|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#21
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (21) بخاري أحمد عبده الآل والأهل والمودة في القربى[1] قلبنا كلمةَ (أهل) على وجوهِها المختلفة، وتتبَّعْنا ما ينبعثُ من الكلمةِ من إشعاعاتٍ متشعِّبةٍ متشابهةِ السَّنى (الضوء)؛ لأنَّها تصدرُ من مشكاةٍ واحدة، واهتدينا في تعاملِنا مع الكلمةِ بآياتٍ كريمة ألقتِ الأضواءَ، وهدتْنا السَّبيل، وعرفنا - يومئذٍ - أنَّ الإسلامَ أحلَّ صالحي المؤمنين منزلةً رفيعةً تتضاءلُ إزاءها منازلُ الأهلِ والأصحاب، والأنسابِ والأصهار، فلأولئك الذِّروة التي وطِّئتْ (بضم الواو وتشديد الطاء المكسورة) للذين أنعمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّين، والصِّديقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وغير أولئك تتحدَّدُ مراتبُهم على قدرِ أعمالِهم وصدقِهم وإخلاصهم. أمَّا الأهليةُ المجرَّدة - وإن قلنا: إنَّها مخصوصةٌ بأقربِ الأقْربين - فقد تُضْفي بريقًا يخلبُ ألبابَ النَّاس، ولكنَّها عند اللهِ لا ترفعُ ولا تخفضُ، بل ربُّما كان الحسيبُ النَّسيب أحوجَ إلى العطف والدُّعاءِ من غيرِه؛ لاحتمال أنْ يتَّكِلَ (بتشديد التاء المفتوحة، وكسر الكاف) وخشيةَ أن يغترَّ بصِلاته العرقية فيقصر، أو يطْغى، أو يعمل لاستغلالِ هذه الصِّلات في أغراضٍ شخصية دنيا، وخوفَ أن ينتشي بالدُّخَان الذي يتصاعَدُ من مجامر المغرِضين والبلهاء، أو يستطيب غلو الغالين، وتراتيلَ المحاسيبِ الزَّائفين من مارقي (جمع مارق وهو الخارج عن الصِّراط) الشِّيعة، وحمقى المتصوِّفة فإن نُدبنا (البناء للمجهول) أنْ نصلِّي عليهم - كما ورد في حديث التَّعليم السَّابق - فذلك لأنَّهم على خطرٍ عظيم يشكِّله كلُّ تلك الاحتمالاتِ التي ذكرناها. لقاح إبليس: والآية ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33] حَرِيَّةٌ بأنْ نعودَ إليها مستمنحين مستنفِحين[2]، فهي عند الصُّوفيةِ دليلُ التمييز، وعند الشِّيعة الرَّافضة حُجَّةُ العِصمة، وأصلُ الإمامية، وقاعدة المذهب[3] الشِّيعي الذي استفحلَ خطبُه وتطايرَ شررُه. والصُّوفية وليدةُ تماسٍّ (بتشديد السين) تَمَّ بين الشَّيطان والرَّافضة، فهما - الشِّيعة والصُّوفية - متكاملان، ومن ثمرات تكاملهما ما نرى من موالدَ ومناسباتٍ، وقِبابٍ وأضرحة، وأغواثٍ وأقطاب وأبدال، وقداسات مفتراة ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان؛ قداساتٌ أُضفيتْ على مقبورين يحجُّ إلى ساحاتِهم - ولا سيما في لياليهم الختامية - ملايين من الأغرار والسُّذَّج، يقدمهم منتفعون مضلِّلون وتشجِّعُهم أقلام، وتباركُ وِفادتهم سلطات ويغمضُ عن غيِّهم شياطينٌ خرس، ويبلغ الخطْبُ أشدَّه حين تُخصَّصُ صفحاتٌ كاملة تروِّج لهذا العته، وتضحكُ - وشرُّ البلية ما يُضحك - وأنت ترى جريدةً سيَّارة تفردُ صفحةً كاملة لأنباء مولد البدوي، وتنشرُ فيما تنشر أنَّ مطربًا شابًّا ظفر بلقبٍ فني خليع فَنَذَرَ - شكرًا لله- أن يسوقَ الهديَ إلى ساحة الكُفْرِ البواح، وأن يغنِّيَ في ليلةِ البدوي الختامية حتَّى الصَّباح، وتأسفُ حين يُنقل إليك عن مسؤولٍ كبير أشرفَ على عمليةِ نقل رُفاتِ عشرة (من الأولياء) الذين ظلُّوا رابضينَ بساحة أبي العبَّاس المرسيِّ دهرًا طويلاً مقدَّسين مؤلَّهين، يُلتمسُ رضاهم، ويُتَّقى سخطُهم، وتُرجى بركتُهم - تأسف حين تسمع عن المسؤول أنَّه كاد يُصعق حين لم يجدْ في الحفائرِ غير أطْرافٍ وجماجم حيوانات، وأنه اضطرَّ أن يستمرَّ في التمثيلية التي أُنيطت به فنقلَ عظامَ الحمير، وجماجمَ الكِلاب، وهياكل البِغال إلى مثواها الجديدِ في احتفالٍ رهيب، رجاءَ ألا تحلَّ لعنتُهم على السَّاحة التي أخليتْ كي تكونَ حرمًا لقبلة البعض، وهكذا أضحى لكلِّ ناحية مشركُوها، ولكلِّ وثنٍ سدنتُه، ولكلِّ مَبَاءَةٍ قبلة وحرم، وكذلك آلتْ قضايا التقديس، والتنزيه والعصمة، ودعاوى البركات والكرامات إلى مهازلَ ومساخِرَ، واستخفافٍ بالعقول، وابتزازٍ باسم الدِّين المظلوم. ونحن حين نعيدُ ونزيد، ونطيلُ الوقوفَ أمام عواصفِ الخبال المشرك، إنَّما نفعلُ ذلك تقديرًا لخطورةِ الأمر، وإظهارًا للحقِّ، وسدًّا للذَّرائع، ورجاء أنْ نحاصرَ الدَّاءَ الوبيل حتَّى لا تستشري العدوى. أهمية استقرار البيت النبوي: وآيتنا ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ… ﴾ وُضِعتْ بين آياتٍ تربطها وِحْدَةُ البيئة القرآنية التي تمتدُّ ما بين قولِ الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28]، وقولِه - سبحانه -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]، والآيات تستهدفُ أول ما تستهدف ضمانَ استقرارِ بيت النبوة، استقرارًا يكفلُ مسيرةً صحية لا تشوبها قلاقلُ، ولا يعكِّرها توترٌ أو قلق؛ ذلك لأنَّ الزوجية هي السَّكنُ وهي السَّكينة، والسَّكينة مهدُ كلِّ صحةٍ نفسية، وأيُّ اهتزازٍ في بيت النبوَّة - وإنْ صغر - حري أن يهدرَ وقتًا ثمينًا من وقتِ النبوَّة، فوق أنَّ أثرَ الاهتزاز - بلا شكٍّ - سيتجاوزُ رسولَ الله ليعمَّ سائرَ المؤمنين، كما كان يوم حديثِ الإفك، ويوم شاع أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طلَّق نساءه[4]. واتقاء هذا الاهتزاز، وحفاظًا على استقرارِ بيت النُّبوة كانت السَّماء تتدارك الأمر، وتتدخل في حسمٍ بليغ: 1- تدخلت السماء يوم حجل الشَّيطان بحديثِ الإفك ينقلُه من فمٍ إلى فم. 2- ويوم تآمر على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بعضُ نسائه وحملنه على أمر كريه، يومئذٍ زجر القرآنُ نساءَ النبي زجرًا عنيفًا: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾ [التحريم: 4، 5]. 3- ويوم ضيَّقْنَ عليه - صلى الله عليه وسلم - الخناقَ يسألنه الزينةَ ويطالبنَه بما ليس عنده - يومئذ كان التخيير بمقتضى قوله - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28]، وكانت التربية القويمة، والتأديب البالغ بهذه الآياتِ التي تشكِّل بيئةً متميزة للآية التي نحن بصددِها ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ… ﴾. آية تكليف: والآية - فيما أرى - تكليفٌ لا تشريف، ولتوضيحِ هذا أقولُ: إنَّ النَّاظر في الآية تستوقفُه كلمةُ: (يريد)، كما تستوقفُه لام التعليل الدَّاخلة على الفعلِ (ليذهب)، والمعنى الذي يتبادرُ إلى الذِّهنِ: أنَّ إذهابَ الرِّجسِ نتيجةٌ ومسبب، وأنَّ (اللام) أداةُ تعليل، وأنَّ ما سبق من توجيهاتٍ ومن حظرٍ، وإغراءٍ وتحذير أسباب نتيجتها ذهاب الرِّجس والتطهير، فكان المعنى: (يا نساء النبي: إنَّ الله إذ يصرفُ أنظارَكنَّ عن زهرةِ الدُّنيا وزينتِها، وإذ يحثكنَّ على أن ترضينَ بما رضي به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من عيشِ الكفافِ مؤْثرات ما عند الله، وإذ يأمركُنَّ بالإحسان، والترفُّعِ والتعفُّفِ والقنوت، وإذ يلزمكنَّ بالتقوى، والفضائلِ، والكمال… إنَّ الله إذ يريدُ لكنَّ كلَّ هذا كي تحقِّقْنَ الطَّهارةَ، وتتخلَّصْنَ من كلِّ الأدران، وتوفِّرْنَ اللياقة التي ترفعكنَّ إلى مستوى بيوتِ النبيِّ العامرة بآياتِ الله والحكمة…)، وبهذا التفسيرِ يتضحُ أنَّ فعل الإرادة - كونية كانت أم شرعية، كما سنبيِّنُ فيما بعد - لا يتسلَّط على إذهابِ الرِّجس، وإنما يعمل في محذوفٍ تقديرُه (ذلك)؛ إشارةً إلى ما ذكرَ من توجيهاتٍ وأوامرَ ونواهٍ، وظنِّي أنَّ هذا التفسير يُجنِّبُنا مخاضاتِ الرَّافضة، ومتاهات الشِّيعة، ويكفينا مؤونةَ التكلُّفِ البيِّن في تقسيمِ (الإرادة) إلى كونية وشرعية. ولقدْ أشار القاسمي في تفسيرِه إلى نحو هذا، حين قال معقبًا على قول الله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33]؛ (أي: ما أمركنَّ، ونهاكنَّ، ووعظكنَّ، إلا خيفةَ مقارفةِ المآثم والحرص على التصونِ عنها بالتقوى، فالجملةُ تعليليةٌ لأمرهنَّ ونهيهنَّ على سبيلِ الاستئناف). مدارج الأهلية: والأهليةُ المذكورةُ في الآية أهليةٌ عملية لا تتحقَّقُ بمجردِ النَّسب، فالتمتعُ بشرفِ الانتماء إلى بيوتِ النبوَّةِ حظُّ الأتقياءِ المحسنين، أمَّا الغاوون المخلدون إلى الأرضِ فبينهم وبين هذا الشَّرفَ بُعْدُ المشرقَيْن ولو كانوا آباءً، أو إخوانًا، أو أبناءً، والقرآن الكريم تأكيدًا لهذا جرَّد ابنَ نوحٍ من هذه الأهلية حين تمرَّد ومَرَقَ: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ [هود: 46]، وإقرارًا لهذا المفهومِ بيَّن القرآنُ الفواصلَ التي ينبغي أنْ تقومَ بين المؤمنين بالله، والمحادِّين لله: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ... ﴾ [المجادلة: 22]، كما أعلن القرآنُ في سورة الأحزابِ الخلال التي تؤهِّلُ المرءَ كي ينعمَ بشرفِ الانتماء إلى ظلالِ النبوة الوارِفة، وكلَّفَ اللهُ - هناك - رسولَه الكريم أنْ يؤكِّد حتميةَ تلك المؤهِّلات لكلِّ من أراد أن ينضوي تحتَ لوائِه، أمَّا من نبا ومال وآثرَ الحياةَ الدُّنيا، فهو مطلق السراح وهو محرومٌ من هذا الشَّرف الرَّفيعِ، فلا عجبَ إذا أُمِرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخيِّرَ أزواجَه بين أنْ يلتزمنَ بهذه القيم ويعشنَ في كنفِه، وبين ألا يلتزمنَ فيُعزلنَ، ويُقْصِين. وفي هذا نزلت آيةُ التخيير، وتوالتْ بعدها آياتٌ تقيِّمُ المدارجَ التي ترفعُك نحو المستوى المرموقِ نحو مستوى يكونُ فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وليَّك، وأولى النَّاس بك؛ ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6]، وهذه المدارجُ ليستْ وَقْفًا على نساءِ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بل هي متاحةٌ، رحبة الآفاق تسعُ الكافَّةَ وتستحثُّ خطا كلِّ المؤمنات والمؤمنين. والإسلام - حين يعالِجُ أو يحاسب - يبتدئُ غالبًا بالرؤوس، وتوجيهه الخطاب في هذه الآيات إلى حلائلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا القبيل: 1- فهنَّ السِّيداتُ الأُولَيَاتُ وهنَّ القدوةُ، والتَّشديدُ عليهنَّ - على هذا النحو - حريٌّ أنْ يثيرَ حماسةَ غيرِهنَّ؛ لأنَّ قربَهنَّ من منزل الوحي وارتباطَهُنَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعفهنَّ، فما بالُ غيرِهنَّ؟ 2- وهنَّ فوق هذا قريباتٌ من مشاكي النبوَّةِ حريَّات أن يعكسنَ ما يتلقينَ، وأنْ يكنَّ أمثلةً تُحتذى. 3- وهنَّ قد يبهرنَ بالأضواءِ، وقد يظنن أنْ مكانهنَّ ربما نفع أو شفع، فإذا أُخذْنَ (بالبناء للمجهول) بهذه الصَّيحة أيقنَّ (بالنون المشددة) وأيقن غيرهن أنَّ العبرةَ في الإسلام بالعمل. 4- والقصور فيهنَّ أقبح من القصور في غيرِهنَّ؛ وذلك لزيادة فرصتهنَّ، ولكمال النِّعمة عليهنَّ، ألا ترى أنَّ حدَّ الحرِّ ضعفُ حدِّ العبد، وأن حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين، وأنَّ الأنبياء - عليهم السلام - عُوتبوا فيما لا يُعاتب فيه غيرهم؟ لهذا، ولغير هذا أوثرنَ بالخطابِ، وخوطبت الأمَّةُ كلُّها من خلالهنَّ، إغراءً بالطَّهارة، وحفزًا للهمم، وحثًّا على التصوُّن، والترفُّع والتقوى. وظنِّي أنَّ كلَّ من جدَّ وأخلص، وعزم فصدقَ وحقَّقَ في نفسه كلَّ هذه الخلال النبيلة الجليلة، وتحلَّى بكلِّ هذه القيم العلوية أصبحَ حقيقًا بالأهلية، أهلاً للانضواء تحتَ فسطاط النُّبوة ولا غروَ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذه الولاية التي تخمل[5] كلَّ الأواصرِ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤكدُها عمليًّا كلما سنحتْ فرصة، جاء في الصَّحيحين أنَّ رسولَ - الله صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلِّي على ميت عليه دَيْنٌ، فلمَّا فتح اللهُ عليه الفتوحَ قال: ((أنا أولى بالمؤمنين مِنْ أنفسِهم، فمن توفَّى وعليه دينٌ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثتِه))، وبعد فيجدرُ بنا أن نعيشَ هُنَيْهَةً في خِضمِّ الآياتِ فوقَ المدارج، وعلى أجنحةِ القيم الأصيلة التي تكفلُ لأصحابِها مستوى الأهلية، ذلك المستوى الذي تتجرَّدُ فيه من الذَّاتيةِ المحضة، وترتفع فوق العواطفِ والأغراض، وتحسُّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحوطُك ويأخذ بحجزك[6]، حتَّى لا تهوى في الهلكاتِ، ترتفعُ إلى حيثُ يكونُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحب الأثير وَفْقَ ما جاء في الصَّحيح: ((والذي نفسي بيدِه لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسِه ومالِه وولدِه، والنَّاسِ أجمعين))، ومصداقَ ما جاء في الصَّحيحِ، مِنْ أنَّ عمرَ - رضي الله عنه - قال: "يا رسولَ الله، والله لأنت أحب إلىَّ من كلِّ شيء إلا نفسي، فقال - صلى الله عليه وسلَّم -: ((لا يا عمرُ، حتَّى أكونَ أحبَّ إليك من نفسِك))، فقال: "يا رسول الله، والله لأنت أحب إلىَّ من كل شيء حتَّى من نفسي"، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الآن يا عمر)). [1] باقيات من نفحات (تبت يدا) ولمسات أخيرة - إن شاء الله - على قضية (الآل والأهل والمودة في القربى). [2] نطلب المنحة وننشد النفحات. [3] تدعي الرَّافضةُ عصمةَ علي - رضي الله عنه - وأنه بهذه العصمة صاحب الحقِّ الأول في إمارة المؤمنين، وأن ما حدث بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سقيفة بني ساعدة ظلمٌ لعلي، وسرقة بينة لحقه. [4] روى الإمام أحمد عن عمر - رضي الله عنه - قال من حديث طويل ما معناه: "كنت أنا وجار لي نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نلتمس خبر الوحي وكنا نسكن في دار أمية بن زيد بالعوالي، قال وكنا نتحدث أنَّ غسان تعد الخيلَ لتغزونا - فنزل صاحبي يومًا، ثم عاد عشاء فضرب بابي فخرجت مفزعًا أقول: - ماذا، أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول، طلق رسول الله نساءه….إلخ". [5] تخفي. [6] أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنما مَثَلي، ومثل أمتي كمثل رجلٍ استوقد نارًا، فجعلت الدَّواب، والفراش يقعنَ فيه، وأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحمون فيه)، والحجز (بضم الحاء، وفتح الجيم) جمع حجزة (بضم الحاء، وإسكان الجيم) والحجزة للسراويل كالمعقد للإزار، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف تفلته، أو سقوطه أخذ بذلك الموضع منه، وهذا مثل لاجتهاد نبينا - صلى الله عليه وسلم - في نجاتنا، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا؛ ا.هـ من القرطبي.
__________________
|
|
#22
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (22) بخاري أحمد عبده ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 51 - 57]، لا زِلْنا نستهدي هذه الآياتِ التي ترسمُ سياسةَ المسلمين الخارجيَّة، وتحدِّدُ شكلَ العَلاقة التي تنتظمُ المسلمَ وغير المسلم، وتضع أصولَ الولايةِ في الإسلام، وترفضُ انحرافَ الولاء باتخاذِ غيرِ المسلمين عضدًا وملاذًا، وبطانةً تتوغَّلُ وتتغلغلُ في المداخلِ والمخارجِ، ثُمَّ تتحكَّم وتذلُّ. والآياتُ إذْ تعالجُ قضيةَ الولاء، تحيطُ بكلِّ المعاني - الحقيقية والمجازية والإيحائية - التي تتفجَّرُ من مادة (و ل ي)، من تحالفٍ وتناصر، وعونٍ ودُنوٍّ، وركونٍ وانفتاح؛ ذلك حتَّى لا تصبح عطاءاتُ كلمةِ (و ل ي) مزالقَ نحو وهداتِ الانكشافِ والانفتاح، والتَّمييعِ المنذرِ بالذَّوبان، والامتزاجِ المهدِّد بتداخل منهجَي الحقِّ والباطل، الأمر الذي يوفِّر فرصَ الاعتلاءِ أمام الأعداء، ويجدرُ أنْ نعرفَ قبلُ أنَّ الموالاةَ غير السَّماحة، وغير البرِّ والإقساطِ، فهذه خِلالُ المسلم، يلتزمُها في كافَّة معاملاتِه بمُقتضى قولِ الله في سورة الممتحنة: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، وبمقتضى قولِه في سورة المائدة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [المائدة: 8]، وتعامُلُ المسلمِ مع النَّاس بهذه الخِلالِ لا يعني الارتفاعَ بها إلى مستوياتِ الولاء والوليجة والبطانة، فالموالاة بمعنى التَّعاضُد والانفتاح، ينبغي أن تكونَ منقطعةً شرعًا بين المسلم وجبهات الكُفر التي تحتالُ باستمرارٍ، فترفع شعاراتِ الصَّداقة والإنسانية، وهم في الواقع متمرِّدون على القِيَم، ناؤون عن الحقِّ، يبتغون دائمًا الفتنةَ، ويخطِّطون بلا توقفٍ لاغتيالِ دينِ المسلمين باغتيالِ دنياهم، واغتيالِ دنياهم باغتيال دينِهم. ولا يخفى أنَّ الارتباط وثيقٌ بين الدِّين والدُّنيا، كلاهما عضدٌ للآخر، وصدق الله: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217]، والآيات بهذا القرار الحاسمِ - قرارِ "اللاموالاة" - تحتِّمُ المفاصَلةَ بين مؤمنٍ مُلتزمٍ وفاسقٍ شطَّ وانسلخ، واحتكم إلى الهوى وأوضاعِ الجاهلية، كما تُنمي في المسلمين مشاعرَ الاعتزاز بالله، والثِّقة بالنَّفس، والانتماء - في اعتداد - إلى جماعة المسلمين، والتعبير تصريحًا وتلميحًا بالقَول والفعلِ والسُّلوك عن هذا الانتماء؛ ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، والقرآن بهذا المنهج يحرص على تربيةِ وعي المسلم، وتعريفِه بحقيقة من حَوْله حتَّى تنكسرَ حواجزُ الهالة الزائفة، التي يحيطُ بها الأعداءُ أنفسَهم مستغلِّين إحساسَ العَرَبِ الأوَّلِين بعُقدة الأميَّة، ومركبِ النَّقْص، وتردي الآخرين في مباءاتِ التخلُّف والخرافة والذُّل، والمسلم في نورِ هذه التربية يوقِنُ أنَّ الانسكاب في الأعداء يفضي إلى ردَّةٍ عاقبتُها حبوطُ الأعمال وسوءُ المآل، ولعلَّ ذلك من أسرارِ التَّعقيب على القضيةِ بالآية الرَّابعة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، فكأنَّ المسلم حين ينسكبُ يقع تحتَ الأقدامِ حيثُ المذلة والمهانة والأوحَال، وحيث يتمكَّنُ الأعداءُ من الانسياب في الأوعيةِ والشُّعَيْرات والأوصال. عود إلى الآيات: وخطورةُ قضيةِ الموالاة تتجلَّى في تصديرِ نصف آياتِنا بنداء الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا... ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا... ﴾، والله بنداءِ الإيمان يستنهضُ همَّتَك، ويستجمعُ شتاتَك، ويذكِّرُك بمصدر عزَّتك، ويوقفك تجاه مسؤولياتك المترتبة على ارتباطِك بالله، وانتمائك لحزبِه، ويثيرُ بهذا النِّداء كامنَ القوى في أعماقِك لتتصدَّى بعزمٍ، وتواجِهَ مشدود الأزرِ كلَّ القوى السُّفلى التي تجدُّ كي تنحرفَ بولائك، وتقصيكَ عن الجادة، وتقذفُ بك إلى سواء الجحيم. والمسلمُ الذي تحدوه معاني الإيمانِ، وتحوطُه هداياتُه يتبين بجلاءٍ بُعدَ ما بينه وبين أولئك، فتنزجر نفسُه ابتداءً عمَّا نُهيتْ عنه، وتنقاد إلى ما نُدِبتْ إليه مطمئنةً راضية. والمقامُ هنا مقامُ فكِّ ارتباطٍ، وقطعِ عَلاقةٍ كانت - قبلَ الإسلام - شهيةَ الجنى، معسولةَ الحلب، ومقامُ نهيٍ عن مصافاة أولئك الأحباب، وإيقاظٍ لدواعي الحذرِ من صخبِ شعاراتِهم البرَّاقة، ومن مظاهر الودِّ الكاذب التي تخفي حقيقةَ مشاعرِهم وأهدافِهم، ونداء الإيمانِ هُنا يجلو معاني المسلم حتَّى يخف ويرتفعَ وينظر من عَلِ، فيخبر الأوضاع ويسبر الأغوار. كذلك كان أهلُ الكتابِ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوددون إليه لقصد افتتانِه عن بعضِ ما أنزل اللهُ إليه مصداقَ قولِ الله: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49]، ذلك مع غايةِ كمال المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فكيفَ حالُهم مع مَنْ هم دون مقامِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودونَ مقامِ الصَّحابةِ والتَّابعين؟ لا شكَّ أنَّ موالاتِهم، والاغترارَ بصيحاتِهم غفلةٌ، وإلقاءٌ بالأيدي إلى التَّهلُكة، إذًا فالموالاةُ لا تستقيمُ إلا بين قلوبٍ تغذوها روافدُ واحدة، ويجمعُها نطاقٌ واحد، المؤمنون والمؤمناتُ بعضُهم أولياء بعضٍ، والذين كفروا بعضُهم أولياء بعضٍ؛ ذلك لأنَّهم يحجلون في وادٍ قصي، بمعانٍ حمراء يؤجِّجُها الشَّيطانُ، وينسِّقُ بين مصادرِها تنسيقًا يؤلِّف به بين أفكارِهم المتنافرة، وقلوبهم المتناكِرة، ونحلهم المتدابرة، ثُمَّ ينفخُ في الحدِّ الأدنى الذي يجمعُ شتاتَهم وهو مقت الإسلام، ينفخُ فيه حتَّى يعظمَ ويطْغَى على كلِّ المشاعر الأخرى، فما أحرى أنْ يوالي بعضُ هؤلاء بعضًا بجامعِ الاتحاد في الكُفْر، والاتفاق على مُضَادة المؤمنين؛ ذلك إيحاء قولِ اللهِ في آياتنا: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [المائدة: 51]، يستقبلونَ بولائهم مرابضَ الشَّيطان، ونستقبِلُ مآذنَ النُّور ومدارجَ الرَّحمن، فكيف الملتقى؟ وانفعالاتُ الولاءِ بين هؤلاء تنبعِثُ من مستنقعِ الكُفر، ومستقى الهوى، ومنطلقِ المقْتِ المجنون للإسلام، ومصافاتهم ارتباطٌ بقواعدِهم، ودنوٌّ من ساحتِهم، وانفكاكٌ عن الصَّف المسلم، وإشراف على شفيرِ جهنَّم، فلا عجبَ إذا شدَّدَ اللهُ النَّكير على الموالِين، وسلخهم من حقيقةِ الإيمان، مذكيًا بذلك روح التَّقوى، محتمًا مفاصلةَ المناوئين المخالفين؛ ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51] يتبع إن شاء الله.
__________________
|
![]() |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |