اتحاد المسلمين مطلب - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 344 - عددالزوار : 9272 )           »          5 ألوان تريندات طلاء غرف النوم لعام 2026.. اختار اللى يناسبك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          طريقة عمل صينية الكوسة بالسجق.. لذيذة ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          خطوات بسيطة للتخلص من قشرة الرأس.. عشان تلبس ألوان غامقة براحتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          4 عادات يومية خاطئة قد تمنعك من فقدان الوزن.. خداع العقل الأبرز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          طريقة عمل مكرونة الكريمة بالليمون والفلفل الأسود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طريقة عمل سيروم فيتامين سى من مكونات طبيعية فى المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          قبل رمضان.. أخطاء شائعة فى العناية بالبشرة خلال الصيام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تفريزات رمضان.. اعرفى الطريقة الصحيحة لتخزين اللحوم بأفضل جودة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة عمل بسكويت التمر بالقرفة دون سكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 20-10-2020, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,874
الدولة : Egypt
افتراضي اتحاد المسلمين مطلب

اتحاد المسلمين مطلب


أحمد بن عبد الله الحزيمي





الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ، وَرَبَطَ بَيْنَ أَفْئِدَتِهِمْ بِالْمَوَدَّةِ والرَّأْفَةِ وَالْحَبْلِ الْمَتِينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَقَائِدَنَا وَمُعَلِّمَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ... أَمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنْ فَهَذَا أَفْضَلُ عَمَلٍ، يَقُولُ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: عِنْدَمَا اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ. وَاجَهَتْهُ مُشْكِلَةٌ كَبِيرَةٌ وَمُعْضِلَةٌ عَظِيمَةٌ. تِلْكَ هِي الْخِلاَفُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. الَّتِي ظَلَّتْ رَحَى الْحَرْبُ مُسْتَعِرَةٌ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، رَاحَ ضَحِيَّتُهُا الْآلاَفُ مِنْ خُلَّصِ الْقَوْمِ. وَقَدْ كَانَ لِلْيَهُودِ الدَّوْرُ الْمَشْهُودُ فِي اسْتِمْرَارِهَا. حَيْثُ كَانُوا يُوقِدُونَ نَارَ هَذِهِ الْعَدَاوَةِ وَيَنْفُخُونَ فِيهَا؛ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ. مَرًّ بِمَلأٍ مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَسَاءَهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الاِتِّفَاقِ وَالْأُلْفَةِ، فَبَعَثَ رَجُلاً مَعَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمْ، وَيَذْكُرَ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ حُرُوبِهِمْ يَوْمَ "بُعَاثَ" فَفَعَلَ وَاسْتَمَرَّ يَسْتَثِيرُهُمْ حَتَّى حَمِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَغَضِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَثَاوَرُوا، وَنَادَوْا بِشِعَارِهِمْ، وَطَلَبُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَتَوَاعَدُوا بِـ"الْحَرَّةِ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُمْ، فَجَعَلَ يُسَكِّنُهُمْ، وَيَقُولُ: "أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ"، وَتَلَا عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]، فَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، وَاصْطَلَحُوا وَتَعَانَقُوا وَأَلْقَوُا السِّلاَحَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

إِخْوَةَ الْإِسْلامِ... مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلامِ وَأَمْتَنِ قَوَاعِدِ الْإيمَانِ: الْحِرْصُ عَلَى تَحْقِيقِ الْإِخَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإفْشَاءِ الْمَحَبَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّرَابُطِ بَيْنَهُمْ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10] وَيَقُولُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ... إِنَّ قُوَّةَ أَيِّ مُجْتَمَعٍ وَسَلاَمَتَهُ. إِنَّمَا هِيَ فِي قُوَّةِ الْعَلاَقَةِ وَالتَّرَابُطِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ، فَإِذَا كَانَتْ عَلاَقَةُ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. عَلاَقَةُ حُبٍّ وَتَعَاونٍ عَلَى الْخَيْرِ. ازْدَهَرَتْ حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ وَاسْتَقَرَّتْ أُمُورُهُ، وَإِذَا كَانَتْ الْعَلاَقَةُ عَلاَقَةُ مَصَالِحٍ مَحْضَةٍ. وَعَلاَقَةُ أَنَانِيَةٍ. فَإِنَّ هَذَا يَعُودُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بِالتَّفَرُّقِ وَالتَّشَرْذُمِ وَذَهَابِ الرِّيحِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عِبَادَ اللهِ... إِنَّ الْعُقَلاَءَ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ وَنِحْلَةٍ. فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ. اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوِحْدَةَ سَبِيلُ الْعِزَّةِ وَالنُّصْرَةِ، فَهَذَا مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ الَّذِي وَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ بَقَوْلِهِ: "أَمِيْرُ العَرَبِ، أَحَدُ أَبْطَالِ الإِسْلاَمِ، وَعَيْنُ الأَجْوَادِ". يُوصِي أَبْنَاءَهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ بَقَوْلِهِ:
كُونُوا جَمِيعًا يَا بَنِيَّ إِذَا اعْتَرَى
خَطْبٌ وَلَا تَتَفَرَّقُوا آحَادَا

تَأْبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّرًا
وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ أَفْرَادَا


وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يَجْمَعُ النَّاسَ - يا عِبَادَ اللَّهِ - مِثْلَ الْإِسْلامِ، فَالْإِسْلامُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْقُلُوبَ الْمُتَنَافِرَةَ، وَيُطْفِئُ الشَّرَارَةَ الْمُلْتَهِبَةَ، وَيُزِيلُ شَحْنَاءَ النُّفُوسِ، مَهْمَا كَانَ تَبَاعُدُ النَّاسِ فِي أَجْنَاسِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: 63]. نَعَمْ.. لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلامُ فَهَذَّبَ النُّفُوسَ، وَأَزَالَ لَوْثَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَنَعَرَاتِهَا، وَأَصْبَحَ الْجَمِيعُ بِنِعْمَةِ الْإِسْلامِ إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ، وَكَذَا مِنْ أَسْرَارِ هَذِهِ الآيَةِ أَنْ نَجِدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ فِي الْآيَةِ مُمْتَنًّا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ وَرَبَطَ ذَلِكَ بِالتَّأْلِيفِ وَالتَّرَابُطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ [الأنفال: 63]، وَلَعَلَّ فِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْ أَهَمِّ خُطُوَاتِ النَّصْرِ وَالنَّجَاحِ وَالتَّوْفِيقِ. وَالْإِنْجَازِ وَالتَّرَقِّي فِي سُلَّمِ الْحَضَارَةِ وَالْمَجْدِ: التَّآلُفَ وَالتَّرَابُطَ وَالْأُخُوَّةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

إِنَّ أَيَّ دَوْلَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْهَضَ وَتَقُومَ إلاَّ عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، وَإِذَا مَا فُقِدَ فَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصْرٌ وَلَا إِنْجَازٌ وَلَا حَضَارَةٌ؛ إِذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَصْرٌ بَيْنَ أُنَاسٍ لَا رَابِطَ بَيْنَهُمْ. مُفَرَّقِينَ مُتَنَاحِرِينَ، كُلُّ وَاحِدٍ يَكِيدُ لِلْآخَرِ، وَيَتَتَبَّعُ زَلَّاتَهُ وَهَنَّاتَهُ، كُلٌّ مِنْهُمْ مَلِكًا لِأَنَانِيَّتِهِ وَأَثَرَتِهِ وَأَهْوَائِهِ، هَذَا عَلَى مُسْتَوى الدَّوْلَةِ، وأَمَّا عَلَى مُسْتَوى الدَّوَائِرِ الأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ. فَلَكُمْ أَنْ تَتَصَوَّرُوا دَائِرَةً حُكُومِيَّةً أَوْ شَرِكَةً كَبِيرَةً. يَسُودُهَا الْخِلاَفُ وَالشِّقَاقُ والاحْتِرَابُ وَالشَّلَلِيَّةَ؛ كَيْفَ يَكُونُ إِنْتَاجُ ذَلِكَ الْمُوَظَّفِ وَمَدَى قُدْرَتِهِ عَلَى أَدَاءِ عَمَلِهِ. وَهُوَ فِي هَذَا الْجَوِّ الْمَشْحُونِ؟! وَأَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الأَفْرَادِ والأُسَرِ. فَعِنْدَما يَكُونُ الْبَيْتُ الَّذِي يَسْكُنُ إِلَيْهِ. بَيْتًا مُتَصَدِّعًا مِنَ الْمَشَاكِلِ وَالْخِلاَفَاتِ -لَمْ يُحَالِفِ التَّوْفِيقُ الزَّوْجَ وَلَا الزَّوْجَةَ لِتَأْسِيسِ هَذِهِ الْأُسْرَةِ عَلَى التَّفَاهُمِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ- فَبِاللهِ عَلَيْكُمْ كَيْفَ سَيَكُونُ قَرَارُ سَاكِنِيهِ. وَكَيْفَ سَيَكُونُ مُسْتَقْبَلُ أَبْنَائِهِمْ؟َ إِذَنْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْخِلاَفَ وَالشِّقَاقَ لَا خَيْرَ فِيهِ الْبَتَّةَ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ التَّارِيخَ يَشْهَدُ أَنَّ التَّفَرُّقَ وَالاخْتِلاَفَ. مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ سُقُوطِ الدُّوَلِ عَلَى اخْتِلاَفِ عَقَائِدِهَا وَمِلَلِهَا؛ فَقَدْ سَقَطَتِ الْخِلاَفَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ. بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَتِ الدُّوَلُ الإِسْلامِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَظَهَرَتْ الدَّوْلَةُ الْبُوَيْهِيَّةُ، وَدَوْلَةُ الْمَمَالِيكِ، وَدُوَيْلَاتٌ بِالشَّامِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْخِلاَفَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ إلاَّ. بِلادٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُتَنَاثِرَةٌ مِنَ الْعَالَمِ الْإِسْلامِيِّ، فَلَمَّا زَحَفَ الْمَغُولُ إِلَى بَغْدادَ أَعْمَلُوا فِيهُمُ الْقَتْلَ حَتَّى قَتَلُوا مَا يُقَارِبُ (الْمِلْيُونَ) نَفْسًا؛ وَسَقَطَتِ الدَّوْلَةُ الْإِسْلامِيَّةُ فِي الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ دُوَيْلَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُتَنَاحِرَةٌ، لَا هَمَّ لِأَحَدِهِمْ سِوَى التَّلَقُّبِ بِأَلْقَابِ الْمَلِكِ وَالسُّلْطَانِ. حَتَّى وَلَوْ كَانَ عَلَى بُقْعَةٍ لَا تُجَاوِزُ حَظِيرَةَ خِرَافٍ.
مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ
أَسَمَاءُ مُعْتَضِدٍ فِيهَا وَمُعْتَمِدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا
كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَوْلَةَ الْأَسَدِ


وَلَمْ تَسْقُطِ الدَّوْلَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَمَزَّقَ جَسَدُهَا إِلَى أَشْلَاءَ مُتَنَاثِرَةٍ، وَبَعْدَ أَنْ أَغْرَى الصَّلِيبِيُّونَ الْجُدُدُ. بَعْضَ زُعَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالانْفِصَالِ عَنْهَا، وَقَدْ أَحْسَنُوا إِتْقَانَ الْعَمَلِ بِقَاعِدَةِ: "فَرِّقْ تَسُدْ"، يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: "وَهَذَا الْأَصْلُ الْعَظِيمُ: وَهُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ لَا يَتَفَرَّقَ. هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ. وَمِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ. وَمِمَّا عَظُمَ ذَمُّهُ لِمَنْ تَرَكَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِمَّا عَظُمَتْ بِهِ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِن عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ. مِثْلَ قَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ" وَقَوْلِهِ: "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ"...إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللهُ.

وَتَأْكِيدًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكُبْرَى هَيَّأَ الشَّرْعُ الْأَسْبَابَ الَّتِي تُقَوِّي بُنْيَانَ الائْتِلاَفِ، وَتَشُدُّ عَضُدَ الاجْتِمَاعِ؛ فَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الاجْتِمَاعُ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ. وَكَذَا التَّرَاصُّ فِي الصُّفُوفِ وَتَقَارُبِ الْأَجْسَامِ وَالْأَقْدَامِ وَالْمَنَاكِبِ. وَهَذَا الاجْتِمَاعُ الأُسْبُوعِيُّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالاجْتِمَاعُ السَنَوِيٌّ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ.

كَمَا شَرَعَ الزَّكَاةَ الَّتِي تُمَثِّلُ التَّكَافُلَ الاجْتِمَاعِيَّ، وَمَعَانِيَ التَّرَاحُمِ والتَّعَاطُفِ. وَأَمَرَ بِصِيَامِ رَمَضَانَ وَهُوَ الَّذِي يُوَحِّدُ الْأُمَّةَ بِأَعْمَالِهِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ. وَرَغَبَّ فِي الْحَجِّ؛ إِذْ فِيهِ الْتِقَاءٌ سَنَوِيٌّ مِنْ شَتَّى الْبُلْدَانِ، وَكَافَّةَ الأَجْنَاسِ، فَيَلْقَى الْمُسْلِمُ أَخَاهُ مِنْ أَقْصَى الدُّنْيَا وَأَدْنَاهَا، فَيُبَادِرُهُ التَّحِيَّةَ وَيُبَادِلُهُ الشُّعُورَ وَيَعِيشُ مَعَهُ جَلاَلَ الْأُخُوَّةِ وَعَظِيمَ الْمَحَبَّةِ.

وَاعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- أَنَّ التَّعَاوُنَ وَالتَّلاحُمَ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمُجْتَمَعِ، كُلٌّ فِي مَجَالِ عَمَلِهِ وَاخْتِصَاصِهِ، فَالْعُلَمَاءُ وَالدُّعَاةُ وَأئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ لَهُمْ رِسَالَةٌ، يَتَعَاوَنُونَ عَلَى غَرْسِ الْقِيَمِ الإِيمَانِيَّةِ والأَخْلَاقِيَّةِ، وَنَشْرِ مَنْهَجِ الْوَسَطِيَّةِ وَالاعْتِدَالِ، وَبَيَانِ أَحْكَامِ الدِّيْنِ بِيُسْرٍ وَسَمَاحَةٍ. وَالأُدَبَاءُ وَالْمُفَكِّرُونَ وَكُتَّابُ الصُّحُفِ مَطْلُوبٌ مِنْهُمْ كَذَلِكَ.
وَالْأَطِبَّاءُ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى عِلاَجِ الْمَرْضَى، وَتَحْقِيقِ الْأَمْنِ الصِّحِّيِّ لِمُجْتَمَعِهِمْ.

وَجَمِيعُ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ يَتَعَاوَنُونَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْنِ هَذَا الْوَطَنِ وَاسْتِقْرَارِهِ وَصِيَانَةِ مُمْتَلَكَاتِهِ وَمُقَدَّرَاتِهِ، وَنَظَافَةِ بِيئَتِهِ وَشَوَارِعِهِ وَطُرُقِهِ.

وَقِيَامُ الْمُوَظَّفِينَ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَدَاءِ وَاجِبِهِمْ الْوَظِيفِيِّ هُوَ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِحَاجَةٍ إِلَى خَدَمَاتِهِمْ وَخِبَرَاتِهِمْ، كُلٌّ فِي مَجَالِهِ: الْفَلاَّحُ فِي حَقْلِهِ، وَالْعَامِلُ فِي الْمَصْنَعِ، وَالتَّاجِرُ وَالْحِرَفِيُّ وَالشُّرْطِيُّ فِي مَخْفَرِهِ وَهَكَذَا.. فَحَرِيٌّ بِكُلِّ مُخْلِصٍ لِرَبِّهُ، مُتَّبِعٌ لِلسُّنَّةِ، نَاصِحٌ لِلْأُمَّةِ: أَنْ يَسْعَى فِي كُلِّ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يَجْمَعُ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنْ يَجْتَنِبَ كُلَّ طَرِيقٍ يُؤَدِّي إِلَى الشِّقَاقِ وَالْفُرْقَةِ وَالاخْتِلاَفِ... اللَّهُمَّ أَلِّفْ عَلَى الْخَيْرِ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاجْمَعْ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَمْرِنَا.. قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ....

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِهِ الْمُجْتَبَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَعْلاَمِ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ... هَا هِي أَحْدَاثُ سُورِيَّا الْجَرِيحَةِ، قَدْ مَضَى عَلَى آلاَمِهَا أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَعْوَامٍ، والشَّعْبُ الْمُسْلِمُ الْمَظْلُومُ هُنَاكَ يُنَاضِلُ لِأَجْلِ دِينِهِ وَكَرَامَتِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَعِرْضِهِ، لَكِنَّ نِظَامَهُ الْمُجْرِمَ النُّصَيْرِيَّ قَابَلَ مَطَالِبَهُمْ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ، وَرَمَاهُمْ بِأَقْسَى الْأَسْلِحَةِ وَالْعَتَادِ، وَشَرَّدَهُمْ (شَذَرَ مَذَرَ). وَسَارَعَتْ دُوَلُ الرَّافِضَةِ وَأحْزَابُهَا مِنَ الْعِرَاقِ وَلُبْنَانَ وَإِيْرَانَ، تَحْتَ غِطَاءٍ رُوسِيٍّ حَاقِدٍ، إِلَى دَعْمِهِ وَالْوُقُوفِ بِجَانِبِهِ، فِي وَجْهِ الشَّعْبِ الْمُطَالِبِ بِحُقُوقِهِ وَكَرَامَتِهِ. وَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْأُمَّةِ أَلَّا تَقِفَ مُتَفَرِّجَةً، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمُ الْمُسَاعَدَةَ حَسْبَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَإِنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ مُسَاعَدَتِهِمْ بِصَادِقِ دُعَائِهِ، وَتَخْفِيفِ مُصَابِهِمْ بِأَمْوَالِهِ.


وَلَعَلَّ مِنْ صُوَرِ التَّرَابُطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: الْحَمْلَةُ الشَّعْبِيَّةُ لِإِغَاثَةِ إِخْوَانِنَا الْمَنْكُوبِينَ فِي سُورِيَّا، وَهِي حَمْلَةٌ مُوَفَّقَةٌ مُبَارَكَةٌ -أَمَرَ بِهَا وَشَارَكَ فِيهَا خَادِمُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ- دَعَتْ إِلَى جَمْعِ التَّبَرُّعَاتِ لَهُمْ، وَوَضَعَتْ حِسَابَاتٍ لاسْتِقْبَالِ التَّبَرُّعَاتِ. فَبَادِرُوا -أَيُّهَا الْكُرَمَاءُ- إِلَى دَعْمِ إِخْوَانِكُمْ بِكُلِّ مَا تَسْتَطِيعُونَ، وَادْعُوا اللَّهَ لَهُمْ بِأَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمْ هَذَا الْبَلاءَ وَأَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمُ الْغُمَّةَ وَيُفَرِّجَ عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ... صَلُّوا وَسَلِّمُوا.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 86.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 85.22 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.98%)]