تفسير قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم...} - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         شبهات الحداثيين.. مخالفة للشرع وانتحار للمنطق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 365 )           »          علمي ابنتك 10 أمور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 361 )           »          المساواة المستحيلة بين الرجل والمرأة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 372 )           »          هاجر عليها السلام.. امرأة أهدت للأمة مناسك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 372 )           »          واجب العالم: نظرة في توزيع الأدوار! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 384 )           »          يغالطونك إذ يقولون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 373 )           »          تعريف الثقافة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 371 )           »          المرأة.. والسلم الدولي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 386 )           »          الثقافة الإسلامية تخصص علمي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 386 )           »          Nationalism and cultural pluralism in Islamic thought (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 384 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-08-2026, 10:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,799
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم...}

تفسير قَوله تَعَالَى:

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ... ﴾

سعيد مصطفى دياب

قَوله تَعَالَى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾[النِّسَاءِ: 23].

مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا نهى اللهُ تَعَالَى عن نِكَاحِ امْرَأَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَلَيْسَتْ أُمَّهُ، بيَّن الله تعالى هنا ما هو أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ منْ نِكَاحِ امْرَأَةِ الْأَبِ، فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ.

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾: في الكلام حذفُ اختصارٍ دلَّ عليه سياقُ الكلامِ تقديره: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ....، والْحُرْمَةُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْأَعْيَانِ، فَالْمُرَادُ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا فِي الْعُرْفِ؛ مثالُ ذلك قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾[الْمَائِدَةِ: 3]؛ أَيْ: أَكْلُهَا.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾، قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ النَّسَبِ سَبْعًا، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعًا»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ﴾، الْآيَةَ[1].

حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النَّسَبِ: الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، وَبَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ: الْأُمَّهَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبَ وَحَلَائِلَ الْأَبْنَاءِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَزَوجةَ الْأَبِ، وذلك بِالإِجْمَاعِ.

وَلَمْ يَحِل نِكَاحُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الشرائعِ السَّمَاوِيَةِ، والمذكوراتُ كُنَّ مُحَرَّمَاتٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ كما قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وإنما ذكرَ الله تعالى تَحْرِيمَهُنَّ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظًا لَهُ.

وأُمَّهَاتٌ جَمْعُ أُمٍّ، وَأَصْلُهَا: أُمَّهَةٌ فَأُسْقِطَتْ الْهَاءُ، ويدخلُ في تحريمِ الْأُمَّهَاتِ الجَدَّاتِ وإنْ عَلَونَ، والبنتُ كُلُّ أُنْثَى يَرْجِعُ نَسَبُهَا إِلَيْكَ بِالْوِلَادَةِ، ويدخلُ في تحريمِ الْبَنَاتِ بناتُ الأولادِ وإن سَفُلن، والْأُخْتُ الْمُحَرَّمَةُ هي كُلُّ مَنْ جَمْعَكَ وَإِيَّاهَا صُلْبٌ أَوْ بَطْنٌ، ويدخلُ في تحريمِ الأخواتِ الأختُ الشقيقة، والأختُ لأبٍ والأختُ لأم.

قوله تعالى: ﴿ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾: وَالْعَمَّاتُ هُنَّ أَخَوَاتُ الْآبَاءِ، وَتَحْرِيمُهُنَّ منْ تَوقِيرِ الْآبَاءِ، وَالْخَالَاتُ هُنَّ أَخَوَاتُ الْأُمَّهَاتِ، وَتَحْرِيمُهُنَّ منْ تَوقِيرِ الْأُمَّهَاتِ، وَتَحْرُمُ بَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَإِنْ سَفُلْنَ، كَبِنْتِ بِنْتِ الْأَخِ، وَبِنْتِ بِنْتِ الْأُخْتِ.

وذُكِرَ لفظُ (الْأَخُ وَالْأُخْتُ) مفردًا وَلَمْ يَأْتِ جَمْعًا؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْجَمْعُ، فَكَانَ لَفْظُ الْإِفْرَادِ أَخَفَّ.

لَما ذكر الله تعالى الْمُحَرَّمَاتِ بالنَّسَبِ، أتْبع ذلك بذكرِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبٍ طَارِئٍ وَهُنَّ سَبْعٌ، فقال تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾.

سَمَّى اللهُ تَعَالَى الْمُرْضِعَاتِ أُمَّهَاتٍ لِأَجْلِ الْحُرْمَةِ، كَمَا سَمَّى أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ في قوله: ﴿ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾[الْأَحْزَابِ: 6]، يعني: لِأَجْلِ الْحُرْمَةِ.

وهَذِهِ الْآيَةُ نصٌّ عَلَى حُرْمَةِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ، ولكنَّ الْحُرْمَةَ بسببِ الرَّضَاعَةِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَيْهِنَّ؛ لما رواه البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: «لاَ تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ»[2].

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدَةِ»[3].

واخْتَلَفَ العلماءُ فِي القدرِ الذي يُحَرِّمُ منَ الرَّضَاعَةِ، فقيلَ: يُحَرِّمُ مُجَرَّدُ الرَّضَاعِ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَوْ مَصَّةً وَاحِدَةً، وَهَو قَوْلُ مَالِكٍ.

وَقَيلَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»[4]، وهو قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدِ، وَإِسْحَاقِ بنِ رَاهويه.

وَقَيلَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ[5]، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأَبِي حَنِيفَةَ.

وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّضَاعَةُ فِي سِنِّ دُونَ الْحَوْلَيْنِ؛ لما ثبت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ»[6].

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾: وَمِنَ المحرماتِ أَمُّ الزَّوجَةِ؛ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾، هِيَ مُبْهَمَةٌ لَا تَحِلُّ بِالْعَقْدِ عَلَى الِابْنَةِ.

وروى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا، هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا؟

فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لاَ، الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ[7].

وقال بعضُ العلماءِ: شَرْطُ الدُّخُولِ في قوله تعالى: ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾، رَاجِعٌ إِلَى الْأُمَّهَاتِ وَالرَّبَائِبِ جَمِيعًا، وَبه قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، والصحيح أنَّ الشَّرْطَ فِي الرَّبَائِبِ دونَ الْأُمَّهَاتِ.

﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾: الرَّبَائِبُ: جَمْعُ رَبِيبَةٍ، وَهِيَ بِنْتُ امْرَأَةِ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَعْنَاهَا مَرْبُوبَةٌ، وقيل لها: رَبِيبَةٌ لِأَنَّ الرجل هو يُربيها.

وَالْحُجُورُ جَمْعُ حِجْرٍ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: حَجْرُ وَحِجْرُ، والمرادُ بها هنا البيوت؛ لأنها بمثابة البنت في التربية غالبًا؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: ﴿ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾: فِي بُيُوتِكُمْ.

ومن المحرماتِ الرَّبِيبَةُ وهي لَا تَحْرُمُ إلا بعد الدُّخُولِ بأُمِّهَا، ولَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى أُمِّهَا، فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا.

وقوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾، قال جُمْهُورُ العلماءِ: هَذَا القيدُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَالرَّبِيبَةَ حَرَامٌ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ، وهذا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ [النور: 33]؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130]؛ قال ابن كثير: وهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ، وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا تَحْرُمُ.

قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ، وَقَدْ وَلَدَتْ لِي، فوجِدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَالَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهِيَ بِالطَّائِفِ، قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا هِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: فَانْكِحْهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾، قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حجْرك، إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِكَ[8].

قال ابن كثير: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.
والصحيح القول الأول.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23].

الحَلَائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ وَهِيَ الزَّوْجَةُ، وسُمِّيَتْ الزَّوْجَةُ حَلِيلَةً لِأَنَّهَا تَحُلُّ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُ حَلَّ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ حَلِيلَةً؛ لِأَنَّهَا حَلَالٌ للزَّوْجِ، وَحَلِيلَةٌ بِمَعْنَى مُحَلَّلَةٍ.

وَمِنَ الْمُحَرَّمَاتِ: زَوْجَاتُ الأَبْنَاءِ الَّذِينَ مِنْ الأَصْلَابِ، وذكرُ الأَصْلَابِ احترازًا عَنِ الْأَدْعِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَونهم فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فليسوا أبناءً على الحقيقة؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾[الْأَحْزَابِ: 4]، ولكنهم أَدْعِيَاءُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ [الأحزاب: 37].

وَتَحْرُمُ كذلك امْرَأَةُ الابْنِ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ لأنَّ الِابْنَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ابْنِ الصُّلْبِ شَرْعًا؛ لما ثبت عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[9].

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ عَلَى تَحْرِيمِ زَوْجَاتِ الأَبْنَاءِ عَلَى الْآبَاءِ بمجردِ عَقَدِ الْأَبْنَاءِ عَلَيْهِنَّ.

﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾: وَمِنَ الْمُحَرَّمَاتِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَعًا فِي زواجٍ، أوْ مِلْكِ الْيَمِينِ؛ عَنْ أَبِي خِرَاشٍ الرُّعَيْنِيِّ عَنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدِي أُخْتَانِ تَزَوَّجْتُهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: «إِذَا رَجَعْتَ فَطَلِّقْ إِحْدَاهُمَا»[10].

وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا»[11].

ويدخلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بمِلْكِ الْيَمِينِ في النهي عَنِ الْوَطْءِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وهو قول جمهور العلماء، وَكَرِهَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلْهُ، يُرِيدُ بِالْمُحَرِّمَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾[النساء: 23]، وَبِالْمُحَلِّلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [المؤمنون: 6].

وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أما الجمعُ بالملكِ دونَ الجمعِ بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ فَلَا يُحَرَّمْ، وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ[12].

﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾؛ أي: لَكِنْ مَا مَضَى مِنَ الجَمَعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِنِكَاحٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فإنَّ الله تعالى يتجاوز عنه؛ لأنه قبل التحريم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾؛ أي: غَفُورٌ لِمَنْ فعلَ ذلك فِي جَاهِلِيَّتِهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، رَحِيمٌ بمِنْ أطَاعَهُ مِنْ خَلْقِهِ.

الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ:
من الأساليبِ البلاغيةِ في الآيةِ: الحَذْفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ.. ﴾، وتقديره: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكِمْ....

والطِّبَاقُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾، فإنَّ الْمُحْصِنَ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ فَرْجَهُ، وَالْمُسَافِحَ هُوَ الَّذِي يَبْذُلُهُ.

والكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾: كِنَايَةٌ عن الجماعِ.

وَالِاحْتِرَاسُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾: احْتَرَزَ مِنَ اللَّاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ.

وَالِاحْتِرَاسُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾؛ إِذِ الْمُحْصَنَاتُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا الرِّجَالُ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾.

وليس منه: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾؛ لأنه قيد خرج مخرج الغالب كما قدمنا.

وَالِاعْتِرَاضُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾، وفائدته ترك التشاغل بالبواطن، فلا يعلم ما في القلوب إلا علامُ الغيوب، وإنما يكفينا ما الظاهرُ، وما بدا لنا من حال المسلم.

والجناسُ المغايرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ أَرْضَعْنَكُمْ ﴾، و﴿ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾.

والاستثناءُ المنقطعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾؛ أي: لَكِنْ مَا مَضَى فإنَّ الله تعالى يتجاوز عنه.

والتذييلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾لتعليلِ ما أفاده الاستثناءُ.

[1] رواه الطبري (6/ 555).

[2] رواه البخاري، كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ، وَالمَوْتِ القَدِيمِ، حديث رقم: 2645، ومسلم، كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابُ تَحْرِيمِ ابْنَةِ الْأَخِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، حديث رقم: 1447.

[3] رواه البخاري، كِتَابُ الشَّهَادَاتِ،بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ، وَالمَوْتِ القَدِيمِ، حديث رقم: 2646، ومسلم، كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ، حديث رقم: 1444.

[4] رواه مسلم، كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابٌ فِي الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَيْنِ، حديث رقم: 1450.

[5] رواه مسلم، كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابُ التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ، حديث رقم: 1452.

[6] رواه أحمد، حديث رقم: 4114، والدارقطني، كِتَابُ الرَّضَاعِ، حديث رقم: 4358، بسند صحيح.

[7] الموطأ، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ، حديث رقم: 1950.

[8] رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (3/ 912).

[9] رواه البخاري، كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ، وَالمَوْتِ القَدِيمِ، حديث رقم: 2645، ومسلم، كِتَابُ الرِّضَاعِ، بَابُ تَحْرِيمِ ابْنَةِ الْأَخِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، حديث رقم: 1447.

[10] رواه ابن ماجه، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ، حديث رقم: 1950، بسند حسن.

[11] رواه أحمد، حديث رقم: 18041، بسند حسن.

[12] المغني لابن قدامة (7/ 125).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 62.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 61.24 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]