التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التحذير من شهادة الزور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 360 )           »          الصبر ضياء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 366 )           »          إذا هاجرت العقول، هاجرت البقول!!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 397 )           »          "هذا اجتهادي" عقيدة أم عقدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 386 )           »          العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 402 )           »          كثر اللغط على بني أمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 424 )           »          وحدة الهدف لاتمنع الاختلاف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 415 )           »          الحذاء الكبير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 428 )           »          تشريع الأنسنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 454 )           »          ليست المشكلة في ما أعطاه الله قيصر! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 429 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-08-2026, 10:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,780
الدولة : Egypt
افتراضي التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل

التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل

رمضان صالح العجرمي

لماذا هذه الموعظة؟
1- لبيان معنى وحقيقة التغافل، وما هي أهميته في حياة الملتزمين؟
2- لبيان صور مهمة من التغافل لا بد منها في حياة الملتزم.
3- لبيان لماذا نتغافل؟ أو (ثمرات التغافل).
4- لبيان كيف نربي أنفسنا على التغافل؟ (وصايا عملية لنتخلق بالتغافل).
5- للحصول على الأجر والثواب.

الحمد لله الذي زين أولياءه بزينة الإيمان، وجعل التغافل من شيم وسمات الأفاضل، والصلاة والسلام على سيد المتغافلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها الإخوة، صفة كريمة، وخصلة حميدة، وميزة عزيزة، وخلق رفيع، من أنفع الأخلاق للقلب والبيت والمجتمع؛ فقد أجمع العقلاء على ضرورته في التعامل بين الناس بعضهم بعضًا، وخاصةً في محيط الأسرة والصداقة وذوي القُرْبى؛ كي تسير الحياة في هدوء ووئام، فهو من أعظم ما يريحك في دُنْياك، ويحفظ لك علاقاتك، ويُنجيك في آخرتك؛ إنه خلق: [التغاضي والتغافل].

أولًا: ما هو التغافل؟
معنى التغافل: ألَّا تدقق في أخطاء من حولك، ولا تستقصي ما لك من حقوق، ولا تعاتب من قصَّر في حقك.

فالتغافل: يقصد به غض الطرف عن بعض أخطاء الآخرين، وتجاهل ذكر بعض المساوئ، على سبيل الترفق بالمخطئ، وعدم التسبب في إحراجه وتخجيله، فهو تعَمُّد الغفلة؛ أي: إنه يرى الآخر أنه غافل، مع علمه التامِّ وإحاطته بما هو متغافل عنه ترفُّعًا عن الدنايا وسفاسف الأمور؛ فإنك لن تخلو في أيامك من سماع ما لا ينبغي من صديق أو قريب أو زميل في العمل أو جارٍ في المنزل، فإياك ثم إياك ومطاردة الكلام.

التغافل: هو أن ترى الخطأ وتسمع الزلَّة، وتقدر أن ترد وتعاتب وتحرج، لكنك تختار أن تتغافل كأنك لم تسمعْ ولم تَرَ. قال الإمام أحمد رحمه الله: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافُل"، وقال الشافعي رحمه الله: "الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "ما استقصى كريم قط"؛ نعم فالكريم لا يُدقِّق على كل صغيرة وكبيرة.

والتغافل: ليس جهلًا ولا غفلةً، بل هو فطنة وحكمة؛ وذلك بأن ترى الخطأ وتسمع الزلَّة من أخيك أو زوجتك أو ولدك، وتقدر أن تحاسبه وتعاتبه، فتعرض عن ذلك كأنك لم تسمع ولم ترَ؛ قال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]؛ قال مجاهد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ قال: "من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس"، وقال هشام بن عروة عن أبيه: "أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس".

فالمتغافل: كالنحلة يترفع عن الدناءات، ولا يحطُّ إلا على أطيب الزهور، وأزكى النكهات، وإذا كان الله عز وجل قد جعل للمرء عينين يُبصِر بهما؛ فإن غير المتغافل يدعي لنفسه ألف عين، يبحث بها عن كل صغيرة وكبيرة، وجليلة وحقيرة، فتراه في بيته يقلب ويُدقِّق، وفي خصائص أهله وأولاده يفحص وينقب، ويستخرج ويستكشف، يبحث عن الزلَّات، ويستوفي الأخطاء والعثرات، فيبث في العَلَن ما كان مضمورًا، ويكشف على الملأ ما كان مستورًا، فيفسد من حيث أراد الإصلاح؛ قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [فاطر: 8]، قال أكثم بن صيفي رحمة الله: "من شدَّد نفَّر، ومن تراخى تألف، والشرف والسرور في التغافل"، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "لا يزال التغافل عن الزلَّات من أرقى شيم الكرام؛ فإن الناس مجبولون على الزلَّات والأخطاء، فإن اهتمَّ المرءُ بكل زلَّة وخطيئة تعب وأتعب"، وقال سفيان الثوري رحمه الله: "ما زال التغافل من فعل الكِرام".

الوقفة الثانية: صور مهمة من التغافل:
أيها الإخوة، وتتأكَّد الحاجة إلى التغافل في مواطن منها:
أولًا: التغافل عن زلَّات الأرحام، والصبر على أذاهم؛ حفاظًا على العلاقات، ووصلًا للقرابات، ووأْدًا للقطيعة التي هي من الكبائر الموبقات؛ فإن إخوة يوسف عليه السلام لما كالو له التهم ظلمًا وزورًا بقولهم: ﴿ إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 77]، فكان جواب يوسف ما حكاه الله عنه بقوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ [يوسف: 77]؛ فلم يعاتبهم على ما رَموه به رغم كذبهم في ادِّعائهم ولكنه آثر صلة الرحم على الانتصار للنفس، وقابل الإساءة بالتغافل، فجمع الله به شملهم، وكان له الفضل عليهم، والريادة دونهم فجاؤوا معترفين بقدره وفضله بقولهم: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إن لي قرابةً أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ!"، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لَئِنْ كُنْتَ كَما تَقُولُ، فَكَأَنَّما تُسِفُّهُم الْمَلَّ، وَلا يَزالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ))، ففي هذا الحديث إشارة إلى التغافل عن زلَّات الأرحام.

ثانيًا: التغافل بين الزوجين، وهو ضمان الأُلْفة، وبقاء المودَّة والرحمة؛ فإن أهم ما تحتاج إليه الزوجة من زوجها التغافل، فإذا رأى منها خطأً غضَّ الطرف عنه، إذا لم يكن في تركه مفسدة، فلا يستقصي ولا يحقق، ولا يستجوب ولا يدقق؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ))؛ [رواه مسلم]؛ فالمعنى: أن الإنسان لا يخلو من عيب، فإذا كره الزوج من زوجته خُلُقًا سيئًا؛ فلينظر إلى الأخلاق الحسنة الأخرى التي فيها؛ وهذا فيه معنى التغافل.

ويوضِّح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُق التغافل بين الزوجين عمليًّا، وذلك عندما أخبرت بعض زوجاته بحديث يكون بين الرجل وزوجته، وكان ينبغي لها إسراره؛ لكنها أفشته لأخرى من زوجاته، فلم يعاتبها، فضلًا عن أن يضربها أو يطلقها؛ بل أشار إلى ذلك من غير استقصاء ولا تحقيق ولا تدقيق؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [التحريم: 3]، قال الحَسَن البصري رحمه الله: "ما استقصى كريم قط". عرف بعضه وترك بعضه تكرمًا وتغافلًا".

وفي حديث أُمِّ زَرْع أن امرأةً ذكرت زوجها على سبيل المدح والثناء فقالت: ((ولا يولج الكفَّ ليعلم البث))؛ أي: لا ينقب عن الخبايا، ولا يتفحَّص النقائص والمعايب. قال القرطبي رحمه الله: "هذا المديح بأن الزوج كان كريمًا ونبيلًا؛ فهو لا يحاول تلمُّس جسد زوجته أو ثوبها ليبحث عن عيب خفي أو عِلَّة".

ثالثًا: التغافل في تربية الأبناء؛ فالأب الذي لا يحسن التغافل مُسِيء في تربيته؛ لأنه يفسد ما بينه وبين أبنائه، بكثرة النقد والتوبيخ والتعليقات، والأب بينه وبين ابنه حجاب الهيبة، وكلما كان الأب متغافلًا عن الأخطاء، متجاوزًا عن الزلَّات، عظمت هيبته، واشتدَّ بأسُه، وقوي أثَرُه، وبضدها تتمايز الأشياء، فإن التدقيق والتوبيخ يهتك ستار الهيبة، ويُورِث الأبناء جرأةً على الخلاف، وشدةً في النقاش وعداوةً في الجدال، وجسارةً على إتيان الخطأ علنًا بعد أن كان يخفيه حياءً.

رابعًا: ومن ألطف أنواع التغافل مع الناس: هو التغافل عمَّا يسبب الإحراج من الأقوال والأفعال، فإذا حصل من ذلك شيء كأنك ما رأيت ولا سمعت؛ فهذا حاتم الأصم رحمه الله، كان يقال عنه: "لقمان هذه الأمة"، ولم يكن بسمعه بأس وإنما سمي بذلك لموقف حصل له؛ فلماذا سمي بالأصم؟ اسمع معي هذه القصة: يقول أبو علي الدقَّاق رحمه الله: "جاءت امرأة، فسألت حاتمًا عن مسألة، فخرج منها صوت في تلك الحالة، فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأوهمها أنه أصم، فسرت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فلقب بـ "حاتم الأصم"؛ أخلاق كبيرة تحفظ بها كرامة ومشاعر الناس.

خامسًا: التغافل بين الملتزمين وأبناء الدعوة الواحدة؛ فكم نحتاج إلى التغافل عن زلَّات بعضنا، فلا نحاسبهم على كل كلمة خرجت منهم، ولا نحصي عليهم كل فعل صدر عنهم؛ لأننا إن فعلنا ذلك فقدنا محبتهم وزالت عنا أخوتهم؛ وقد قيل: "تناسَ مساوئ الإخوان تستدم ودهم".

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا أشدَّ الحرص على هذا المعنى؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا؛ فإني أحبُّ أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر))؛ [رواه الترمذي]، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يتَتَبَّع زلَّات أصحابه، أو يبحث عن أخطائهم، بل كان ينهى عن التجسُّس وعن تَتَبُّع العورات وتفسير المقاصد، فالذي يتغافل عن الزلَّات يعيش محبًّا لمن حوله، محبوبًا منهم، سليم الصدر من الأحقاد والضغائن؛ ولهذا كانت العافية كلها في التغافُل.

سادسًا: ومن أعظم التغافل: أن يتغافل الإنسان عمَّا لا يعنيه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مِنْ حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه))؛ [رواه الترمذي]. وكما قال بعض الحكماء: "لا يكون المرء عاقلًا حتى يكون عما لا يعنيه غافلًا".

الوقفة الثالثة: لماذا نتغافل؟ أو قل: ما هي ثمرات التغافل؟
أيها الإخوة، في عالم صار الجميع فيه يراقب الجميع! صار كل واحد منا كاميرةً تسجل عثرات الآخرين، ومكبرًا يضخم زلَّاتهم! في هذا الجو المشحون، يأتينا سؤال يبرد القلوب: لماذا نتغافل؟

1- نتغافل؛ لأننا كلنا أصحاب عيوب، ولأن الله تعالى سِتِّير يحب الستر، وكلنا نحب أن يسترنا الله؛ ففي الحديث الصحيح: ((من ستر مسلمًا؛ ستره الله في الدنيا والآخرة))، ((ومَنْ تَتَبَّع عورات الناس تَتَبَّع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته))؛ فلماذا لا نتغافل؟! وكلنا أصحاب عيوب،
ومن ذا الذي ما ساء قط؟
ومن له الحسنى فقط؟




فلو كشف الله سترنا، ولو حاسبنا الناس على كل زلَّة، هل يبقى لنا أصحاب؟ فيا أخي الحبيب، كما تحب أن يتغافل الناس عن عيوبك، تغافل أنت عن عيوبهم.

2- نتغافل؛ لأن التغافل يحفظ البيوت والعلاقات؛ فكم من بيت هدم بسبب رجل لا يتغافل عن صغيرة ولا كبيرة! يحاسب زوجته على كل كلمة، وعلى كل فعل! وكم من صداقة دفنت بسبب صديق يعد الزلَّات ويحصي الهفوات! قال الأعمش رحمه الله: "التغافل يطفئ شرًّا كثيرًا"؛ فإن العتاب على كل شيء يقتل المحبة؛ فالبيوت تهدم بكثرة العتاب، والصداقات تموت من كثرة التدقيق، والزوجة تمل من زوج يحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، والصديق يهرب ممن يعد عليه أنفاسه.

3- نتغافل؛ لأن راحة البال غالية؛ فلو أنك دققت على كل كلمة قيلت فيك، وكل نظرة، وكل تصرُّف، ستعيش في جحيم. المتغافل ينام قرير العين، أما المدقِّق فينام وقلبه يغلي.

4- نتغافل؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك تغافلُه صلى الله عليه وسلم عما كان يسمعه من شتم وأذى المشركين؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مُذَمَّمًا ويلعنون مُذَمَّمًا، وأنا محمد!))؛ [رواه البخاري].

وكان صلى الله عليه وسلم يتغافل عن جفاء الجاهلين؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته! ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء"؛ [متفق عليه].

وكان صلى الله عليه وسلم يتغافل في بيته؛ تقول عائشة رضي الله عنها: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه"، وتقول رضي الله عنها: "ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله".

وتأمل تغافله صلى الله عليه وسلم عما وقع من بعض نسائه من الغيرة؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أُمُّكم. ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت"؛ [رواه البخاري].

الوقفة الرابعة: كيف نُربِّي أنفسنا على التغافُل؟ (وصايا عملية لنتخلَّق بالتغافُل):
أيها الإخوة، التغافُل ليس موهبةً يُولَد بها الإنسان، بل هو خُلُق يُربَّى عليه، ومجاهدة تُدرَّب عليها النفس. فكيف نُربِّي أنفسنا على هذا الخُلُق العظيم؟

إليك الوصايا العملية، إن طبقتها صرت من الكرام المتغافلين:
الوصية الأولى: التمس لإخوانك الأعذار؛ قال عمر رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا"، وقال جعفر بن محمد رحمه الله: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد؛ فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه".

الوصية الثانية: ربِّ نفسك بقاعدة: "تسعة لواحد"؛ قال الإمام أحمد: "تسعة أعشار حُسْن الخُلُق في التغافل".

والمعنى العملي لها: إذا رأيت من أخيك أو زوجتك أو صديقك عشر خصال: تسع منها حسنة، وواحدة سيئة؛ فتغافل عن الواحدة، واذكر التسعة.

الوصية الثالثة: اسأل نفسك سؤالًا: "هل يستحق؟" قبل أن تنفجر غضبًا، أو تعاتب عتابًا يكسر الخواطر. توقف ثانيةً، واسأل: "هل هذا الخطأ يستحق أن أخسر من أجله علاقةً؟ هل يستحق أن تتعكَّر صفو بيتي؟ هل يستحق أن يسود وجهي يوم القيامة؟

الوصية الرابعة: تذكر أنك أنت أيضًا فيك عيوب؛ فكما تحب أن يتغافل الناس عن زلَّاتك؛ فتغافل أنت عن زلَّاتهم؛ قال تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22].

واعلموا أيها الإخوة، أن التغافل لا يعني ترك النصيحة والتنبيه على المخالفات الشرعية؛ بل إن التواصي بالحق والتواصي بالصبر من أسباب الفلاح؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]، وفي صحيح مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).

فيا أيها الأخ الكريم، لا تقل: "لا أستطيع التغافل"؛ بل قل: "سأجاهد نفسي اليوم في أمر واحد فقط".
تغافل اليوم عن كلمة من زوجتك.
تغافل اليوم عن تأخر صديقك.
تغافل اليوم عن خطأ ولدك.

واعلم أن التغافُل ليس ضعفًا؛ بل هو قوة العظيم الذي يملك نفسه عند الغضب.

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، المتغافلين عن الزلَّات، الساترين للعورات.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 60.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.77 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.76%)]