الخلال النبوية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         النبي محمد والسيدة خديجة.. حكاية الدعم والوفاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 253 )           »          امتهان المرأة.. أحد مظاهر التردي الأخلاقي لدى الشباب العلماني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 250 )           »          فخ التغريب.. الوجه القبيح للعلمانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 261 )           »          هكذا تأثرت المرأة المسلمة بالمد العلماني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 260 )           »          5 أرقام صادمة عن الحركة النسوية العالمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 279 )           »          ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 288 )           »          هل تفسير الرؤى علم يدرس؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 276 )           »          لا إسلام بغير السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 293 )           »          الفكر والحجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 292 )           »          مقال في قضية الانتحار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 307 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20-08-2026, 09:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,747
الدولة : Egypt
افتراضي الخلال النبوية

الخلال النبوية (1)

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (أ)

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الحمدلله؛ رحم هذه الأمة الخاتمة فأكرمها بأفضل خلقه، وبعث فيها خاتم رسله، نحمده على عظيم نعمه، ونشكره على تعدد مننه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيه ﴾ [الأنعام: 12]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ كان أرحم نبي لأمته، وأشدهم شفقة ونصحا، وأكثرهم عفوا وصفحا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فلا منجاة للعباد يوم القيامة إلا بها ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الزمر: 61].

أيها الناس:
رحمة الله تعالى بعباده عظيمة، ومنته عليهم كبيرة، وهو عز وجل ذو الرحمة الكاملة التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، وليس العجز والضعف باعثا عليها بحال من الأحوال؛ وإنما هي رحمة الرحيم الرحمن، الذي وسع كل شيء رحمةً وعلمًا.


وأعظم رحمة حظيت بها هذه الأمة من الرب جل جلاله:
اختصاصها بنبي الرحمة، الذي ختم الله تعالى به النبوات، وأخرج العباد به من الظلمات، وأنزل ببركته أنواع الرحمات، فأهل الأرض يتراحمون بها إلى يوم القيامة، وصدق الله الكريم إذ يقول ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].


فرسالته عليه الصلاة والسلام التي بلغها عن ربه جل في علاه قد أفاضت على العباد بأنواع الرحمات، وشملت الرحمة به عليه الصلاة والسلام الإنس والجن، والطير والحيوان، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، وما من أحد على الأرض منذ بعثته عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة إلا أصابه شيء من تلك الرحمة التي جعلها الله تعالى واصلة للعالمين كلهم؛ ولذلك جاء في حديث مرسل أنه عليه الصلاة والسلام قال: (يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة)؛ رواه الدارمي وصححه الحاكم.

وأخص العالمين بتلك الرحمة، وأكثرهم حظا منها: من آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، وفلاحهم يكون في الدنيا والآخرة، وكما جاء النص القرآني بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين جاء كذلك بالنص على أنه عليه الصلاة والسلام رحمة للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ [التوبة: 61].

ومن رحمته عليه الصلاة والسلام لمن آمن به، ودان بدينه: دعاؤه لهم؛ إذ كان يكثر من ذلك، ولا سيما إذا تذكر حال الأنبياء السابقين مع أممهم، فتغلبه رحمته لأمته فيدعو لهم؛ كما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، فرفع عليه الصلاة والسلام يديه وقال: (اللهم أمتي أمتي)، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال - وهو أعلم - فقال الله تعالى: (يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)؛ رواه مسلم.

وخطب عليه الصلاة والسلام يومًا فقال: (أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبى، أو لعنته لعنة فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها صلاةً عليه يوم القيامة)؛ رواه أحمد.

وبلغ من رحمته عليه الصلاة والسلام بأمته أنه قدمهم على نفسه في دعوة مجابة أعطاه الله تعالى إياها كما أعطى الأنبياء قبله، فلم يخصها لنفسه بل ادخرها لأمته؛ كما روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)؛ رواه الشيخان، وفي رواية لهما - واللفظ لمسلم - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا).

صلوات ربي وسلامه عليه، ما أعظم رحمته بنا، وما أشد حرصه علينا!! أَيُلَامُ المؤمنون به أن أحبوه وعزروه ونصروه، وقد آثرهم على نفسه، وخصهم بدعوته، في موقف يا له من موقف؟! والله لا يلومهم على ذلك إلا كافر لم يؤمن به، أو منافق يخفي كفره، أو جاهل لم يعرف فضل الرسول صلى الله عليه وسلم.

وما أخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين إلا وقد شملت رحمته الكفار والمنافقين، وبيان ذلك أن المشركين دعوا على أنفسهم بالعذاب فقالوا ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: 32] فرفعه الله تعالى عنهم ببركة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33]، وأما بعد موته عليه الصلاة والسلام فبالاستغفار الذي شرعه لهم، ودلهم عليه ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33].

ولما اشتد به أذى المشركين، وصدوا عن دعوته، وعذبوا أصحابه، ولحقه من الهم ما لحقه؛ استأذنه ملك الجبال أن يهلك المشركين، ويسحقهم بين جبلين عظيمين؛ فرحمهم عليه الصلاة والسلام رغم شدة أذاهم له، وأمهلهم مرة بعد مرة، ولم ينتصر لنفسه لما جاءه النصير، بل غلبت رحمته لقومه انتقامه لنفسه؛ فقال عليه الصلاة والسلام لملك الجبال عليه السلام: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)؛ متفق عليه.

وسبب ذلك أنه ما أراد عذاب أمته، بل ابتغى أن يكون ذخرا لهم، وخيرا متقدما يجدونه أمامهم بعد وفاتهم؛ كما روى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره)؛ رواه مسلم.

ولما دعا على المشركين بالجوع فأصابهم شكوا إليه ما وجدوا فرحمهم عليه الصلاة والسلام فعاد يدعو لهم بالغيث فسقوا؛ كما روى ابن مسعود رضي الله عنه: أن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله؛ رواه الشيخان، وفي رواية للبيهقي: فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث.

ولما قال له أحد أصحابه رضي الله عنهم: يا رسول، الله ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة)؛ رواه مسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام شديد الأسى، كثير الحزن على من لم يؤمن من قومه، لا يهنأ بعيش وهو يراهم على الكفر؛ رحمة بهم، وشفقة عليهم، فعاتبه الله تعالى في ذلك ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6] أي: لعلك مهلك نفسك أو قاتلها أسفا عليهم إذ لم يؤمنوا، وفي الآية الأخرى ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، واشتدت به الحسرة عليهم حتى خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8]، وسلَّاه ربه عز وجل في حزنه هذا بقوله تعالى ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: 33].

إنها - والله - لرحمة عجيبة منه عليه الصلاة والسلام لقومٍ كذبوه واستهزءوا به وبدينه، وآذوا أتباعه، واضطروه إلى الهجرة عن بلده، وقتلوا أصحابه، وحاولوا قتله غير مرة، وجمعوا الجموع لحربه، وجرحوه في أحد، وكسروا رباعيته، وهشموا البيضة على رأسه، ومع ذلك كله يرحمهم ويأسى عليهم، ويحزن لأجلهم، ويستغفر لهم قبل أن ينهى عن ذلك فيقول (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ولم يكن أشدَّ فرحا بشيء فرحه بواحد منهم يدخل في الإسلام.

روى أنس رضي الله عنه فقال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم)، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)؛ رواه البخاري.

إن الله تعالى قد رحم بالنبي صلى الله عليه وسلم المشركين فرفع عنهم العذاب بحلمه عليهم، وعفوه عنهم، وطلبه إمهالهم، واستسقائه لهم، ورحم به المنافقين بقبول معاذيرهم إذا اعتذروا، وتصديقهم إذا حلفوا، وحقن دمائهم، ومعاملتهم بظاهر حالهم، ورد سرائرهم إلى الله تعالى، واشتهر ذلك عنه عليه الصلاة والسلام حتى لمزه به المنافقون ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ [التوبة: 61] أي: يستمع لنا، ويقبل أعذارنا، وسنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا، فكان رد الله تعالى عليهم ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ [التوبة: 61] يعني: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم.


وفي قول الله عز وجل ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف.

ومظاهر رحمته عليه الصلاة والسلام للناس أجمعين، بل حتى للحيوان لا يتسع هذا المقام لعدِّها كلها، فضلا عن عرضها بحوادثها وتفصيلاتها... ومن المعجزات النبوية أن بعض الحيوان كان يحس برحمة النبي صلى الله عليه وسلم فيلجأ إليه يشتكي رهق مالكه، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه فسكت، فقال: (من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟) فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إليَّ أنك تجيعه وتدئبه) أي: ترهقه في العمل. رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


الخطبة الثانية




الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.


أما بعد:


فاتقوا الله تعالى وأطيعوه.


أيها الناس:


كما حفظت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة أظهرت رحمته بالعالمين؛ فإنها حفظت كذلك مواقف أخرى أوقع فيها العقوبة الشديدة على من يستحقها، وليس ذلك مما يتعارض مع صفة الرحمة التي امتلأ قلبه بها، بل إن وضع الرحمة في غير موضعها مما يذم ولا يحمد؛ وذلك كتعطيل الحدود والتعزيرات رحمة بالمجرمين، ولازم ذلك سلب الرحمة عن عموم الناس لحساب أهل الفساد والإجرام.


وكما دعا النبي عليه الصلاة والسلام لبعض المشركين بالهداية، واستسقى لهم؛ دعا كذلك على آخرين بالعذاب والزلزلة والنار، فعلم أن الدعاء للمشركين بالهداية جائز كما أن الدعاء عليهم بالعذاب جائز كذلك.

ولما عدا يهودي على جارية فأخذ ذهبها، ورضخ رأسها بالحجارة؛ رضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين حجرين.



وأسلم ناس من العرنيين فألحقهم عليه الصلاة والسلام بإبل الصدقة ليشربوا من ألبانها، ويتداووا بأبوالها، فلما صحوا وتعافوا؛ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. وفي رواية: فأمر عليه الصلاة والسلام بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا في الحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا. قال أنس رضي الله عنه: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت، وفي رواية قال أنس رضي الله عنه: فلقد رأيت أحدهم فاغرًا فاه يعضُّ الأرض ليجد من بردها مما يجد من الحر والشدة. وقصتهم مخرجة في الصحيحين.



ونقض يهود قريظة العهد، وحكّم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قضيت بحكم الله)، فخدت لهم خنادق في الأرض، وضربت أعناق رجالهم فيها، وكانوا يقاربون ست مئة رجل، وسبيت نساؤهم وذراريهم، وغنمت أموالهم. وكان هذا الجزاء العادل حكم الله تعالى فيمن نقضوا العهد، وأرادوا السوء بالمسلمين وقصتهم أيضا في الصحيحين.



كل هذه الحوادث ومثيلاتها تشريع من رب العالمين، أوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حكم النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء المجرمين بما سمعتم، وأقرَّ الله تعالى حكمه، فكان ذلك تشريعا، ورسولنا صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فعلم أن هذه الأحكام منه صلى الله عليه وسلم - وإن بدت للبعض قاسية - حق لا باطل فيه أبدا.



وإزاء هذه الحوادث ومثيلاتها في السيرة النبوية اختلفت مواقف الناس في هذا العصر.

وضلَّ فيها طائفتان من الناس:


فالكفار والمنافقون، ومن في قلوبهم حقد على الإسلام والمسلمين: أبرزوها كدليل على دموية المسلمين، والقدح بها في النبي صلى الله عليه وسلم، واختزلوا السيرة النبوية في ذلك، مع تعاميهم عن الجرم الذي ارتكبه من استحقوا تلك العقوبات، وإخفائهم للحوادث الكثيرة التي تدل على العفو والصفح والرحمة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.


والطائفة الأخرى: قوم قابلوا هؤلاء، فجدَّوا واجتهدوا في الذب عن الإسلام، لكنهم أخطئوا الطريق، ولم يوفقوا في المعالجة؛ إذ حَرِجُوا من مثل تلك المواقف، فراح بعضهم ينكرها ولو كانت ثابتة، أو يتكلف في تأويلها بما يضعف حجته، وينقص عقله، وكثير ممن سلكوا تلك الطريق الوعرة هم ممن سلَّموا ببعض المبادئ الغربية الإلحادية، ويدعون إلى حرية الرأي وحرية التدين التي منها جواز تغيير الدين حسب المنهج الغربي، فيضطرون لأجل ذلك إلى إلغاء حدِّ الردة... وإذا تحدثوا عن الإسلام اختزلوه في صور السماحة والعفو، ولا يعرضون العقوبات في الإسلام إلا على استحياء وبخفض صوت، ويعللونها بتعليلات سامجة باردة.



وسبب ذلك: أن هؤلاء - هدانا الله وإياهم - قد بُهروا بما في القوانين الدولية من مواد حفظ حقوق الإنسان، وجعلوها حقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم حاكموا شريعة الإسلام إليها، فما وافقها رفعوا عقيرتهم مثبتين أن الإسلام سبق إليها، وما خالفها أخفوه أو سكتوا عنه، فإن جوبهوا به من قبل الأعداء أنكروه، أو تأولوه، أو استخرجوا له مذهبا شاذا، أو قولا مهجورا ليس له من الدليل إلا أنه موافق للقانون الطاغوتي الوضعي، فهم قاسوا شريعة الله تعالى المحكمة بشرائع البشر الفاسدة، وحاكموها إلى ما يعارضها ويناقضها وهي الحاكمة، وهذا أُسُّ الخطأ، وسبب الضلال والانحراف.



وما علم هؤلاء المفتونون أننا لسنا ملزمين بإقناع أعدائنا بأحكام ديننا، فإن آمنوا فلهم، وإن كفروا فعليهم. لكننا ملزمون بتعظيم شريعة ربنا، والأخذ بجميع أحكامها، وعدم الحرج من شيء منها، ولو كان يزعج الأعداء، ويخالف قوانينهم الوضعية.



وليعلم كل من يزور شريعة الله تعالى لأجلهم أنهم لن يرضوا عنه حتى يخرج من دينه، ويتبعهم في إلحادهم؛ فأولى له سلامة دينه من مراعاة أعدائه، وشريعة الله تعالى فوق نقد الناقدين، ويجب ألا تُضاهى بتخبطات القانونيين، وهي شريعة خالدة باقية على رغم أنوف الحاقدين والكارهين من الكفار والمنافقين؛ فمن رضيها وسلَّم بها فهو ينفع نفسه، ومن ردها أو عارضها فهو يضر نفسه، ولن يضر الله تعالى شيئا ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 99، 100].



وصلوا وسلموا على ربكم....



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-08-2026, 09:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (2)



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل




وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (ب)




الحمدلله؛ كتب على نفسه الرحمة، وأتم على عباده النعمة، فبعث فيهم أرحم الخلق بهم، وأحرصهم عليهم ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] أحمده سبحانه على نعمه المتواترة، وأشكره على مننه المتكاثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رحم عباده بالدين والشرائع التي تدل على الخير والمصالح، وترفع الشر والمفاسد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ اصطفاه على العالمين، وجعله حجة على الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله ربكم، واستمسكوا بدينكم؛ فإن الله تعالى قد شرع لكم من الدين أحسنه، وفرض عليكم من الشريعة أكملها ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، ولا يرضى لكم ربكم إلا ما هو خير لكم في الدنيا والآخرة؛ فهو الرحيم بكم الذي وسعت رحمته كل شيء، فاقبلوا عن الله تعالى دينه، وافرحوا بشريعته، واحمدوه إذ هداكم وقد ضلَّ غيرُكم ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [الحجرات: 17].


أيها الناس:

الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، اتصف بها فهو الرحمن الرحيم، ومن رحمته بالبشر أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وما ذاك إلا رحمة بهم، وهداية لهم، وقد خاطب سبحانه خاتم رسله فقال ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والشريعة، وما اتصف به من الرأفة والرحمة ما هو إلا من رحمة الله تعالى الذي أرسله بها، وحضه عليها؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة)؛ رواه مسلم.

ومظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم قد حفلت بها سيرته وامتلأت بها شريعته، فرحم الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمرأة والضعيف، بل شملت رحمته الحيوان والجماد، وجاء بشريعة كلها خير ورحمة للعباد، وما من سبيل يوصل إلى رحمة الله تعالى إلا جلَّاه لأمته، وحضهم على سلوكه، وما من طريق تبعدهم عن رحمة الله تعالى إلا زجرهم عنها، وحذرهم منها؛ رحمة بهم، وشفقة عليهم.


وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته:

أن اختار لهم من الشريعة أيسرها وأكملها، ومن الأحكام أخفها وأحكمها، ووصفته عائشة رضي الله عنها وهي ألصق الناس به فقالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه؛ رواه الشيخان.

وكان عليه الصلاة والسلام يترك العمل وهو يطيقه، ويود العمل به، ما يتركه إلا رحمة بأمته؛ خشية أن يفرض عليهم فلا يطيقه أكثرهم، ومن نظر في سنته عليه الصلاة والسلام تبين له ذلك، وكم من مرة قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بكذا وكذا، أو لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بكذا، قالت عائشة رضي الله عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم؛ رواه الشيخان.


وفي قيام رمضان صلى بأصحابه رضي الله عنهم ثلاث ليال، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)؛ متفق عليه.


وكان من رحمته بأمته:

أنه يغضب من المسائل التي قد يترتب عليها تشريع يشق على الناس، وينكر على من يسأله مثل تلك الأسئلة؛ كما روى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم)، ثم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)؛ رواه مسلم.

وبلغ من شدته في ذلك:

أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته)؛ رواه الشيخان.

وما كانت رحمته عليه الصلاة والسلام لأمته خاصة بالدنيا؛ بل شملتهم في الآخرة، فأجَّل دعوته المستجابة لأمته في الآخرة، ولم يعجلها لنفسه في الدنيا، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)؛ رواه الشيخان.


قال النووي رحمه الله تعالى:

وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخرَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم.

كان عليه الصلاة والسلام شديد الرحمة بالأطفال، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رواه مسلم.


ولما نازعت ابنه إبراهيم رضي الله عنه روحه جعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: (يا ابن عوف، إنها رحمة)، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)؛ رواه البخاري.


وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة)؛ رواه مسلم.


وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال: أنه يحملهم ويحنكهم، ويقبلهم ويداعبهم، ويضعهم في حجره، ولا يترفع عن شيء من ذلك، ولربما بال الصبي في حجره عليه الصلاة والسلام فلوث ثيابه، فلم يغضب على من أتى به، ولم يتبرم من ذلك، بل يكتفي بنضح ثوبه بالماء.


وكانت رحمته بالأطفال لا تفارقه حتى وهو في عبادته، ومناجاته لربه عز وجل، فصلى ذات مرة وهو حامل أمامة بنت زينب ابنته (فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها) متفق عليه. وروى شداد بن أوس رضي الله عنه فقال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال شداد: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قالكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)؛ رواه النسائي.


ومن رحمته بالنساء:

أنه عليه الصلاة والسلام حرَّج على المسلمين حق الضعيفين: اليتيم والمرأة، وقال عليه الصلاة والسلام: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)؛ رواه البخاري.

وكان يرحم ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.


وشملت رحمته عليه الصلاة والسلام أهل الحرب من المشركين فأمر أصحابه رضي الله عنهم في مغازيهم ألَّا يغلوا ولا يغدروا ولا يمثلوا ولا يقتلوا وليدا، وألا يعذبوا الأسرى بل يرفقوا بهم، ويحسنوا إليهم، وأن يحسنوا القتلة إذا قتلوا.

ومن صور الرحمة التي طبقها الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: ما رواه أبو عبد الرحمن الحبلي رحمه الله تعالى فقال: (كنا في البحر وعلينا عبدالله بن قيس الفزاري ومعنا أبو أيوب الأنصاري فمرَّ بصاحب المقاسم وقد أقام السبي، فإذا امرأة تبكي فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرقوا بينها وبين ولدها، قال: فأخذ بيد ولدها حتى وضعه في يدها، فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره، فأرسل إلى أبي أيوب فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)؛ رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.


وتعدت رحمته صلى الله عليه وسلم بني آدم إلى الحيوان فنهى عن تصبير البهائم، وهو أن تحبس وتتخذ هدفا يرمى إليه حتى تموت؛ ففيه تعذيب لها، وقال له رجل: (يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها، قال: (والشاة إن رحمتها رحمك الله)؛ رواه أحمد.


ومرَّ عليه الصلاة والسلام بِحُمَّرةٍ قد أخذوا ولدها وهي تُفَرِّشُ بجناحيها في الأرض وَجْدَا عليه فقال عليه الصلاة والسلام (من فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها)، وقال عليه الصلاة والسلام: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم أن تتخذوا دوابكم منابركم).


ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالجماد:

أنه كان يقوم يوم الجمعة إلى نخلة، فقال أحد الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: (إن شئتم)، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمها إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسَكَّن، قال: (كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها).

وفي رواية: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت؛ رواه البخاري.

وما نزول النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر، وإتيانه الجذع، وضمه ووضع يديه عليه حتى سكن إلا رحمة منه صلى الله عليه وسلم له.


فشملت رحمته صلى الله عليه وسلم العالمين، فكان رحمة لهم على ما أخبر الله تعالى بقوله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] وعلى ما وصفه به سبحانه من أنه ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] فجزاه الله تعالى عن أمته خير ما جزى نبيا عن أمته، ونسأله سبحانه أن يؤتيه الوسيلة والفضيلة، والدرجة العالية الرفيعة، وأن يبعثه مقاما محمودا الذي وعده، كما نسأله أن يجعلنا من أحبابه وأنصاره، وأن يحشرنا في زمرته، ويدخلنا الجنة معه، إنه سميع مجيب.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله تعالى لي ولكم...


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده على ما أنعم وأولى، ونشكره على ما هدى وأسدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، العبد المصطفى، والنبي المجتبى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى.

أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المؤمنون- وأطيعوه، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

أيها الناس:

مع كون النبي صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا، وقد جعله الله تعالى رحمةً للعالمين؛ فإنه كان يضع الرحمة في موضعها اللائق بها؛ لئلا تتحول إلى ضعف وعجز، أو يفهم من التخلق بها ذلك، فلقد قاتل عليه الصلاة والسلام من استحق القتال من اليهود والمشركين، وضرب بسيفه في سبيل الله تعالى، وقتل أُبَيَّ بن خلف بيده، وأمر بقتل جماعة من المشركين ومن اليهود، وأقام الحدود على من انتهكها؛ فرجم ماعزا والغامدية لما زنيا، وقطع السارق، وقتل المحاربين المرتدين بعد أن قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الحدود إذا بلغت الإمام أو نائبه وجب إقامتها فقال عليه الصلاة والسلام: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب) رواه أبو داود ومعنى الحديث: تجاوزوا عنها، ولا ترفعوها إليَّ فإني متى علمتها أقمتها.


وروى صفوان بن أمية رضي الله عنه فقال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثَمَنِ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخذ الرجل، فأُتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُمر به ليقطع قال: فأتيته، فقلت: أتقطَعُهُ من أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به؛ رواه أبو داود. وجاء في القرآن في شأن جلد الزانيين: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ [النور: 2].


فعلم بهذه النصوص الكثيرة:

أن الجهاد في سبيل الله تعالى، وما ينتج عنه من قتل المشركين ليس مما ينافي الرحمة، وأن إقامة الحدود لا تنافي الرحمة كذلك، بل هي من الرحمة لعموم البشر، وأما المناهج الوضعية الإلحادية التي سادت في هذا العصر فما هي إلا عقاب للضحايا والأبرياء، وعون للمجرمين على إجرامهم، ومكافأة للمفسدين على إفسادهم، وهي من أعظم أسباب الخوف والجوع.

كما أن إقامة الحدود من أعظم أسباب الأمن والرخاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حدٌّ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا)، وفي رواية: (إقامة حدٍّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحًا)؛ رواه ابن ماجه.


ولا يجوز لمؤمن بالله تعالى أن يعارض شريعة الله تعالى، أو يدعو لتعطيل حدوده بدعوى أن الزمن تغير، أو أن ذلك مما يعارض حقوق الإنسان التي تواضع البشر عليها في هذا العصر، فكل هذه الدعاوى إثم وضلال توصل أصحابها إلى الكفر بالله تعالى؛ إذ فيها منازعة لله تعالى في الحكم والتشريع، والله تعالى له الخلق والأمر، وفيها مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما قضى وحكم ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].


وكيف يزعم زاعم أن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية لا تتناسب مع هذا العصر، وقد شرعها أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وقضى بها من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16].


ألا فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، واقبلوا عن الله تعالى شريعته، ولا تلتفتوا لأقوال الكافرين والمنافقين فيها، فهي الخير والصلاح للعباد في الدنيا والآخرة.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-08-2026, 10:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (3)



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

واخفض جناحك للمؤمنين


الحمدلله الكبير المتعال؛ أرسل رسوله بكمال الأخلاق ومحاسنها، ونهاه عن سفاسفها ورذائلها، نحمده على ما هدانا، ونشكره على ما اجتبانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن نازعه فيهما عذبه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة:223].

أيها الناس:
تعرف أقدار الرجال بأعمالهم، ويقاس كبار الناس بأوصافهم، فقوة الجسد يعقبها المرض أو الهرم، وقوة المال والجاه يخلفها الموت، ولا يبقى للعبد عند ربه إلا عمله، ولا يذكره الناس إلا بوصفه، فإن كان ذا عمل جليل، ووصف نبيل؛ أثنى الناس عليه بما علموا من حاله، وإن كان غير ذلك ذكروه بما يستحق، والمؤمنون شهداء الله تعالى في الأرض؛ كما جاء في الحديث الصحيح.

ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام قد كُلِّف من الأعمال أشقها وأشرفها، وحاز من الأخلاق أعلاها وأكملها، حُمِّل أعظم رسالة وكُلف بتبليغها، فحملها وبلغها، وأوذي في سبيلها فما وهنت عزيمته، ولا لانت عريكته. وأما الأخلاق فمن ذا الذي يقدر على وصف خلقه، وقد كان خلقه القرآن، ومهما تكلم المتكلمون، ووصف الواصفون في خلقه عليه الصلاة والسلام فلن يفوه حقه، ولن يدركوا وصفه.

والتواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب؛ كانت أوصافا له عليه الصلاة والسلام، تخلَّق بها امتثلا لأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله سبحانه ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر:88] وفي الآية الأخرى ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء:215] وفي آية ثالثة ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء:37] وأوصاه جبريل عليه السلام بالتواضع؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذُ يومِ خُلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك قال: أفملكًا نبيًّا يجعلك أو عبدًا رسولاً؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: (بل عبدًا رسولاً)؛ رواه أحمد وصححه ابن حبان.

فكان عليه الصلاة والسلام أكثر الناس تواضعًا، وأخفضهم جناحًا، وألينهم جانبًا، وسيرته عليه الصلاة والسلام مليئة بالمواقف والعبر في هذا الخلق العظيم.

لقد أنعم الله تعالى عليه بمنزلة ما بلغها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فكان سيد البشر، وأفضل الخلق، وخاتم الرسل، وكان إذا أخبر عن منزلته تلك يقرن إخباره بها بنفي الفخر؛ تواضعا لله تعالى، وإزراء بنفسه الشريفة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)؛ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام:
أنه كره أن يُفضل على الأنبياء عليهم السلام مع أنه سيدهم وخاتمهم وأفضلهم، فقال عليه الصلاة والسلام (لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى) رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ولما قال له رجل: يا خير البرية، قال عليه الصلاة والسلام: (ذاك إبراهيم عليه السلام)؛ رواه مسلم.

وما كان يقبل حمية أحد له في تفضيله على غيره من المرسلين عليهم السلام، روى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم على العالمين في قَسَمٍ يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تخيروني على موسى)؛ متفق عليه.

كان عليه الصلاة والسلام متواضعًا في لباسه ومركبه؛ فيلبس ما تيسر من اللباس، ولا يأنف من ركوب البغال والحمير، ولو شاء صلى الله عليه وسلم للبس الديباج والحرير، ولما ركب إلا أصيلات الخيل، كيف وأغنياء الصحابة رضي الله عنهم يفدونه بأنفسهم وأموالهم!! كيف وقد منَّ الله تعالى عليه بالفتوح وساق إليه أموال اليهود والمشركين!!

ولكن تواضعه عليه الصلاة والسلام يأبى عليه أن يسير سيرة الملوك، أو يتخلق خلق الأغنياء، أو يتزيا بزي أهل الدنيا، وهو الذي اختار أن يكون عبدًا رسولا.

روى أبو بردة رحمه الله تعالى فقال: دخلت على عائشة، فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من التي يسمونها الملبدة قال: فأقسمت بالله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض في هذين الثوبين؛ رواه الشيخان.

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان عليه الصلاة والسلام يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ.

وروى أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية؛ متفق عليه.

وربما أردف بعض أزواجه أو أصحابه خلفه، وإذا تلقاه الصبيان أردفهم معه على دابته، وهذا من أبين الدلائل على تواضعه عليه الصلاة والسلام، روى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته، قال: وإنه قدم من سفر فَسُبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأُدْخلنا المدينة ثلاثةً على دابة؛ رواه مسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام متواضعًا مع أسرته وفي داخل بيته، ويعمل أعمالاً يأنف منها كثير من الرجال، سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج.

وروى عروة بن الزبير فقال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، أيُّ شيء كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: ما يفعل أحدكم في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه؛ رواه أحمد. وفي رواية قالت رضي الله عنها: كان بشرًا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.

وكان عليه الصلاة والسلام متواضعًا مع الناس، ومن شدة تواضعه أنه لا يعرف من بين أصحابه رضي الله عنهم، فلا يتميز عليهم بملبس أو مركب أو مجلس، كما هي عادة الكبراء والأغنياء، وإذا جاء الغريب ما عرفه من بينهم حتى يسأل عنه؛ كما روى أبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهما فقالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانًا من طين - أي: دكة من طين - فجلس عليه، وكنا نجلس بجنبتيه؛ رواه أبو داود.

ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام:
أنه يكره أن يقوم الناس له كما هو شأن أهل الدنيا، قال أنس رضي الله عنه: ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك؛ رواه أحمد.

ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام:
أنه يجيب دعوة من دعاه ولو كان فقيرا، ويقبل من الطعام ما كان يسيرا، ولا يشترط في ذلك، أو يغضب من دعوة يراها أقل من حقه، كما هو حال كثير من الكبراء والأغنياء.

وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (لو دعيت إلى ذراع أو كُرَاع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كُرَاع لقبلت)؛ رواه البخاري.

وكان عليه الصلاة والسلام يربي أصحابه رضي الله عنهم على ذلك، فيقول لهم: (إذا دعيتم إلى كُراع فأجيبوا)؛ رواه مسلم. والكُراع من الدابة ما دون الكعب. وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب؛ رواه أبو يعلى.

ولا يأنف عليه الصلاة والسلام من الضعفة والمساكين، ولا يتبرم من ذوي الحاجات، بل يستمع إليهم، ويقضي حاجاتهم، فيجيب السائل، ويعلم الجاهل، ويدل التائه، ويتصدق على الفقير، وما يرد أحدًا قصده في حاجة، وكان أصحابه رضي الله عنهم يتبركون بالماء يغمس يده الشريفة فيه، فما يردهم، ولا ينزعج من كثرة طلبهم.

قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها؛ رواه مسلم.

وعن أنس رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، انظري أيَّ السكك شئت حتى أقضيَ لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها؛ رواه مسلم.

وأخبار تواضعه عليه الصلاة والسلام كثيرة، وسيرته العطرة مليئة بها، وما حفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه تكبَّر على أحد، أو فاخر بنفسه أو مكانته، وقد نال أعلى المنازل، وحظي عند ربه بأكبر المقامات، فهو صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، وأُسري به إلى السموات العلى حتى بلغ سدرة المنتهى، وبلغ مقاما لم يبلغه مخلوق قبله ولا بعده، وكلمه الرب جل جلاله بلا واسطه، وأنعم عليه بالمعجزات، وأيده بالآيات. وما حكا شيئا من ذلك على وجه الفخر أو المدح لنفسه صلى الله عليه وسلم، ولا تعالى به على الناس، بل كان التواضع صفته، وخفض الجناح سمته، فصلوات ربي وسلامه عليه صلاة وسلاما دائمين ما تعاقب الليل والنهار.

والحمد لله رب العالمين. وأقول ما تسمعون....

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى ربكم، واعرفوا هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، وتخلقوا بأخلاقه؛ فإنه قدوتكم وأسوتكم، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:21].

أيها المسلمون:
كان التواضع سجية للنبي صلى الله عليه وسلم، ما كان يتكلف التخلق به، أو يتصنعه أمام الناس، وإلا فإن كثيرا من ذوي الشرف والرياسة يظهرون التواضع وقلوبهم متكبرة، وفي القرآن العظيم ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر:35].

وفي أكبر المجامع التي تستخف النفس البشرية، وقد تدفعها إلى نوع من الكبر والتميز على الناس كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يزداد فيها إلا تواضعا إلى تواضعه، وأعظم جمع حضره في حياته، وخطب الناس فيه كان يوم عرفة، ومع ذلك برز للناس على ناقته، وقد توجهت إليه جموع الحجيج!!

وانظروا إلى زعماء الدنيا، وقادة الناس إذا وقفوا يخطبون في الجموع الكثيرة التي تهتف لهم أين يقفون؟ وكيف يقفون؟ وقارنوا ذلك مع وقوفه عليه الصلاة والسلام في عرفة على ناقته بكل تواضع وذل لله تبارك وتعالى.

ومواقف النصر والفتوح تستبد بالقادة والفاتحين، وتستخف عقولهم،وتستولي على نفوسهم، فيكون فيها فخرهم وعلوهم، ولا يقدر على التواضع فيها إلا أقل الرجال، وما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم - رغم كثرة فتوحه وانتصاراته - أنه تعالى بنصر، ولا استبد به فتح، بل يزداد تواضعا إلى تواضعه. ويوم الفتح الأكبر حين دخل مكة منصورا مؤزرا دخلها وهو مطأطئ رأسه تواضعا لله تعالى، حتى إن رأسه ليمس رحله من شدة طأطأته، ولما هابته الرجال فارتعدوا أمامه هون عليهم، وسكن من روعهم، وأزال هيبته من قلوبهم، وأزرى بنفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام.

روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه: (أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هوِّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)، وفي رواية عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: (هوِّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)؛ رواه ابن ماجه وصححه الحاكم.

هكذا كان تواضع نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يملك من يقرأ سيرته، ويطلع على صفاته إلا أن يمتلئ قلبه بمحبته؛ ولذلك أحبه كثير من الكفار وإن لم يؤمنوا به؛ لما رأوا من حسن أخلاقه، وجميل صفاته.

والناس مفطورون على محبة المتواضعين، وعلى بغض المتكبرين، فإن تكبر عائل ضعيف ازداد الناس له بغضا واحتقارا وكراهية، كما أنه إذا تواضع سيد كبير؛ عظم في قلوب الناس وأحبوه. ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو سيد الخلق، وخاتم الرسل، وأعلى الناس مكانة في الدنيا والآخرة، وهو عليه الصلاة والسلام أشد الناس تواضعا لله تعالى، فحري أن يملك القلوب، وأن يحبه كل البشر إلا المستكبرين. وحري بأتباعه صلى الله عليه وسلم أن يكونوا من المتواضعين؛ اتباعا لهديه، وتمسكا بسنته، ولا سيما إذا كانوا من سراة الناس وسادتهم.

وواجب على من أنعم الله تعالى عليهم بنعمة الجاه أو المال، فجعل حاجة الناس إليهم أن يقرئوا من السيرة النبوية ما يتعلق بجوانب التواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب؛ ليتعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق، وكيفية التعامل مع الناس؛ فإن ذلك من واجبات الإيمان، ومن شكر الله تعالى على نعمه التي أنعم بها عليهم.

ولا يحل لذي جاه أن يتكبر على الناس بجاهه وقد أعطاه الله تعالى إياه، ولا لذي مال أن يرى في نفسه ما لا يرى للناس وهو لا يرزق نفسه فضلا عن أن يرزق غيره، فإن تخلق بالكبر من آتاه الله تعالى علوم الشريعة فهو من أقبح الناس؛ إذ لم ينفعه علمه في ذلك، وكان كالحمار يحمل أسفارًا.

ومن آتاه الله تعالى نعمة فترفع بها على الناس فقد أوبق نفسه، وكفر نعمة ربه، والله تعالى قادر على أن يسلبه ما أعطاه، فيصير بعد العز إلى الذل، وبعد الغنى إلى الفقر، مع ما ما يناله من فرح الناس عليه، وشماتتهم به، وسخريتهم منه، ويبقى له ما يستحق من عذاب الآخرة.

فتواضعوا لله تعالى ربكم، واخفضوا لإخوانكم جناحكم، واحذروا الكبر والمتكبرين، واستعيذوا بالله تعالى من كبرهم ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ ﴾ [غافر:27].




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-08-2026, 10:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (4)



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


وفاء النبي صلى الله عليه وسلم



الحمد لله الغفور الرحيم؛ خلق عباده فكفاهم، ورحمهم فهداهم، نحمده على جميل إنعامه، ونشكره على جزيل عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عظم حلمه على عباده فأخرهم، وأملى للكافرين وأمهلهم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ شرح الله تعالى صدره، ووضع عنه وزره، ورفع ذكره، وصرف عنه شتم قريش لما قالوا مذمما، فسماه محمدا، ولما شنأه العاص بن وائل فقال: دعوا محمدا فإنه أبتر؛ أنزل الله تعالى فيه: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ [الكوثر:3] قرآنا يتلى إلى آخر الزمان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ﴿ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف:157] والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعرفوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم فضله، وأعطوه حقه؛ فإنه سبب هدايتكم بعد الله تعالى، أخرجكم به ربكم عز وجل من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن طريق النار إلى صراط الجنة ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران:164].

أيها الناس:

حاز رسولنا عليه الصلاة والسلام من الأخلاق أعلاها، وجمع من الصفات أكملها وأسناها، فاجتمع فيه الكمال البشري كما لم يجتمع في أحد قبله ولا بعده..

ما من سجية في البشر تحمد إلا وله منها أحسنها، ولا من صفة تعاب إلا وهو أبعد الناس عنها، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن النبي عليه الصلاة والسلام - وقد كان حينها عدوه - أثنى عليه أبو سفيان بجميل الصفات، وعظيم الخلال، وقال مُعلِّلاً ذلك: (وأيم الله لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ) رواه الشيخان.


كان الوفاء من سجاياه، وما عُرف في الناس أحدٌ أكثر وفاء منه، وكان وفاؤه لقرابته ولنسائه وأصحابه، حتى نال أعداءَه من وفائه ما نالهم. قال هرقل لأبي سفيان: (وَسَأَلْتُكَ هل يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ).


توفي والده وهو في بطن أمه، ثم توفيت والدته وهو ابن ست سنوات، وكَبُر عليه الصلاة والسلام، وتحمل أعباء الرسالة، وأوذي في الله تعالى، وقاد المعارك، وأسس الدولة، وقاد الأمة؛ وما أنساه ما تحمل أمه، بل يذكرها اعترافا بفضلها، ووفاء لحقها، فيبكي صلوات الله وسلامه عليه؛ جاء عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: (زَارَ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى من حَوْلَهُ فقال: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في أَنْ أَسْتَغْفِرَ لها فلم يُؤْذَنْ لي وَاسْتَأْذَنْتُهُ في أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لي) رواه مسلم.


وكان عمه أبو طالب صاحب فضل عليه؛ إذ كفله بعد وفاة جده، وظل يدافع عنه، ويتحمل أذى كبار مكة بسببه؛ فحفظ له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، واجتهد في هدايته، وطالبه بكلمة تكون له حجةً عند الله تعالى، فكان عند رأسه قُبيل وفاته يقول: (أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إلا الله أُحَاجُّ لك بها عِنْدَ الله) ولكن أئمة الشرك، ورفقة السوء حالوا بينه وبين ذلك، فمات على الشرك، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عَنْكَ) فأنزل الله تعالى آية النهي عن الاستغفار للمشركين. وخبر ذلك في الصحيحين.


ومن وفائه عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب: أنه شفع فيه عند الله تعالى حتى خفف عنه العذاب؛ كما قال العباس رضي الله عنه: (يا رَسُولَ الله، هل نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ فإنه كان يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لك؟ قال: نعم، هو في ضَحْضَاحٍ من نَارٍ لَوْلَا أنا لَكَانَ في الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ) متفق عليه، وفي رواية لمسلم قالصلى الله عليه وسلم: (وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ من النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إلى ضَحْضَاحٍ).


كان عليه الصلاة والسلام أوفى زوج لزوجاته، وكانت خديجة رضي الله عنها تسنده وتشد أزره في بدايات بعثته، وهي أول من صدقته وآمنت به، وواسته بمالها؛ فما نسي عليه الصلاة والسلام فضلها، فوفى لها في حياتها وبعد موتها:


أما في حياتها: فلم يتزوَّج عليها؛ وفاء لها، واعترافا بجميلها، وحفظا لحقها، قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها: (لم يَتَزَوَّجْ النبي صلى الله عليه وسلم على خَدِيجَةَ حتى مَاتَتْ) رواه مسلم.


وأما بعد وفاتها رضي الله عنها: فكان يذكرها، ويتعاهد بالهدايا صواحبها؛ حتى غارت عائشة رضي الله عنها منها وهي لم ترها، فكان يردُّ عن خديجة طعنَ عائشة رضي الله عنهما، قالت عَائِشَةَ رضي الله عنها: (ما غِرْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم على امْرَأَةٍ من نِسَائِهِ ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وما رَأَيْتُهَا قَطُّ) وفي رواية: (وَإِنْ كان لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إلى خَلَائِلِهَا) وذات مرة أغضبته عائشة في خديجة رضي الله عنهما فقال صلى الله عليه وسلم في خديجة (إني قد رُزِقْتُ حُبَّهَا) وهذه الروايات لمسلم.

وفي رواية للبخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: (فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول عليه الصلاة والسلام: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد).

وفي رواية لأحمد: قالت عَائِشَةُ رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عليها فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قالت: فَغِرْتُ يَوْماً فقلت: ما أَكْثَرَ ما تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قد أَبْدَلَكَ الله عز وجل بها خَيْراً منها، قال: ما أَبْدَلَنِي اللَّهُ بها خَيْرًا منها؛ صَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي الناس، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي الناس، وَرَزَقَنِي اللَّهُ منها الْوَلَدَ إِذْ حرمني أَوْلاَدَ النِّسَاءِ).


وكانت أختها هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها إذا استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم عَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاحَ لِذَلِكَ فقال: اللهم هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فتغار عائشة رضي الله عنها.


وما اقتصر وفاؤه عليه الصلاة والسلام على خديجة رضي الله عنها وحدها، بل شمل نساءه كلهن رضي الله عنهن؛ فإن الله تعالى لما خيرهن بين البقاء مع النبي عليه الصلاة والسلام والصبر على شظف العيش، وبين تمتيعهن وفراقهن اختارت عائشة رضي الله عنها البقاء معه، وكانت رضي الله عنها ترجو أن تحظى به دون غيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام فقالت: (أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً من نِسَائِكَ بِالَّذِي قلت) ولكن وفاءه عليه الصلاة والسلام لبقية نسائه أبى عليه إلا النصيحة لهن، فأجاب عائشة قائلا: (لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلا أَخْبَرْتُهَا؛ إِنَّ اللَّهَ لم يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا ولا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا)؛ رواه مسلم.


كان عليه الصلاة والسلام وفيا مع أصحابه رضي الله عنهم حتى بعد مماتهم؛ فيخلفهم في أهلهم وأولادهم بخير، وكثير من نسائه عليه الصلاة والسلام إنما تزوجهن بعد أن فقدن أزواجهن؛ فحفصة رضي الله عنها تزوجها بعد موت زوجها خنيس بن حذافة رضي الله عنه، وأم سلمة تزوجها بعد موت أبي سلمة رضي الله عنه، وأم حبيبة تزوجها بعد أن فارقها زوجها ومات على النصرانية.


ولما قتل جعفر رضي الله عنه في مؤتة كان عليه الصلاة والسلام وفيا لأهله وولده، أخبر عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم بعد مقتل أبيهم وأمر بهم فحلقوا ومازحهم، ودعا لهم ولأبيهم رضي الله عنهم، قال: فَجَاءَتْ أُمُّنَا فَذَكَرَتْ له يُتْمَنَا وَجَعَلَتْ تُفْرِحُ له، فقال صلى الله عليه وسلم: الْعَيْلَةُ تَخَافِينَ عليهم وأنا وَلِيُّهُمْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) رواه أحمد.


ورغم ما هو فيه من الشغل الشاغل، والعمل للإسلام، ومجاهدة الكفار والمنافقين، وتبليغ دين الله عز وجل؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لم ينس أهله من الرضاعة، مع بُعْد عهده بهم، وهذا من وفائه صلى الله عليه وسلم، وحفظه للمعروف، أخبر أبو الطُّفَيْلِ رضي الله عنه: (أن امْرَأَةً دَنَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَبَسَطَ لها رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عليه فقلت: من هِيَ؟ فَقَالُوا: هذه أمه التي أَرْضَعَتْهُ) رواه أبو داود.


وكانت ابنتها الشيماء أختًا للنبي عليه الصلاة والسلام من الرضاعة، روى ابن إسحاق عن أبي وجزة السعدي رحمه الله تعالى: (أن الشيماء لما انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إني لأختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضةٌ عضضَتَها في ظهري وأنا متوركتك، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، ثم قال لها: ها هنا، فأجلسها عليه، وخيرها فقال: إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك فارجعي إلى قومك، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وردها إلى قومها.


قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمًا وشاء وثلاثة أعبد وجارية.اهـ


وكانت مولاة لأبي لهب تدعى ثويبة قد أرضعت النبي عليه الصلاة والسلام، فما نسي لها ذلك وهي على الشرك؛ فكان عليه الصلاة والسلام يبعث إليها بصِلة وبكسوة حتى ماتت.


أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الوفاء، وأن يرزقنا التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يوردنا حوضه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدا، وأن يدخلنا الجنة معه، آمين آمين آمين يا رب العالمين.


أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم....



الخطبة الثانية


الحمد لله حمدا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.


أما بعد:


فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].


أيها المسلمون:


كان من وفاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينسى إحسان من أحسن إليه ولو كان من المشركين أعداءِ الله تعالى وأعداء رسله عليهم السلام، فيحفظ ذلك لهم، ويثني به عليهم، ويكافئوهم عليه، ويكفي أنَّ ذكرَه لهم، وتنويهه بهم أعظم مكافأة لهم على إحسانهم، فذكره صلى الله عليه وسلم لهم خلَّد هذه المآثر لهم في كتب السير والتاريخ، يقرؤها الناس عبر القرون، ولولا ذكره عليه الصلاة والسلام لذلك لما عُرفوا بمآثرهم.


كان المطعم بن عدي من سادة قريش ولما حُصرت بنو هاشم في الشعب كان يحنو علىهم ويصلهم في السر، وشارك في نقض صحيفة المقاطعة، ولما أوذي النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف وعاد منها إلى مكة أجاره المطعم، وذبَّ عنه المشركين، فما نسي النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك؛ إذ قال في أُسَارَى بَدْرٍ: (لو كان الْمُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ له)؛ رواه الشيخان.



وفي فتح مكة أخذ عليه الصلاة والسلام مفتاح الكعبة من من بني طلحة حُجَّاب البيت، فلما انتهى من الكعبة كان المفتاح مع علي رضي الله عنه فَطِمع أن تكون الحجابة لهم فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليومُ يومُ بِرٍّ ووفاء).



وكل العهود التي عاهدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود ومع المشركين وفى لهم بها، وما خفرهم في شيء منها، بل كان الغدر منهم، وكان الوفاء منه عليه الصلاة والسلام، وأبلغ ما يدل على ذلك أنه لما كتب صلح الحديبية، ووافق النبي صلى الله عليه وسلم على بنوده، وكان منها: ردُّ من جاء مؤمنا من أهل مكة إلى المشركين، خرج أبو جندل رضي الله عنه يصرخ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: (يا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أتردونني إلى أَهْلِ الشِّرْكِ فيفتنوني في ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ؛ فإن اللَّهَ عز وجل جَاعِلٌ لك وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجاً وَمَخْرَجاً، إنا قد عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحاً فَأَعْطَيْنَاهُمْ على ذلك وَأَعْطَوْنَا عليه عَهْداً وإنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ) رواه أحمد.



ومن وفائه عليه الصلاة والسلام: أنه لم ينس أمته؛ بل كان يتذكرهم فيبكي، ويدعو لهم؛ رحمة بهم، وشفقة عليهم، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بها وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي في الْآخِرَةِ) رواه الشيخان.



وفي حديث عبد اللَّهِ بن عَمْرِو رضي الله عنهما أَنَّه عليه الصلاة والسلام رَفَعَ يَدَيْهِ وقال: (اللهم أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى، فقال الله عز وجل: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السَّلَام فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَا قال وهو أَعْلَمُ، فقال الله: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوءُكَ) رواه مسلم.



أيها الإخوة:


هذه أخبارٌ وحوادثُ من وفاء المصطفى عليه الصلاة والسلام لن تجدوا لها مثيلا في أخبار الأوفياء مهما كانوا، ولقد كان صلى الله عليه وسلم وفيًا لأمته، ونحن من أمته، فبماذا قابلنا وفاءه عليه الصلاة والسلام لنا، ونحن نبصر كفرة أهل الكتاب، وملاحدة الغرب يشتمونه وينالون من عرضه؟!


إن أعظم شيء ننتصر به للنبي عليه الصلاة والسلام، ونغيظ به أهل الكفر والنفاق اتباع شريعته، وتطبيق سنته، والدعوة إلى دينه، ونشر تعاليمه..



إن أهل الكفر والنفاق ما سخروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا طعنوا في شريعته إلا لضيقٍ في صدورهم من انتشار الإسلام في الأرض، وعودة كثير من المسلمين إلى دينهم، وفشل موجات التنصير والعلمنة والإلحاد عن تحقيق أهدافها المرسومة في إضلال جمهور المسلمين وصرفهم عن دينهم. وقد وثبت أن الشعوب المسلمة لا تريد إلا الإسلام، ودليل ذلك صناديق الاقتراع للبرلمانات ومجالس البلديات والنقابات في شرق العالم الإسلامي وغربه؛ حتى خفتت أصوات دعاة الديمقراطية عن الدعوة إليها لعلمهم المسبق بنتائجها.



فما كان منهم إلا أن اقتسموا الأدوار الخبيثة في النيل من النبي صلى الله عليه وسلم، والطعن في شريعته، وفرضوا مناهجهم المنحرفة على المسلمين بالإرهاب والقوة. وأكبر دليل على ذلك الإملاءات الغربية، والموافقات العلمانية لها على إفساد المرأة وخلطها بالرجال، ونزع الحياء منها، ونشر الفساد والإفساد على أوسع نطاق بحجة العمل والتعليم، وبدعاوى التقدم والتطور، مع تخريب الإعلام، وجعله مرتعا للرذائل والخبائث، والتأصيل للإلحاد والزندقة، وتنظيم المؤتمرات والمنتديات التي تستتر تحت أغطية اقتصادية تنموية وهي لا تقصد إلا التأصيل للإلحاد الرأسمالي، والتمكين للانحلال الليبرالي في بلاد حفظها الله تعالى من موجات الاستعمار والتنصير والتغريب.



إن أعظم انتصار للنبي عليه الصلاة والسلام: مقاومة هؤلاء المفسدين، وتحذير الناس من فسادهم، وبيان أهدافهم، وفضح غاياتهم؛ فإن مطلوبهم بهذا الإفساد طمس دين محمد صلى الله عليه وسلم، وإحلال الرأسمالية المتوحشة بقيمها المنحرفة مكانه، ولن يتم لهم ذلك إن قاومهم جمهور المسلمين برفض مشاريعهم التغريبية التخريبية.



وإن أعظم خذلان للنبي صلى الله عليه وسلم: السكوت عن إنكار هذه المنكرات العظيمة، والرضا بها، وترك أهل الفساد والإفساد يرتعون حيث يشاءون، ويفعلون ما يريدون دون إنكار من الناس، ولا مساءلة من العلماء، ولا مؤاخذة من الولاة.



ألا فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون وانصروا نبيه عليه الصلاة والسلام بنصر شريعته، وتطبيق سنته، والذب عن عرضه وعن دينه ببذل النصيحة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام وللأئمة المسلمين وعامتهم، والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي يسعى الكفار والمنافقون إلى تحجيمها وإلغائها؛ لأنها السد المحكم، والحصن المنيع أمام زبد غثائهم وإفسادهم.



عسى الله تعالى أن يرد بأسهم وكيدهم عليهم، والله أشد باسا وأشد تنكيلا...



اللهم صل على محمد وعلى آل محمد......





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 116.90 كيلو بايت... تم توفير 3.06 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]