تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 174 - عددالزوار : 4243 )           »          الفقير. . والمسكين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          حدث في التاسع والعشرين من المحرم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الإدراك الحسِّي في القرآن الكريم، والسنَّة المُطهَّرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 19 )           »          حوار مع فضيلة الشيخ شعيب الأرناؤوط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          اقرأ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          رجال مثل الذهب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          ماالفرقُ بيْنَ العفوِ والمغفرةِ؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          نظرات جديدة لدراسة القواعد الفقهية (قاعدة اليقين لا يزول بالشك مثالًا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الزواج بين العبودية والجهاد: معان مستفادة من عقد الزواج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 19-08-2020, 05:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,021
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

الآية تقرر فضيلة العلم والعلماء

معاشر المستمعين! في هذه الآية فضيلة العلم والعلماء، لما فاز آدم ونجح في الامتحان، وخاب وخسر الملائكة في امتحانهم وعجزوا، أراد الله تعالى أن يرفع آدم، وأن يرفع شأنه، ومنزلته، ومقامه فوق مستوى الملائكة، فها هو ذا تعالى يأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، إذ المسجود له في الحقيقة هو الآمر المطاع، وآدم ما أمر ولا أطيع، فلا يقال: هذا سجود عبادة، الذي عبد وذل له وأطيع هو الله، إذ هو الذي أمر، وآدم فاز بالتبجيل والتعظيم، إذ وقع هذا السجود وهذه الطاعة له ومنه وإليه، ولا حرج؛ لأن الله أراد ذلك. وهذا نظير صلاتنا إلى مقام إبراهيم وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فنحن بعد الطواف سبعة أشواط نصلي ركعتين لمن؟ لله تعالى، وأين نصليهما؟ خلف مقام إبراهيم. فالمقام فاز بأشرف عبادة تقع عنده ودونه، والصلاة هي لله عز وجل.

كيفية سجود الملائكة لآدم

قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34] السجود خاطبنا الله عز وجل بما نعرف، والسجود في لغة العرب هو أن ينحني المرء وينكسر، وينزل للأرض، ويضع وجهه وجبهته وأنفه على التراب، هذه حقيقة السجود وإن كان معناه الخضوع والذلة، فكل من ذل لرجل وخضع يقال: سجد له، لكن الله خاطبنا بما هو معلوم عندنا، فهنا سجدت الملائكة على الأرض لآدم عليه السلام، فالله هو الآمر، وهو المطاع إذاً هو المعبود والمسجود له، وآدم فاز بالشرف والكرامة العليا؛ لأن الله رفعه بالعلم.والسجود المعروف عندنا هو وضع الجبهة والأنف على الأرض، ولا تصح صلاة من هو قادر على السجود بدون سجود. نعم، المريض يومئ إيماءً إلى الأرض، أما القادر على أن يضع جبهته وأنفه على التراب فلا تصح له صلاة؛ لأن هذا ركن من أركانها، وهذا السجود كان الأولون يسجد العظماء أو الكرماء لبعضهم البعض، والعوام تبع لذلك، والدليل أن يوسف الصديق ابن الصديق عليه السلام لما جلس على أريكة الملك وعرش الدولة، وجمع الله له شمله بأبويه وإخوته خروا له ساجدين، فسجدوا طاعة .. إكباراً .. تعظيماً .. تبجيلاً ليوسف عليه السلام، وذكر هذا الحق تعالى في كتابه: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100].وسجد الناس لبعضهم البعض كما هي التحية المعروفة عند الناس، وهنا أشير إلى فائدة وهي أن التحيات كلها لله، ولهذا لما نجلس بين يدي الله عز وجل نقول: التحيات لله، التحيات: جمع تحية، وهي ما يعظم به الإنسان أخاه، ويجله ويكبره، كلها لله، والسجود من التحيات، ولذا قال أهل العلم: جميع حركات الصلاة تحيات، من رفع اليد، وهذه تحية عسكرية معروفة، لكن بيد واحدة ونحن نحيي ربنا بكلتا يدينا، لا يجوز أن ترفع واحدة فقط مع الله، لابد من يديك الاثنتين.وكذلك الوقوف باعتدال، غير مطأطئ الرأس ولا منكسر، وذلك الاعتدال فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] هذه تحية، وقد يحيي الناس بها الآن بعضهم بعضاً.والركوع معلوم بالضرورة أن الناس يحي بعضهم بعض بالانحناء والركوع، وتلك الجلسة التي يجلسها جلسة تحية، والسجود فوق ذلك.فجميع التحيات التي عرفتها البشرية وحيا بعضها بعضاً بها جمعها الله تعالى لنا في الصلاة، فلهذا الذي لا يصلي كفر الله عز وجل، وما اعترف بجلاله، ولا كماله، ولا بعظمته، ولا بوجوده. وإن عوقب فالعقوبة الإعدام؛ لأنه غير أهل للحياة كفر الله عز وجل، ولم يحيه، ولم يعظمه.إذاً عرفنا أن الصلاة تحية، وقد جمعت كل أنواع التحيات، ولهذا نقول: التحيات لله والصلوات.حاول بعض المؤمنين أن يسجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحد الصحابة كان بديار الشام وجاء إلى المدينة مسلماً، فأراد أن يسجد للرسول صلى الله عليه وسلم، فأبى ولم يسمح له، واعتذر الصاحب بأنه رأى أهل الشام يسجدون للقسس وللبطارقة قال: فأحببت أن أسجد لك كما يسجدون لهم، فقالها صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما له عليها من حق، ولكن لا سجود إلا لله رب العالمين ).فنسخ الإسلام برسوله، ورسالته، وكتابه السجود للمخلوق، فلا يسجد إلا لله، ولا يذل المؤمن، ولا ينتصر أبداً إلا بين يدي الله عز وجل. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34] امتثلوا أمر ربهم على الفور، والملائكة كما درسنا وعرفنا لا يحصي لهم عدداً إلا الله، إذا كانت السماء لا يوجد فيها موضع قدم أو شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم فمن يحصي عدد الملائكة! وإذا كان كل واحد منا موكل به عشرة من الملائكة أو اثني عشر ما بين الحفظة والكرام الكاتبين.والشاهد عندنا (فسجدوا) امتثلوا أمر الله فخروا ساجدين لآدم، وهذا السجود وإن كان لآدم لكن حقيقته للآمر الذي أطيع.

استكبار إبليس عن السجود لآدم

قال تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].من هو إبليس؟إبليس كنيته أبو مرة معروفة، هل كان اسمه هكذا أو عزازئيل؟على كل إبليس كان من العابدين لله عز وجل، الراكعين، الساجدين آلاف السنين، وهو ليس من الملائكة بل هو من الجن، من العالم الثاني، فالملائكة أولاً والجن ثانياً والإنس بعد ذلك عالم ثالث، والحيوان عالم رابع. والمناسبة بين النار والنور معروفة، فلهذا الجن يختلطون بالملائكة، ويفهمون لغتهم، ويسمعون منهم، والدليل أما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الجان يكونون في عنان السماء فيختلطون بالملائكة، فيسمعون الملائكة تتحدث عن أخبار الله التي علمهم إياها، فيسترق أحدهم الكلمة فيأتي بها إلى الآدمي الكاهن فيقرقرها في أذنه، فيضيف إليها تسعاً وتسعين كذبة )، ويقال: فلان يعلم الغيب ويأتونه، ويعطونه المال ليعلمهم الغيب، ونسبة الصدق معه واحد إلى مائة.والشاهد عندنا أن إبليس كان من العباد، ويروى أنه سبحانه أرسله مع جند من الملائكة إلى الجن الذين سكنوا الدنيا وفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فحاربهم إبليس بجيش عظيم من الملائكة، وأجلاهم إلى جزر البحر، ثم لما حصل الامتحان الإلهي والاختبار وقال للملائكة وإبليس قبل أن يبلس: اسجدوا فسجدوا إلا إبليس أبى أن يسجد واستكبر، وكان من الكافرين.وقد جاء هذا مفصلاً في عدة آيات منها ما في سورة الحجر: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:28-33] وخلقتني من نار.فأبدى علة امتناعه عن السجود لآدم وهي: أولاً: الكبر، كيف، وأنا المخلوق من مادة ملتهبة؛ النار أسجد لمن خلق من طين، من صلصال، من حمأ منتن مسنون.ثانياً: منعه -أيضاً- مع الكبر الحسد، فكيف يتفوق هذا المخلوق علينا، ويفضلنا، ونؤمر بالسجود له.فكانت المصيبة مزدوجة، مركبة من الكبر والحسد، وهما شر ما يوجد على الأرض.وداء الأمم كلها الكبر والحسد، فلهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) لأن هذا القدر الخفيف القليل يحجب صاحبه عن النور، ويمنعه من الهداية، ويطغى هذا الكبر عليه، فيتكبر حتى على الله عز وجل، فلا يركع، ولا يسجد.والحسد من نتائجه أن أول دم سفك على سطح الأرض من بني آدم كان نتيجة الحسد وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27] هابيل وقابيل ابنا آدم عليه السلام، كل منهما قدم قرباناً لله عز وجل، فقبل الله أحد القربانين ولم يقبل الآخر، لم؟ لأن الذي قبله كان يريد به وجه الله، وكان خيرة ما يملك من المال الذي تقرب به إلى الله، والآخر -والعياذ بالله- كان أسوأ ماله وأردأه، فلم يقبله الله عز وجل، فلما رأى أخاه تقبل الله منه، وهو لم يتقبل منه عزم على قتله، وقتله بالفعل، فهذه أول قطرة دم على الأرض من بني آدم، وسببها الحسد.(إلا إبليس أبى) بمعنى: رفض، وامتنع، واستكبر، وكان من الكافرين، ومن هنا -معاشر المستمعين- إن بعض الذنوب يكفر بها صاحبها، إبليس ما كفر الله وقال: لا وجود لله ولا سب الله ولا ولا .. كفر بمعصية، فلهذا توجد المعاصي التي يكفر بها صاحبها، فلهذا نحذر ما هو معصية، وسواء قيل فيه فسق أو إثم أو جريمة أو كبيرة أو صغيرة، فهناك ذنوب يكفر بها فاعلها، والعياذ بالله. فهذا إبليس كان من جملة الكافرين لامتناعه عن طاعة الله في السجود لآدم، وحمله على ذلك داء الأمم ألا وهو الكبر والحسد.

تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ...)

يقول تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة:35]. (وقلنا يا آدم) أي: بعد أن خلق الله آدم، وأسجد له الملائكة، وبعد أن خلق حواء من ضلعه الأيسر فكانت إلى جنبه، وأراد الله عز وجل أن يهبطهما إلى الأرض، وهذا متى تم؟ بعد أن خرجا عن طاعة الله وأكلا من الشجرة، وهذه فيما يبدو معصية خفيفة، وإبليس هو الذي غرر بهما وخدعهما وقال: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]. إذاً: هذه الأحداث لم تتم في ساعة أو دقيقة لكن الكلام هذا: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] متى؟ لا يوم سجد الملائكة لآدم، ولا يوم أبلس إبليس، فهذا دهر يعرفه الله عز وجل.ولكن الترتيب للأحداث هكذا: أولاً: خلق الله آدم ثم أسجد له الملائكة ثم بعد ذلك أمره أن يهبط إلى الأرض، وسبب الهبوط إلى الأرض أن الله عز وجل أذن له ولحواء العيش في دار السلام، يأكلان من ثمار الجنة ونعيمها ويسعدان بوجودهم فيها، لكنه نهاهما عن أكل شجرة، وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] أباح لهما كل ما في الجنة إلا هذه الشجرة أراد أن يمتحنهما، وقد كتب قدراً أن ينزلهما إلى الأرض، وتعمر الأرض بذريتهما إلى يوم القيامة ولكن هي الأسباب والسنن.فحرم عليهما الأكل من الشجرة، ما هي هذه الشجرة؟ ما دام لم يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حق لنا أن نقول: التين، ولا أن نقول: الرمان أو التفاح، هي شجرة وكفى.
تفسير قوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ...)

وسوسة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام

بعد أن أبلس إبليس وطرد وخرج من الجنة .. ومعنى إبليس: المبلس، أي: اليائس من رحمة الله، المطرود والمنفي عنه كل خير، فإبليس لما أبلس من جراء آدم وحواء .. ومن جراء آدم بالذات أراد أن ينتقم أيضاً.والحكايات الإسرائيلية تقول: دخل إبليس في صورة حية إلى الجنة، ولا حاجة إلى هذا، فإنه ما من أحد منا إلا وعنده جهاز تلقي وإرسال إلا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله نزع منه ذلك الجهاز حتى لا يستطيع الشيطان أن يتصل به.أما نحن فعندنا رادار، يعمل ليل نهار.فاتصل بهما عن طريق الوسواس، فوسوس لهما الشيطان، ما دخل الجنة ولا يدخلها، ولكن اتصل بهم، والآن يتصل بك الإنسان من أمريكا وأنت في المدينة هو معك في بيتكم، في أسواق المدينة؟ تقول: لا، مستحيل، قل: مستحيل، وهو: آلو آلو، يتكلم معك، ويوسوس لك. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا [البقرة:36] وأسقطهما، وأوقعهما في الزلل، وهو ارتكاب المعصية، بسبب ماذا؟ بالتزيين والتحسين هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] إذا أكلتما من هذه الشجرة لا تموتان، ولا تفنيان بل تخلدان، وكذبهما، وهو لا يملك إلا التزيين فقط، وأعظم سلاح لدى العدو ليوقع الآدمي في معصية الله فيهلك هو التزيين إذ قال: فبعزتك لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40].

انكشاف عورتي آدم وحواء عليهما السلام بعد استجابتهما لوسوسة إبليس

ما كان من آدم إلا أن استمع لنظرية زوجته وقبل كلمتها، وهذا الذي يقع أيضاً للرجال منا، فالذي يستجيب لامرأته ويقبل اقتراحاتها وما تريده فيا ويحه، قد يقع فيما وقع فيه آدم، فحواء عليها السلام هي التي بادرت وأكلت وقالت: ما أصابني شيء فكل أنت، فاستجاب وأكل، وما إن أكلا من الشجرة، وارتكبا المعصية حتى انكشفت عورتهما، وذهب النور الذي كان يكسوهما، ولا يعرف أحدهما فرجاً، لا قبلاً، ولا دبراً، وما إن ارتكبا المعصية حتى زال النور فأسرعا إلى ورق الشجر يستران عوراتهما: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22].فلهذا فطرة الآدمي أنه يستر عورته ولو كان مجوسياً أو كافراً أو لا؟ بالفطرة أن الآدمي يستر عورته.وإن قلت: وجدت أندية العري في أوروبا، فعند الباب تسلخ روحك سلخاً وتدخل عارياً، وهذا مسخ إبليسي وليس بفطري، فإبليس هو الذي مزق حجاب الفطرة، ونفذ إلى القلوب.أما الفطرة الحقيقية فهي كما تعلمون عندما تمشي إلى سكان الغابات تجدهم قد وضعوا على فروجهم ستارة ولو من شجر إلى الآن. فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف:22].

هبوط آدم وحواء إلى الأرض وبدء العداوة بينهما وبين إبليس وأتباعه

قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36] من هم الذين بعضهم عدو لبعض؟ آدم وزوجه طرف، وإبليس الطرف الثاني، وإبليس كان يعيش في الملكوت الأعلى، الآن منع، الآن ساكن في الأرض، اهبط لتؤدي مهمتك وهي إغواء بني آدم وإضلالهم، وهذا الذي التزم به، وهذا كله تدبير العليم الحكيم ليدخل من يشاء في رحمته ويضل الضالين.

الأرض مستقر ومتاع إلى حين

قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] (ولكم في الأرض مستقر) ومن هنا نبهنا أيام شاعت فكرة الصعود إلى القمر، وقلنا: لا يمكن للآدمي أن يعيش على كوكب من الكواكب، وإن عاش يوماً أو أياماً والله لينزلن إلى الأرض، وليموتن بها؛ ليبعث منها، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55].إذاً وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ [البقرة:36] لا في السماء مستقر قرار ومتاع أكل وشرب وحياة إلى حين نهاية آجالكم وأعماركم، ونهاية الحياة بكاملها، ولكم في الأرض -هذه المعهودة- مستقر ومتاع إلى حين، فمن يزعم أنه يستطيع أن يبني قصراً في القمر أو في كوكب آخر ويعيش هو هناك؟ هذا باطل باطل. والحمد لله استرحنا من هذه الكذبة كما استرحنا من الشيوعية التي انتهت؛ لأن الذين كانوا رواداً بالقمر كذبوا لأنهم أخيراً من سنتين قالوا: ما طلعنا، هي أفلام سينمائية في الجبال واستريحوا.

تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ...)

قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37] تلقاها وحياً أوحاها الله إليه، كلمات معدودة؛ ثلاثاً أو أربعاً، فلما قالها تاب الله عز وجل عليه، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] فبسببها تاب عليه.ما هذه الكلمات؟ هذه جاءت من سورة الأعراف، وهو قولهما عليهما السلام: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] فكل مؤمن أو مؤمنة أراد أن يتوب فعليه بهذا الكأس من العسل، يقول رب ظلمت نفسي، معترفاً بفجوره أو بفسقه أو بمعصيته، متألماً منها؛ لأنه أغضب الله عليه، وأسخطه بغشيانه وارتكابه ما حرم عليه، يناديه بهذا الصدق: رب ظلمت نفسي، أي: بفعل كذا وكذا. ولا يذكر جريمته لله؛ لأن الله يعلمها.ربي، ظلمت نفسي، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، أي من جملة الخاسرين وفي عدادهم.

الخسران الحقيقي

ومن هم الخاسرون؟الماديون لا يعرفون من الخسارة إلا المادية؛ صفقة تجارية لا ربح فيها، باخرة تحمل بضاعة غرقت، مزرعة انقطع عنها الماء ماتت، زوجة ماتت، ولد جن، هذه خسائر الدنيا.لكن الخسران الحق بينه الله تبارك وتعالى وهو أن يخسر الإنسان نفسه وأهله، فلا يبقى له أب، ولا أم، ولا ولد، ولا أخ، ولا قبيل، ولا يعرف أحداً، ويعيش في عالم وحده، لا أنيس ولا أنس.بين تعالى هذا في آيتين من كتابه فقط، وهو قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15] نعم، نحن نعد الخسارة أن نضيع ركعة من الصلاة، نعد خسارة أن نفطر في يوم من أيام الصيام، خسارة أن نشتم مؤمناً أو نضربه، نعد المعصية لله عز وجل خسارة، نعم. ولكن غيرنا يعد الخسارة فقد المال أو الإنسان، وقد بين تعالى لنا الخسارة الحقيقية، وهي أن يفقد الإنسان كل ما عنده، ويجد نفسه في عالم شقاء كله، لا أنيس ولا من يؤانسه: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

كيف نتقي الخسران

معاشر المستمعين! كيف نتقي هذا الخسران؟ كيف نجنب أنفسنا منه ونبتعد من ساحته؟إنه بالإيمان وصالح الأعمال .. باتقاء الشرك والمعاصي يجنبك الله هذا الخسران ويبعدك عنه، إيمان صحيح اعرضه على الكتاب والسنة يوافقان عليه، عمل صالح، وهو الذي بينه الله ورسوله، بينه الله في الكتاب والرسول بلسانه وبعمله مع اجتناب الشرك بالله ولو في كلمة واحدة، ولو في إشارة برأسك.علمنا أن أحد الأولين جاءه الشيطان وهو مقيد، يعد للموت لجريمة ارتكبها. قال له: هل أدلك على شيء إذا فعلته نجوت؟ قال: دلني. قال: اخفض رأسك لي، اسجد لي سجدة. فسجد له، فقتلوه، ومات إلى جهنم، ومن أراد أن يقف على هذه ففي التفاسير عندما قال: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ [الحشر:16-17] إبليس وذلك الرجل الفاسق وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [الحشر:17]. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] عرفنا الكلمات أو لا؟ ما هي؟ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، يجب أن نحفظها ونستعملها في كل ذنب نشعر به، وكل خطيئة نرتكبها؛ إذ نجى الله تعالى أبانا آدم وأمنا بهاتين الكلمتين، فكيف ننساهما؟وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,392.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,390.97 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]