الاستقامة: ماهيتها وحقيقتها وثبات الأنبياء والصالحين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         روتين إنقاذ البشرة بعد التعرض الطويل لأشعة الشمس.. لاستعادة نضارتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          طريقة عمل حلوى الكرواسون المحشية بالكريمة والفواكه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          العناد الزوجى بيكبر الخلافات.. 7 طرق للتعامل معه بحكمة وذكاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح منطقة حول الأنف.. خطواتها سهلة التطبيق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          هل أنت العدو الأول لنفسك؟ 9 علامات تحذيرية تكشف تراجع تقديرك لذاتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          طريقة عمل 5 وصفات سهلة ولذيذة يمكنك تحضيرها فى القلاية الهوائية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          طريقة عمل حلوى المانجو الباردة بدون فرن فى 15 دقيقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          طريقة عمل مكرونة الفيتا والطماطم الكريمية.. وصفة سريعة للغداء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          انسى جلسات الفيلر.. وصفة القرفة والنعناع لشفاه جذابة وممتلئة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          طريقة عمل الصلصة البيتى لجميع الأكلات وحيل بسيطة للحفاظ على نكهتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-09-2026, 02:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,588
الدولة : Egypt
افتراضي الاستقامة: ماهيتها وحقيقتها وثبات الأنبياء والصالحين

الِاسْتِقَامَةِ ماهيتها وحقيقتها وَثَبَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ

د. أحمد بن حمد البوعلي


الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالِاسْتِقَامَةِ، وَوَعَدَ أَهْلَهَا بِالْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُثَبِّتُ الْقُلُوبَ عَلَى الْحَقِّ، وَتُورِثُ صَاحِبَهَا الْأَمْنَ يَوْمَ الْفَزَعِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُسْتَقِيمِينَ، وَقُدْوَةُ السَّالِكِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِهِ: الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِهِ، وَالثَّبَاتُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَهِيَ طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَعُنْوَانُ الصِّدْقِ، وَسَبِيلُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هُود: 112].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الْأَحْقَافِ: 13].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الِاسْتِقَامَةَ لَيْسَتْ شِعَارًا يُرْفَعُ، وَلَا كَلِمَةً تُقَالُ، وَإِنَّمَا هِيَ لُزُومُ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالثَّبَاتُ عَلَى طَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابُ مَعْصِيَتِهِ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، حَتَّى يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. فَمَنْ اسْتَقَامَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، اسْتَقَامَتْ حَيَاتُهُ، وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ، وَأُكْرِمَ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ كَلِمَةَ الِاسْتِقَامَةِ تَجْمَعُ بَيْنَ ثَنَايَا حُرُوفِهَا خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَفْظٍ يُقَالُ، بَلْ هِيَ الْمِيزَانُ الْأَسْمَى الَّذِي يَخْتَصِرُ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَيَخْتَزِلُ فِي دَاخِلِهِ كُلَّ مَا نَهَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْهُ، وَحَذَّرَ مِنْهُ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِاجْتِنَابِهِ.

فَالِاسْتِقَامَةُ -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا دَعَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْهِ، وَكُلِّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ[1].


وَحَقِيقَتُهَا: أَنْ يَلْزَمَ الْمُسْلِمُ طَاعَةَ رَبِّهِ بِيَقِينٍ ثَابِتٍ؛ بِحَيْثُ لَا يَجِدُهُ حَيْثُ نَهَاهُ، وَلَا يَفْقِدُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ، فَهَذِهِ هِيَ مِفْتَاحُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا، مَنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ حَازَ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ، لِأَجْلِ ذَلِكَ لَمَّا جَاءَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسْأَلُ الْهُدَى، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ»[2].


عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَقْوَى النَّاسِ ثَبَاتًا عَلَى الْحَقِّ، وَأَعْظَمَهُمُ اعْتِمَادًا عَلَى اللهِ، هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ بَلْ إِنَّ كُلَّ مَوَاقِفِ الرُّسُلِ هِيَ مَلَاحِمُ ثَبَاتٍ وَاسْتِقَامَةٍ تَعْجِزُ الْأَقْلَامُ عَنْ حَصْرِهَا، وَلَكِنَّنَا نَقِفُ الْيَوْمَ مُعْتَبِرِينَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ الشَّامِخَةِ:
[مِنْ مَوَاقِفِ ثَبَاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم].

تَجَلَّتِ اسْتِقَامَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَثَبَاتُهُ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
1. مَوْقِفُهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: حِينَمَا جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مُتَأَثِّرًا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الضَّيْمُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: «بَلَى»، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟! أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟! فَجَاءَ الرَّدُّ النَّبَوِيُّ رَاسِخًا كَالْجِبَالِ لَا تُزَعْزِعُهُ الْعَوَاطِفُ: «يَا بْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا»[3].

2. مَوْقِفُهُ فِي الْغَارِ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَدَّثَهُمْ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا! فَقَالَ لَهُ بِيَقِينِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَعْلَمُ مَنْ مَعَهُ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟»[4].

انْظُرُوا إِلَى مَوْقِفِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَعَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، حِينَمَا أَصْبَحَ الْبَحْرُ أَمَامَهُمْ وَالْعَدُوُّ خَلْفَهُمْ، حِينَئِذٍ اِهْتَزَّتِ النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ وَقَالُوا بِيَأْسٍ: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾، لَكِنَّ مُوسَى الَّذِي تَغَلْغَلَتِ الِاسْتِقَامَةُ فِي جَوَانِحِهِ صَرَخَ فِيهِمْ زَاجِرًا وَرَادِعًا: ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾[5].

قَالَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «أَيْ سَيَهْدِينِ لِطَرِيقٍ أَنْجُو فِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ»[6].

وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: «زَجَرَهُمْ وَرَدَعَهُمْ بِحَرْفِ الرَّدْعِ وَهُوَ كَلَّا، وَالْمَعْنَى: لَنْ يُدْرِكُوكُمْ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَكُمْ بِالنَّصْرِ وَالْخَلَاصِ مِنْهُمْ»[7].

[مَوْقِفُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ].

1. عِنْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ: حِينَمَا جَمَعُوا لَهُ الْحَطَبَ وَأَشْعَلُوا اللَّهِيبَ، لَمْ يَتَلَفَّتْ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، بَلْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»[8].

2. مُحَاجَّتُهُ لِلنَّمْرُوذِ: حِينَمَا وَقَفَ بِكُلِّ شُمُوخٍ أَمَامَ مَلِكِ زَمَانِهِ النَّمْرُوذِ بْنِ كَنْعَانَ؛ كَمَا صَوَّرَهُ الْقُرْآنُ: ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾[9].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اِعْلَمُوا أَنَّ مَدَارِسَ الثَّبَاتِ فِي التَّارِيخِ لَا تَنْتَهِي، فَهَا هُوَ نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (ذُو النُّونِ)، يَظَلُّ ثَابِتًا عَلَى ثِقَتِهِ بِرَبِّهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، فَيُنَادِي بِإِخْلَاصٍ: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾؛ فَكَانَتِ النَّجَاةُ[10]. وَقَدْ قَالَ لَنَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ... فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ»[11].

وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُفْجَعُ بِفَقْدِ فِلْذَةِ كَبِدِهِ يُوسُفَ، ثُمَّ يَأْتِيهِ أَبْنَاؤُهُ بِدَمٍ كَذِبٍ، فَلَا تَتَزَعْزَعُ اسْتِقَامَتُهُ وَلَا يَقِلُّ إِيمَانُهُ، بَلْ يَقُولُ بِرِضًا جَمِيلٍ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾[12].

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ التَّارِيخَ الْإِسْلَامِيَّ زَاخِرٌ أَيْضًا بِقَصَصِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ تَجَسَّدَتِ الِاسْتِقَامَةُ فِي نُفُوسِهِمْ؛ فَمَنْ حَازَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ لَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِهِ شَيْءٌ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ اللهِ. وَلَعَلَّ قِصَّةَ سَيِّدِنَا بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هِيَ خَيْرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ[13].

فَعِنْدَمَا عَلِمَ سَيِّدُهُ بِإِسْلَامِهِ، أَخَذَهُ إِلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ وَصَحْرَائِهَا الْقَاحِلَةِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَفِي سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ، فَوَضَعَ عَلَى صَدْرِهِ الْعَارِي صَخْرَةً سَوْدَاءَ كَبِيرَةً، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَسُبَّ رَبَّهُ وَيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ. لَكِنَّ قَلْبَهُ الَّذِي ذَاقَ وَعَرَفَ مَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَلَّى عَنْهَا؛ فَصَرَخَ بِكُلِّ ثَبَاتٍ قَائِلًا: «أَحَدٌ.. أَحَدٌ»، وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: لَا أَطْلُبُ الْفَرَجَ إِلَّا مِنْكَ وَحْدَكَ! وَمَا زَالُوا يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى جَاءَهُ الْفَرَجُ مِنَ اللهِ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَابْتَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى[14].

إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ كَبِيرٍ، وَإِلَى وَسَائِلَ عَمَلِيَّةٍ تُعِينُ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا:
أَوَّلًا: الْحِرْصُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَدَبُّرِهِ: لِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النُّورُ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْقَلْبُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾[15].

ثَانِيًا: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ: فَإِنَّ الطَّاعَةَ تَجُرُّ الطَّاعَةَ، وَاللهُ يُثَبِّتُ أَهْلَهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾[16].

ثَالِثًا: أَخْذُ الْعِبْرَةِ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ: فَقَدْ أَوْرَدَهَا اللهُ لِتَرْبِطَ عَلَى الْقُلُوبِ حِينَ تَعْصِفُ الْمُشْكِلَاتُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾[17].

رَابِعًا: الْإِكْثَارُ مِنْ سُؤَالِ اللهِ الثَّبَاتَ: فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»[18].

خَامِسًا: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: لِاسْتِشْعَارِ مَعِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[19].

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى شَرْعِهِ تَنَالُوا كَرَامَتَهُ.

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ...

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَارْزُقْنَا اسْتِقَامَةً لَا نَزِيغُ بَعْدَهَا أَبَدًا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، فَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ.

[1] انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، شرح حديث الاستقامة.

[2] أخرجه مسلم رقم (38).

[3] أخرجه البخاري، رقم (2731).

[4] أخرجه البخاري رقم (3653) ورقم (2381).

[5] سورة الشعراء، الآيتان: 61 - 62.

[6] جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري، تفسير سورة الشعراء.

[7] البحر المحيط في التفسيرلأبي حيان الأندلسي، تفسير سورة الشعراء.

[8] أخرجه البخاري رقم (4563).

[9] سورة البقرة، الآية: 258.

[10] سورة الأنبياء، الآيتان: 87 - 88.

[11] أخرجه الترمذي رقم (3505)، وصححه الألباني.

[12] سورة يوسف، الآية: 18.

[13] انظر: سير أعلام النبلاء، ترجمة بلال بن رباح رضي الله عنه.

[14] انظر: تهذيب مدارج السالكين لابن القيم، باب منزلة الاستقامة.

[15] سورة الإسراء، الآية: 9.

[16] سورة إبراهيم، الآية: 27.

[17] سورة هود، الآية: 120.

[18] أخرجه الترمذي رقم (2140)، وصححه الألباني.

[19] سورة الأنفال، الآية: 45.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 59.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.32 كيلو بايت... تم توفير 1.64 كيلو بايت...بمعدل (2.73%)]