|
|||||||
| ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#81
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (85) " وزراء الإعلام في حكومة محمد بن عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (شعراء الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-) " هؤلاء النفر أشدُّ على قريشٍ من نضحِ النبل" (رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) الإسلام هو دين الإعلام بامتياز! فقلما تجد دينًا في الدنيا يحظى بهذه التغطية الإعلامية الكبيرة التي يحظى بها الإسلام، بل إن الإسلام والإعلام مرتبطان ببعضهما البعض منذ فجر الرسالة، فالحرب الحقيقية التي خاضها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بداية الدعوة هي الحرب الإعلامية، هذه الحرب هي أصعب ألف مرة من الحرب التقليدية، فهي حربٌ مفتوحة دائمًا من الطرف المعادي للإسلام، يستخدم فيها العدو أشرس أنواع الأسلحة الإعلامية في بعض الأحيان، وفي أكثر الأحيان يستخدم أقذرها! لذلك انتبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بحكمته المعهودة لهذه الحرب، فأسس وحدة من المجاهدين الأبطال، مهمة هذه الوحدة كانت تفوق باقي المهمات العسكرية بالأهمية في كثيرٍ من الأحيان، هذه الوحدة هي وحدة الإعلام الإسلامي، شكَّلها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الشعراء بالتحديد، وسبب اختيار الشعراء بالذات يكمن في أن الشعر كان هو وسيلة الإعلام الوحيدة بين العرب، وليس عندي من الشك أدناه، بأنه لو كانت هناك صحفٌ في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لجنّد لها بعض الصحافيين الإسلاميين! فقوة الكلمة في الإسلام لا تقل عن قوة السيف أبدًا، بل إنها كما وصفها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشد على الكفار من نضح الإبل! وما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية إلا بكلمات خرجت من فم محمد بن عبد اللَّه، وما حكمنا العالم من أقصاه إلى أقصاه إلى بكلمات من أفواه الدعاة، وما تخلفت هذه الأمة إلّا بعد إهمال المسلمين للإعلام والإعلاميين، فصارت أمنية الوالد المسلم أن يجعل من ولده طبيبًا أو مهندسًا، أم الإعلامي فهي مهنة ابتعد عنها المسلمون، مع العلم أن الإعلام الإسلامي يعتبر فرضًا من الفروض! فالإعلام هو الكلمة المرادفة للدعوة، ودعوة البشر للإسلام وتوضيح صورة الإسلام لغير المسلمين هو فرض على المسلمين، فأقوى سلاح يملكه المسلم هو الكلمة، فبالكلمة أسلم عمر بن الخطاب الذي كان يريد قتل الرسول، وبالكلمة تحول خالد بن الوليد من أشد أعداء الإسلام إلى أعظم فاتحٍ في تاريخه، وبالكلمة ناظر موسى فرعون أشرس جبارٍ في الأرض، وبالكلمة دعا إبراهيم أباه، وبالكلمة كان عيسى، وبالكلمة طار هُدهُد سليمان إلى بلقيس، وبالكلمة دعا يونس ربه في بطن الحوت، وبالكلمة نادى زكريا ربه نداء خفيًا، وبالكلمة -لا بالسلاح- دعا نوح قومه ٩٥٠ سنة! وبالكلمة ملكنا قلوب الشرق والغرب، وبالكلمة بنينا حضارتنا العظيمة، وبالكلمة كتبنا أعظم كتب الدنيا، وبالكلمة دافع إعلاميو الرسول عن الإسلام! فلقد كون أعظم قائدٍ سياسيٍ في تاريخ الإنسانية -رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وزارة للإعلام الإسلامي المجاهد، مهمتها الدفاع عن سمعة الإسلام والمسلمين، فرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن كقادة بعض الجماعات الإسلامية الذين لا يحركون ساكنًا لشرف الصحابة وأمهات المؤمنين، بل كان رسول اللَّه غيورًا على شرف أصحابه ونسائه، فشكل على الفور مجموعة من خيرة شعراء الإسلام على رأسهم الأسماء العملاقة التالية: (حسان بن ثابت - عبد اللَّه بن أبي رواحة - كعب بن مالك - كعب بن زهير بن أبي سلمى) هؤلاء الإعلاميون الإسلاميون قاموا بالدفاع عن الإسلام والمسلمين خير دفاع بكلامهم وشعرهم، فالشعر في الإسلام ليس حرامًا، ولكن الإسلام حدد الاتجاهات الشعرية التي يجوز فيها للمسلم أن ينظم الشعر، وهو يتلخص بقول اللَّه عز وجل في سورة الشعراء: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)}، وهذه الآيات لا تنطبق فقط على الشعراء، بل تنطبق جميع الكتّاب والمؤلفين بل وعلى جميع الإعلاميين بشكلٍ عام، فنصرة الإسلام تعتبر شرطًا أساسيًا في شرعية العمل الإعلامي، فليسأل كل أديبٍ وكل شاعرٍ وكل مذيعٍ نفسه سؤالًا، هل العمل الذي أقوم به فيه نصرة للإسلام أم لا؟ فإذا كان كذلك فبها ونِعم، وإلا فإنه يعرض نفسه للخطر! فلقد جاء الوقت للأمة الإسلامية أن تنهض إعلاميًا، وأن تهتم بكليات الإعلام، ففي هذا الوقت بالتحديد، يستخدم أعداء الإسلام الإعلام بشكلٍ بشعٍ للغاية لتشويه صورة الإسلام ورسوله، ونحن ما زلنا في سباتنا العميق، فدونكم رسول اللَّه!. . . . احموه بالإعلام! فأين أنتم يا إعلامي الإسلام، أين أنتم يا كتّاب المسلمين، فشرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة إلى من يدافع عليه، فهل من مدافع؟! وكما كان الشاعر الإسلامي أديبًا عظيمًا ينسج من الكلمات ما يزلزل به كيان المشركين، فقد كان الشاعر أيضًا مجاهدًا عسكريًا عظيمًا، يحمل السلاح وقت الحاجة للدفاع بروحه عن دين اللَّه، فلقد برز من بين شعراء الرسول قائدٌ عسكريٌ بطلٌ حمل راية الإسلام عاليًا، فسقاها بدمائه تضحية، كما سقاها قبل ذلك بمداده شعرًا، فكان هذا الشاعر الإسلامي البطل أحد ثلاثة قوّادٍ إسلاميين، قدّموا حياتهم وهم يحملون نفس الراية، فكانوا وبحق أعظم ثلاثة قِوادٍ في تاريخ الجنس البشري يسقطون دفعة واحدة: فأوَّلهم كان أحد العشرة المبشرين بالجنّة! وثانيهم كان "الطيّار"! وثالثهم كان شاعر رسول اللَّه شخصيًا! يتبع. . . . .
__________________
|
|
#82
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (86) "حتى يقولوا إذا مرّوا على جَدثي ... أرشده اللَّه من غازٍ وقد رشدا! " (الفرسان الثلاثة) " أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفرٌ فأصيب، ثم أخذها ابنُ رواحة فأصيب" (رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) في عام ١٨٤٤ م ألّف كاتب فرنسي اسمه (أليكساندر دوما) رواية من محض خياله أسماها رواية "الفرسان الثلاثة" " Les Mousquetaires"، هذه الرواية الخيالية تسرد قصة ثلاثة حراسٍ ملكيين - (آثيوس) و (بوثوس) و (أراميس) - هؤلاء الثلاثة كانوا مدمني خمور يعملون خدمًا للملك الفرنسي (لويس الثالث عشر)، المهم أن الفرنسيين نشروا هذه القصة الخيالية في أرجاء الدنيا فجعلوا من ثلاثة فرنسيين مدمنين للكحول فرسانًا أسطوريين، تضرب بهم الأمثلة في البطولة والشرف، على الرغم من كونهم ثلاث شخصياتٍ خيالية لم تقدم شيئا فيه بطولة حتى في أحداث الرواية نفسها! قبل ذلك بنحوه ١٢٠٠ عام، خرج من صحراء العرب ثلاثة فرسانٍ حقيقيين، اتجهوا شمالًا نحو بلاد الشام على رأس سرية صغيرة مكونة من ٣ آلاف مجاهد إسلامي، لتقابلهم جحافل الإمبراطورية الرومانية العظمى بكامل جيشها الإمبراطوري الضخم المكون من ٢٠٠ ألف مقاتل! هدفهم إفناء تلك السرية! لتنتصر هذه السرية الصغيرة على قوات إمبراطورية بيزنطة انتصارًا لم تشهد الأرض مثله من قبل، ولكن ذلك الانتصار الأسطوري جاء بعد أن ضحى الفرسان الثلاثة بأرواحهم في ميدان المعركة، لا في سبيل ملك من ملوك الأرض، بل في سبيل ملك ملوك الأرض والسماء، هؤلاء الفرسان الثلاثة هم على الترتيب: (زيد بن حارثة) - (جعفر بن أبي طالب) - (عبد اللَّه ابن أبي رواحة)! لا ألوم الفرنسيين على اختلاقهم لأبطالٍ وهميين لينشروا قصصَهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولكنني ألوم المسلمين الذين ضيَّعوا قصص أبطالهم الحقيقيين! ففي الوقت الذي نرى فيه فرنسا تدرِّس قصة الفرسان الثلاثة في مدارسها، وتصنع لأطفالها رسومًا متحركة تروي مغامراتهم الوهمية، نجد أن أطفال المسلمين -بل وشيوخهم- لا يعرفون شيئًا عن قصة الفرسان الثلاثة الحقيقيين! هذه المأساة جعلت أطفالنا يحلمون أن يصبحوا مثل "سبايدر مان" و"سوبر مان"، أما القعقاع الذي فقأ عين الفيل الأبيض في القادسية فلا يعرفه أحدٌ منهم! فهل آن الأوان لهذه المناهج العفنة أن تتغير؟! أما آن الأوان لكي نقف وقفة صدق مع أنفسنا لنعيد أسلوب كتابة التاريخ الإسلامي بشكل شيقٍ وممتعٍ يتقبله أطفالنا؟ (الفارس الأول) زيد بن حارثة: كان يُدعى بزيد بن محمد! فهو ابن رسول اللَّه بالتبني قبل أن يَلغي الإسلام نظام التبني، وهو حِبُّ رسول اللَّه، وهو الذي اختار محمدًا على أبيه، وهو من أول البشر الذين آمنوا بدعوة الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو القائد العسكري الأول للسرايا النبوية المجاهدة، وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا}! (الفارس الثاني) جعفر بن أبي طالب: عُرف بـ "جعفر الطيار"، ابن عم الرسول، وأخو علي بن أبي طالب، وأمير المسلمين بالحبشة، وهو الرجل الذي وقف أمام النجاشي يتحدث عن الإسلام! (الفارس الثالث) عبد اللَّه بن أبي رواحة: شاعر الرسول، وأحد نقباء الأنصار الاثني عشر، قال عنه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رحم اللَّه عبد اللَّه بن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة"! وقصة مؤتة تبدأ برسالة سلام ودية بعثها رسول السلام إلى ملك "بُصرى" بيد أسدٍ من أسود قبيلة "الأزد" هو الصحابي البطل (الحارث بن عمير الأزدي)، فقام ملك الغساسنة النصراني (شرحبيل بن عمرو) بقتل رسول رسول اللَّه، فاشتدّ ذلك على رسول الئْه، فأمر بتجهيز جيش من ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب من غدروا بصاحبه، ووضع على رأس الجيش زيد بن حارثة، وقال: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد اللَّه بن رواحة"، وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الرحمة بقوله: "اغزوا بسم اللَّه، في سبيل اللَّه، مَنْ كفر باللَّه، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلًا بصومعة، ولا تقطعوا نخلًا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء". فخرجت نساء المسلمين لتوديع أزواجهن قائلات لهم: "ردَّكم اللَّه إلينا صابرين" فرد أحد المسلمين على زوجته قائلًا: "أما أنا فلا ردني اللَّه"! لقد كان هذا قول أحد الفرسان الثلاثة، عبد اللَّه بن رواحة! وعند مدينة "معان" الأردنية وفي سهلٍ يقال له "مؤتة" غدر الروم بالمسلمين، فقاد الإمبراطور هرقل بنفسه جيشًا يقترب من ربع مليون مقاتل لقتال ثلاثة آلاف مجاهد فقط لم يأتوا أساسًا لقتال الروم! فتشاور المسلمون في القتال أو الرجوع، فأصر الشاعر البطل عبد اللَّه بن أبي رواحة على القتال، وفعلًا قاتل المسلمون جحافل النصارى، فكان القائد زيد أول شهداء المعركة، فتناول جعفر الراية قبل أن تسقط وأخذ يقاتل كالأسد المفترس، فقطعوا يده اليمنى، فتناول الراية باليسرى، فقطعوها له، فحملها بعضديه، فغرسوا رماحَهم في قلبه ليستشهد، ليتناولها ابن رواحة من صدر جعفر منشدًا: يا نفس إن لم تُقتلي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليتِ وما تمنيت قد لقيتِ ... إن تفعلي فعلهما هديتِ وإن تأخرت فقد شقيتِ! فاستشهد الفرسان الثلاثة، واستشهد معهم تسعة آخرون، ليكون مجموع الشهداء في هذه الملحمة الأسطورية اثني عشر شهيدًا فقط! من بينهم القادة "الفرسان الثلاثة"، بينما قتل المسلمون ٣٣٥٠ فارسٍ من الأعداء (حسب مصدر أجنبي!)، لينتصر خالد بن الوليد بتنفيذ الخطة الخالدية! الجدير بالذكر أنه كان من ضمن أولئك المجاهدين شابٌ دون العشرين من عمره اسمه عبد اللَّه، هذا الشاب كون فيما بعد مع ثلاثة رجالٍ يحملون نفس الاسم "عبد اللَّه" رباعيًا لم تعرف البشرية مثله أبدًا، فقد كان لهذا الرباعي العظيم الدور الأكبر في حفظ سنة رسول اللَّه إلى الأبد! يتبع. . . . .
__________________
|
|
#83
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (87) " الرباعي العظيم" (العبادلة الأربعة) " وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، أو فعلهم، أو مذهبهم" (الحافظ البيهقي) اشتُهرت في أيامنا هذه فرقٌ فنية تكونت من عدة أشخاص يحملون نفس الأسلوب والطابع، فقد تجد هنا ثنائيًا غنائيًا شهيرًا، وقد تجد هناك ثلاثيًا آخر للمسرح، وقد تجد رباعيًا مختصًا في الرقص وفنونه، وفي بعض الآحيان تجد خماسيًا استعراضيًا مهرِّجًا. الغريب في الأمر أن أيًا من تلك الفرق الفنية المشتركة لم يُكتب لها النجاح والاستمرار لأكثر من بضع سنوات، بل إنه في أغلب الأحوال يتحول أعضاء تلك الفرق إلى أعداءَ شرسين يحارب كل منهم الآخر، والأمثلة التاريخية المعاصرة أكثر من أن تُحصى! أما فريقنا الرباعي العجيب الذي خرج من من قبيلة عربية أصيلة يقال لها "قريش" لم يكن كذلك! هذا الفريق لم يستمر في تقديم عروضه الناجحة لمدة سنة أو سنتين أو حتى مائة سنة فحسب، بل نجح هذا الرباعي العظيم في تقديم أعظم عرضٍ إنساني ناجحٍ في مسارح الزمن لمدة عرض قياسية جاوزت الألف والأربعمائة عام إلى حد الآن! الغريب أن هذا الفريق الرباعي ازدادت نجاحاته في السنوات القليلة الماضية بشكلٍ ملفتٍ للانتباه، حتى بات كثيرٌ من الشبان يُقبل محلى عروضهم باستمرار، هذا الرباعي لم يجتمع على آلة موسيقية، ولم يجتمع على حلبة رقص، هذا الرباعي اجتمع على راية بيضاء مكتوب عليها بلغة عربية صحيحة: "لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه"، في أسفلها عبارة صغيرة مكتوبٌ عليها: "صُنع في بلاد الإسلام" وعلى يمينها ختم الجودة الصناعية المسجلة المحتوي على ثلاث كلمات من المنتج: "محمد رسول اللَّه"! وليس عندي ذرة شكٍ واحدة، بأن أولئك العبادلة الأربعة تم اختيارهم من فوق سبع سماوات من قبل اللطيف الخبير ليكوِّنوا هذا الرباعي العجيب، فكل شيءٍ فيهم مختارٌ بصورة تدعو للتعجب فعلًا! حتى في أسمائهم المتشابهة، وحتى في أسماء آبائهم العملاقة، فهذا ابن عمر بن الخطاب ثاني أعظم إنسانٍ في التاريخ بعد الأنبياء، وهذا هو ابن العباس بن عبد المطلب عمِّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورفيقهما الثالث هو ابن حواري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ابن البطل الأسطوري الزبير بن العوام، أما رابعهم فأكرم به وبأبيه، فهو ابن رمز الإيمان والبطولة، رمز الشرف والكرامة، أشهر فاتحٍ في تاريخ الإسلام القائد الكبير عمرو بن العاص عليه وعلى بقية أصحاب نبينا رضوان اللَّه ومرضاته. الحقيقة أن سرَّ اختياري لهذه الأسماء الأربعة لتكون ضمن خانةٍ واحدة في كتاب العظماء المائة، لا يعني أبدًا انقاصًا لمكانتهم، فواللَّه إن حروف هذا الكتاب مجتمعة لا تكفي لحصر عظمة واحدٍ منهم فقط، ولكنني آثرت أن لا أفرق أسماءهم بعد مماتهم، وهي الأسماء التي مجتمعة على ذكر اللَّه في حياتهم. ثم إن سِيَرَ هؤلاء الأربعة فيها من العناصر التاريخية والخصائص الفكرية ما يجعل منهم كيانًا متينًا واحدًا، فهؤلاء الأربعة هم من أعظم فقهاء الإسلام على الإطلاق، بل إنني لا أشطط حين أقول: أن الإسلام الذي بين أيدينا الآن ما هو إلى ثمرة من ثمار أولئك العلماء الأربعة بالتحديد، والذين سخرهم اللَّه للإنسانية لكي يحفظوا لنا سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والتي بدونها لا يقوم الإسلام أبدًا، حتى بوجود القرآن نفسه، فالذي يعتقد أن القرآن هو المشرِّع الوحيد لهذا الدين فهو إمّا مجنون لا يفقه شيئًا في الدين، وإمّا مجرمٌ قذر يريد تدمير هذا الدين! وقد حذَّرنا من قبل في هذا الكتاب من ظهور مجموعات من شذّاذ الآفاق مؤخرًا ممن يطلقون على أنفسهم أسماءً برَّاقة مثل "القرآنيين" و"الإصلاحيين" و"المفكرين الإسلاميين"، وغير ذلك من الأسماء التي توهم بصلاح أصحابها، هذه المجموعة الشريرة والتي تأخذ تمويلها من جهات أجنبية معروفة، تبث سمومها على عامة المسلمين من خلال أوكارٍ لبث السموم يقال لها تمويهًا: "مراكز البحوث الإسلامية"، هؤلاء السفلة ليس لهم شاغلٌ في الحياة إلا الطعن في سنة رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام، بل إنهم وسَّعوا من دائرة نشاطاتهم مؤخرًا ليطعنوا في صحابة الرسول، وزوجاته، بل في الرسول نفسه في بعض الأحيان! مدَّعين أن السنة التي بين أيدينا ما هي إلا روايات كُتبت بعد مئات السنين من وفاة الرسول، فاعتدّوا بذلك أن السنة التي بين أيدينا الآن باطلة، وأن هذا الدين الذي بين أيدينا ليسس دينًا صحيحًا، لذلك وجب على شباب الأمة أن يدافعوا عن سنة رسولهم، ليس من خلال العنف الذي لا يزيد هؤلاء الخونة إلا صيتًا وشهرة، بل من خلال العلم والحقائق التاريخية الموثقة التي تسحب البساط من تحت أرجل أولئك المنافقين، فينكشف بذلك الستار عنهم، لتظهر للناس سوءاتهم، فيرى بذلك مريدوهم عمالتهم الواضحة وخيانتهم للأمة، ليُتركوا بعدها معزولين منبوذين، ليسقط الواحد فيهم في نهاية الأمر كما تسقط الثمرة العفنة! والعبادلة الأربعة لم يكونوا وحدَهم من يحملون اسم "عبد اللَّه" من بين ما يزيد عن ١٠٠٠٠٠ من الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم أجمعين، فقد ذكر (الإمام النووي) رحمه اللَّه أنه يعلم أن يوجد في الصحابة -رضي اللَّه عنهم- مائتين وعشرين رجلا يُسمّى بـ "عبد اللَّه"، لكنه اشتهر إطلاق اسم العبادلة على أربعة منهم فقط وهم: (عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص)، فهكذا ذكرهم أهل الحديث وغيرهم من العلماء. وقد علّل العلامة الفارسي العظيم الحافظ (أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي) إفراد العلماء لقب العبادلة على هؤلاء الأربعة فقط بقوله: "هؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، أو فعلهم، أو مذهبهم". ولأن الحديث عن العبادلة الأربعة طويل طويل، ولأن عظمتهم ناطحت سحب السماء سموًا وسؤددًا، فقد قررت أن أنجو بقلمي الضئيل من الغوص في سِير أولئك العمالقة العظام، فلو أردنا أن نستعرض فقط تلك الخدمات الجليلة التي قدمها الصحابي الورع (عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص) للإسلام والمسلمين، لما كفانا كتابة عشر مجلدات ضخمة، من دون أي مبالغة في ذلك، لذلك سأذكر فقط رؤوس أقلام عن كلِّ واحدٍ منهم، تاركًا مجال البحث في سيرهم للقارئ الكريم من أمهات كتب التاريخ الإسلامية: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: المؤسس الرائد لعلم الحديث، وأول إنسانٍ على وجه الكرة الأرضية يكتب حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال عنه أبو هريرة: "ليس أحد من أصحاب الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أكثر حديثا عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مني إلا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب وكنت لا اكتب! ". فلقد كتب ابن عمرو -رضي اللَّه عنهما- الحديث في حياة الرسول وبتوجيه خاصٍ منه، فجمع بذلك مئات الأحاديث من فم رسول اللَّه مباشرة، وهذا رد مباشر على "القرآنيين" الذين يدَّعون أن كتابة الحديث بدأت في عهد (عمر بن عبد العزيز) رحمه اللَّه، فهذا الخليفة الأموي البطل أمر بجمع الأحاديث المحفوظة أساسًا إما في قرطاس وإما في صدور المسلمين تواترًا، وحتى الأحادث التي كُتبت لاحقًا تم جمعها بطريقة علمية ابتكرها المسلمون، هذه الطريقة العلمية لم يستخدمها إنسان قط قبل المسلمين (أو بعدهم)، ألا وهي طريقة "الإسناد"، وعلم السند ينص على ذكر الرواة بالتسلسل بطريقة علمية بحتة يُذكر فيها كل ما يتعلق بكل راوي على حدة، فلو اتضح أن هناك راويًا واحدًا فقط من بينهم اشتهر بالكذب والوضع في حياته، بطل الحديث بالكلية! وعبد اللَّه هو الابن الأكبر لعمرو بن العاص الذي شوَّه المستشرقون الصليبيون سيرته، وطعن فيها الشيعة أبشع الطعونات، ولعل السبب الرئيسي لهؤلاء وهؤلاء أنهم يعلمون علم اليقين أن ابن عمرو بن العاص هو الذي جمع سنة محمد نبي الإسلام، لذلك كان الطعن في عمرو وأولاده طعنًا للإسلام من جذوره! عبد اللَّه بن عمر: أعتبره شخصيًا مؤسس علم العقيدة الإسلامية، تعلّم مباشرة على يد أستاذه الذي علم البشرية -محمد بن عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو على الرغم من إنه من أعظم رواة الحديث، إلا أنني أراه أنه الشارح الأكبر لمفهوم العقيدة. والعقيدة مشتقة من الفعل العربي "عقد" أي ربط وأوثق، العقيدة في اللغة من العَقْد: وهو الرَّبطُ، والإبرامُ، والإحكامُ، والتَّوثُّقُ، والشَّدُّ بقوة، والتماسُك، والمُراصَّةُ، والإثباتُ؛ ومنه اليقين والجزم. فالعقيدة هي أهم شيء في الدين الإسلام، فإذا كانت العبادات هي أركان الإسلام، فالعقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه تلك العبادات، فمن كانت عباداته من صلاة وزكاة وصوم وحج قائمةً على عقيدة خاطئة مثل الاعتقاد بقدرة الأولياء والتبرك بالقبور، فعباداته باطلة، لأن الأساس وهو العقيدة باطل، فما بُني على باطل هو بالضرورة باطل! والمضحك أن الشيعة يعتبرون أن عبد اللَّه بن عمر هو المؤسس الفعلي لـ "الوهابية"! علمًا أن الإمام (محمد بن عبد الوهاب) رحمه اللَّه وُلد بعد مئات السنين من موت ابن عمر، إلا أنني أرى أن الشيعة أصابوا كبد الحقيقة في اعتقادهم هذا، فإذا كانت الوهابية هي تطبيق القرآن والسنة والبعد عن التقليد الأعمى فقد صدقوا باستنتاجهم! فعبد اللَّه بن عمر لم يكن يُحَكم إلا القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فلم يكن ابن عباس يأخذ إلا بالقرآن وما صحَّ من أحاديث رسول اللَّه بفهم إجماع الصحابة، ضاربًا بعرض الحائط ما يتعارض مع ذلك حتى ولو كان صادرًا من أسماءٍ عملاقة، وهو صاحب المقولة الشهيرة: "ومن أبي؟! ". وقد رُوي رواية للترمذي أن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- رأى رجلا يعطس ويقول: الحمد للَّه والصلاة على رسول اللَّه! فنظر إليه ابن عمر وقال له: وأنا أيضا أحمد اللَّه وأصلى على رسوله لكن ما هكذا علمنا رسول، لقد علمّنا أن نقول الحمد للَّه! عبد اللَّه بن الزبير: ابن حواري رسول اللَّه، وابن ذات النطاقين أسماء، وابن اخت أم المؤمنين عائشة، وحفيد أبي بكر الصديق، فرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان زوج خالته عائشة، وابن خال أبيه، وزوج عمة أبيه "خديجة"، فمن هذا الأصل الطاهر وُلد النبت الطاهر عبد اللَّه بن الزبير ليكون أوّل مولودٍ في الهجرة، ليتربى في مدرسة النبوة، لينهل منها دروس الفداء والتضحية، فهذا البطل بن البطل يرافق أباه طفلًا في معركة اليرموك، فقد كان أبوه الزبير يردفه على فرسه وهو يقتحم صفوف الأعداء ليعلمه فنون البطولة الإنسانية في أبهى صورها، فشهد يوم اليرموك، كما شهد فتح أفريقيا والمغرب وغزو القسطنطينية، ويوم الجمل مع خالته السيدة عائشة وكان يضرب المثل بشجاعته، وكانت خالته الطاهرة عائشة تعتبره ابنها الذي لم تنجبه، فكانت تكنى به فيقال لها "أم عبد اللَّه"! عبد اللَّه بن عباس: حَبر الأمة، وترجمان القرآن، مؤسس علم التفسير، وأعظم مفسر للقرآن في أمة محمد، هو ابن العباس عم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وابن عم علي، وابن عم جعفر، وابن أخ حمزة، ولد ببني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وكان النبي محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- دائم الدعاء له، فقد دعا له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يملأ اللَّه جوفه علمًا وأن يجعله صالحًا. وكان النبي يدنيه منه وهو طفل صغير ويربّت على كتفه وهو يقول: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". ولابن عباس قصة طريفة تعتبر مثالًا لكيفية التفوق العلمي لجميع بني البشر بدون استثناء، فقد توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعمر ابن عباس لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة، فقال ابن عباس لصاحبٍ له: دعنا نتعلم من أصحاب رسول اللَّه فإنهم اليوم كثير (أي قبل أن يموتوا واحدًا واحدًا)، فضحك منه زميله وقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من ترى؟! فترك ذلك الفتى العلم، وأقبل ابن عباس على سؤال الصحابة والتعلم منهم، فكان إذا سمع أن هناك حديثًا عند رجلٍ منهم، ينطلق كالبرق إلى بيته في عز الظهر، ليفرد رداءه على الرمل أمام بيته ينتظر خروجه، فتسفي الريح عليه التراب، حتى يخرج الصحابي فيراه على تلك الحال والتراب يغطيه، فيقول له: يا ابن عم رسول اللَّه ألا أرسلت إلي فآتيك (أي آتيك لبيتك لأعلمك)، فيقول له ابن عباس بأدب طالب العلم: أنا أحق أن آتيك فأسألك! ومرت الأيام والسنين، حتى رآه صاحبه الذي رفض العلم وقد أحاط الناسُ به من كل اتجاه يريدون التعلم منه، فنظر إلى ابن عباس بحسرة وقال: هذا الفتى أعقل مني! وعندما قرر الحسين -رضي اللَّه عنه- الخروج للعراق كان العباس أحد الذين نصحوا الحسين بقوله له: "إن أهل العراق قوم غدرٍ فلا تقربنهم" ولكن الحسين رحمه اللَّه أصرَّ على المسير للعراق بعد ان اطمأن من مئات الرسائل التي بعثها الشيعة إليه من هناك، ليقوم نفس الذين بعثوا إليه الرسائل بحمل السيوف ضده، ليغدروا به ويقتلوه، ليصدق ظن ترجمان الأمة بأولئك القوم الخونة! العجيب أن اللَّه شاء أن يُولدَ لعبد اللَّه بن عباس ولدٌ اسمه علي، ليولد لعلي ولدٌ اسمه محمد، ليُولد لمحمدٍ ولا اسمه عبد اللَّه، ليُولد لعبد اللَّه ولدٌ اسمه محمد، ليولد لمحمد طفلٌ في غاية الوسامة والجمال، هذا الطفل سيحمل عندما يكبر راية سوداء مكتوبٌ عليها باللون الأبيض "لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه" ليرفعها عاليًا في ثلاث قارات، فيكون عصره أكثر عصور دولة الإسلام ازدهارًا على الإطلاق، ليستحقَّ أن يسجَّل اسمه في سجل العظماء في أمة الإسلام. فمن تراه يكون ذلك الخليفة الإسلامي الرشيد؟ ولماذا شوِّهت صورته من قِبَل الإعلام العربي والغربي على حد سواء؟ وهل حقًّا كان رجلًا سِكيّرًا مغرمًا بالراقصات؟ أم تراه كان من أتقى وأورع وأعظم من حكم أمة محمد في تاريخها بأسره؟! يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#84
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (88) ألف الحج والجهاد فما ... من سفرتين في كل عامِ " الخليفة الناسك" (هارون الرشيد) " من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه" كلّما تقدمت أكثر في هذا الكتاب، أدركت عِظمَ حجمِ الكارثة التاريخية التي حلّت علينا جميعًا! أعترف أنني ما كنت أحسب الخليفة العباسي هارون الرشيد -وإلى وقتٍ قريب- إلا سكّيرًا ماجنًا ليس له همٌ في الدنيا إلى معاقرة الخمر والاستمتاع باللذات الدنيئة! فلقد كنت كغيري ممن نالتهم سهام غزاة التاريخ لا أكاد أسمع باسم هارون الرشيد بالذات، إلا ويدور في خلجي ما رسمه لنا أولئك الغزاة عن تلك الليالي الماجنة في قصور بغداد، والتي تزينها الرقصات الرشيقة من قِبل الجواري الحسان اللائي تتراقصن بدورهن على أنغام الموسيقى، في الوقت الذي يحمل فيه غِلمان صغارٌ أباريقًا من خمرٍ تزيد من مجون الخليفة ووزرائه، والذين علت أصوات قهقهاتم حتى وصلت إلى خارج أسوار بغداد! لذلك أعتقد أن الوقت قد حان لكي نعترف أننا وقعنا بالفعل في شباك غزاة التاريخ، بل إنني أرى أنه ينبغي علينا أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لكي نعترف أننا هُزمنا في الحرب التاريخية التي شُنَّت علينا خلال المائة أو المائتين عامٍ الماضية، وهذا ليس عيبًا أبدًا، فمعرفة الخطأ هي بداية عملية تصحيح المسيرة، فإن كان غزاة التاريخ قد انتصروا بدون أدنى شك في جولتهم السابقة، فإنهم بدأوا يواجهون في السنوات الآخيرة بالتحديد، رجالًا أبطالًا حملوا راية الجرح والتعديل لتاريخ هذه الأمة المجيدة، ليعيدوا كتابة تاريخها من جديد، ليخلِّصوها من الشوائب التي علِقت بها من قِبل المستشرقين وعملائهم، ليتغير بذلك مسار رحى المعركة التاريخية الشرسة بيننا وبينهم لصالح هذه الأمة، وإن كنّا نسلم بأن ذلك التغيير ما زال بطيئًا إلى حد الآن، إلا أن المهم أن يستمر الجميع في عمله، فدرب الألف ميل يبدأ بخطوة، فمن كان يستيطيع الكتابة فليكتب شيئًا يساهم به في تلك الحرب الشرسة، ومن قرأ شيئا فليبلغه لأهله وزملائه، فيا من تطلبون الجهاد وتصرخون من أجله، هذه هي ساحتكم، فليس الجهاد أن تحمل رشاشا لتقتل به الأبرياء، وليس الجهاد أن تلقي بنفسك وبأمتك إلى التهلكة، بل الجهاد هو أن تنصر أمتك، والأمة الآن تحتاج إلى رجالٍ صادقين، وإلى نساءٍ صادقات، يصحح كل منهم تلك المفاهيم التاريخية الخاطئة التي تعلمناها في مدارسنا، أو شاهدناها في إعلامنا، ولعلكم ستعجبون الآن عند اضطلاعكم على القصة الحقيقية للتاريخ الحميد، للخليفة الرشيد، والمجاهد الصنديد، والمقاتل العتيد، البطل الإسلامي المجيد: هارون الرشيد رحمه اللَّه تعالى وأسكنه فسيح جناته. وهذا الخليفة العباسي الهاشمي العظيم كان على العكس تمامًا من الصورة الذي أشاعها غزاة التاريخ عنه، فقد كان رحمه اللَّه من أكثر خلفاء الإسلام جهادًا وغزوًا واهتمامًا بالعلم والعلماء، وليس كما يدعي الغزاة أنه كان منشغلًا بالجواري والخمر والسكر، فكتب التاريخ الإسلامي الأصلية مليئة بمواقف رائعة للرشيد في نصرة الإسلام والمسلمين، وزاخرة بمواقف زهده وورعه وتقواه، بل إن هارون الرشيد كان معروفًا أنه "الخليفة الذي يحج عامًا ويغزو عامًا"! فقد كان رحمه اللَّه ديِّنًا محافظًا على التكاليف الشرعية، وصفه مؤرخو الإسلام أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، ويتصدق من ماله الخاص بدون حساب، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولًا بالغزو والجهاد، بل إن جمعًا كبيرًا من العلماء كانوا يذكرون أن هارون الرشيد كان من أكثر الناس تقريبًا للعلماء، ومن أشد الناس بكاءً عند سماعه للمواعظ، فقد قال عنه الإمام العظيم (أبو معاوية الضرير): "ما ذكرت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين يدي الرشيد إلا قال صلى اللَّه على سيدي ورويت له حديثه وددت أني أقاتل في سبيل اللَّه فأقتل ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب". بل إن أبا معاوية الضرير (الذي كان ضريرًا بالفعل) روى قصة عجيبة عن هارون الرشيد الذي كان يملكها من الصين إلى الأطلنطي فقال: "صبّ على يدي بعد الأكل شخصٌ لا أعرفه فقال الرشيد تدري من يصب عليك قلت: لا. قال: أنا إجلالا للعلم! ". وكان علماء الأمة يبادلونه نفس التقدير، فقد رُوي عن (الفضيل بن عياض! أنه قال: "ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن اللَّه زاد من عمري في عمره". وقال الإمام (منصور ابن عمار): "ما رأيت أغزر دمعًا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر" وقد قال له العالم الرباني الفضيل ذات مرة: "يا حسن الوجه (وقد كان الرشيد جميلًا جدًا) أنت المسئول عن هذه الأمة، فجعل هارون يبكى ويشهق حتى كاد يُغمى عليه"، ورُوي أن (ابن السماك) دخل على الرشيد يومًا فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال: "على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ " قال هارون: "بنصف ملكي" فلما شربها قال له: "أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها؟ " فقال هارون: "بجميع ملكي! " عنده انظر العالم الجليل إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وقال له: "إن ملكًا قيمته شربة ماء وبَولة، لجديرٌ أن لا يُنافسَ فيه! " فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى أشفق عليه من حوله. وعلى الرغم من ورع الرشيد وتفرغه للعبادة وقيام الليل، فإنه لم يهمل شئون الدولة الإسلامية البتة، فقد كان عهد الخليفة العباسي العظيم هارون الرشيد أعظم عهدٍ في تاريخ الدول الإسلامية على الإطلاق من ناحية الازدهار الاقتصادي، والتقدم العلمي المبهر، والتطور الحضاري العظيم، فقد أنشأ هارون الرشيد بمشورة من زوجته الصالحة المجاهدة (زبيدة) طرقًا ممتدة توصل بلاد المسلمين بمكة والمدينة، وأقام على جوانب هذه الطرق الفنادق المجانية لزوار الحرم، كما أنشأ الرشيد أول جامعةٍ علمية في تاريخ البشرية أسماها "بيت الحكمة"، وزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات من مختلف بقاع الأرض كالهند وفارس والأناضول واليونان، وكانت تضم غرفًا عديدة تمتد بينها أروقة طويلة، خُصِّصت بعضها للكتب، وبعضها للمحاضرات، وبعضها الآخر للناسخين والمترجمين والمجلدين وكان الرشيد يشرف عليها شخصيًا هو وكبار رجال دولته، فكانوا يقفون وراء هذه النهضة بكل ما أوتوا من قوة (قارن ذلك بصورة سهرات الأنس التي صوَّرها الإعلام عن الخليفة ووزراءه!)، فكانوا يصلون أهل العلم والدين بالصلات الواسعة، ويبذلون لهم الأموال تشجيعًا لهم، وكان الرشيد نفسه يميل إلى أهل الأدب والفقه والعلم، ويتواضع لهم حتى إنه كان يصب الماء في مجالسه على أيديهم بعد الأكل، فغدت حاضرة الرشيد "بغداد" قبلة لطلاب العلم من جميع البلاد، ليجدوا فيها كبار الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين وعلماء الرياضيات والترجمة وعلوم الطبيعة والفلك، وكانت المساجد تحتضن دروسهم وحلقاتهم العلمية التي كان كثير منها أشبه بالمدارس العليا، من حيث غزارة العلم، ودقة التخصص، وحرية الرأس والمناقشة، وثراء الجدل والحوار (قارن ذلك بحال المساجد هذه الأيام!)، وأُنفق الرشيد الأموال الطائلة في النهوض بالدولة الإسلامية العظمى، وتنافس كبار رجال الدولة في إقامة المشروعات كحفر الترع والأنهار، وبناء الحياض، وتشييد المساجد، وإقامة القصور، وتعبيد الطرق، بل إن الخليفة الإسلامي العظيم هارون الرشيد وضع بنفسه خطة علمية متكاملة، وميزانية ضخمة، لحفر قناةٍ بحريةٍ عملاقة، تربط بين البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) والبحر الأحمر (بحر القلزم)، إلا أنه رحمه اللَّه وجزاه كل خير خشي أن يفتح المجال بذلك للروم للعبور من خلال تلك القناة، فتكون مكة والمدينة في متناول أيديهم. (وبذلك يكون هارون الرشيد هو صاحب فكرة إنشاء "قناة السويس" قبل أن تُنسب بعد ذلك بألف عام للص الفرنسي "فرديناندو ديليسبس" والذي سرق أموالها بعد ذلك لسنواتٍ طوال!). أما "بغداد" فقد أصبحت قبلة الدنيا، وأصبحت معروفة في عهد الرشيد باسم "مدينة السلام"، فقد حظيت هذه المدينة التي بناها العباسيون حاضرة العالم بأسر بنصيب وافرٍ من العناية والاهتمام من قبل الخليفة الرشيد وكبار رجال دولته الأبطال، حتى بلغت في عهده قمة مجدها وتألقها، فاتسع عمرانها، فزاد عدد سكانها حتى بلغ نحو مليون نسمة (وقد كانت أعلى نسبة سكان لمدينة في العالم بأسره، تلتها مدينة إسلامية ثانية هي قرطبة الأندلسية، وإشبيلة الإسلامية في المركز الثالث على مستوى العالم)، فبُنيت في بغداد المساجد الضخمة، والمدارس المتنوعة، والمعاهد العلمية المتطورة، والقصور الفخمة، والأبنية الرائعة التي امتدت على جانبي دجلة، فأصبحت بغداد من اتساعها كأنها مدن متلاصقة، فصارت أكبر مركز للتجارة الحرة في العالم، حيث كانت تأتيها البضائع من الصين والهند وأوروبا وأفريقيا، فهاجر إليها فقراء النصارى واليهود، فاستقبلهم المسلمون بكل تسامحٍ ديني (سيتعامل هؤلاء فيما بعد مع هولاكو لإسقاط بغداد وقتل أهلها المسلمين الذين استقبلوهم!!!). كما جذبت بغداد الأطباءَ والمهندسين وسائر الصناع، فأصبحت بغداد في عهد الرشيد المدينة الأولى في العالم بأسره من حيث التقدم الحضاري والتفوق العلمي والازدهار السكاني والعمراني، في ذات الوقت الذي كانت فيه مدنًا مثل باريس ولندن وبرلين غارقة في أوحال الظلام والتخلف الحضاري الرهيب! أما في مجال الجهاد. . . فحدِّث ولا حرج! فهذا الخليفة الإسلامي العملاق والذي صوَّروه لنا وكأنه طبَّالٌ راقص، لم يكن من أعظم فاتحي المسلمين فحسب، بل كان من أعظم فاتحي البشرية على الإطلاق، فلا (نابليون) الذي تتغنى به فرنسا، ولا (تشرشل) الذي يفتخر به الإنجليز، ولا حتى (الإسكندر المقدوني) نفسه كانوا يملكون نصف ما ملكه الرشيد رحمه اللَّه، فقد حكمها الرشيد من صينها إلى مغربها، ومن صحرائها الكبرى في قلب أفريقيا إلى قوقازها في مجاهل أوروبا، والعجيب أن هارون الرشيد تمكن من إدارة هذه الإمبراطورية الضخمة، المختلفة البيئات، والمتعددة العادات والتقاليد، وهو في سن التي ٢٥ فقط! آخذين في عين الاعتبار صعوبة وسائل الاتصال والمواصلات في ذلك الوقت المبكر من التاريخ. فقد قام الرشيد بتنظيم الثغور المطلة على بلاد الروم على نحو لم يعرف من قبل، وعمّر الرشيد بعض مدن الثغور، وأنشأ الرشيد مدينة جديدة عرفت باسم "الهارونية" على الثغور، وأعاد الرشيد إلى الأسطول الإسلامي نشاطه وحيويته، ليواصل ويدعم جهاده مع الروم ويسيطر على الملاحة في البحر المتوسط، فأقام دارًا لصناعة السفن، وفكر في ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط كما أسلفنا، وفي عهد الرشيد عاد المسلمون إلى غزو سواحل أوروبا، ففتحوا بعض الجزر واتخذوها قاعدة لهم، مثلما كان الحال في زمن الأمويين طيّبي الذكر، فأعاد الرشيد فتح "رودس" في جنوب إيطاليا سنة ١٧٥ هـ - ٧٩١ م، وأغارت الأساطيل الهارونية على "أقريطش" (كريت) و"قبرص" سنة ١٩٥ هـ - ٨٠٦ م. واضطرت دولة الروم أمام ضربات الرشيد المتلاحقة إلى طلب الهدنة والمصالحة، فعقدت (إيريني) ملكة الروم صلحًا مع الرشيد، مقابل دفع الجزية السنوية له في سنة ١٨١ هـ - ٧٩٧ م، حتى قتلها متمردٌ اسمه (نقفور) واستولى على الحكم في بلاد الروم، ١٨٦ هـ -٨٠٢ م، فما إن تسلم هذا الإمبراطور الأحمق الأخرق الحكم حتى بعث برسالةٍ وقحة إلى أعظم إمبراطور في الدنيا خليفة الدولة الإسلامية أمير المؤمنين هارون الرشيد يقول فيها: "من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب (لم يذكر اسم الرشيد!)، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الأخ، فحملت إليك من أموالها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك، وإلا فالحرب بيننا وبينك! فما إن فرغ الخليفة هارون من قراءة تلك الرسالة الوقحة حتى ثارت ثائرته، واحمر وجهه الأبيض (وقد كان هارون الرشيد رحمه اللَّه مثل جده رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحمر وجهه الأبيض ساعة الغضب)، فتناول هارون الرشيد الرسالة وكتب على ظهرها بعزة العربي القرشي، وشهامة المسلم الموحد: "من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمع! " فانطلق هذا الصقر العربي المسلم بنفسه إلى مدينة الروم، بجيشٍ ما عرفت الأرض مثله،، حتى وصل "هرقلة" وهي مدينة بالقرب من "القسطنطينية"، فدكها دكًا جعل منها نسيًا منسيًا، فلم يبق منها إلا اسمها وبقايا ذكريات! فحرقها عن بكرة أبيها، وانطلق بعد بسرعة يريد إزالة العاصمة "القسطنطينية" من على وجه الأرض، فأسرع الكلب نقفور بالكنوز والمجوهرات يحملها بنفسه إلى هارون الرشيد، يستحلفه بمحبته لنبي اللَّه عيسى أن يقبل منه هذه الكنوز كجزية، بعد أن صار يناديه بأمير المؤمنين، فرفض هارون ذلك، واشترط عليه لقبول تلك الكنوز كجزية أن يطلق سراح كل المسلمين من سجونه أولًا، فما كان من كلب الروم إلا أن أطلق سراح آلاف الأسارى من السجون الصليبية، فلم يبقَ شخصٌ يوحِّد اللَّه في أي سجني رومي بفضل هذا البطل الإسلامي العملاق هارون الرشيد، والذي استُشهد وهو في طريقه للجهاد في بلاد الشرق، وهو في سن -المفاجأة الكبرى- ٤٦ سنة فقط!!! فرحمك اللَّه يا أبا الأمين، أيها الأسد الهاشمي العربى، وجزاك اللَّه كل خير لما قدمته للإسلام، وأعاننا اللَّه أن نعطيك حقّك في التاريخ، وأن ندفع عنك الشبهات، فمثلك أحق أن يُنصر، ومثلنا أحق أن يَنصر، فجزاك اللَّه كل خير لما قدّمته أنت وأمثالك لأمة الإسلام! ودبل أن نترك هذا العظيم، لكي ننتقل إلى عظيم إسلامي آخر، ينبغي علي أن أذكر على وجه السرعة أمرين اثنين أرى أنهما من الأهمية بمكان: (أولهما) أن هناك قصة شهيرة يرددها بكل أسف المسلمون وهم يظنون أنها قصة تدعو للفخر والاعتزاز، هذه القصة هي قصة هدية هارون الرشيد للملك الألماني (شرلمان)، مختصر هذه القصة أن الرشيد بعث لشارلمان بهدية عبارة عن ساعة ضخمة، ليتعجب منها ذلك الملك الأوروبي ويظنها أنها مسكونة بالجن، وهذه القصة وإن كانت تبدو أنها قصة تبين مدى الرقي العلمي الذي وصل إليه المسلمون، إلا أنني أعتبرها من أخبث القصص التي انتشرت بين المسلمين، وسبب ذلك أن من روج لهذه القصة بين أن سبب الهدية هو دعم الرشيد لشارلمان الصليبي في قتاله للخلافة الأموية في الأندلس! وهذا إفكٌ واضح، وشرٌ فاضح، فأي تحالفٍ هذا الذي يعقده مجاهدٌ بتدين الرشيد مع صليبي مثل شارلمان؟! وأي قوة يرجوها إمبراطور مثل هارون الرشيد من ملكٍ من ملوك أوروبا المظلمة؟! فلو أراد الرشيد أن يستولي على الأندلس بأسرها من أيدي أبناء عمومته الأمويين، لاستولى عليها بلمح البصر، بل إنه لو كان يرى في أوروبا نفسها ما يستحق عناء غزوها في ذلك الوقت المظلم، لما أبقى فيها مدينة من دون أن يضمها إلى إدارة بغداد المركزية، ولقد بحثت شخصيًا عن مصدر هذه المعلومة، والحمد للَّه صدقت توقعاتي، فهذه المعلومة مصدرها الوحيد مستشرقة ألمانية تُدعى (زيغريد هونكه)! (ثانيهما) أكثر من تكرر ذكرهم في هذا الكتاب: "قوم كالعادة"، والذين مللت شخصيًا من ذكرهم وذكر خياناتهم، فواللَّه لا أقصد أبدًا تكرار قصص خياناتهم في هذا الكتاب، لكنني ما بحثت في قصة من قصص الإسلام إلا ووجدت خيانة شيعية مغروسة في قلبها! وكأن القوم قد رضعوا الغدر رضاعة! فالخطا الوحيد الذي ارتكبه الرشيد في خضم هذه السيرة العظيمة هو أنه آمن للشيعة، فجعل لأحدهم منصبًا وزازيا، المشكلة ليس في ما فعله الرشيد رحمه اللَّه الذي ربّما أراد أن يعطي أولئك الخونة فرصة ليصلحوا بها ماضيهم القذر المليئ بالخيانات، المشكلة تكمن في الجريمة التي فعلها الوزير نفسه! والتي نقلها رواة الشيعة أنفسهم، كالعالم الشيعي الملقب بصدر الحكماء ورئيس العلماء (نعمة اللَّه الجزائري) في كتابه المعروف "الأنوار النعمانية" (٢/ ٣٠٨ طبعة تبريز إيران)، و (محسن المعلم) في كتابه "النصب والنواصب" (ص ٦٢٢ ط دار الهادي - بيروت) ونصها: "وفي الروايات أن علي ابن يقطين وهو وزير هارون الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين (يعني بهم مسلمين سنيين!)، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه فهدموا سقف الحبس على المحبوسين فماتوا كلهم وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا، فأرادوا الخلاص من تبعات دمائهم فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم فكتب -عليه السلام- إلى جواب كتابه، بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إليَّ فَكَفِر عن كل رجل قتلته منهم بتيس والتيس خير منه! ". (وهذه الرواية ذكرها علماء الشيعة يستدلون بها على جواز قتل الناصبي، والناصبي بتعريف الشيعة: هو كل من لا يعترف بأن الحسين ونسله (من شاه زنان الفارسية!) لديهم قدرة كونية على الخلق وعلم الغيب، ويعني ذلك بالمختصر المفيد أن دمي ودمك مستباحٌ من قِبل أولئك الإرهابيين شريطة أن يضحوا عن كلِّ واحدٍ منّا بتيس! وبعد الرشيد. . . . نظل مع العباسيين أيضًا، ولكننا هذا المرة لن نستخدم قطار (الخلود الإسلامي)، أو طائرة (ابن فرناس)، أو سفينة (بيري رئيس) أو جمال (ابن تاشفين) للوصول إلى بطلنا الإسلامي القادم، فلقد حان الوقت لكي نستخدم وسيلة نقل جديدة هي "الزلاجات الجليدية" لنصل بها إلى بطلنا القادم، لكي نسبر أغوار مغامراته العجيبه في القطب الشمالي، حيث الثلوج المتراكمة، والبحيرات الجليدية. فمن يكون ذلك المغامر العباسي الذي الذي ألهم خيال السينما الأمريكية بمغامراته الشيّقة، وحكاياته العجيبة؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#85
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (89) " المحارب الثالث عشر" (أحمد بن فضلان) " فأخبرته الساحرة الشمطاء (ملك الموت) أنه يجب عليه أن يُكوّن فريقًا كاملًا مؤلفًا من ثلاثة عشر محاربًا أحدهم من غير أهل الشمال، فتم اختياري لأكون ذلك المحارب الثالث عشر! فحاولت الاعتذار بكافة الطرق للهرب إلى بغداد، ولكن دون جدوى، فاعتبرت نفسي في عداد الأموات، وسافرت مع أولئك المجانين الشقر عبر الثلوج إلى إسكندنافيا، لأرى هناك العَجب العُجاب. . . " (من رسالة أحمد بن فضلان) لن أكون متشائمًا إذا ما قلت أنه من بين كل عشرة آلاف فردٍ منّا سنجد إنسانًا واحدًا فقط سمع باسم هذا المغامر الإسلامي العظيم، ولن أكون متفائلًا إذا ما ادّعيت أن من بين كل عشرة آلاف سنجد خمسة عشر ألفًا يعرفون اسم السندباد! فجميعنا من دون أي استثناء سمع بقصص السندباد، ونصفنا على الأقل يفرق بين قصص السندباد البّري وقصص السندباد البحري، فتكون بذلك شعبية السندباد بين المسلمين تساوي ١٥٠ %، بينما تكون شعبية أحمد بن فضلان تساوي ٠.٠١ % على أحسن التقديرات! واللَّه إن العيب كل العيب أن نجهل تاريخ أبطالنا الحقيقيين إلى هذه الدرجة المخيفة! فسندباد ليس إلا شخصية خيالية وضعها المستشرقون لنا في كتاب قذرٍ مليءٍ بالقصص الجنسية المخجلة اسمه: "ألف ليلة وليلة"! وعلاء الدين الذي نروي قصصه لأطفالنا كل ليلة لم يكن قبل أن يعثر على مصباحه السحري إلا شابًا فاشلًا لم يعمل في حياته البتة! وعلي بابا الذي نغني باسمه ما هو إلَّا لصٌ سرق من اللصوص الأربعين ما كانوا قد سرقوه هم بالأصل من فقراء بغداد! ليُكوِّن هذا "الحرامي الواحد والأربعون" ثروته من أموالٍ حرامٍ! فأي قدوة ترجوها لطفلك وأنت تروي له مثل هذه القصص؟! وكيف لأمةٍ تريد النهوض بنفسها من سنوات الهوان والتبعية أن تردد على مسامع أطفالها قصصًا ساذجةً في نفس الوقت الذي تضيِّع فيه تاريخَ أبطالٍ حقيقيين مثل المغامر ابن فضلان؟ ولا أقولها تحيزًا أو عنصريةً، فلقد بحثت في كتب المتقدمين والمتأخرين، فما وجدت في تاريخ الأرض منذ نشأة آدم وإلى يوم الناس هذا عظيمًا واحدًا من عظماء الأمم والشعوب لديه عُشر مِعشار عظمة عظيمٍ واحدٍ من عظماء أمة الإسلام العظيمة! وأنا هنا أتكلم بنظرةٍ تاريخيةٍ بحتةٍ نابعةٍ من باحثٍ تاريخيٍ يزعم أنه قرأ تاريخ الحضارات من أول "الحضارة الصينية" التي أسسها الملك (شانغ) في الصين، إلى أيام "الحضارة الغربية" التي تسود العالم الآن، بل إني اكاد أجزم بأن تاريخ الأرض وتاريخ البشرية لا يساوي شيئًا على الإطلاق بدون تاريخ المسلمين، بل إن تاريخ الإسلام هو تاريخ الأرض نفسها! ولقد خدعوك فقالوا لك في كتب التاريخ المدرسية أن "الحضارات قامت على ضفاف الأنهار"، فبربكم أي نهرٍ هذا الذي كان يجري بين مكة والمدينة عندما حمل محمد بن عبد اللَّه شعلة الحضارة الإنسانية ليضيئ بها ظلام الدنيا بأسرها؛ فهل سمع أحدٌ منكم نهرًا كان يُسمَّى نهر مكة؟ أو بحيرة الحارث بن حِلّزة مثلًا؟ وأي حضارة هذه التي قامت قديمًا على مصاب أنهار أوروبا اللامعدودة؟ فواللَّه لا أكاد أمر بمدينة أوروبية إلا وأجد فيها نهرًا أو نهرين يمران بها، بل إنني رأيت مدينة تجري بها ثلاثة نُهُرٍ! وقصة مغامرنا الإسلامي -أحمد بن فضلان- توضح بشكلٍ بعيد مفهوم الحضارة ومقومّاتها، وفي نفس الوقت توضح لنا مدى القصور المعرفي المخيف الذي نحن عليه، فكيف لأطفالنا وشبابنا بل وحتى شيوخنا أن يجهلوا شخصية عظيمة مثل شخصية المغامر الإسلامي الرائع فعلًا أحمد بن فضلان، فحكايات هذا البطل العربي تفوق في غرابتها وتشويقها قصصر السندباد الخرافية، بل إن السينما الأمريكية والأوروبية صنعت له أفلامًا عالمية من شدة روعة مغامرته، كان أبرزها فلم أنتجته استديوهات السينما في هوليود سنة ١٩٩٩ م اسمه "المحارب الثالث عشر، The ١٣ th Warrior"، وهذا الفلم بما يحمله من تشويه للقصة الأصلية لطلنا الإسلامي إن دلَّ على شيء فإنه يدل على إهمالنا الفظيع بتاريخنا وتراثنا الإسلامي، الذي استخدمه الغرب في أدبه وفنونه. وتبدأ قصة بطلنا يوم الخميس الموافق الحادي عشر من شهر صفر لسنة ٣٠٩ هـ الموافق لحزيران سنة ٩٢١ ميلادية عندما قاد عالم إسلامي جليل اسمه الشيخ (أحمد بن فضلان) بعثة دعوية خرجت من "بغداد" -عاصمة النور آنذاك- بتكليف من الخليفة العباسي (المقتدر باللَّه) رحمه اللَّه إلى قلب القارة الآسيوية تلبية لطلب ملك الصقالبة البلغار (ألمش بن يلطوار) الذي طلب التعريف بالدين الإسلامي، عله يجد تفسيرًا للغز الكبير المثار وقتها ألا وهو "كيف استطاع هذا الدين الآتي من قلب الصحراء أن يكوّن تلك الإمبراطورية الضخمة التي لم تضاهها أي إمبراطورية في تاريخ الأرض؟ " وأستسمح القارئ الكريم مرة أخرى لأقف عند نقطتين مهمتين قبل أن نغوص في مغامرات بطلنا الشيقة. (النقطة الأولى): كثيرٌ منّا للأسف يعتقد أن الدولة العباسية كانت دولة مفككة، والحقيقة أن هذا شيء عارٍ عن الصحة التاريخية، فلا شك أن الدولة العباسية -كحال كل دول الأرض- ضعفت في نهاياتها، ولكن الشيء الذي لا يعرفه الكثير أن أبرز علماء الأمة -بما فيهم البخاري نفسه- ظهروا في العهد العباسي، وكما كان الأمويين يرسلون البعثات إلى العالم للدعوة للإسلام تحت مسمى "رجال الملابس البيضاء"، فقد كان للعباسيين رحمهم اللَّه دعاة عُرِفوا في أرجاء العالم باسم "رجال الملابس السوداء"! (النقطة الثانية): التشويه الرهيب الذي صنعه الغرب بتاريخ المسلمين ومن بينهم أحمد بن فضلان بطبيعة الحال، فالشيء المضحك المبكي في الأعمال الفنية التي صنعها الغرب لأحمد بن فضلان من روايات وأفلام، أنهم ادّعوا أن الخليفة العباسي "المقتدر باللَّه" رحمة اللَّه عليه إنما اختار ابن فضلان لهذه البعثة لكي يبعده عن عشيقته التي كان الخليفة الإسلامي متيمًا بها، وأنا لا أعجب من أولئك المزوِّرين الذين زوروا كتب اللَّه من قبل، ولكني أعجب من الشعوب الأوروبية والأمريكية من عوام الناس الطيبين، أليس بهم رجلٌ رشيدٌ يتساءل كيف للخليفه الإسلامي الذي يحكمها من شرقها إلى غربها أن يعجز من التخلص من رجل واحدٍ من رعيته بدون استخدام هذه الطريقة الرخيصة؟! والحق أقول أنني أضحك الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، فلقد تذكرت الآن قصة وردت في "الكتاب المقدس" أعتقد أنها مصدر التحريف الذي وضعوه لابن فضلان، فهذه القصة متطابقة تمامًا مع القصة المحرفة التي وضعوها لصاحبنا، فهذه القصة الجنسية التي وردت في "الكتاب المقدس" في سِفر صموئيل الثاني [١١: ١]، تدّعي زورًا وبهتانًا على نبي اللَّه داود -عليه السلام- أنه استخدم نفس هذه الحيلة الرخيصة لكي يشبع شهوته الجنسية، ففي يومٍ من الأيام وبينما داود يتمشى على سطح البيت، رأى من على السطح امرأة عارية تستحم، فأعجب بجمالها (كما تزعم رواية الكتاب المقدس!)، فأرسل وسأل عن المرأة، ليكتشف أنها (بشثبع بنت اليعام) امرأة (أوريا الحثى)، ولكن داود على حد زعمهم لم يأبه لكونها متزوجة، فقام باغتصابها، لتأتيه المرأة بعد ذلك لتقول له أنها قد حبلت، فقام داود بتدبير حيلة رخيصة للتخلص من زوجها (هي نفسها الحيلة التي ينسبونها للخليفة العباسي)، وأترك "الكتاب المقدس" ليكمل لنا هذه القصة التي يستحي القلم قبل صاحبه في إكمالها: "وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ رِسَالَةً إِلَى يُوآبَ، بَعَثَ بِهَا مَعَ أُورِيَّا، جَاءَ فِيهَا: اجْعَلُوا أُورِيَّا في الْخُطُوطِ الأُولَى حَيْثُ يَنْشُبُ الْقِتَالُ الشَّرِسُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ وَرَائِهِ لِيَلْقَى حَتْفَه، فأرسل داود وضم امراة اوريا الي بيته وصارت له امراة وولدت له ابنا" (ملاحظة مهمة: اكتشفت مؤخرًا من مناقشتي مع زميل شيعي أن الشيعة يؤمنون بهذه القصة المفتراة التي وضعها أبناء عمومتهم اليهود على نبي اللَّه داود، وأنهم يعتقدون أن داود كان زانيًا والعياذ باللَّه، وأن الذي أنقذه من الخطيئة هو إيمانه بولاية الأمة من أبناء شاه زنان بنت كسرى يزدجرد!!!)، الشيء المحزن الذي وجدته خلال بحثي في قصة هذا الداعية الإسلامي، أن الأدباء العرب قاموا بترجمة ما كتبه الغربيون عن ابن فضيل وكأنه قرآن منزل، فجعلوا منه صعلوكًا لا هم له إلا الزنى وشرب الخمر، فرددوا كالببغاوات ما يردده الغرب عن أبطالنا، لكي يغيروا مسار القصة من كونها بعثة دعوية قام بها داعية إسلامي، إلى قصة جنسية قام بها مسلم منحرف! وبعد أن عرفنا مصدر الطعونات الجنسية التي يكيلها الصليبيون بين التارة والأخرى لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والرموز الإسلامية من هارون الرشيد وغيره جاء الوقت لكي نكمل مغامرتنا مع ابن فضلان. فقد توغل أبن فضلان في بلاد الروس حتى وجد أناسًا من "الفايكنج" وهي القبائل التي تسكن السويد والنرويج والدنمارك وإيسلندا، ولنترك ابن فضلان نفسه الذي جاء من بغداد رمز الحضارة الإسلامية يصف لنا ما شاهده بأم عينه: "كان أعظم ما يعلمه أولئك القوم من الحلي هو الخرز الأخضر! يشترون الخرزة بدرهم، وينظمونه عقودًا لنسائهم. وهم أقذر خلق اللَّه لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضالة، يجيئون من بلدهم فيُرسون سفنهم بإتل، وهو نهر كبير، ويبنون على شطه بيوتًا كبارًا من الخشب. ولا بد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء يكون وأطفسه. وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه، وشعر رأسه فيغسله ويسرّحه بالمشط في القصعة، ثم يتمخط ويبصق فيها، ولا يدع شيئًا من القذر إلا فعله في ذلك الماء، فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي جانبه ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت. وكل واحد منهم يتمخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها. وساعة توافي سفنهم إلى هذا المرسى يخرج كل واحد منهم ومعه خبز ولحم وبصل ولبن ونبيذ، حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة، لها وجه يشبه وجه الإنسان، وحولها صور صغار، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت في الأرض، فيوافي إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها، ثم يترك الذي معه بين يدي الخشبة -ويقول لها: "يا ربي! أريد أن ترزقني تاجرًا معه دنانير ودراهم كثيرة فيشتري مني كل ما أريد ولا يخالفني فيما أقول"؛ ثم ينصرف. فإذا تعسر عليه بيعه وطالت أيامه، عاد بهدية ثانية وثالثة، فإنْ تعذر ما يريد، حمل إلى كل صورة من تلك الصور الصغار هديةً، وسألها الشفاعة، وقال: "هؤلاء نساء ربنا وبناته وبنوه"، لا يزال يطلب إلى صورة صورة يسألها، ويستشفع بها ويتضرع بين يديها، فربما تسهّل له البيع فباع، فيقول: "قد قضي ربي حاجتي، وأحتاج أن أكافيه". فيعمد إلى عدة من الغنم أو البقر فيقتلها ويتصدق ببعض اللحم، ويحمل الباقي فيطرحه بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها. ويعلق رؤوس البقر أو الغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض. فإذا كان الليل وافت الكلاب فأكلت جميع ذلك، فيقول الذي فعله: "قد رضي ربي عني وأكل هديّتي! " وإذا مرض منهم الواحد ضربوا له خيمة ناحيةً عنهم، وطرحوه فيها، وجعلوا معه شيئًا من الخبز والماء، ولا يقربونه ولا يكلمونه، بل لا يتعاهدونه في كل أيام مرضه لا سيما إن كان ضعيفًا أو مملوكًا. فإن برئ وقام رجع إليهم، وإن مات أحرقوه، فإن كان مملوكًا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير. وكان يقال لي إنهم يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورًا أقلها الحرق. فكنت أحب أن أقف على ذلك، حتى بلغني موتُ رجل منهم جليل، فجعلوه في قبره، وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها. وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة، ويجعلونه فيها ويحرقونها. والغني يجمعون ماله، ويجعلونه ثلاثة أثلاث. فثلث لأهله، وثلث يقطعون له به ثيابًا، وثلث ينبذون به نبيذًا يشربونه يوم تقتل جاريتُه نفسها، وتُحرَق مع مولاها. وهم مستهترون بالنبيذ يشربونه ليلًا ونهارًا، وربما مات الواحد منهم والقدح في يده. عندما يموت رجل جليل منهم، أو أحد رؤسائهم يقومون بوضعه في قبره ويقفلون عليه القبر لمدة عشرة أيام، حتى يفرغوا من تفصيل وحياكة الملابس اللازمة لهذه المراسم، مراسم حرق الميت، ومن ضمن هذه المراسم أن تحرق معه إحدى جواريه، فسأل سائل: من منكن يموت معه؟ فوافقت إحداهن طائعة راضية بمحض إرادتها، فهذا حسب معتقداتهم شرف لها، ومن لحظة موافقتها، تسهر بقية الجواري علي خدمتها، لدرجة أنهن يغسلن رجليها بأيديهن وهم يستعدون لتفصيل وحياكة الملابس اللازمة للحرق والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة. ولما كان اليوم الذي سيحرق فيه الميت وجاريته، قامت الاستعدادات لذلك أمام النهر الذي ترسو فيه سفينته، التي يجري إعدادها بشكل فائق الجودة والبذخ بما فيه السرير الذي سوف يمدد عليه الرجل المتوفى، وتشارك في هذه المراسم، امرأة عجوز شمطاء، تسمي عندهم (ملك الموت) وهي التي تتولي قتل الجارية التي وافقت علي الموت مع سيدها وفي اللحظة المحددة يخرجون الميت من قبره، ويلبسونه سراويل جديدة، ويضعونه في الخيمة التي علي السفينة، ويجلسونه وقد اسندوه بالمساند، ووضعوا أمامه الفاكهة والريحان والنبيذ والخبز واللحم والبصل، ثم يقطعون كلبًا إلى نصفين ويلقونه في السفينة، ويضعون جنب المتوفى جميع سلاحه، ثم يجيئون بفرسين يذبحونهما بعد الغرق ويقطعون لحمهم بالسيف ويلقونه بالسفينة، ثم يفعلون الشيء ذاته ببقرتين وديكا ودجاجة، وأثناء ذلك تقوم الجارية التي سوف تحرق معه بالمرور داخل الخيم المنصوبة علي شاطئ النهر أمام السفينة، فينكحها كل صاحب خيمة ويقول لها: سلّمي على مولاكِ وقولي له إنما فعلت هذا حبًا به! وبعد حركات متعددة تقوم الجارية أمام الحضور مع العجوز (ملك الموت) لتصعد إلي السفينة، فتشرب النبيذ، قدحًا بعد قدحٍ، وملك الموت تقتلها بخنجر عريض النصل، والرجال يضربون بالخشب علي التراس، لئلا يسمع صوت صراخها، فتجزع بقية الجواري، فلا يوافقن بعد ذلك علي الموت مع أسيادهن، ثم يتم حرق السفينة بكل ما فيها: الرجل السيد المتوفى وجاريته المتوفاة، وكل الأشياء والحاجات التي تم جمعها في السفينة، في أثناء تلك المراسم العجائبية". وبعد هذه المناظر الهمجية التي رآها ابن فضلان في مغامرته، صلى للَّه ركعتين شكرًا للَّه على نعمة الإسلام، وقرر الرجوع إلى البلاد الإسلامية وترك أولئك الهمجيين، واعتقد ابن فضلان أنه بعد مشاركته في مراسم الميت ودفنه، سوف يسمح له بالمغادرة، لكن ظنه خاب، فقد بدأ الصراع الداخلي بين زعماء أهل الشمال لخلافة الزعيم المتوفى، وانحصر الصراع بين زعيمين منهم. وكان كل واحد يحشد لمناصرته الأعيان وذوي النفوذ، ووإن أحدهما ويدعى (توركيل) يتطلع لمساندته ضد الآخر ويدعى (بولييف) في صراعهما علي الزعامة، خاصة أنه (توركيل)، كان طيلة الوقت يعتقد أن ابن فضلان مشعوذ وساحر يتمتع بقوة معينة، بسبب قراءته للقرآن وقيامه الليل، لذلك سمع ابن فضلان نصيحة الترجمان، وقرر البقاء وعدم اللجوء للهرب، لأنه سيعامل في حالة إكتشاف أمره كلص، حيث يقوده الناس إلي شجرة ضخمة، ويوثقون حبلا قويا حوله ويشنقونه ثم يتركونه معلقا حتى يبلي جسمه ويتناثر إربًا إربًا بفعل الريح والمطر. ثم حدثت مفاجأة غيرت من مجري الصراع على الزعامة، فقد وصل رسول من بلاد الشمال البعيدة "السويد" من قبيلة بولييف ليخبره أن هناك أخطارا جمة تحيق ببلاده البعيدة وأنه علي بولييف الاستعداد للعودة إلي بلاده لإنقاذها من هذه الأخطار، فقام بولييف باستدعاء العجوز الشمطاء (ملك الموت) فقامت ببعض حركات الشعوذة لتخبر بعدها بولييف أنه دُعي من قبل الآلهة لترك هذا المكان بسرعة، وأن ينصرف كبطل لصد ما يهدد بلاد الشمال من الخطر، وأخبرته أيضًا أن فريقه كاملا يجب أن يكون مؤلفًا من ثلاثة عشر محاربًا أحدهم من غير أهل الشمال، لذلك كان الثالث عشر غير الشمالي هو أحمد بن فضلان، ومنذ تلك اللحظة حمل صفة المحارب الثالث عشر، رغم كل الاعتذارات والتبريرات التي قدمها لاستثنائه من تلك المهمة، لذلك كانت هذه الحالة الإجبارية كارثة حقيقية لابن فضلان، مما حدا به للقول: "بالنسبة لشخصي اعتبرت حالي كحال الشخص الميت". لتبدأ بذلك مغامرة جديدة لا يتسع كل كتابي هذا لذكرها، فقد كان الهدف الذي أردته هو تنبيه الأمة بتاريخها المنسي، أما من أراد متابعة مغامرات ابن فضلان فعليه أن يقرأ رسالته الشهيرة، على أن يحذر من التشويه العظيم الذي وضعه المستشرقون فيها من طعونات في شرف هذا الداعية الإسلامي العظيم! أما الآن. . . فلنترك هذه الأجواء الباردة، لننتقل إلى أجواءٍ حارة ملتهبة، لنتابع معًا قصة عظيم إسلامي آخر، حمل راية الإسلام عاليًا في شبه القارة الهندية، ليكون سببًا في إسلام ٥٠٠ مليون مسلم، أي أن عظيمنا القادم ساهم في إسلام واحد من كل ثلاثة مسلمين موجودين في عالمنا المعاصر! فمن يكون ذلك السلطان الإسلامي العظيم؟ وكيف أنقذ الإسلام من الاندثار في الهند؟ وما هي قصة الإسلام في الهند؟ ولماذا دخل ملايين الهنود في الإسلام بسرعة البرق؟ وكيف قسم الهنود البشر إلى ٤ طبقات؟ وما هي علاقة بطلنا القادم بـ "تاج محل"؟ ولماذا يعتبره الهنود أعظم إنسانٍ حكم شبه القارة الهندية في التاريخ؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#86
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (90) " السلطان العالم" (أورانج زايب عالَم قير) " إن الأسى ليعتصر قلبي، وأنا أرى إخواني وأخواتي لا يعرفون هذه الشخصية، ولا يدركون عظمتها، ولم يسبروا كنهها وغورها، وهذا واللَّه يحز في نفسي، أن يغيب عن ذاكرتنا رجلٌ عظيم، جليل القدر، رفيع المكانة، غزير العلم، مثل أورانج زايب عالم قير" (الشيخ المؤرخ: محمد الشريف) لن أبدأ الحديث عن هذا البطل الإسلامي بالسؤال الشهير الذي أطرحه عند بداية ترجمتي لمعظم أبطال هذا العمل، فلن أسأل إن كان أحدنا يعرف شيئًا عن هذا السلطان الهندي العظيم، فأنا على يقينٍ تامٍ، أن جلَّ معلوماتنا عن الهند تقتصر على تلك الأفلام الهندية التي تنتجها هوليود الشرق "بوليود"، والتي يدمن كثير من شباب المسلمين على مشاهدتها، وفي بعض الأحيان في تقليد حركات أبطالها البهلوانية أيضًا! ولو علم شباب الإسلام أننا حكمنا تلك الأرض لما يقرب من ألف عام، رفعنا فيها راية الإسلام الخفاقة، فصدحنا بأذان اللَّه أكبر في جميع أرجائها، لما حرصوا على متابعة تلك الأفلام بقدر حرصهم على قراءة تاريخ أمتهم! ولغيَّر شبابنا بعضًا من نظريتهم العنصرية تجاه إخوتهم الهنود، فالمسلمون الهنود (وأعني هنا مسلمي القارة الهندية من بنغلادش إلى باكستان مرورًا بالهند الحالية) يمثلون ثلث عدد المسلمين بالكلية، أي أنه من بين ثلاثة مسلمين يعيشون على الكرة الأرضية هناك هندي مسلمٌ بينهم! والفضل الأكبر لإسلام هؤلاء الإخوة من الهنود يرجع أولًا وأخيرًا إلى رجالٍ من أمثال بطلنا الذي نحن في صدد الترجمة له، وليت شعري أي ترجمة يمكن لي أن ترجمها لرجلٍ بمثل عِظم قدره، وسمو مكانته، وعلو همته، وعظيم سلطانه، إلا أنني أرى أنه من الضروري لهذه الأمة، إذا ما أرادت النهوض من حالة الغثيان التي تمر بها حاليًا، أن تستذكر بعض قصص أبطالها، كي يجد الجيل القادم نبراسًا يضيئ لهم جنبات الطُرق المظلمة، لذلك رأيت ضرورة الكتابة عن هذا العملاق الإسلامي، مستعينًا بجل ما سأكتب عنه باللَّه أولًا، ثم بالأبحاث الجليلة التي قام بها الشيخ الدكتور (محمد بن موسى الشريف) جزاه اللَّه خيرًا، الداعية المشهور، وصاحب موقع التاريخ www.altareekh.com. وكما تعودنا في هذا الكتاب بأخذ خلفية تاريخية عن كل قصة نخوض في غمارها، أرى أن نأخذ خلفية عن قصة الإسلام في الهند، والحقيقة أنني أرى أن قصة الإسلام في الهند بدأت في وقتٍ مبكرٍ للغاية، وبالتحديد مع رسول الرحمة، وبالتحديد أكثر مع رحلة الطائف عندما رفض رسول اللَّه عرض ملك الجبال أن يدمر المشركين بإذن اللَّه، بعد أن أهانوه أشد الإهانة في الطائف، حين أجاب رسول الرحمة على عرض ملك الجبال بقوله: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". وفعلًا، مرت الأيام والسنون، فدخلت مكة كلها في الإسلام، ودخلت بعدها الطائف، وتحققت نظرة رسول اللَّه المستقبلية، فخرج من أصلاب هؤلاء من لا يكتفي فقط بأن يعبد اللَّه وحده، بل يقوم أيضًا بحمل راية لا إله إلا اللَّه إلى كل بقعة في الأرض، فمن صُلب المجرم الوليد بن المغيرة خرج خالد ابن الوليد، ومن صلب أبي جهل خرج عكرمة بن أبي جهل، ومن صلب العاص بن وائل خرج عمرو ابن العاص، ومن صلب عتبة بن ربيعة خرج أبو حذيفة بن عتبة، وبعد عشرات السنين، ومن قبيلة ثقيف في الطائف التي أهانت الرسول في جاهليتها، خرج شابٌ عمره ١٧ سنة، حمل راية الإسلام الأموية، ليحملها إلى شبه القارة الهندية، ليخلفه رجالٌ أشداء نشروا الإسلام في جميع أرجاء القارة شبه الهندية. وهنا وقفة قصيرة أيضًا عن سر الانتشار السريع للإسلام في صفوف الهنود، والسبب يرجع لما وجده فقراء الهند في سماحة الإسلام وعدله، فلقد ذكرنا فيما سبق (في معرض حديثنا عن آريوس) أن الهنود كانوا يعبدون كل شيء في الطبيعة، من أول الشر وحتى الأعضاء التناسلية، ولكن أشهر الأديان في الهند كان دينًا قائمًا على فكرة الثالوث المقدس (كأغلب الأديان الوثنية)، فكان إله الهندوس ينقسم إلى ثلاثة آلهة هي: ١ - (براهما): الموجد والخالق. ٢ - (فشنو): الحافظ. ٣ - (سيفا): المهلك. فكان الهنود يعتقدون أن من يعبد أحد الآلهة الثلاثة فقد عبدها جميعًا، ومن عبدها جميعًا فقد عبد أحدها! (قارن ذلك بفكرة الثالوث المقدس في المسيحية المعاصرة!). ولكن الكارثة الكبرى لم تكمن في ذلك فحسب، بل كانت أيضًا في النظام الطبقي العنصري الذي كان سائدًا في الهند قبل أن يُشرق الإسلام بنوره عليها، فمنذ أن وصلت القبائل الآرية إلى الهند إلى الهند، تشكل في الهند نظامٌ طبقي ما عرفت الأرض مثله، فقد قسم الهنود البشر إلى أربعة أقسام: ١ - (البراهمية): وهم الذين خلقهم الإله براهما من فمه: منهم المعلم والكاهن، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم. ٢ - (الكاشتر): وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه: يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. ٣ - (الويش): وهم الذين خلقهم الإله من فخذه: يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية. ٤ - (الشودر): وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم المنبوذين من عامة الشعب من الزنوج الأصليين، ويشكلون طبقة المنبوذين، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاثة السابقة الشريفة ولا يمتهنون إلا المهن الحقيرة والقذرة! لذلك عندما جاء المسلمون إلى الهند بدين محمد بن عبد اللَّه الذي لا يفرق بين البشر، دخل عامة الشعب من المنبوذين في دين اللَّه أفواجًا، ليكون الإسلام هو الدين الرئيسي للهند لما يقرب من ألف عام. صدح فيها الأذان في جميع أرجائها. والآن وبعد أن أخذنا صورة بسيطة للغاية عن وضع الهند المعقد، جاء الوقت لكي نأخذ نبذة مختصرة للسيرة العظيمة لبطلنا العظيم: أورانج زايب عالم قير رحمه اللَّه تعالى وأسكنه فسيح جناته. والعجيب أن هذا السلطان العظيم كان من سلالة المجرمَيْن "جنكيز خان" و"تيمور لنك"، ولكن اللَّه شاء أن يكون من نسلهما من يرفع راية الإسلام عاليًا، فأورانج زايب عالم قير هو ابن السلطان المغولي "شاه جيهان" الذي حكم الهند في القرن السابع عشر الميلادي، ولكن هذا السلطان تحول إلى رجلٍ مجنون بعد وفاة زوجته الجميلة "ممتاز محل"، فقام هذا السلطان -كعادة أصحاب الهوى دائمًا- بتحكيم العاطفة على الشرع، فأمر ببناء ضريحٍ يخالف الشرع لزوجته الجميلة التي فارقت الحياة الدنيا، فأنفق أموال المسلمين لمدة ٧ سنوات سخّر فيها جهود ٢٠٠٠٠ عامل لبناء قبر حبيبته، وفي الوقت الذي أحاط به أعداء الإسلام بدولة الهند الإسلامية من كل جانب، كان هذا المحب المجنون يبكي على حبيبته ليل نهار، وفعلًا كاد الإسلام أن يضيع بالهند بسببه، وواللَّه ما ضاع الإسلام وضعف إلا بسببٍ شبابٍ حمقى مثل هذا العاشق الولهان، والذين يحوّلون العاطفة إلى ربٍ لهم من دون اللَّه! فلقد استولى ابنه الأكبر (درشكوه) على زمام الحكم، وأصبح هو الحاكم الفعلي للإمبراطورية، ولكن الخطر كان يكمن في أن درشكوه أراد إحياء مذهب كفري اسمه "المذهب الإلهي" وهو مذهب يجمع بين جميع الأديان في دين واحد، فتحرك بطلنا نحو العاصمة "دهلي" (وليس دلهي كما يشاع) "فاستولى على الحكم ليمنع أخاه من نشر المذهب الإلهي في الهند، ثم قام بعزل أبيه الذي جن من كثر البكاء على زوجته، ووضعه في قصرٍ معزول بعد أن صنع له أضخم مرآة في العالم ينظر من خلالها على تاج محل حيث ترقد زوجته الحسناء، فظل هذا العاشق الولهان ينظر على قبر حبيبته حتى دُفن بجانبها! أما البطل الإسلامي أوارنج زايب، فكانت حياته أكبر من هذه التفاهات، فقد أحيى السنة النبوية في أرجاء الهند، وقضى على البدع، وجاهد في سبيل اللَّه في أرجاء الأرض ينشر دين التوحيد، فحارب ملوك الهندوس العنصريين، وقطع أرجل الشيعة الروافض من الدخول للهند أبدًا، بعد أن اكتشف خيانتهم وتحالفهم مع الهندوس (كالعادة!)، ليس هذا فحسب، بل كان الإمبراطور العظيم شاعرًا عظيمًا، وأديبًا رقيقًا، فكتب الأشعار في نصرة الإسلام، وأصدر كتابًا لا يزال يُدرس إلى يومنا هذا في الجامعات الإسلامية اسمه "الفتاوى العالم قيرية" وهو معروف لطلبة العلم باسم "الفتاوى الهندية"، وظل ٢٧ سنة يجاهد الهندوس والصليبيين البرتغاليين من جهة والشيعة الرافضة من جهة أخرى، فانتشر العدل في زمانه أيّما انتشار، وزاد عدد المسلمين بشكلٍ رهيب، بعد ما رأوه من عدله وزهده، فتكونت له إمبراطورية ضخمة من جبال الهملايا إلى المحيط الهندي، ومن البنغال حتى طاجكستان. وعلى الرغم من اتساع رقعة دولته وكثرة مشاغله، اهتم السلكان أورانج زايب بالعلم، فحفظ القرآن وهو في سن الأربعين! فلم يكن السلطان ممن يقولون أنه لا وقت لديهم لحفظ القرآن، ليس ذلك فحسب، بل كان السلطان فنانًا خطاطًا لا يشق له غبار، فلقد كان يكتب القرآن بخط يده، ليعيش على ذلك، وقد كتب نسختين عظيمتين للقرآن بخط يده، أرسل إحداها إلى مكة والثانية إلى المدينة، فنشر العلم في أرجاء الهند في مدة حكمه التي استمرت ٥٠ سنة بالتمام والكمال، ليحافظ على هذا الدين في تلك البلاد البعيدة، قبل أن تحين ساعة فراقه للدنيا، فيأمر أولاده بتكفينه بكفنٍ اشتراه بخمس روبيات جمعها بنفسه، بعد أن كان يغزل الصوف بيديه ليبيعه إلى في السوق سرًا، ليعيش على ذلك المال، ليدل أبناءه قبل موته على مكان ثروته، يوصيهم أن ينفقوها على الأيتام والأرامل، فذهب الأبناء إلى ذلك المكان الذي دلهم عليه أبوهم، ليجدوا فيه ٣٠٠ روبية هي كل ثروة إمبراطور أعظم إمبراطورية هندية في التاريخ! فرحم اللَّه السلطان العظيم أورانج زايب عالِم قير. ولكن. . . . ماذا حدث للإمبراطورية الهندية الإسلامية من بعده؟ وكيف استولى الإنجليز عليها؟ وكيف قُسِّمت الهند إلى عدة دول؟ ومن هو القائد الإسلامي العظيم الذي أسس دولة باكستان الإسلامية؟ ولماذا ركّز الغرب على (غاندي) وأهملوا ذكره، على الرغم من كونه أستاذًا لغاندي في حركة الكفاح الهندي؟! يتبع. . . . . .
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |