|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
رحلتك إلى الله.. من المسارعة إلى المسابقة د. مريم السيد هنداوي من أهم خصائص القرآن الكريم الدقة اللغوية البالغة، التي تتجلّى بعض مظاهرها في اختيار الألفاظ التي قد تبدو متقاربة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تحمل فروقًا دلالية دقيقة تكشف عن عمق المعنى وثرائه. ومن ذلك استعمال الفعلين "سارعوا" و"سابقوا" في سياق الدعوة إلى نيل المغفرة والجنة. فقد يظنّ القارئ لأول وهلة أنّهما بمعنى واحد، أو أنهما من باب التكرار البلاغي، غير أنّ التأمل يكشف أن كلًّا منهما يرسم صورة مختلفة لحركة المؤمن في سيره إلى الله، بين المبادرة الفردية والمنافسة الجماعية. يقول تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين) (آل عمران: 133)، ويقول سبحانه في سياق آخر: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) (الحديد: 21). الفرق الدلالي بين "سارعوا" و"سابقوا" أولاً: المسارعة: تدلّ مادة (س ر ع) في أصلها اللغوي على معنى مقابل للبُطء ومضاد له؛ إذ يعبَّر بالسرعة عن خفّة الحركة وانعدام التراخي؛ فهي نقيض البطء وخلافه في الأداء والزمن. وسَرْعان الناس أوائلهم الذين يتقدمون سراعا، ويقال: أسرعْ وسارعْ أي خِف وبادر، ومنه قوله تعالى: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: 90) يمضون نحوها مسرعين مبادرين، وتسرع بالأمر بادر به، والمسارعة إلى الشيء؛ المبادرة إليه (معجم مقاييس اللغة: 3/119، المصباح المنير: 1/274). وذكر ابن جني في "فمنهم من يخف ويسرع قبول ما يسمعه" (1/384). وإذا تأملنا هذه المعاني لمادة (سرع) نجد فيها معنى المبادرة والتقدم والسبق والخفة إلى الشيء، ومن خف في طلب شيء كان سهلاً عليه، في متناوله، متمكناً منه، ويدل على علو الهمة، والإقبال على الأمر. و"المسارعة" في الآية الكريمة تدل على الحرص على إنجاز الطاعة في أسرع وقت ممكن، خوفا من فوات الأجر والفضل، فتعني "عدم التسويف". كأن تقول في نفسك: "سأفعل الخير الآن، ولن أنتظر للغد". كما تعبر عن الهمة العالية التي تجعلك لا تؤجل عمل الخير، وهي بمثابة الحرص الذاتي من العبد لبذل أقصى الجهد لإنجاز العمل الصالح في أقصر وقت ممكن. يصفها الزمخشري بسرعة الإقبال على ما يستحقان به جنة عرضها السماوات والأرض (الكشاف: 1/415). وقد أثنى القرآن الكريم على الذين يسارعون في الخيرات؛ إذ يبادرون إليها بهمةٍ ونشاط، واندفاعٍ صادق، وعزيمةٍ تتقدّم ولا تتأخر ابتغاء الفضل. وفي المقابل يذمّ أولئك الذين يتثاقلون عند ورود التكليف، فتشدّهم الأرض ويقعد بهم الفتور، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) (التوبة: 38). وقد تكون المسارعة في الخير، كما قد تكون في الشر، كما في قوله تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة: 52). ثانيا: المسابقة: (سبق) أصل لغوي يدل على التقدم "، ويقال: "سبق يسبق سبقاً أي تقدم في السير أو في غيره من الحسيات والمعنويات، وسبَقهم إلى الأمر: تقدّمهم، وتسابقوا: بادروا. وفيه الاستباق من الاثنين، وفيه الاستباق من واحد، وكلاهما في القرآن (ينظر تاج العروس: 25/422). والاستباق هو التسابق الذي يكون بين أكثر من واحد، وكل منهم يبذل وسعه ليسبق غيره، وسابقه باراه في السير، وأسبق القوم إلى الأمر وتسابقوا بادروا" (لسان العرب: 10/151). فالمسابقة؛ (أنت والآخرون) فهي تزيد على المسارعة بوجود "منافسين أو متسابقين". وهي دعوة لتكون في المقدمة دائماً. ففي المسابقة معنى التقدم والمبادرة والإسراع، وهو ما يفيد بذل غاية الجد والاجتهاد لتحصيل السبق والفوز على الآخر (نظم الدرر: 454)؛ إذ يصور القرآن الكريم أن طريق الله مثل "المضمار" المليء بالناس، والمطلوب منك ألا تكتفي بالسرعة فقط، بل أن تحاول أن تكون في الصدارة، وألا يسبقك أحد إلى رضا الله. الإعجاز في اختيار حروف الجر يتجلى الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم عبر دقة اختيار حروف الجر الملازمة للأفعال، فالتعدية بـ (في) في قوله: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: 90) تشير إلى "الظرفية"، وهو ما يُشعر بأن المؤمنين يعيشون "داخل" العمل الصالح؛ فهم منغمسون فيه وملازمون له. وهذا يدل على شدة المسابقة إلى الخيرات وتمكنهم منها، فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعه وأفراده. أمَّا التعدية بـ(إلى) في قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ...) و (سَابِقُوا إِلَى ...) فلأن حرف "إلى" يفيد انتهاء الغاية الزمانية أو المكانية؛ فاختير للدلالة على أن المغفرة والجنة غاية المسارعة ومنتهاها. فبعد أن تنخرط في أعمال الخير، يكون مقصدك وغايتك التي ترجو الوصول إليها هي مغفرة الله وجنة عرضها السماوات والأرض. فهي المقصد الذي يتوجه إليه الساعون، وهم لأجلها سابقون فاعلون السبق (إرشاد العقل السليم: 2/115)؛ فالمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله تعالى. المسارعة مقامُ مدحٍ ورفعة وقد جعل اللهُ المسارعةَ في الخيرات من أسمى خصال الأنبياء والصالحين؛ إذ تُجسّد يقظةَ الطاعة وصدقَ الحرص، كما في قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) (الأنبياء: 90) ثم قرنها بالسبق تحقيقًا لثمرتها فقال: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون: 61) فالمسارعةُ سجيّةٌ تؤول بصاحبها إلى التقدّم في طاعة الله. كما يأتي ذكرُ السبق في سورة الواقعة ضمن مشهد القيامة، حيث خُصَّ السابقون بأعلى المقامات: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (الواقعة) دلالةً على أن رفعتهم الأخروية ثمرةُ سبقهم في الدنيا إلى الطاعات. وقد ميّزهم السباق عن أصحاب اليمين إبرازًا لعلوّ درجتهم. يتبيّن من خلال هذا التأمل أن القرآن الكريم لا يكرّر الألفاظ عبثًا، بل يضع كل كلمة في موضعها بدقةٍ بالغة، تحمل دلالة خاصة ومقصدًا تربويًا عميقًا؛ فـ"المسارعة" تدعو المؤمن إلى المبادرة وعدم التأجيل، بينما "المسابقة" ترتقي به إلى مقام التنافس في الطاعة وطلب المعالي. وهكذا يجمع القرآن بين بناء الدافع الداخلي، وتحفيز الروح التنافسية، ليصوغ شخصيةً مؤمنةً تسعى إلى الخير بشغف، وتطمح إلى أعلى الدرجات.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |