند تعذرها ويتصدق به على المساكين.
ومثلها في الشرح الممتع على زاد المستقنع لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله على اختلاف بينهما في الاختيار، فقد اختار اعتبار من قدر على الثمن دون الرقبة عاجزا وينتقل إلى البدل.
كما عثرت على فتوى فيها مدعمة بالحجج لفضيلة الدكتور على محيي الدين القره داغي حفظه الله منشورة على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت، وقد اختار قيام ثمن الرقبة مقامها عند تعذرها ويتصدق به على المساكين، وقدر قيمتها بنصف عشر دية المسلم الذكر، ومن الريالات السعودية والقطرية بعشرة آلاف ريال.
وعثرت على إشارة لها في رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بعنوان (أحكام الكفارات) للباحث رجاء المطرفي على ملف pdf منشور على الشبكة العنكبوتية, وقد اختار اعتبار من قدر على الثمن دون الرقبة عاجزًا وينتقل إلى البدل.
على أن كل هذه الدراسات هي أقرب ما تكون إلى الفتاوى منها إلى الدراسات، ولم يُذكر في واحدة منها خلاف أو موازنة أو استدلال، وإنما يَذكرُ كلُ واحد من هؤلاء رأيه معضودا بدليل أو تعليل مختصر، عدا الدكتور القره داغي فإنه أفاض في أدلة فتواه ولكن دون بحث المسألة بحثًا مقارنًا.
خطة البحث:
يشتمل البحث على مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة:
المقدمة وفيها:
أهمية البحث، ومشكلته، والدراسات السابقة، وخطة البحث.
التمهيد وفيه:
نبذة موجزة عن إلغاء الرق, وتحرير الأرقاء.
المبحث الأول: في الواجب على من وجد ثمن الرقبة ولم يجد الرقبة في الكفارات.
المبحث الثاني: في تقدير ثمن الرقبة.
الخاتمة وتتضمن:
أهم النتائج، والمصادر والمراجع، والفهارس.

التمهيد
في نبذة موجزة عن إلغاء الرق, وتحرير الأرقاء
كان الرق موجودًا قبل الإسلام، كما تدل لذلك نصوص الكتاب والسنة:
فمن القرآن قول الله سبحانه وتعالى في قصة يوسف عليه السلام: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)﴾ [يوسف: 73 - 76].
قال ابن جرير رحمه الله عند هذه الآيات: وقوله: (كذلك كدنا ليوسف)، يقول: هكذا صنعنا ليوسف، (2) حتى يخلص أخاه لأبيه وأمه من إخوته لأبيه، بإقرارٍ منهم أن له أن يأخذه منهم ويحتبسه في يديه، ويحول بينه وبينهم. وذلك أنهم قالوا، إذ قيل لهم: (ما جزاؤه إن كنتم كاذبين): جزاءُ من سرق الصُّواع أن من وجد ذلك في رحله فهو مستَرَقٌّ به، وذلك كان حكمهم في دينهم. فكاد الله ليوسف كما وصف لنا حتى أخذ أخاه منهم، فصار عنده بحكمهم وصُنْعِ الله له(1).
وقال ابن عطية رحمه الله عند هذه الآيات: هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يُستعبد السارق(2).
ومن السنة ما روى البخاري في صحيحه عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا، وَلاَ مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ»، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا»، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ»(3).
والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: «ممن كان قبلكم» اليهود والنصارى لما روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ»(4).
ولما جاء الله بالإسلام نظم الرق، فقصر مصادره ووسع مخارجه، فأما مصادر الرق فقد قصرها الإسلام على المصادر المشروعة روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ»(5).
أما مخارج الرق فقد وسعها الإسلام، فقد رغب في إعتاق الرقيق ابتداء وعد ذلك من أفضل القربات، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ»(6).
بل جاء الإسلام بالسراية وهي: أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين آخر وكان المعتِق غنيًّا فإن العبد يعتق كله ويدفع المعتِق لشريكه حصته من ثمن العبد لما في الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا»(7).
كما جعل الإسلام عتق الرقاب إحدى الخصال في أكثر الكفارات، إما على الترتيب أو التخيير، كما في كفارات القتل، والجماع في نهار رمضان، والظهار، واليمين، ومن مسالك تخليص الأرقاء من رقهم التي جاء بها الإسلام المكاتبة ببيع العبد لنفسه، ومساعدته على ثمنه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33], ومن ذلك استيلاد السيد أمته، فإنها متى ولدت من سيدها فقد أصبحت أم ولد ولم تعد أمة، ومن ذلك يعلم أن التوسع في استرقاق البشر ليس من مقاصد الشريعة الإسلامية، بل لو قيل إن تضييق مسالك الرق من مقاصد الشريعة الإسلامية لكان ذلك معضودًا بنصوص كثيرة من الوحيين مضى شيء منها آنفًا.
ومع ذلك فقد استمر وجود الرق بل ازداد بعد اكتشاف العالم الجديد حيث عمدت الدول الغربية إلى استرقاق آلاف البشر من سواحل أفريقيا الغربية بطريق غير مشروعة كالسرقة والقهر ثم أرسلتهم إلى مستعمراتها في أمريكا الشمالية والجنوبية للقيام بالأعمال الشاقة، وأرسل بعضهم إلى الدول الأوروبية نفسها لنفس الغرض(8).
ولكن العالم بعد ذلك بدأ رحلة إلغاء الرق وتحرير الأرقاء، ففي عام 1761م: البرتغال تمنع العبودية، وفي عام 1776م: تحذوا أسكوتلندا حذوها، وفي عام 1789م: الثورة الفرنسية قررت إلغاء الرق، لكن البلاد الأوربية والأمريكية ظلت تمارسه إلى نهاية القرن التاسع عشر.
وفي عام 1792م الدنمارك أقدمت على تحريم العبودية وتحرير العبيد، وفي عام 1807م الكونغرس الأمريكي يقر قانون حظر استيراد العبيد إلى أي ميناء أو مكان في الولايات المتحدة، وفي عام 1807م أجاز البرلمان الإنكليزي قانون إلغاء تجارة الرقيق، وفي عام 1827 زاد البرلمان في صرامة القانون، واعتبر تجارة الرقيق نوعاً من القرصنة وجعل عقوبتها الإعدام.
وفي عام 1814م في مؤتمر فينا عقدت الدول الأوربية معاهدة منع تجارة العبيد، وفي عام 1831م في مؤتمر لندن المنعقد في 20 أيلول اتفقت الدول الأوربية المشاركة فيه على اعتبار تجارة الرقيق من أعمال القرصنة البحرية.
وفي عام 1833م منعت بريطانيا الرق في جميع مستعمراتها، وفي عام 1834م ألغت إنكلترا الرق بقانون برلماني، وعُدّ جريمة يعاقب عليها بالموت.
وفي عام 1848 ألغت فرنسا الرق بشكل نهائي، وجعلت يوم 10 مايو يوم محاربة الرق، وفي عام 1848 عقدت بريطانيا معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية لكبح تجارة الرقيق، وفي عام 1860م هولندا والدنمارك تحرمان الرق، وفي عام 1865م نص الدستور الأمريكي علي إلغاء العبودية.
وفي الأعوام من 1813 - 1888م حرمت جميع دول أمريكا اللاتينية الرق، ففي عام 1813 حرمته الأرجنتين وآخرها منعًا له البرازيل عام 1888.
وفي عام 1877م أبرمت معاهدة بين مصر وإنجلترا تقضي بإلغاء الاسترقاق والنخاسة في جميع أنحاء مصر، ومن جملته إقليم السودان.
وفي عام 1906م عقدت عصبة الأمم مؤتمر العبودية الدولي، حيث قرر منع تجارة العبيد وإلغاء العبودية بكافة أشكالها، وفي عام 1910م الصين تحرم العبودية، وفي عام 1924م حرّم الإنجليز تجارة الرقيق في السودان عندما كانوا يحتلونه.
وفي عام 1927م تم التوقيع علي معاهدة جنيف لمكافحة تجارة الرقيق، وفي عام 1927م تمت معاهدة جدة التي أبرمت بين الحكومة البريطانية والملك عبد العزيز رحمه الله لمنع تجارة الرق في الجزيرة العربية لكنها لم تدخل حيز التنفيذ، وفي عام 1936م صدر مرسوم منع استيراد العبيد إلى الجزيرة العربية.
وفي 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948م صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد نصت المادة الرابعة منه على أنه (لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما)(9).
وفي 8 جمادى الأخرة 1382هـ / 7 نوفمبر 1962 أصدرت المملكة العربية السعودية قرارا بإلغاء الرق فيها.
وفي عهد الملك فيصل بن عبد العزيز (1964 - 1975م) تم سن قوانين لتفعيل قرار إلغاء الرق في المملكة، وفي عام 1969م كانت معظم الدول الإسلامية قد ألغت الرق، وفي عام 1970م تم إلغاء الرق بشكل رسمي في اليمن وعُمان، وفي عام 1981م كانت جمهورية موريتانيا الإسلامية آخر دولة تسن قانوناً لإلغاء ممارسة الرق(10).
واليوم لا يوجد أي رق نظامي، وما يوجد منه -إن وجد- فهو خارج نطاق القوانين الدولية والمحلية، وعليه فهو في حكم المعدوم.
يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 132.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 130.95 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]