|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر- النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْلإمِ (إِيلياءَ ) اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع عدة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين ، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها , صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا، فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثاني عشر: عَنْابْنَ عَبَّاس ٍرضي الله عنهماأَنَّأَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: «أنَّ هرَقْل َأَرسلَ إليه وهم بإِيلياءَ، ثُمَّ دعا بكتَابِ رسُول صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقدأَمِرَأَمْرُابن أَبِي كبْشةَ إنَّهُ يخافهُ ملكُ بني الأَصْفَرِ».شرح الحديث قادت الانتصارات التي حققها الامبراطور هرقل إلى عودة البيزنطيين مرة أخرى إلى مدينة القدس، وفي 21 مارس عام 360 ميلادية، حقق الامبراطور انتصارًا كبيرًا ودخل القدس. وشجع على القتل العشوائي لليهود، وأمر في نهاية المطاف بطردهم من المدينة. ولقيت القدس البيزنطية نهايتها بعد عقد من الزمن. وحديث الباب يحكي لنا لقاء تاريخيًا بين رأسين في الكفر موضوعهم هو (محمد بن عبدالله عليه أفضل التسليم)، سجلت لنا السنة هذا الحوار بشيء من التفصيل وتناولته كتب التواريخ؛ فكانت قصة حرَيةً بالاهتمام والدراسة. وقد بوَّب البخاري هذا الحديث في مواضع عدة وتبويبات عدة، باب: ( دُعَاءِ النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَى الإِسلَام وَالنُّبُوَّةِ) وباب: (قُل يَا أَهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)، وباب: (فَضلِ الوفَاءِ بِالعهدِ)، وباب: (تَرْجَمَةِ الحُكَّامِ، وهل يَجُوزُ تَرجُمَانٌ واحدٌ ؟ )، و باب: (من أَمَرَ بِإِنجَازِ الوَعدِ)، وباب قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة:52)، والحرب سجال ، و باب: (هَلْ يُرشِدُ الْمُسلِم أهل الْكِتابِ، أَو يُعَلِّمهُم الْكِتاب). وباب (ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها بالعربية وغيرها ). وباب (كيف يكتب إلى أهل الكتاب) وباب: (قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب مسيرة شهر) ، وغير ذلك من تبويبات . قوله :حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ : من فمه إلى فمي إشارة لإصغائه بحيث يتمكن من الجواب . قَالَ أبو سفيان : انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : والمدة هنا تعني صلح الحديبية التي كانت سنة ست للهجرة مدة عشر سنوات. - قوله: قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ:وجاء في رواية متن حديث الأربعين الفلسطينية أن هرقل كان في إيلياء « أنَّهرَقْلَأَرسل َإليه وهم بإِيلياءَ » وهو اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع أخرى من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منها ما سيمر معنا في هذا الكتاب، أن النبي ذكرها حكاية وليس إقرارًا لها؛ لأن أصل التسمية روماني وثني حادث على المدينة المقدسة، بل وجاء في بعض الآثار النهي عن تسمية المدينة بهذا الاسم، فعن ثور بن يزيد، قال: بلغني أن كعبًا مرّ بابن أخيه ورجل معه فسألهما : «أين تريدان؟» قال: «نريد إيلياء» قال: كعب: «مه! لا تقولا إيلياء ، ولكن قولا: بيت الله المقدَّسُ، وصفوته من بلاده. وكان أول ما أطلق هذا الاسم على المدينة المقدسة، لما أعلن اليهود تمردهم عام (130م – 136م) بقيادة أحد زعمائهم يدعى(بركوكبا) على الإمبراطورية الرومانية، في ثورة مسلحة انتصر فيها اليهود كما تقول مصادرهم، اجتاحهم الإمبراطور الروماني (إيليوسهدريان)فأزال معالم المدينة وما بقي من مسجدها، وحرث الأرض تدميرًا ولاحق اليهود؛ لاجتثاثهم من أورشليم، ثم أقام مكانه معبدًا و هيكلًا وثنيًا رومانيًا للمشتري –رب الآلهة عند الرومان- باسم (جوبيتار). بعدها لم يبق لليهود أثر في الأرض المقدسة بعد أن هاموا على وجوههم في البلاد، فغير الرومان كل شيء في المدينة المقدسة حتى اسمها الذي أصبح ( إيليا كابوتلينيا ). وإيلياء: فيه ثلاث لغات أفصحهن وأشهرهن هذه الواقعة هنا (إيلياء) بكسر الهمزة واللام وبالمد، والثانية كذلك إلا أنه مقصور، والثالثة: (إلياء) بحذف الياء وبالمد. وقد وضعه الإمبراطور الروماني (هدريان) سنة 135م وإلياء اسم جد عائلة الإمبراطور، أو اسم عائلته ، وبقي هذا الاسم شائعًا حتى الفتح الإسلامي؛ حيث جاء العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب لأهل القدس. قوله: إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : لما وصل كتاب رسول الله إلى هرقل حاص بحثًا في الشام عمن وفد إليها من جزيرة العرب أقرب نسبًا من رسول الله، حينها كان أبو سفيان كما روى الزهري عن أبي سفيان « قال: كنا قومًا تجارًا وكانت الحرب قد حصبتنا؛ فلما كانت الهدنة خرجت تاجرًا إلى الشام مع رهط من قريش، وكان حينها موضعه من الشام في غزة. إِلَى هِرَقْلَ: بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، كدمشق، ويقال مع سكون الراء، ملك الروم وهو اسمٌ، وقيصر لقبه، كما يلقب ملك الفرس كسرى وعليٌ أمير المؤمنين. قوله: قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ: دحية بكسر الدال وحكي فتحها لغتان ويقال إنه «الرئيس» بلغة أهل اليمن وهو ابن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجهًا وعلى صورته كان يأتي جبريل النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في محرم عام سبعة للهجرة، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم حاملًا كتابه إلى هِرَقْل، ولعل سماحة وجه دحية من الأسباب الإضافية لإرساله لهؤلاء القوم؛ ليتلطفهم في كل شيء في مبعوثه إليهم وحسن خطابه وما حواه من رقي وأدب جم. قوله: فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ: عظيم بصرى وهو زعيمهم وكبيرهم الذي يعظمونه، بُصرى: بضم الباء وقيل : هي مدينة حوران . موضع بالشام ينسب إليه السيوف. وعظيمها هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وقيل: إن الكتاب أرسل إلى هرقل مع عدي بن حاتم فوصلا به معًا إلى هرقل . قوله: فَقَالَ هِرَقْل: هَلْ ههُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ : أي هل من أحد في بلاد هرقل من قوم محمد صلى الله عليه وسلم . فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك؛ لأنه كان كبيرهم وأقربهم نسبًا وقربًا من النبي صلى الله عليه وسلم فخصه بالسؤال و قيل إن عددهم كان ثلاثين رجلًا وقيل نحوًا من عشرين. قوله : فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ: في مجلسه وبين خاصة قومه كبرائهم ومن البطارقة والقسيسين والرهبان. قوله: فَقَالَ هرقل : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا : أي قال الترجمان على لسان هرقل، أيكم أقرب من هذا الرجل الذي خرج بأرضكم و يزعم أنه نبي؟ فأجابه أبو سفيان أنه أقرب الرهط نسبًا به؛ لأنه من بني عبد مناف وهو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان، ولم يكن غيره من عبد مناف في هذا الرهط، والقُرْب الذي أراده هرقل يحققّ له مطلب المعرفة الدقيقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة ظاهر أموره وباطنها دقيقها وعظيمها . قوله: فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي : فجعلوهم خلف ظهره لئلا يراهم إذا نقلوا عنه الكذب إلى هرقل . قوله: ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ: التُّرجُمَان بالضَّمِّ والفتحِ: هُو الَّذي يُترجِمُ الكلامَ، أَيْ يَنْقُله مِنْ لُغَة إِلَى لُغَةٍ أُخرى. والجمعُ التَّراجِم. وهو المُفسِّر لغة بلغة، وهي سنة الملوك في اتخاذ من يترجم لهم لغة غيرهم . قوله: فَقَالَ هرقل قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هذَا عَنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبنِي فَكَذِّبُوهُ : كذبني : بتخفيف الذال ، نقل إليَّ الكذب . قوله: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ : قسم يجوز بالهمزة وغيرها قوله: لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: أَنْ يُؤْثِرُوا :بِصِيغَة الجمع وصِيغَة المعلُوم، ويروى: ويؤثر، بِفَتح الثَّاء المُثَلَّثة بِصِيغَة الإِفراد على بِنَاء المَجهُول. أَي: لولا أَن يؤثروا عني الكذب ويحكوه أو يتناقلوا فيما بينهم. قوله وأيم الله: صيغة قسم. لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: واو الجماعة في الفعل يؤثروا عائدة على الوفد المرافق له، ويعني أبو سفيان، لولا أن أُعْرفَ عندهم بالكذب؛ لأن الكذب فيهم مستقبح وتعافه أخلاقهم؛ فخاف أن يعيِّروه بهذا إذا رجعوا إلى قومهم، وحرص على إبقاء مكانته عالية عندهم وبينهم . لكذبت على هرقل مع علمه أنهم لن ينقلوا عنه الكذب؛ لأنه سيدهم ومن مصلحتهم جميعًا إخفاء محاسن النبي صلى الله عليه وسلم لا إظهارها أمام هرقل ولو كَذَبَ أبو سفيان على هرقل لأقرّوه على ذلك لاشتراكهم جميعًا في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم . اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر (2) النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْلإمِ اقتصار هرقل على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولايةً ولا منصبًا وإنما يطلب ما تحصل له به البركة كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم معاً نستكمل الحلقة الثانية من شرح الحديث الثاني عشر: عَنْ ابْنَ عَبَّاس -ٍرضي الله عنهما- أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: «أنَّ هرَقْلَ أَرسلَ إليه وهم بإِيلياءَ، ثُمَّ دعا بكتَابِ رسُول صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقدأَمِرَأَمْرُابن أَبِي كبْشةَ إنَّهُ يخافهُ ملكُ بني الأَصْفَرِ».قوله: ثُمَّ قَالَ هرقل لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟: وهنا بدأ الحوار المُتَرْجمْ بين هرقل وأبي سفيان، أي ما حال نسبه فيكم أهو من أشرافكم أم لا؟ قوله: قَالَ أبو سفيان: قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ: والتنوين هنا في جملة «ذُو حَسَبٍ» للتعظيم؛ لأن أبا سفيان يشترك معه في هذا النسب. قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لا: وجاء بلفظة مَن مَلَكَ، وكلاهما بمعنى واحد. قوله: قال هرقل: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قال أبو سفيان: قُلْتُ: لاَ: فيه تأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بِغيابه وعلم مسبق بعدم كذبه على الناس بعبارة دقيقة لطيفة مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ؛ لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها ؛ لأنها قد تكون تهمة فقط ولا يلزم صحتها، وكأنه يقرر صدق النبي صلى الله عليه وسلم سلفًا. قوله: قَالَ هرقل: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟: والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل من عرف بالشرف. قوله: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: بَلْ ضعَفَاؤُهُمْ: تبعه منا الضعفاء والمساكين فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد، وهو محمول على الأكثر الأغلب. قوله: قَالَ هرقل: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ لاَ، بَلْ يَزِيدُونَ.قَالَ هرقل: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لاَ: سَخطةً: بفتح السين، ويروى سُخطًا بضمها. وقد اعتادت الملوك أن تكون أسئلتها غاية في الدقة، فمن ذكائه أخرج من سؤاله من ارتد مكرهًا عن الدين وأراد بسؤاله من خرج عن دين محمد رغبة بدين غيره. قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟، قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ نَعَمْ: أي هل أعلنتم الحرب عليه وشرعتم في قتاله؟ قوله: قَالَ هرقل: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، مِنْهُ: سجال: بكسر السين: نُوَبٌ ودُولٌ مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء من مساجلة المُستقين على البئر بالدلاء. وقوله: «يُصِيبُ مِنَّا وَنصِيبُ» جملة تفسيرية، وقد قالها أبو سفيان على مسمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد في قوله يوم بيوم بدر والحرب سجال. قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ يَغْدِرُ؟: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لاَ: يغدر: بدال مكسورة، أي هل ينقض العهد. قوله: وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هذِهِ الْمُدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيها: المدة هي صلح الحديبية أو غيبته صلى الله عليه وسلم وانقطاع أخباره عنهم. قوله: قَالَ: وَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هذِهِ: «لا ندري ما هو صانع فيها» لم يجزم بغدره وليس من كلمة في هذا اللقاء ذم بها النبي صلى الله عليه وسلم سوى هذه الكلمة.(قال) أبو سفيان: «والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا» أنتقصه به (غير هذه) الكلمة. قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ قَالَ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ:لا: أي هل ادّعى أحد من قومكم يعني قريشًا أو العرب. قوله: ثُمَّ قَالَ هرقل لِتُرْجُمَانِهِ: قلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ: أراد بالضعفاء هم أهل الاستكانة أتباع الرسل لا أهل الاستكبار والشقاق والعناد وأهل الحسد. قوله: وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ علَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لا. كَذلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ: قوله حين يخالط بشاشة القلوب بالنصب على المفعولية والقلوب مضاف إليه أي يخالط الإيمان انشراح الصدور والقلوب ويظهر نورًا يزداد بالصلاة والصيام والزكاة وفي ذلك قوله تعالى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة:32). وكذا أمر أتباع النبي صلى الله عليه وسلم يزدادون ويزداد الإيمان بهم حتى أتم الله دينه وذلك في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (المائدة: 3). قوله: وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعاقِبَةُ. قوله: وَسَأَلْتكَ: هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ: قوله وكذلك الرسل لا تغدر وهذا ما علمه من خلق الرسل أنها لا تغدر ؛ لأن ذلك خسة في الأخلاق؛ لأن الغدر من صفة الجبناء و من يلهث وراء الدنيا الذي لا يبالي طالبه أخذ حقه بحلال أم حرام؛ ولأن الغدر صفة جامعة لجملة من الأخلاق الذميمة. قوله: وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ هذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ. فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ هرقل: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟: قوله بماذا يأمركم يدل أنه يعلم أن لكل رسول شريعة جاء بها مضامينها أمر ونهي. قوله: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ: قال أبو سفيان يأمرنا بالصلاة والصلة والعفاف وهذا ماجاءت به بجملته الرسل. وأنها لم تأت لطلب جاه أو سلطان لها أو لاستعباد الناس وتسخيرهم لخدمتها. قوله: قَالَ هرقل: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ: خَلُصَ هرقل من ثمرة هذا اللقاء بعد أن حقق أمنيته به، أن صاحب الكتاب نبي حقًا، إن صدقت المعلومات التي أدلى بها أبو سفيان. قوله: وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ: قال المازني هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه؛ لأنه قال بعد ذلك قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. قوله: وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ: قوله لو أني أعلم: ويظهر من كلامه أنه يعلم علم اليقين أنه لو أعلن إسلامه فلن يستطيع الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن قومه لن يسمحوا له، وسيكون مصيره الموت قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله أخلص أي أصل إليه، «لأحببت لقاءه» وفي رواية البخاري «لتجشمت لقاءه»: أي: تكلفت بما فيه من مشقة. وفي مطالع الأنوار «ولتجشمت لقاءه» أوجه؛ لأن الحب للشيء لا يصُدُّ عنه؛ إذ لا يطلع عليه وإنما يصد عن العمل الذي يظهر فلا يملك في كل حين. وقوله لغسلت عن قدميه مبالغة في العبودية له والخدمة، واقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولايةً ولا منصبًا وإنما يطلب ما تحصل له به البركة. وقوله وليبلغن ملكه ما تحت قدمي أي بيت المقدس الذي كان لقاؤه بأبي سفيان فيها، أو بلاد الشام كلها التي كانت مملكته ومقرها حمص، وكان ما استشرفه هرقل من ملك النبيصلى الله عليه وسلم لما تحت قدميه قد وقع حقًا وذلك لما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس عام 15هـ. ومما تجدر الإشارة إليه أن أسئلة هرقل كانت مركزة وذكية، وتحمل وراءها معانيَ واستدلالات كثيرة. وأنه عنده علم من كتب الأولين. ذكر ابن إسحاق في روايته عن أبي سفيان قوله: «فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف يعني هرقل». وقال عنه الخطابي: إذا تأملت معاني ما ستقرؤه من أوصافه تبينت قوة إدراكه، ولله دره من رجل! ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهُ: أي طلب الكتاب ممن أودعه عنده، فهو محفوظ عند كاتم سره، وواضح أنه ليس مع ترجمانه كذلك. وسيلاحظ أن الكتاب كتب بلغة العرب فلم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى لغتهم؛ لِيُظهَر اعتزاز العرب والمسلمين بلغتهم، ولعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن هرقل وأمثاله قد اتخذ ترجمانًا وهذا فيه إدراك من النبي صلى الله عليه وسلم لعادات الملوك. اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر (3) النَّبِيُّ مُحَمَّـد صلى الله عليه وسلم يَدْعُـو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْـلإمِ كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم معاً نستكمل الحلقة الثالثة من شرح الحديث الثاني عشر: عَنْابْنَ عَبَّاس -رضي الله عنهما- أَنّ َأَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: «أنَّ هرَقْلَ أَرسلَ إليه وهم بإِيلياءَ، ثُمَّ دعا بكتَابِ رسُول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقدأَمِرَأَمْرُابن أَبِي كبْشةَ إنَّهُ يخافهُ ملكُ بني الأَصْفَرِ».قوله: فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ: وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه بالبسملة ويرى الكثير من أهل العلم استحباب ذلك كما جاء عند النووي في شرحه على مسلم وغيره من العلماء «استحبابُ تصدير الكِتابِ بِبِسمِ اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم وإِن كان المبعُوثُ إِليهِ كافرًا، ومنها أَنَّ السُّنَّةَ في المُكَاتَبَةِ وَالرَّسَائِلِ بَينَ النَّاسِ أَن يَبدأَ الكَاتِبُ بِنَفسِهِ». قوله: إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: عظيم الروم. هو حكاية على حاله بوصفة زعيم الروم ورئيسها. ولم يكتب له النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم حتى لا يكون من النبي صلى الله عليه وسلم إقرار له على ملك لا يستحقه إلا بالإسلام. كما فيه ملاطفة وتألف لقلبه؛ لأن الزعماء يرغبون بالنعت الذي يظهر رياستهم. وهو من باب قوله تعالى لموسى وأخيه هارون أن يقولا لفرعون {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} (طه: 44). قولًا لينًا لا مداهنة فيه ولا يخالف شرع الله. قوله: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى: أي سلم من عذاب الله من أسلم. ولم يقصد بها بدء الكافر بتحية وإن قصد التحية. فقد جاءت وكأنها مشروطة أن من يستحق السلام هو من اتبع هدى الله. والله أعلم. قوله: أَمَّا بَعْدُ فإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ: بدعاية الإسلام بكسر الدال من قولك دعا يدعو دعاية أي بدعوته، وهي الكلمة الداعية إليه، وهي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. التي تدعى إليها الأمم، ويدخل بها الناس الإسلام. أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولأتباعك. قوله: أَسْلِمْ: وهي أمرٌ بالإسلام. قوله: تَسْلَمْ: وهي ترغيب. أي إنك تسلم من عقاب الله. قوله: وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ: كان هرقل كافرًا يدين بالنصرانية. ويؤتك: ترغيب آخر أي إن الله سيعطيك ويضاعف لك الأجر. أجر النصرانية و دخول الإسلام أجر الإيمان بعيسى وبمحمد عليهما السلام. أو يضاعف الأجر لك ومن معك ومن أسلم بسببك من أتباعك. وتكرار كلمة «أسلم»: قد تكون للتأكيد أو للدخول في الإسلام والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (النساء: 136) وهو موافق لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} ( القصص: 54). قوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتَ: هو زجر له. أي أعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه ثم استعمل مجازًا في الإعراض عن الشيء وهي استعارة تبعية. قوله: فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ: الأريسيون: كلمة أعجمية. وتروى على أوجه كثيرة. أي: المزارعون والأجراء. هم اليهود والنصارى. الأكارون، أي: الفلاحون. قال أبو عبيد: المراد بالفلاحين أهل مملكته؛ لأن كل من كان يزرع، فهو عند العرب فلاح سواء كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره. وقال الخطابي: أراد: إن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدًا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر. قد اختلف في صيغها ومعناها. وأما معناها؛ فقال أبو عبـيد: هم الخدم والخول، يعني: لصده إياهم عن الدين، وجمعها أريسون وإريسون وأراسة، وهم الأكارون. وإنما قال ابن الأعرابي ذلك؛ لأن الأكارين كانوا عندهم من الفرس. وهم عبدة النار.وقال أبو عبـيد في كتاب (الأموال): أصحاب الحديث يقولون الأرِيسِيوّن منسوبًا مجموعًا، والصحيح الأريسين، وقال بعضهم: إن في رهط هِرَقْلَ فـرقةً تعرف بالأروسِيّة، فجـاء على النسب إليهم، وقيل: إنهم أتباع عبدالله بن أَرِيس الذي وحد الله عندما تفرقت النصارى. بعث الله نبيًا في زمانه. فخالفه هو وأصحابه فقتلوه». قوله: قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 64). قوله: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا: جاء في حديث الباب أنه « كثر عنده الصّخَب، أي الضّجّة، واضطرابُ الأصواتِ للخِصَام. وجاء بلفظة أخرى أنهم «حاصوا»: أي نفروا وكروا راجعين. وقيل صالوا والمعنى قريب. فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فستكون لهم بقية، ويؤيده ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جواب كسرى قال: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ. وَلَمَّا جَاءَهُ جَوَابُ هِرَقْلَ. قَالَ: ثَبَّتَ اللَّهُ مُلْكَهُ». أين خبأ هرقل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟: «ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له، وأنهم يتوارثونه بينهم، حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة ثم كان عند سبطه». فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه فدعا رسول الله[ عليه. قوله: قَالَ أبوسفيان: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا. لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ: أَمِرَ: أي عَظُم وزاد. أَمرُ: بمعنى الشأن والحال. أي ارتفع شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم . وهو جواب لقسم محذوف تقديره والله قد أمر أمره وانتشر. قوله: ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ: يريد به النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل إنه كنية جد جده وَهَب؛ لأن أمه آمنة بنت وَهَب، وأم جد وَهَب قيلة بنت أبي كَبْشة، وعادة العرب إذا تَنَقَّصَت نسبت إلى جد غامض، وقيل: هو أبوه من الرَّضاعة، واسمه الحارث بن عبد العُزَّى، وكانت له بنتٌ تسمى كَبْشَة، يُكْنَى بها، وقيل: هو رجل من خُزاعة اسمه وَخْز بن عامِر بن غالِب -بفتح الواو وسكون الخاء-، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة، وذكر ابن حبيب في (المُجْتَبى) جماعة من أجداده صلى الله عليه وسلم من قِبَلِ أبيه، ومن قِبَل أمه كل واحد منهم يُكنى أبا كبشة. لهذا نجد الغموض في معرفة معاني هذا القول، والله أعلم. قوله: إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَر: قوله إنه يخافه هو بكسر الهمزة استئنافًا تعليليًا. قوله: ملك بني الأصفر هم الروم. وهو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ لأنه كان بين المدينة وبين المكان الذي كان قيصر ينزل فيه مدة شهر أو نحوه. وما قاله أبو سفيان لأصحابه عن النبي صلى الله عليه وسلم هو نتيجة هذا الزلزال الوجداني الذي حصل له في هذا اللقاء التاريخي مع ملك من ملوك الأرض، إنه قدر الله أن يجتمع رأسان في الكفر على كتاب رسول الله، وهي تشكل نوعًا من أنواع اجتماع أهل الكفر في حديثهم عن الإسلام. قوله: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ: أي تأكد لي بيقين أمر محمد. وفي رواية عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: »فما زلت مرعوبًا من محمد حتى أسلمت «أخرجه الطبراني. حتى منَّ الله عليَّ بالإسلام فأظهرت ما كنت أضمر من يقين تجاه النبي صلى الله عليه وسلم . قال الذهبي: وَلاَ رَيْبَ أَنَّ حَدِيْثَهُ عَنْ هِرَقْلَ وَكِتَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَدُلُّ عَلَى إِيْمَانِهِ، وَللهِ الحَمْدُ. ويبدو -والله أعلم- أن هرقل من حيث يدري أو لا يدري، حرك في أبي سفيان معاني الإيمان، وكان هذا باتجاهين أنه كافر مثله لكنه أعمل عقله. والثاني: أنه سيد في قومه. و أعظم سلطانًا منه لكنه أذعن للحق وتواضع لهذا الرسول. بقوله: «وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ». فكانت النتيجة أن أبا سفيان استقر في ضميره ووجدانه أن أمر رسول الله سيظهر. الحق ما شهدت به الأعداء، إن ما ذكره أبو سفيان لهرقل لما كان على الكفر حين صدقه القول، وشهد على حسن أخلاق هذا النبي الكريم، كان سببًا في تعريف هرقل بحقيقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الذي على ما يبدو أنه اقتنع بها، وأضمر إسلامه والله أعلم. وفي ظني أنه مهما حمله هذا اللقاء من معاني الإجلال والتقدير للنبي صلى الله عليه وسلم كان كل منهم يقر في داخله بعظيم شأن محمد وصدق دعوته؛ وذلك لما امتثل كل منهم صدق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. تنازع بعضهم مسألة إيمان هرقل؛ لأنه قد بدر من كلامه ما استحسن به هذا الخطاب، وما جاء به وحفظه، وهل ما قاله يكفي إقرارًا بإيمانه أم عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه من القتل ينفي ذلك؟ ومما يشير إلى عدم إيمانه ما كان منه بعد تاريخ الخطاب له ومن ذلك أنه جهز الجيوش لمواجهة المسلمين في مؤتة 8هـ، و تبوك، واختلف الإخباريون هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر أو ابنه؟ قال ابن حجر في الفتح: والأظهر أنه هو والله أعلم. من فوائد الحديث: 1- قال ابن بطال: فيه جواز كتابة بسم الله الرحمن الرحيم إلى أهل الكتاب وتقديم اسم الكاتب على المكتوب إليه. قال: وفيه حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة. قال ابن حجر: في جواز السلام على الإطلاق نظر، والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد مثل ما في الخبر السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك. 2- أن أبا سفيان لما كان بإيلياء في لقائه مع هرقل لم يكن قد أسلم بعد لكنه كان يدرك رسالة الإسلام. وكذلك كان هرقل. 3- الصدق كان خلقًا عربيًا قديمًا قبل الإسلام. والكذب منقصة لصاحبه. 4- استشرف هرقل مستقبل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ستصل إلى بلاد الشام عمومًا و بيت المقدس خصوصًا. بقوله: «سيملك موضع قدمي». 5- ويظهر من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فن كتابة الخطابات الرسمية الرصينة مع أنه نبي أُمِّيّ؛ فقد احتوى الخطاب على المُرْسِل والمُرْسَل إليه والمُحتوى وهو نص الخطاب والخاتمة بكلمات جزلة مختصرة مركَّزة اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّالث عَشْر- الْمَسْجِدُ الأقْصَى مِحْرَابُ الأتقيَاءِ الحديث فيه إثبات أن المسجد الأقصى كان يسمى مسجدًا في عهد بني إسرائيل، وليس هيكلًا كما يدِّعي يهود اليوم ترك الـمُلك والرئاسة والتفرغ للعبادة مزية لا يقوى عليها إلا من امتلأ قلبه بالإيمان وهي فضيلة جليلة قل من يتصف بها كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثالث عشر: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى، فقام يصلي ليلة فوق بيت المقدس في القمر فَذَكَرَ أمورًا كان صنعها؛ فخـرج فَتَدَلَّى بِسَبَب، فأصبحَ السَّببُ معلقاً في المسجد، وقد ذهب، قال: فانطلق حتى أتى قوماً على شط البحر، فوجدهم يضربون لَبِناً أو يصنعون لبناً، فسألهم: كيف تأخذون عـلى هـذا اللَّبِن؟ قـال: فأخـبروه، فَلَبَّنَ معهم، فكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصـلاة قـام يصلي، فرفع ذلك العمال إلى دِهْقانِهِم أن فينا رجلاً يفعل كذا وكذا، فأَرسَل إليـهِ فأبى أَن يـأتِيَهُ، ثلاث مرات، ثم إنه جاء يسير على دابتـه، فلما رآه فَرَّ فاتَّبعهُ فسَبَقَهُ، فقال: أنْظِرني أُكلِّمك قال: فقام حتى كلمـه، فأخـبره خبَرهُ، فلما أخبره أنه كان ملكاً وأنه فَرَّ من رهبة ربه، قال: إِني لأَظُنُّني لاحقٌ بِك، قال: فاتبعه، فعبدا الله، حتى ماتا بِرُمَيْـلَة مِصْرَ. قال عبد الله: لَو أَنِّي كُنتُ ثَمَّ لاهتديتُ إلى قبرهما بصفة رسول الله التي وصف لنا».شرح الحديث وضعنا حديث الباب تحت عنوان المسجد الأقصى محراب الأتقياء؛ لأنه مكان يتحنَّث به الأنبياء والعباد والأولياء والزهاد وآثار ذلك شاهدة في معالم الأقصى إلى يومنا هذا، من محاريب ومصاطب عدة متناثرة هنا وهناك في ساحات المسجد الأقصى، ومنهم طائفة من الأنبياء وغيرهم ممن جاء ذكرهم في القرآن الكريم، كان المسجد الأقصى محرابهم: - نبي الله زكريا: قال تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران:39). - نبي الله سليمان: قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ...} (سبأ: 12- 13). - نبي الله داود: قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ...} (ص: 21-22} - وأما العابدة مريم والدة نبي الله عيسى التي لم تفارق المسجد الأقصى قال في حقها ربي جل في علاه: {...كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(آل عمران:37}، وبهذه الآيات وغيرها اتضح أن الأنبياء -عليهم السلام- لم يبنوا هيكلًا، بل محاريب في صدور مساجدهم يصلون فيها. وقد تكررت كلمة المَحَارِيبَ في الآيات وهي: الغرف، وَاحِدهَا محراب. أي مَسَاجِدَ، كان المؤمنونَ يُصَلُّونَ فيها. ويقالُ: أراد بالْمَحَاريب الغُرَفَ والمواضعَ الشريفةَ، يقالُ لأشرفِ موضعٍ في الدار مِحْرَابٌ، والْمِحْرَابُ مُقَدَّمُ كلِّ مسجدٍ ومجلس وبيتٍ. قال الزجاج: المحراب الذي يصَلَّى فيه، وأشرف موضع في الدارِ وفي البيت يقال له المحراب، وهو هنا كالغرفة، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره، المحراب أي: مصلاه. يكشف هذا الحديث عن أنموذج فريد من رؤساء بني إسرائيل قلَّ أمثالهم فيهم، من عبادة في خلوة رغبة ورهبة من الله جل جلاله، وإخلاص وتجرُد وتواضع وكسب يدٍ شريف، إنه رسالة لملوك الأرض قاطبة؛ لما فيها من عظة وعبرة ومعان سامية. قوله: إنّ بني إسرائيل: إسرائيل: اسم قيل هو مضاف إلى (إيل) قال الأخفش: هو يهمز ولا يهمز قال ويقال إسرائين بالنون كما قالوا: جبرين وإسماعين.إيل: اسم من أسماء الله -تعالى- عبراني أو سرياني، وقولهم جبرائيل وميكائيل كقولهم عبد الله وتيم الله. قوله: استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى: الحديث يُبين أن الفترة التي كان يعيشها هذا الملك هي ما بعد زمن موسى. معناه من بعد موته وانقضاء مدته. وهو مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَ الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا...} (البقرة: 246). الحديث لم يُفصِّل الزمن أو العهد الذي كان فيه أو حتى اسم هذا الخليفة، لكنه أجمل الأمر أنه زمن بعد موسى، كما أن زمن موسى لم يكن فيه تنصيب للملوك؛ و لأن المضمون هو هدف ومعاني هذه القصة وليس حيثياتها. وواضح من الحديث أن الخليفة الذي استخلفوه كان ذلك زمناً دخلوا فيه بيت المقدس، وانتصروا على الفلسطينيين، أي بعد دخول يوشع بن نون الأرض المقدسة، صحيح أن الزمن لم يتحدد بالدقة لكن المكان تحدد بكل دقة وهو المسجد الأقصى وتحديدًا فوق سطحه. قوله: فقام يصلي ليلة فوق بيت المقدس في القمر فَذَكَرَ أمورًا كان صنعها: أي إنه كان يُصلي متنفلًا في ليلة مقمرة، ويبدو أنه ذكر شيئًا من أعماله الصالحة التي كانت خبيئة بينه وبين الله، أو غير ذلك، فساءه ذلك وندم عليه. قوله: فخـرج فَتَدَلَّى بِسَبَب فأصبحَ السَّببُ معلقًا في المسجد، وقد ذهب: السبب: أي الحبل، وقيل لايُسمَّى الحبل سببًا حتى يكون أحدُ طَرَفَيه معلّقًا بالسّقْف أو نحوه، أي فخرج من مكانه على سطح المسجد الأقصى بحبل كان يتسلق عليه، وهذا فيه إشارة أنه كان منقطعاً تمام الانقطاع عن الناس ولا يمكن الوصول إليه إلا بالحبل. قوله: قال: فانطلق حتى أتى قومًا على شط البحر، فوجدهم يضربون لَبِنًا أو يصنعون لبنًا: ما يعمل من الطين كالطوب والآجرّ. اللّبِنة: التي يُبنى بها والجمع (لَبِن) و (لَبَّن) الرجل (تلبينًا) اتخذ اللّبِن. فأتى قومًا نكرة لا قيمة لهم في المجتمع، يعملون بمهنة صناعة الطوب يتكسبون بها لمعاشهم. قوله: فسألهم: كيف تأخذون عـلى هـذا اللَّبِن؟ قـال: فأخـبروه فَلَبَّنَ معهم، فكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصـلاة قـام يصلي: أي سألهم عن الأجر المادي نظير هذا العمل الشاق. قوله: فرفع ذلك العمال إلى دِهْقانِهِم: دهقانهم: بكسر الدال وضمها، رئيس القرية، وهو مُعرَّب وَهُوَ مِنَ الدَّهْق: الإمْتِلاءِ. قوله: إن فينا رجلاً يفعل كذا وكذا، فأَرسَل إليـهِ فأبى أَن يـأتِيَهُ: ويبدو أنهم لم يكونوا يعلمون أنه كان ملكًا، غير أنه لفت انتباههم بحسن عمله ومعاملته وحرصه على صلاته، أبى: رفض وامتنع من إجابة طلب الملك أن يأتيه ليستخبر عن حاله، وخشي منه أن يعرفه. قوله: ثلاث مرات، ثم إنه جاء يسير على دابتـه، فلما رآه فَرَّ فاتَّبعهُ فسَبَقَهُ: فَرَّ: يفر بالكسر (فرارًا) هرب.خشية أن يعرفه. قوله: فقال: أنْظِرني أُكلِّمك قال: فقام حتى كلمـه، فأخـبره خبَرهُ فلما أخبره أنه كان ملكًا وأنه فَرَّ من رهبة ربه، قال: إِني لأَظُنُّني لاحقٌ بِك:ولما أدركه وعلم خبره وما كان فيه من ملك تنازل عنه رهبة من الله ورغبة إليه، تأثر ذلك الملك به، لما فيه من بذرة خير فسلك مسلكه. قال: فاتبعه، فعبدا الله، حتى ماتا بِرُمَيْـلَة مِصْرَ: برميلة: قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- بضم الراء وفتح الميم، هي ميدان تحت قلعة الجبل، كانت ميدان أحمد بن طولون، وبها كانت قصوره وبساتينه، وهي المعروفة الآن باسم ميدان صلاح الدين، وباسم (المنشية) بالقاهرة. اهـ. قوله: قال عبد الله: لَو أَنِّي كُنتُ ثَمَّ لاهتديتُ إلى قبرهما بصفة رسول الله التي وصف لنا: لو أني كنت ثَمَّ: عبدالله هو راوي الحديث، وثم بفتح المثلثة أي لو أني كنت هناك، لعرفت مكان قبرهما كما وصفنيه رسول الله[، ما أعظمها من قصة لو كنا بها والملوك نعتبر. من فوائد الحديث: 1- القصة مما صح من أخبار بني إسرائيل التي رواها النبي صلى الله عليه وسلم . 2- فيه إثبات أنه مسجد وكان اسمه المسجد الأقصى في عهد بني إسرائيل وليس هيكلًا كما يدِّعي يهود اليوم. 3- ترك الـمُلك والرئاسة والتفرغ للعبادة مزية لا يقوى عليها إلا من امتلأ قلبه بالإيمان وهي فضيلة جليلة تحلى بها هذا الملك الوقور وصاحبه. 4- فيه دليل أن من كان قبلنا من مؤمني بني إسرائيل كانوا يقيمون الصلاة في المسجد الأقصى. 5- وأن صلاة الليل كانت هدي وشريعة من كان قبلنا. 6- وفيه إشارة من عبدالله بن مسعود أن عنده علمًا تفصيليًا من خبر النبي صلى الله عليه وسلم له بمكان قبرهما. اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الرابع عَشْر- مُوسَى يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْبضَ روحَهُ قَرِيبًا مِنْ فِلَسْطِين القلوب التي جُبلِت على الكفر وانطوت سجيتها على العناد، لم يُفلِح معها معجزات، ولا ألواح فيها آيات بيّنات من إكرام الله تعالى لموسى أنه لم يأمر الملك بأخذ روحه قهرًا، بل أرسله في صورة بشر منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض على سبيل الامتحان كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الرابع عشر: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أُرسِـلَ مَلكُ الموتِ إلى موسى عليه السلام»، وفي رواية عن أبي هريرة:جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك( فَلمَّا جاءَهُ صكَّــهُ فَفَقأَ عينهُ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فقال: أَرسلتني إلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ، قال: فَردَّ اللهُ إليه عَينهُ، وقال: ارجع إليه فقل له: يَضَعْ يَدهُ على مَتنِ ثور، فَلَهُ بما غَطَّتْ يَدُهُ بِكـلِّ شَعرةٍ سَـنةٌ، قــال: أَيْ رَبِّ، ثُـمَّ مَهْ؟ قال: ثم الموتُ، قال: فالآن. فَسأل اللهَ - أَي مـوسى - أَن يُـدنِيـَهُ مـنَ الأَرضِ المـقدسَـةِ رَميةً بحجـر قال رسول الله:فَلـو كُـنـتُ ثَـمَّ (وفي رواية: لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ) لأَريـتـُـكـمْ قَـبـرهُ إلى جانبِ الطريق تَحتَ (وفي رواية: عِنْدَ الكثـيـبِ الأحمرِ ).شرح الحديث بعد مضي فترة على وجود بني إسرائيل في مصر، أمر الله -تبارك وتعالى- نبيه موسى أن يخرج من مصر ومعه بنو إسرائيل متوجها إلى الأرض المقدسة نحو الشرق، وبعد أن وصلوا صحراء سيناء، تقلبوا بألوان من الكفر والعصيان حينا والعناد وعدم طاعة نبي الله موسى حينا آخر، فعاشوا بعدها في تيه لا يهتدون سبيلًا، ونبي الله موسى ومن غير كلل ولا ملل يأمر بني إسرائيل رهبة، ويحثهم رغبة على دخول الأرض المقدسة، لكن من غير جدوى كما أخبر سبحانه وتعالى على لسان موسى، قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (المائدة: 21). فأجابوه وكعادتهم بلغة الجبناء المذعورين المرعوبين من العماليق الفلسطينيين الجبارين، ومن غير حياء أو احترام لنبي الله موسى، الذي أقامه الله بين ظهرانيهم، ويسَّر لهم سبل النصر على أعدائهم من تابوت يتقدمهم، يُنْصَرون به فيه سكينة ورحمة، لكنهم و من غير خوف أو خشية أو رهبة في قلوبهم من الله، قالوا كما أخبر -سبحانه وتعالى- على لسانهم: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24)، لقد اضطرهم الأمر ومن شدة خوفهم من الفلسطينيين الأولين الذين كانوا على الكفر وهم من كانوا يوصفون بالأمة المسلمة، وببني إسرائيل تشريفًا لهم، وكان بين أظهرهم نبيّا الله موسى وأخوه هارون -عليهما السلام يقودان مسيرتهم، غير أنهم استهزؤوا بالله -تبارك وتعالى- ورسله، وبكل عناد مجددين رفضهم دخول الأرض المقدسة، كما أخبر سبحانه وتعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة: 22). لقد استحكم في قلوبهم الجُبْن والخور من الفلسطينيين العماليق الكفرة حينها، ولم يشفع لهم ما ينبغي أن يكونوا عليه من شريعة صحيحة نزلت على نبيهم موسى غضَّة طريَّة، ومعجزات تأتيهم تترا، تتراءى لهم أمام أعينهم بين الحين والآخر، وفي كل مناسبة، لكن من غير جدوى، لكنها القلوب التي جُبلِت على الكفر وانطوت سجيتها على العناد، فلم يُفلِح معها معجزات، ولا ألواح فيها آيات بيّنات. ثم كانت بعد ذلك المحاولات تلو المحاولات مع بني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة حال وجودهم في التيه مع نبيّي الله موسى وهارون -عليهما السلام- لكنه العناد مرة أخرى، فكانت عقوبة الله لبني إسرائيل حرمانهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة، بسبب تعنتهم، ورفضهم أوامر نبيهم، واضطرابهم على أنبيائهم، وتقلبهم المستمر بين الكفر والإيمان. وحال الله بينهم وبين الأرض المقدسة لما عصوْا أوامر نبيهم حتى قبض الله روح موسى وأخيه هارون -عليهما السلام- في التيه قبل أن يدخلا الأرض المقدسة. نعم موسى عليه السلام لم يدخل الأرض المقدسة فلسطين، وتُوفِّي في شرقي الأردن، وإنما دخل بنو إسرائيل فلسطين بعد وفاته بقيادة (يوشع بن نون)، فحبست له الشمس حتى دخل الأرض المقدسة فاتحًا بإذن الله ومعه نفر قليل من بني إسرائيل، كما جاء ذلك في حديث البراء بن عازب): كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ»، ثم أكمل داود مسيرة (يوشع بن نون) -عليهما السلام- فكانت هي البدايات الحقيقية لدخول نفر قليل مؤمن من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ( فلسطين). لكن حديثنا هذا يتحدث عن فترة قريبة من وفاة هارون -عليه السلام- وتحديدًا وبنو إسرائيل ما يزالون في التيه وبعد فترة وجيزة من وفاة هارون أخي موسى -عليهما السلام- أرسل ملك الموت إلى موسى -عليه السلام- كما جاء في نص الحديث: قوله: أُرسِـلَ مَلكُ الموتِ إلى موسى: تمثل ملك الموت لموسى على هيئة رجل يدخل عليه ومن غير استئذان أو أن يعلمه سبب قدومه ونوع المهمة التي جاء لأجلها كما هي السنة مع الأنبياء ومن غير مقدمات أو علامات التنبيه لموسى بدنوّ أجله يتقدم إليه ليقبض روحه. قوله: فَلمَّا جاءَهُ صكَّــهُ: وهي ردة فعل طبيعية من موسى تجاه رجل لا يعرفه يدنو منه يريد أن يعتدي عليه. فــصكّه: أي ضربه ولطمه، ولا يمتنع أن يكون الله أذن له بذلك امتحانًا للملطوم، أو أن موسى لم يعلم أنه ملك مرسل من الله، وظن أنه رجل قصده، أو أنه إنما لطمه؛ لأنه جـاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يخير؛ فلهذا لما خيّره في المرة الثانية أذعـن”. قوله: فَفَقأَ عينهُ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فقال: أَرسلتني إلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ، قال: فَردَّ اللهُ إليه عَينهُ: فَفَقأَ عينهُ: بالهمز. بخقها، أي عورها، وبابه قطع، وفقأها تفقئه مثله، وتفقأ الدُّمَلُ القرحُ، أي ضربه بباطن كفه فقلع عينه وأعماها، واللطمة أثرت في العين الصورية لا في العين الملكية، فإنها غير متأثرة بها. وذكر صاحب الإفصاح: «إنما وجه الحديث عندي أن موسى كان من الدنيا في دار عبادة وخدمة، فجاءه ملك الموت لينقله إلى دار راحة ونعمة، فكره أن يراه الله -تعالى- مسرعًا إلى الخلاص من خدمة ربه، وحمل أعباء الأثقال من مرارة خلقه، طالبًا تعجيل الراحة بالتنعم في دار الخلد بالعطايا السنية فلطم ملك الموت، وقيل إن الله -تعالى- لإكرامه إياه ولطفه به لم يأمر الملك بأخذ روحه قهرًا، بل أرسله في صورة بشر منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض على سبيل الامتحان. اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#16
|
||||
|
||||
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الرابع عَشْر(2) مُوسَى يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْبضَ روحَهُ قَرِيبًا مِنْ فِلَسْطِين سميت فلسطين بالأرض المقدسة لأنها طهرت من الشرك و جُعلت مسكنًا للأنبياء والمؤمنين الحرص على الموت في الأرض المقدسة لا يقل شأنًا عن الموت فيها، وإليهما كان يسعى موسى ومن كان قبله ومن جاء بعده من الأنبياء كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الرابع عشر: كيف لموسى عليه السلام أن يفقأ عين الملك؟ قال النووي: قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، وأنكروا تصوره، قالوا: كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟ قال: وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة: أحدها: أنه لا يمتنع أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم قد أذن الله -تعالى- له في هذه اللّطمة، ويكون ذلك امتحانًا للملطوم، والله سبحانه وتعالى- يفعل في خلقه ما شاء، ويمتحنهم بما أراد. - والثاني: أن هذا على المجاز، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة، ويقال: فقأ فلان عين فلان إذا غالبه بالحجة، ويقال: عورت الشيء إذا أدخلت فيه نقصًا، قال: وفي هذا ضعف لقوله صلى الله عليه وسلم : «فرد الله عينه» فإن قيل: أراد رد حجته كان بعيدًا. - والثالث: أن موسى عليه السلام لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وتؤيده رواية (صكه)، وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين، واختاره المازري والقاضي عياض، قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه تعمد فقء عينه، فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنه ملك الموت، فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم بخلاف المرة الأولى. والله أعلم.أه قوله: وقال: «ارجع إليه فقل له يَضَعْ يَدهُ على مَتنِ ثور فَلَهُ بما غَطَّتْ يَدُهُ بِكـلِّ شَعرةٍ سَـنةٌ: متن الثور: ظهره. بفتح الميم وإسكان التاء، مكتنف الصلب من العصب واللحم. قوله: «قــال: أَيْ رَبِّ، ثُـمَّ مَهْ؟»: ثم مه: هي هاء السكت، وهو استفهام، أي ثم ماذا يكون أحياة أم موت؟ قوله: «قال: ثم الموتُ»، قال: فالآن: والآن ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل. وفي رواية: «أجب ربك»: أي للموت ومعناه جئت لقبض روحك، وهو من لطف الله -تعالى- وإكرامه لموسى أن خيره وأمهله. قوله: «فَسأل اللهَ -أَي مـوسى- أَن يُـدنِيـَهُ مـنَ الأَرضِ المـقدسَـةِ رَميةً بحجـر: يدنيه: يقربه، رمية حجر: أي قدر ما يبلغه». أي يكون بيني وبينها مقدار رمية حجر. والأرض المقدسة: سمّاها مقدسة؛ لأنها طهرت من الشرك، وجُعلت مسكنًا للأنبياء والمؤمنين. فلسطين، يقال: بيت المقدس والبيت المقدَّس وبيت القدس: بضم الدال وسكونها، وفيه فضل الدفن في الأرض المقدسة. وبه بوَّب البخاري هذا الحديث في كتابه، فقال: (بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا) وفي موضع آخر قال: باب وفاة موسى. عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} قَالَ: هِيَ الشَّامُ. قيل: هي الشام وفِلَسْطين، وعلى لسان موسى عليه السلام قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (المائدة: 21). وبغض النظر عن التفاوت في تحديد حدود الأرض المقدسة، إلا أن موسى -عليه السلام- عرف حدها وقدسيتها وشرف المدفونين فيها فكانت هي علة طلب الدنو منها. حدود الأرض المقدسة: فقد اختلف أهل التفسير في تعيين حدود الأرض المقدسة، قال مجاهد: هي جبل الطور وما حوله. قال الضحاك: إيلياء وبيت المقدس. قال عكرمة والسدي: أريحا. وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقال قتادة: هي الشام كلها. ومع ما اختلفوا فيه نجد أن فلسطين في جل الأقوال مشمولة. وسميت بذلك؛ لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين. لماذا سأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة: لقد تعددت أسباب سؤال موسى صلى الله عليه وسلم ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة كل ذلك كان يصب في مسارعته لرضى الرب سبحانه وقد أجاب النووي على هذال السؤال فقال: أما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة؛ فلشرفها، وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم، وقال بعض العلماء: إنما سأل الإدناء، وجاء «إنما سأل الإدناء من الأرض المقدسة مسارعة لامتثال أمر الله -تعالى- في قتال الجبارين الذين كانوا ببيت المقدس». وقال ابن بطال: «في معنى سؤال موسى أن يدنيه من الأرض المقدسة- والله أعلم- لفضل من دُفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين؛ فاستحب مجاورتهم في الممات كما يستحب جيرتهم في المحيا؛ ولأن الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة، ويزورون قبورها ويدعون لأهلها. قال المهلب: إنما سأل الدنو من الأرض المقدسة؛ ليسهل على نفسه، وتسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها من المشي، وصعوبته عند البعث والحشر». كما نجد أن هناك من فضلاء الصحابة من كانوا حريصين كل الحرص على أن يُوارى جثمانهم في الأرض المقدسة؛ فهذا أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجرَّاحِ أحد السابقين الأولين، وأمين هذه الأمة، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. انطَلَقَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ بِبَيتِ المقدِسِ، فَأَدركَهُ أَجلُهُ بِفَحلٍ فَتُوفِّي بِهَا، وَقَالَ: ادفُنُونِي مِن غَربِيِّ نَهرِ الأُردُنِّ إِلَى الأَرضِ المقَدَّسَةِ، ثُمَّ قَالَ: ادفُنُونِي حَيثُ قَضَيتُ؛ فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَن تَكُونَ سُنَّةً. ومع تقديسها لا يمنع أن يقع فيها ومن أهلها من المعاصي، قال ابن بطال: «أجمع أهل الشرائع على أن الله قدسها وقد شاهدوا فيها المعاصي والكفر والذنوب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي». لماذا سأل موسى ربه الإدناء من الأرض المقدسة ولم يسأل الدفن فيها؟ وهنا لفتة مهمة يجب أن نشير إليها فموسى سأل الله أن يموت ويدفن قريبًا منها وليس فيها، وعلة ذلك -والله أعلم- كما جاء في شرح النووي «أنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس، وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة، والمواطن المباركة، والقرب من مدافن الصالحين». اﻫ. كما أنه خشي إن وصى بني اسرائيل أن يحملوه قريبًا منها ألا يفعلوا أو ينسوه كما نسوا جثمان يوسف لما خرجوا من مصر. على كل حال لا غضاضة في كونه قريبًا من الأرض المقدسة وليس فيها لأن من قارب الشيء أعطي حكمه. قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فَلـو كُـنـتُ ثَـمَّ (وفي رواية:لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ): فلو كنت ثمَّ: بفتح المثلثة ظرف مكان،أي هناك، صرح أبو هريرة في هذا الجزء من الحديث برفعه إلى النبي مع أنه لم يصرح بذلك في بدايته. لأَريـتـُـكـمْ قَـبـرَهُ إلى جانبِ الطريق تَحتَ (وفي رواية: عِنْدَ الكثـيـبِ الأحمرِ).: والكثيب بالمثلثة وآخره موحدة وزن عظيم: الرمل المجتمع. وقيل: الكثيب السهل. الكَثِيب: الرمل المستطيل المحدودِب، وهو التل من الرمل. وقال صاحب الغريب: إذا كانت الرملة مجتمعة، فهي: العَوْكَلَة، فإذا انبسطت وطالت، فهي الكثيب، فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح، وبقى منه شيء رقيق فهو اللَّبب، فإذا نقص، فهو: العداب. فالرسول شاهد عيان على مكان القبر ووصفه لدرجة اليقين حتى أنه لو تمكن من الوصول إلى المكان لاستطاع تحديد مكانه بالدقة ذاتها التي حددت فيها عجوز بني اسرائيل مكان قبر يوسف عليهم السلام جميعًا. من فوائد الحديث: 1- الحرص على الموت في الأرض المقدسة لا يقل شأنًا عن الموت فيها وإليهما كان يسعى موسى ومن كان قبله ومن جاء بعده من الأنبياء. 2-ليس في قبور الأنبياء ما هو محقق إلا قبر نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - وأما غيره من قبور الأنبياء فمظنون. 3-فيه جواز رجاء الدفن في الأرض المقدسة، أو قريبًا منها، وقد بوَّب البخاري (باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها). 4- وفيه أن الملك يتمثل بصورة الإنسان، وقد جاء في ذلك أحاديث عدة صحيحة صريحة. 5-وفيه من فضل الله -سبحانه- أنه أَرى رسوله صلى الله عليه وسلم موسى يصلى في قبره؛ ليعرف صلى الله عليه وسلم أنه ليس في دفنه هو في الأرض غضاضة ولا نزول عن مرتبة موسى؛ ولتكون قبورهم أمانًا لأهل الأرض. 6-على أهل الأرض المقدسة أن يثبتوا عليها حتى يلقوا الله تعالى وهم كذلك لينالوا شرف الموت فيها. اعداد: جهاد العايش
__________________
|
|
#17
|
||||
|
||||
|
الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الخامس عَشْر- حَبْسُ الشَّمْسِ عَنْ يُوشَع بِن نُون عليه السلام حَتَّى يُدْرِكَ دُخُولَ بَيْتِ الْمَقْدِس لمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بن أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال الْحَسَنُ: «قَدْ قَتَلتُم وَاللَّهِ اللَّيلةَ رَجُلًا فِي اللَّيلةِ الَّتي أُنزِلَ فِيهَا القُرآنُ، وَفيها رُفع عيسى ابْنُ مَريَمَ، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ فَتى مُوسى». كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الخامس عشر: عـن أبـي هـريـرة رضي الله عنه قـال: «قـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا حُبِسَتِ الشَّمْسُ عَلَى بَشَرٍ قَطُّ» وفي رواية عن أبي هريرة: «إن الشمس لم تحبس»، إِلا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ»، وفي رواية عن أبي هريرة: «فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا. فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِم».شرح الحديث: أوصى موسى من بعده لفتاه يوشع بن نون بخلافة بني إسرائيل لما كانوا في التيه، وهو ما جاء بحقه في قوله تباركَ وَتعالى:{إِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} (الكهف:60). فكانت قيادته لهم بمثابة عصر وعهد جديدين لبني إسرائيل؛ فخرج بهم من سيناء متوجهًا إلى الأرض المقدسة فكانت الانتصارات والفتوحات على يديه فيها، حتى أكرمه الله بأن حبس له الشمس لما أوشكت على الغروب، وقد كان بينه وبين الفتح ساعات قليلة؛ فأمرها يوشع ألا تغرُب حتى يفتح المدينة، وبقدر الله كان له ما طلب؛ فكانت معجزة أجراها الله ليوشع بن نون -عليه السلام- تكرمة له. مَا حُبِست الشمسُ عَـلَـى بَـشَـرٍ قط: قيل في هذا الحبس: إنها رجعت على أدراجها، وقيل: وقفت فلم ترد، وقيل: هو بطء حركتها. والمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع، على هذا الوجه، على ما مضى من الأنبياء قبل نبينا. وسبب حبسها أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فدعا الله فرد له الشمس. غير أن القاضي عياض أجمل الأقوال في كيفية حبس الشمس فقال: «اختلف في حبس الشمس هنا، فقيل: ردت على أدراجها. وقيل وقفت. وقيل: بَطُؤت حركتها، وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره. الحكمة من حبس الشمس ليوشع بن نون عليه السلام: وللقرطبي توجيه لطيف في الحكمة من حبس الشمس؛ حيث قال: قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح: أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت؛ ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم، فكان ذلك آية له خُصَّ بها، بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى على ما يقال. قال الألباني: وأيهما كان الأرجح، فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي يوشع وقومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس، وليس هذا هو المراد، بل الغرض أن يتمكن من الفتح قبل اللَّيل؛ لأن الفتح كان يوم الجمعة، فإذا دخل اللَّيل، دخل يوم السبت الذي حرّم الله عليه العمل فيه، وهذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل الكتاب: «وذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر، فلما غَرَبت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم يوم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان... والله أعلم». هل حبست الشمس لغير يوشع بن نون -عليه السلام-: أجاب عن هذا السؤال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- بعد أن أجمل الأقوال وحررها فقال: 1- ما ذكره ابن إسحق في (المبتدأ) من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الشمس حبست لموسى لما حمل تابوت يوسف. وقال -أي الألباني-: هذا موقوف، والظاهر أنه من الإسرائيليات، وقصة نقل موسى لعظام يوسف -عليه السلام- من قبره في مصر في (المستدرك) (2/571-572) بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم ، وليس فيها ذكر لحبس الشمس. ب – أنها حبست لداود -عليه السلام-. أخرجه الخطيب في (ذم النجوم) له من طريق أبي حذيفة وابن إسحق في (المبتدأ) بإسناد له عن عليّ موقوفًا مطولاً. قال الحافظ: «وإسناده ضعيف جدًا، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى، فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع». جـ – أنها حبست لسليمان بن داود -عليهما السلام- في قصة عرض الخيل، وقوله الذي حكاه الله عنه في القرآن: (ردوها علي) ص: 23، رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس. قال الحافظ: «وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله تعالى: {ردوها علي} للخيل. والله أعلم. د- ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها الله عليه حتى صلى العصر. قال الحافظ: «كذا قال! وعزاه للطحاوي، والذي رأيته في (مشكل الآثار) للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء»، وقصة انشغالهصلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر في (الصحيحين) وغيرهما، وليس فيها ذكر لرد الشمس عليه صلى الله عليه وسلم . انظر: (نصب الراية) (2/164). ه – ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في (مغازي ابن إسحق) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشًا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس فدعا الله، فحبست الشمس حتى دخلت العير. ... قال الألباني: وقفت والحمد لله على إسناد الحديث، فتبين أنه ليس بحسن، بل هو ضعيف أو موضوع؛ ولذلك أودعته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) رقم: 972. و – ما رواه الطحاوي وغيره من حديث أسماء بنت عميس أن الشمس ردت بعد غروبها لعليّ رضي الله عنه حتى صلى صلاة العصر، وكان قد فاتته بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على فخذه. قال الألباني: وهذه القصة لا تثبت، وهي عند الطحاوي من طريقين عن أسماء، فيهما ضعف وجهالة... كما بينته في السلسلة المشار إليها رقم: 976. إِلاَّ على يُـوشـَـعَ بن نون: هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، وتوفي وعمره مائة وعشرون سنة. فتى موسى -عليهما السلام- خلفه في بني إسرائيل وفتح بيت المقدس بعد أن هزم العماليق. وقيل إنه مات قتلًا كما جاء في الأثر أنه لمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بن أَبي طَالِبٍرضي الله عنه قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَطِيبًا، فَقَالَ: «قَدْ قَتَلتُم وَاللَّهِ اللَّيلةَ رَجُلًا فِي اللَّيلةِ الَّتي أُنزِلَ فِيهَا القُرآنُ، وَفيها رُفع عيسى ابْنُ مَريَمَ، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ فَتى مُوسى». لَيـالـِيَ سَـارَ إِلَـى بَـيـْـتِ الْمَقْدِسِ: قال ابن حزم الأندلسي: دخل بنو إسرائيل الأردن وفلسطين والغور مع يوشع بن نون مدبِّر أمرهم إثر موت موسى -عليهما السلام- ومع يوشع العازار بن هارون -عليه السلام- صاحب السرادق بما فيه، وعنده التوراة لا عند أحد غيره بإقرارهم، فدبر يوشع -عليه السلام- أمرهم في استقامة وألزمهم للدين إحدى وثلاثين سنة مذ مات موسى إلى أن مات يوشع -عليهما السلام-. من فوائد الحديث: 1- في الحديث أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع -عليه السلام- وهي معجزة خُصَّت به دون غيره من الأنبياء. 2- وفيه دليل على أن الذي فتح بيت المقدس بعد سِنِيِّ التِّيه في سيناء، هو يوشع بن نون -عليه السلام-. 3- كما أن الشمس حبست ليوشع تكرمة له، فقد حبست لبيت المقدس تكرمة لها. 4- وفي الحديث إشارة لتكرمة الله لجند يوشع على صدق إيمانهم وحسن متابعتهم لنبي الله يوشع. اعداد: جهاد العايش
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |