أُمٌّ صنعت إماماً.. فاطمة بنت عبدالله الأزدية والدة الإمام الشافعي - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الأسرة المسلمة > ملتقى الأخت المسلمة
التعليمـــات التقويم

ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-09-2026, 12:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,635
الدولة : Egypt
افتراضي أُمٌّ صنعت إماماً.. فاطمة بنت عبدالله الأزدية والدة الإمام الشافعي

أُمٌّ صنعت إماماً.. فاطمة بنت عبدالله الأزدية والدة الإمام الشافعي




د. رولا الحيت







من منا لا يعرف الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، كما قال عنه تلميذه المقرب أحمد بن حنبل، وقد عد العلماء الإمام الشافعي مجدِّدَ الدين في القرن الثاني الهجري، وقد كان حجَّة في العلم والأدب.
قدر الله سبحانه أن يكون هذا الإمام الفذ ثمرة من ثمرات أمٍ عظيمة القدر عالية المقام، اسمها فاطمة بنت عبدالله الأزدية، دفعته منذ الصغر في طريق حملة القرآن الذي حفظه وهو ابن سبع سنين ثم أقبلت به على مَعين السُّنَّة النبوية الشريفة لينهل منها، فحفظ «موطَّأ» الإمام مالك وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذنَ له بالفتيا وهو دون العشرين من عمره.
يقول الإمام عن نفسه: كنت يتيمًا في حجر أمي فدفعتني في الكتَّاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلمَ، فكان المعلمُ قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجدَ، فكنت أجالسُ العلماءَ، وكنت أسمعُ الحديثَ أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيسَ قطُّ، فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح آخُذُه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديمة.
قال: ثم قدم والٍ على اليمن، فكلَّمه لي بعضُ القرشيين أن أصحبَه، ولم يكن عند أمِّي ما تعطيني أتحمَّل به، فرهنت دارها بستة عشر دينارًا، فأعطتني فتحملت بها معه، فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فحُمدت فيه، فزادني عملًا فحُمدت فيه، فزادني عملًا، وقدم العُمَّارُ مكةَ في رجب فأثنوا عليَّ، فطار لي بذلك ذكرٌ، فقدمت من اليمن، فلقيت ابن أبي يحيى، فسلَّمت عليه فوبَّخَني، وقال: تجالسونا وتصنعون وتصنعون، فإذا شرع لأحدكم شيءٌ دخل فيه، أو نحو هذا من الكلام، قال: فتركته، ثم لقيت سفيان بن عيينة، فسلَّمت عليه فرحَّب بي، وقال: قد بلغتْنا ولايتُك، فما أحسَنَ ما انتشر عنك، وما أديتَ كلَّ الذي لله عليك، فلا تَعُدْ، قال: فكانت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع بي ابنُ أبي يحيى.
وقد أصرت أم الإمام على تعليمه رغم الفقر والعوز حتى إنها ترهن له دارها حتى يضرب في آفاق الأرض مرتحلًا!
كان باستطاعتها أن تتزوج برجل ذي مال يكفيها وولدها، لكنها خشيت أن يضيع الشافعي فقَصرتْ حياتَها عليه ولم تتزوج، ووضعت لتربيته خطة واثقة تقوم على النبل والأدب حتى فتح الله له قلوب العباد.
رجاحة العقل وقوة الشخصية

هذه المرأة الصالحة والصبورة التي تنتمي إلى قبيلة الأزد القحطانية اليمنية الشهيرة، كانت معروفة برجاحة العقل وقوة الشخصية والذكاء الفذ، ومن القصص التي تروى عنها وتثبت هذه الخصال أنها شهدت مع امرأة أخرى أمام قاضي مكة، فأراد القاضي أن يفرق بينهما ليسألهما منفردتين، فاعترضت عليه قائلة: ليس لك ذلك، لأن الله تعالى يقول في كتابه: (أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة: 282)، فاستجاب لها القاضي لرجاحة عقلها.
هذا الحضور الذهني والاستدلال الأصولي أبهر القاضي وجعله يتراجع عن قراره؛ ما يعكس شخصية امرأة قوية تحاور أعلى سلطة قضائية في بلدها بالمنطق والعلم.
هذه السيدة العظيمة التي تنتسب إلى قبيلة الأزد اليمنية -هذه القبيلة التي عرف أهلها بالفصاحة والذكاء والأنفة- تزوجت من إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وهو رجل قرشي ينتهي نسبه إلى المطلب بن عبد مناف، وهو أخ هاشم بن عبد مناف؛ ما يعني أن وليدها الشافعي يلتقي نسبه مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
انتقلت هذه الزوجة مع زوجها إلى أرض فلسطين، تحديداً في غزة أو عسقلان، بداعي طلب الرزق، وهناك وضعت وليدها الشافعي عام 150هـ، لكن فرحة الاستقرار لم تدم طويلاً؛ إذ توفي زوجها وتركها وحيدة في بلاد الغربة مع طفل رضيع، بلا مال ولا سند عشائري يحميها.
قرار مصيري في حياة الشافعي

وهنا تجلى قرارها المصيري الأول، قررت أن تحمل طفلها وهو ابن سنتين أو نحو ذلك وأن تقطع الفيافي والقفار في رحلة شاقة وخطيرة من الشام إلى مكة المكرمة، تحمل بين جنبيها البصيرة المستقبلية لهذا الطفل، وتتجلى في قولها: أخاف عليه أن يضيع نسبه فألحق بقرابته.
لم تستسلم لواقع العوز، ولم تبق للعيش على الصدقات، بل تحدت الصعاب حتى استقرت في مكة، التي عاشت فيها كذلك في فقر مدقع، حتى إن الشافعي في طفولته لم يكن يملك ثمن الورق ليكتب عليه دروسه، فكان يذهب إلى ديوان الحكم ويأخذ الأوراق المستعملة ليكتب على ظهورها، أو يكتب على الخزف.
فاطمة الأزدية التي أرادت بانتقالها إلى مكة المكرمة أن تحافظ على نسب وليدها، لم تكن أماً عادية، بل كانت ترى في وليدها العالم المسلم، وكانت صاحبة فقه وإطلاع.
وانتقلت مع ابنها الشافعي إلى المدينة المنورة للاستزادة من العلم بملازمة الإمام مالك بن أنس، ثم الرحلة إلى اليمن، وكانت في كل هذه الرحلات العلمية تواجه معضلة المال الشديدة، ويذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق، أنها لم تتردد في رهن بيتها الوحيد في مكة بمبلغ 16 ديناراً لتجهيز ولدها الشافعي وتأمين نفقته في السفر وتلقي العلم.
لقد خاطرت بأمانها السكني الشخصي في سبيل الاستثمار في عقل ولدها، إن هذه المرأة العظيمة لا بد من الاستفادة من سيرتها، وللمرأة المعاصرة أن تتخذ منها قدوة ونموذجاً في حياتها وفي تربيتها لأولادها.
5 دروس مستفادة من أم الشافعي

أولاً: صناعة الهوية والوعي الإستراتيجي بالبيئة في عصر العولمة والانفتاح الرقمي؛ لأن الأمهات تواجه تحدياً هائلاً في الحفاظ على هوية الأبناء سواء الدينية أو الثقافية.
إن السيدة فاطمة عندما خافت على طفلها أن يضيع نسبه وثقافته بادرت بالهجرة إلى مكة (الحاضنة الثقافية واللغوية والدينية في ذلك الوقت).
كما أن المرأة اليوم لا بد أن تمتلك الوعي البيئي فتعرف أين يتربى أبناؤها وما المنصات الرقمية التي يرتادونها، والمدارس التي يدرسون بها.
اختيار البيئة الصالحة للأبناء نصف معركة التربية، والمرأة الواعية هي من تقود هذا الاختيار ولا تتركه للصدف.
ثانياً: الاستثمار في الأبناء أفضل استثمار، فقد رهنت فاطمة بيتها لتعليم ولدها، وهذا يمثل أعلى درجات التضحية الاستثمارية.
لقد أعادت إلينا ترتيب الأولويات، في كيفية الاتجاه إلى التطوير والاستثمار الحق، فالاستثمار الحقيقي في عقول الأبناء وتطوير مهاراتهم وبناء وعيهم وثقافتهم.
المرأة الآن مطالبة بقيادة ميزانية الأسرة نحو بناء الذات وتطوير المهارات لأفراد أسرتها، حتى لو تطلب ذلك التنازل عن بعض الرفاهية المادية المؤقتة.
ثالثاً: الصلابة قدرة التحمل وتحويل الأزمات إلى قصص نجاح، فلقد عاشت فاطمة تجربة صعبة، لم تندب حظها ولم تعش دور الضحية، تولت المسؤولية كاملة، جسدياً ونفسياً ومادياً، وخرجت للعالم بأحد أعظم العقول الفقهية في تاريخ البشرية.
المرأة اليوم تتعرض لضغوط حياتية هائلة (طلاق، ترمل، صعوبات اقتصادية، موازنة بين العمل والبيت)، وسيرة السيدة فاطمة تمنح المرأة طاقة من الصلابة النفسية، فالأزمات ليست نهاية الطريق، بل يمكن أن تكون نقطة الانطلاق لصناعة عظماء، والنجاح لا يحتاج بالضرورة إلى وفرة مالية، بل إلى إرادة صلبة وتوكل صادق.
رابعاً: يجب على المرأة اليوم ألا تكتفي بالتعليم السطحي، بل لا بد من امتلاك أدوات المعرفة العميقة في تخصصها، هذا التمكين المعرفي هو الذي يمنحها الثقة لتبدي رأيها بقوة وتدافع عن حقوقها وحقوق أسرتها بالمنطق والحجة، تماماً كما فعلت فاطمة الأزدية حين غيرت قرار القاضي بآية قرآنية واحدة استحضرتها في مكانها المناسب.
خامساً: المرأة موجه إستراتيجي وليست مجرد مقدم رعاية، فهناك فرق بين الرعاية من إطعام وكسوة وتنظيف، والتربية والتوجيه، فاطمة الأزدية لم تكتف بإطعام ولدها، بل كانت تتابع نبوغه وتدفعه لحفظ القرآن الكريم وكتاب «الموطأ»، كانت تحثه على السفر، وتختار له الشيوخ.
إذن، المرأة اليوم بحاجة لتكون الموجه والقائد الذي يكتشف المواهب المبكرة، ويضع الخطط ويعلم كيفية تجاوز العقبات، وأن تزرع الطموح العالي ليكون الأبناء نافعين لأمتهم ومجتمعاتهم.

حياة فاطمة بنت عبدالله الأزدية؛ الأم التي صنعت إماماً، تختصر فلسفة كاملة في بناء الإنسان؛ حيث يلتقي عمق الفقه بصلابة الإرادة وحسن التخطيط للمستقبل.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 49.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.79 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.38%)]