|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (1) د.محمد الحمود النجدى يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع بموضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولا بد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية. فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 162-163).. وهل الجدل والجدال ممدوح مطلقا؟ أم أنه يمدح في أحوال ويذم في أحوال أخرى؟. - أولاً: الجدل لغة: هو مقابلة الحُجّة بالحجة؛ والمجادلة: هي المناظرة والمخاصمة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته. والجدل أيضاً: هو اللدد في الخصومة، والقدرة عليه، وجادله أي: خاصمه، مجادلة وجدالًا. هذا معنى الجدل لغةً. أما معنى الجدل اصطلاحاً: فقال الراغب الأصبهاني: الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. (المفردات). وقال الجُرجاني: الجدل: دفعُ المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه. التعريفات. وقال أيضًا: الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها. وقريب من الجدل: المراء. ومعنى المراء لغةً: هو الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: أي جادلته. ومعنى المراء اصطلاحاً: قال الجرجاني: المراء: طعنٌ في كلام الغير لإظهار خللٍ فيه، من غير أنْ يرتبط به غرض، سوى تحقير الغير! وقال الهروي عن المراء: هو أنْ يستخرج الرجل من مناظره كلاماً، ومعاني الخصومة وغيرها. فالمراء: هو كثرة الملاحاة للشخص، لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع. وما الفرق بين الجدال والمراء؟ قيل: هما بمعنى واحد. غير أنّ المراء مذموم، لأنه مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره، وليس كذلك الجدال. ولا يكون المراء إلا اعتراضاً، بخلاف الجدال، فإنَّه يكون ابتداء واعتراضًا. - وما الفرق بين الجدال والحجاج؟ الفرق بينهما: أن المطلوب بالحجاج: هو ظهور الحجة. والمطلوب بالجدال: رجوع الشخص عن المذهب. - وما الفرق بين الجدل، والمناظرة، والمحاورة؟ قيل: الجدل يُراد منه إلزام الخصم ومغالبته. أما المناظرة: فهي تردد الكلام بين شخصين، يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه، مع رغبة كلٍّ منهما في ظهور الحق. - والمحاورة: هي المراجعة في الكلام، ومنه التحاور أي التجاوب، وهي ضرب من الأدب الرفيع، وأسلوب من أساليبه، وقد ورد لفظ الجدل والمحاورة في موضع واحد من سورة المجادلة، في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} المجادلة: 1. وقريب من ذلك: المناقشة والمباحثة. (مناهج الجدل في القرآن الكريم). فالجدلُ إذاً: هو إظهارُ كل من المتنازعَيْنِ حجته التي يدفع بها كلام صاحبه ، يريد بذلك أن يكشفَ لصاحبِه صحّةَ كلامِه، وتقويةِ حجّتِه، وهدمِ مقالِ خصمِه وردّه. والجدلُ بهذا الاعتبارِ: قد يكون مأموراً به شرعاً، وقد يكون منهيًّا عنه؛ لذلك ينقسم الجدلُ إلى: محمودٍ ومذمومٍ. فالجدلُ المحمودُ: ما كان في الدعوة إلى الله -تعالى- ببيان الحق، وإبطال الباطل، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وضرب الأمثلة التي يتضح بها الحق، لا لمحض الجدال والمغالبة؛ فإنَّ ذلك مطلوب ليس مذمومًا. والجدلُ المحمودُ يحتاج إليه الدّاعية مع الخصمِ، مِنِ استعمالِ المعارضةِ والمناقضةِ؛ بالأدلة والبراهين، بقصْدَ بيانِ غرضِه الصّحيحِ وأنّه مُحِقٌّ مِن جهةٍ، وإظهارِ فسادِ غرضِ خصمِه، وأنّه مُبْطِلٌ مِن جهةٍ أخرى، مع تفنيدِ شبهات الخصمِ، وضعف تعلُّقِه بها. والجدلُ المحمودُ لا يخرج عن حيّزِ الوجوبِ أو النّدبِ، كما قال شيخ الإسلام ابنُ تيميّةَ -رحمه الله-: «وأمّا جنسُ المناظرةِ بالحقِّ؛ فقد تكون واجبةً تارةً، ومستحبَّةً تارةً أخرى». وقد بوّب ابنُ عبدِ البرّ -رحمه الله- لجنسِ الجدلِ المحمودِ في كتابه (جامع بيانِ العلمِ وفضلِه) بابا بعنوانِ: (إثباتُ المناظرةِ والمجادلةِ وإقامةِ الحجّةِ)، وذكر فيه جملةً مِنَ الأدلّةِ المفيدةِ لترجمةِ بابِه مِنَ القرآنِ والسّنّةِ، وأحوالِ الأنبياءِ مع أممِهم، ومجادلاتِ الصّحابةِ فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين غيرِهم مِن أهلِ المللِ وأهلِ البدعِ، وكذا مناظراتِ العلماءِ بعد الصّحابةِ رضي اللهُ عنهم، كما سيأتي بيانه. - أما الجدال المذموم: فقد ورد ذمُّ أنواع من الجدال في كتاب الله تعالى، لأمم وأفراد وقعوا فيه، وكذا في سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقوال سلف الأمة وأئمتها. أما في القرآن الكريم: أولا: الجدال والخصام بعد ظهور الحجة، وقيام البرهان الواضح، فإنه مذموم أشدّ الذم، وصاحبه مُتوعَّد بأليم العقاب، إن لم يقلع عنه وينقاد للحق. فمن ذلك: 1- قول الله تعالى: {ما يُجادل في آياتِ الله إلا الذين كفروا فلا يَغْررك تقلُّبُهم في البلاد} غافر:4. قال البغوي: {ما يجادل في آيات الله} في دفع آيات الله، بالتكذيب والإنكار، {إلا الذين كفروا} قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}(غافر: 4)، {وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاقٍ بعيد} البقرة: 176. وقال ابن كثير: يقول تعالى: ما يَدفع الحق، ويجادل فيه بعد البيان، وظُهور البرهان {إلا الذين كفروا} أي: الجاحدون لآيات الله، وحججه وبراهينه، {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} أي: في أموالهم ونعيمها وزهرتها، كما قال: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}آل عمران: 196 - 197، وقال تعالى:{نُمتِّعهم قليلاً ثم نضطَّرهم إلى عذابٍ غليظ}لقمان: 24. 2- قول الله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}الأنفال: 6. فقوله -تعالى- {يجادلونك في الحق بعدما تبين} مجادلة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما ندبهم إلى العير وفاتت العير، وأمرهم بقتال المشركين، ولم يكن معهم كبير أهبة لذلك، عليهم شق ذلك، وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة. ومعنى {في الحق} أي: في القتال. بعدما تبين لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعدما تبين لهم أن الله وعدهم: إما الظفر بالعير، أو بأهل مكة؛ وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة، والظفر بهم. فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم. قاله القرطبي بنحوه. وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهما. وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين. ثم روى عن ابن زيد قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق {كأنما يساقون إلى الموت} حين يدعون إلى الإسلام {وهم ينظرون} قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: {يجادلونك في الحق} خبر عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق أنه خبر عن المؤمنين. قال ابن كثير: وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم. ثانياً- الجدال بغير سلطان ولا علم، ولا دليل أو برهان، فإنه مَمْقوتٌ مبغوض عند الله تعالى، وعند المؤمنين. وفيها آيات في كتاب الله تعالى: فمن ذلك: 1- يقول الله تعالى: {الذين يُجادلون في آياتِ الله بغيرِ سلطانٍ أتاهم كبُر مَقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يَطبع الله على كلّ قلبِ مُتكبرٍ جبَّار }غافر: 35. قال الإمام الطبري: يقول -تعالى- ذكره مخبراً عن قول المؤمن من آل فرعون: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} فقوله (الذين} مردود على (من) في قوله {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} وتأويل الكلام: كذلك يضلّ الله أهل الإسراف والغلوّ في ضلالهم بكفرهم بالله، واجترائهم على معاصيه، المرتابين في أخبار رسله، الذين يُخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله، ليدحضوها بالباطل من الحُجَج. {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} يقول: بغير حُجة أتتهم من عند ربهم، يدفعون بها حقيقة الحُجَج التي أتتهم بها الرسل ; و(الذين) إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردًّا على (مَن). وقوله: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) يقول: كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله (وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) بالله ; وإنما نصب قوله: (مَقْتا)؛ لما في قوله (كَبُرَ) من ضمير الجدال، وهو نظير قوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) فنصب كلمة من نصبها؛ لأنه جعل في قوله: (كَبُرَتْ) ضمير قولهم (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة. وقوله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أنْ يُوحده، ويصدّق رسله (جبار): يعني متعظم عن اتباع الحق انتهى. 2- ويقول جل ذكره: {إنَّ الذينَ يُجادلون في آيات الله بغير سُلطانٍ أتاهم إنْ في صدورهم إلا كِبْر ما هم ببالغيه}غافر:56. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إنَّ الذين يخاصمونك يا محمد، فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات (بغير سلطان أتاهم) يقول: بغير حُجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها (إنْ في صدورهم إلا كِبر) يقول: ما في صدورهم إلا كبرٌ يتكبرون من أجله عن اتباعك، وقبول الحق الذي أتيتهم به حسداً منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوة (ما هم ببالغيه) يقول: الذي حسدوك عليه، أمرٌ ليسوا بمدركيه ولا نائليه؛ لأنَّ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بالأمر الذي يدرك بالأماني؛ وقد قيل: إنَّ معناه: إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة؛ لأنَّ الله مذلهم. انتهى - ثالثا: الجدال بغير سُلطان ولا علم مع الاستكبار عن قبول الحق، والصدّ عنه: وفيها آيات، فمنها: 1- قولُه تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}لحجّ: ٨. قال ابن كثير: لما ذكر -تعالى- حال الضُّلال الجُهّال المُقلدين، في قوله: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ويتّبع كلَّ شيطانٍ مريد}، ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع، فقال: {ومن الناس مَن يُجادل في الله بغير علمٍ ولا هدى ولا كتاب منير} أي: بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى. وقوله: (ثاني عطفه) قال ابن عباس وغيره: مستكبراً عن الحق إذا دُعي إليه. وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: (ثاني عطفه) أي: لاوي عنقه، وهي رقبته، يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق رقبته استكباراً. وقوله: (ليضل عن سبيل الله): قال بعضهم: هذه لام العاقبة ; لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل. ثم إما أنْ يكون المراد بها المعاندين، أو يكون المراد بها أنَّ هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق، الذي يجعله ممن يضل عن سبيل الله. ثم قال تعالى: (له في الدنيا خزيٌ) وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة; لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك) أي: يقال له هذا تقريعا وتوبيخا، {وأن الله ليس بظلام للعبيد} انتهى باختصار. 2- وقولُه تعالى: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}الأعراف: ٧١. يقول نبي الله هود -عليه السلام-لقومه: {أتجادلونني في أسماءٍ سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: أتخاصمونني في أسماء سميتموها زُوراً وبهتاناً آلهة، أنتم وآباؤكم، وهي أصنام لا تضر ولا تنفع (ما نزَّل الله بها من سلطان) يقول: ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حُجة تحتجون بها، ولا عذراً تعتذرون به؛ لأنّ العبادة إنما هي لمن ضرَّ ونفع، ورزقَ ومنع، وأثاب على الطاعة، وعاقب على المعصية. فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس، فإنه لا نفع فيه ولا ضر. رابعا: القوة والشِّدّة في الجِدال بغير سُلطان ولا علم، مع الاسْتكبار والإصرار: فمنه: 1- قول الله تعالى: {وتُنْذر به قَوماً لُداً} مريم: 97. قال قتادة: جَدلاً بالباطل. وقال أبو صالح: عوجاً عن الحق. وقال مجاهد: لا يستقيمون. أي: هم أقوياء في الجدال في الكفر، مع العوج والضلال، والصد عن سبيل الله تعالى، مع الشدة والإصرار. 2- قوله تعالى: {وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جَدَلا بل هم قومٌ خصمون} الزخرف: 58. فقوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو) أي: آلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ قاله السدي. وقال: خاصموه وقالوا: إنَّ كل مَنْ عُبدَ من دون الله، في النار، فنحن نرضى أنْ تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} الآية. وقال قتادة: (أم هو) يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم . وفي قراءة ابن مسعود (آلهتنا خير أم هذا) وهو يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير. وقوله (ما ضربوه لك إلا جدلا) جدلا: حال، أي: جدلين. يعني ما ضربوا لك هذا المثل إلا إرادة الجدل ; لأنهم علموا أنّ المراد بحصب جهنم، ما اتخذوه من الموات. (بل هم قوم خصمون) مجادلون بالباطل. والآيات في هذا الباب من كتاب الله -عز وجل- كثيرة ومتعددة.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (2) من الجدل المذموم بين المسلمين، الجدل على طريقةِ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ ، والذي يكون سببًا في التّحوّلِِ مِنَ السُّنة إلى البدعة ، ومِنَ الهُدى إلى الضّلالِ ، وربما من الإيمانِ إلى الكفرِ الواجب على المسلم الحذر من كثرة الجدل في النصوص، والرضا والقبول لها، والإيمان بها واعتقادها، دون معارضةٍ أو تشكيك لها، والعمل بها، كتاباً كانت أو سنة أهلُ الباطل وغيرهم من أهل البدع ديدنهم المجادلة بالمتشابه؛ لهذا جاءت أقوال السلف محذّرة من مجادلتهم إذا كانت المجادلة تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة فعلى المسلم والمسلمة أن يبتعدا عنها، حتى تسلم القلوب وتصفو النفوس يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع بموضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولابد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية؛ فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}(الأنعام: 162-163). ، ونستكمل الحديث في هذا الموضوع من خلال بيان ما جاءت به السنة فنقول:جاء ذكر الجدالِ في السنة كثيراً، ومدحته أحياناً، وذمته أحيانا أخرى وذم أهله وأحوالهم في أحاديث. والجدلُ المذمومُ في الأحاديث هو على نوعين : - الأوّلُ : أنواع جدلُ الكفّارِ السابق ذكرها في الآيات الكريمة، وهو ما كان على غيرِ هدًى ولا برهان، خالٍ مِنَ العلمِ والحجّةِ، على سبيل المكابرة والطغيان، أو ما كان لدحْضِ الحقِّ ورده، أو كان لتثبيتِ باطلٍ والدّعوةِ إليه، ونصرةِ أهلِه والمنافحةِ عنهم. - الثّاني: الجدلُ بين المسلمين، القائمُ على طريقةِ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ، والذي يكون سببًا في التّحوّلِ والانتقالِ مِنَ السُّنة إلى البدعة ، ومِنَ الهُدى إلى الضّلالِ، وربما من الإيمانِ إلى الكفر! قال الخليفة عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ-رحمه اللهُ-: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ ، أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ. أخرجه الدّارميّ (١/ ٩١) باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله، والآجرّيّ في «الشّريعة» (٦٤). ومِنْ جدلِ المسلمين المذمومِ: ما كان على وجهِ معارضةِ الآياتِ المتشابِهاتِ، ابتغاءَ الفتنةِ، وابتغاءَ تأويلِها على غيرِ مقصودِ الشّارعِ ومرادِه. أو تضمّن الجدلُ تكذيبًا للآيات والأحاديث والآثارِ، أو مكابَرةً لها. أو كان فيه إدخالِ الشّكوكِ في الثّوابتِ والأصول الشرعية المحكمة. أو كان معارضةً للإجماعِ بنقضِ عقدتِه. أو مغالطةً في القياسِ الصحيح. أو ما كان الجدلُ قائمًا على المماراةِ والخصومةِ، المؤديّةِ إلى تضييع الألفةِ والأخوّة الإيمانية، وتصديعِ أواصرِ المحبّةِ، وتوليدِ الشّحناءِ في النّفوسِ، أو إثارةِ للعصبيّةِ والفُرْقةِ بين المسلمين، الذي قد يصل إلى حدِّ التفرق والتّكفيرِ والاقتتالِ، أو كان لحظ النفس: كإظهار العلم، والفطنة والذكاء، أو مراءاة للناس وطلباً لثنائهم ، أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة، كالعناد والتعصب للرأي، أو كان الجدل للانتقاصِ مِن أهلِ الدّينِ والعلم، بأساليبِ التّحقيرِ والتّنفير، وبترِ أقوالِهم، وحملِ كلامِهم على غيرِ مرادِهم، وسوء ظنٍّ بها. - أما الأحاديث الواردة في الجدال المذموم ، فمنها: 1- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أبغضُ الرجالِ إلى اللهِ: الألدُ الخَصِم». أخرجاه في الصحيحين. قال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه: «الألد: شديد الخُصومة، مأخوذ من لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحُجة، أخذ في جانب آخر، وأما الخصم : فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقٍّ، أو إثبات باطل، والله أعلم». وفي الفتح ( 13/181): قال محمد بن كعب: الألد: الكذّاب. قال الحافظ: وكأنه أراد أنّ من يُكثر المخاصمة، يقع في الكذب كثيراً. وقال: فسبب البغض–أي بغض الله -تعالى- للألد الخصم- أن كثرة المخاصمة تُفضي غالباً إلى ما يُذم صاحبه، أو يخص في حقّ المسلمين بمن خاصم في باطل. 2- عن عائشة -رضي الله تعالى- عنها قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :{هو الذي أَنزلَ عليك الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هنَّ أمُّ الكتاب وأخرَ مُتشابهات فأما الذين في قلوبهم زَيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويله وما يعَْلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عندِ ربِّنا وما يذَّكر إلا أولو الألباب}(آل عمران: 7). قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إذا رأيتُم الذين يتَّبعون ما تَشَابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله ، فاحذرُوهم». قال النووي في شرح الحديث: «وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومَن يتّبع المشكلات للفتنة، فأما مَنْ سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد، وتلطّف في ذلك فلا بأس عليه ، وجوابه واجبٌ، وأما الأول فلا يُجاب بل يُزجر ويُعزَّر، كما عزَّر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صَبيغ بن عَسْل، حين كان يتبع المتشابه». فهذا الحديث: فيه تحذيرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم عن مجادلة أهل البدع؛ فإنهم أهل الزيغ والضلال ، وهم الذين يجادلون بالمتشابه ، وهي من المجادلة المذمومة. وأخبر -تعالى- أن الذين في قلوبهم زيغٌ، هم الذين يأخذون بالمُتشابة ، ليُمكنهم أنْ يُحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وأنَّ الراسخين في العلم يؤمنون به؛ لأنهم يعلمون أنه من عند ربهم. ولهذا كان أهلُ الباطل من أهل البدع وغيرهم، ديدنهم المجادلة بالمتشابه دون أهل الحق ، فإنهم لا يَخوضون فيه بغير علمٍ؛ ولهذا جاءت أقوال السلف كذلك محذّرة من مجادلة أهل البدع، كما نقل ذلك عن غير واحد منهم. فقال أيوب السختياني -رحمه الله تعالى-: «لا أعلم أحداً مِن أهل الأهواء يُخاصم ، إلا بالمتشابة!» وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: «إنَّ التكذيب بالقَدَر شِركٌ فُتح على أهل الضلالة، فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم». وعن عون بن عبد الله -رحمه الله- أنه قال: «لا تُجالسوا أهل القدر، ولا تخاصموهم؛ فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض؟!» وعن أبي قلابة -رحمه الله تعالى- أنه قال: «لا تُجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أنْ يَغمسوكم في الضلالة، أو يُلبسوا عليكم في الدِّين، بعض ما لبس عليهم». وروى ابن بطة: عن الحسن البصري ومحمد ابن سيرين -رحمهما الله- أنهما كانا يقولان: لا تُجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تَسمعوا منهم. وعن الفُضيل بن عياض -رحمه الله-: لا تُجادلوا أهل الخُصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات الله. وغيرها من الآثار كثير». 3- وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : «ما ضَلَّ قَومٌ بعد هُدىً كانوا عليه ، إلا أُوتُوا الجَدل، ثم قرأ : {ما ضَرَبوه لك إلا جَدَلاً}(الزخرف : 58). رواه الإمام مسلم في مقدمته، ورواه الترمذي في تفسير القرآن (3253), وابن ماجة في المقدمة (48). فهذا الحديث فيه : التحذير من الجدال، وهو ما اتصف به أهل البدع ، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والخوارج وغيرهم ، فكلهم أوتوا الجدل - نسأل الله السلامة والعافية - فتجدهم يجادلون في النصوص، ويؤولونها ويعطلونها ويحرفونها، بل ويردونها! ويجادلون أهل الحق بالباطل. - والحديث يدل على : أن من أُوتي الجدل، وأعرض عن النصوص، فإنه ضالٌ في نفسه ، مضل لغيره - عافنا الله من ذلك – فالواجب على المسلم الحذر من كثرة الجدل في النصوص، والرضا والقبول لها، والإيمان بها واعتقادها، وإمرارها والتسليم لها، دون معارضةٍ أو تشكيك لها، والإقبال على العمل بها، كتاباً كانت أو سنة. 4- وأيضاً: قد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الجدل، والاختلاف في كتاب الله -تعالى-؛ ففي الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «اقرؤُوا القُرآنَ ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم ، فإذا اختلفتُم فقوموا عنه». قوله: (فإذا اختلفتم) أي: في فهم معانيه (فقوموا عنه) أي: تفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، قال عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم، كما في قوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياءَ إنْ تُبد لكم تَسؤُكم}(المائدة: 101). ويحتمل أن يكون المعنى اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، ودعوا المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم». ويحتمل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته. قال الحافظ : ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء ، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كلكم مُحسن». (الفتح). 5- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «هجّرتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، قال: فسمِع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الغَضب، فقال: «إنما هَلك مَنْ كان قبلكم، باختلافهم في الكتاب». في صحيح مسلم. وفي رواية ابن ماجة وأحمد رحمهما الله: قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يختصمون في القَدَر، فكأنما يُفقأ في وجْهه حبُّ الرُّمان من الغضب، فقال: بهذا أُمرتم؟ أو لهذا خُلقتم؟ تَضْربون القرآنَ بعضه ببعض؟! بهذا هَلكتْ الأمم قبلكم». قوله: «هجّرت» بالتشديد، أي: أتيت في الهاجرة، أي الظهيرة «إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ». قال المظهر: التهجير السير في الهاجرة، وهي وقت شدة الحر، ولعل خروجه في هذا الوقت ليدرك النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من الحجرة؛ فلا يفوته شيء من أقواله وأفعاله، وفيه: حث على تحمل المشقة والإسراع إلى المسجد وطلب العلم. قوله: «فسمع» أي: النبي صلى الله عليه وسلم من حجرته «أصوات رجلين اختلفا» أي: تنازعا واختصما ( في آية) أي: في معنى آية متشابهة، ويحتمل أن يكون اختلافهما في لفظها اختلاف قراءة، كما جاء في بعض الأحاديث: «فخرج علينا رسول الله[ يُعرف في وجهه الغضب»، وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب لله -تعالى-؛ فيشتد به ذلك الغضب حتى يُرى أثره من حمرة اللون ونحوها في وجهه الكريم. قوله: «إنما هَلكَ مَن كان قبلكم» أي: من اليهود والنصارى، «باختلافهم في الكتاب» أي : المنزل على نبيهم، بأنْ قال كل واحدٍ منهم ما شاء من تلقاء نفسه. 6- ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم : «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ ، لِمَنْ تَركَ الْمِرَاءَ وإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ، لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ». رواه أبو داود، وصححه الألباني -رحمه الله-. قوله: «أَنَا زَعِيمٌ» الزعيم هو الضامن والكفيل، كقول الله عز وجل: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}(يوسف: 72). وقوله: «بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ»، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: والربض بفتح الراء والموحدة بعدها ضاد معجمة: الأسفل. (الفتح :13/1811). وقوله: «لِمَنْ تَركَ الْمِرَاءَ وإِنْ كَانَ مُحِقًّا»، قد سبق الكلام على الفرق بين الجدال والمراء. فقيل: هما بمعنى واحد، غير أنّ المراء مذمومٌ؛ لأنه مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره ، وليس كذلك الجدال. ولا يكون المراء إلا اعتراضاً ، بخلاف الجدال ، فإنَّه يكون ابتداءً واعتراضًا. ومعني الحديث : أنه صلى الله عليه وسلم ضامنٌ وكفيل لكل مَن يترك المراء - وهو الجدال - ولو كان محقاً، أنْ يعطيه الله -سبحانه وتعالى- بيتاً في ربض الجنة، أي: في أدناها، وهذا إذا كان الجدال لا فائدة تُرجى من ورائه، فيما يظهر للمجادل. وكذا إذا كانت المجادلة تؤدي إلى الخصومة والشقاق، والوحشة بينه وبين إخوانه، فعلى المسلم والمسلمة أن يبتعدا عنها، حتى تسلم القلوب، وتصفو النفوس. قال في عون المعبود: قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا زعيم» أي: ضامن وكفيل، «ببيت» قال الخطابي: البيت هاهنا: القصر، يقال: هذا بيت فلان، أي قصره. قال: والمراء: أي الجدال ، كسراً لنفسه، كيلا يرفع نفسه على خصمه بظهور فضله. انتهى. وقال الغزالي: حدُّ المراء: الاعتراض على كلام الغير، بإظهار خللٍ فيه، إما لفظا أو معنى، أو في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الاعتراض والإنكار، فكل كلامٍ سمعته فإنْ كان حقاً فصدِّق به ، وإنْ كان باطلاً ولم يكن متعلقا بأمور الدِّين، فاسكت عنه. انتهى. وقوله: «وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً» فيه: أن المسلم عليه أنْ يعود نفسه على الصدق دائما، والبعد عن الكذب ولو في المزاح، فمن ترك الكذب ولو كان عن طريق المزح، فإنه موعود بهذا الوعد الكريم، وهو بيت في وسط الجنة. وقوله: «وببيت في أعلى الجنة، لمن حَسُن خُلقه»، وهذا فيه بيان منزلة حسن الخلق ، وأن له هذه المنزلة العالية، وهو مما يدل على فضله وعلى أهميته. - وفي الحديث : بيان أنواع من الصفات الجميلة ، والأخلاق القاضلة ، وأن فضيلة حسن الخلق من أحسنها ، وأن تحسين الإنسان لخلقه يُوصله إلى الدرجات العالية في الجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أصناف من الناس ولكل درجته: فمنهم من يكون في ربض في الجنة وفي أدناها، ومنهم من يكون في وسطها، ومنهم من يكون في أعلاها. ومعلوم أن الجنة درجات بعضها فوق بعض، كما قال تعالى: {ولكل درجان مما عملوا}( آل عمران ). كما أنّ النار دركات، بعضها تحت بعض، عافانا الله منها ، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس درجات في الجنات بحسب أخلاقهم.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (3) د.محمد الحمود النجدى جاءت أقوال السلف محذِّرة من مجادلة أهل البدع ومخاصمتهم، ومجالستهم والخوض معهم اتفق علماء السلف من أهل السُّنة: على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات ، وعلى الزجر عن الخوص في علم الكلام وتعلمه يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع في موضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولابد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية؛ فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }(الأنعام: 162-163)، ونستكمل الحديث في هذا الموضوع من خلال بيان موقف السلف من هذه القضية. فنقول أما سلف الأمة الصالح فقد جاء نهيهم عن الجدال المذموم السابق بيانه، كمن يجادل في الدين بغير علم، وفي الحق بعدما تبين، أو يجادل المستكبر والمصر على الباطل في كثير من الآثار عنهم نقلها العلماء والمصنفون في العقيدة، كالأمام الآجري في الشريعة في: باب ذم الجدال والخصومات في الدين. والإمام ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) في: باب ما يُكره فيه المناظرة والجدال والمراء .والحافظ إسماعيل الأصفهاني في (الحُجة في بيان المَحجة) في : فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم . والحافظ ابن بطة في الإبانة الكبرى في: باب النهي عن المراء في القرآن . والإمام اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) في: سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم الحادثة وأرائهم الخبيثة . وغيرهم ممن كتب في التوحيد والعقائد. فقد جمعت هذه المصادر العقائدية الحديثية، المئات من الروايات عن السلف، في ذمّ الجدال والمراء والخُصومة في الدّين، وقد جاءت أقوال السلف فيها محذِّرة من مجادلة أهل البدع ومخاصمتهم، ومجالستهم والخوض معهم، بل يهجرون ويُحْذرون، خلافاً لحال كثير من أهل زماننا، من بعض الدعاة وطلاب العلم؛ فهذا هو الأصل، حاشا بعض صور المجادلة النافعة التي يأتي ذكرها، والآثار المنقولة عنهم في هذا لا تكاد تحصر لكثرتها، ونقلها قد يطول ، ونقتصر على ذكر ما تيسر منها في هذا الباب، ومَن أراد مزيد الاطلاع، فعليه بمراجعة تلك المصادر، وهي متوفرة بحمد الله: 1- فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: «إنَّ التكذيب بالقَدَر، شِركٌ فُتح على أهل الضلالة، فلا تُجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم». 2- وعن أبي قِلابة -رحمه الله تعالى- أنه قال: «لا تُجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أنْ يَغمسوكم في الضَّلالة ، أو يُلبسوا عليكم في الدِّين بعض ما لبس عليهم» . 3- وعن الحسن البصري ومحمد بن سيرين -رحمهما الله- أنهما كانا يقولان: «لا تُجالسوا أصحابَ الأهواء، ولا تُجادلوهم، ولا تسمعوا منهم. رواه ابن بطة». 4- وعن عون بن عبد الله -رحمه الله- أنه قال: «لا تُجالسوا أهلَ القَدَر، ولا تُخاصموهم؛ فإنهم يَضربون القرآنَ بعضه ببعض!». 5- وعن الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «لا تُجادلوا أهل الخُصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات الله!». 6- وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد -رحمه الله تعالى- قال: «أدْركنا أهلَ الفضل والفقه مِنْ خيار أَولية الناس، يَعيبون أهلَ الجدل والتنقيب ، والأخذ بالرأي أشدَّ العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، ويحذرونا مقاربتهم أشدَّ التحذير». الإبانة الكبرى (2/532). 7- وعن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- قال: «أصولُ السُّنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاقتداء بهم وترك البدع ، وكل بدعةٍ فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين». 8- وروى الحافظ ابن بطة: عن حنبل ابن إسحق -رحمه الله- قال: كتبَ رجلٌ إلى أبي عبد لله - يعني الإمام أحمد - رحمه الله- كتاباً يستأذنه فيه ، أنْ يضع كتاباً يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأنْ يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم، ويحتج عليهم، فكتب إليه أبو عبد الله: « بسم الله الرحمن الرحيم ، أحسنَ الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كُنا نسمعُ، وأدركنا من أهل العلم: أنهم كانوا يَكرهون الكلام، والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور في التسليم، والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم؛ فإنهم يَلبسون عليك ولا هم يرجعون؛ فالسلامة إنْ شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم». 9- وقال الحافظ ابن بطة بعد نقله للآثار عن السلف في النهي عن الجدال في الدين، قال : «فاعلم يا أخي أني لم أرَ الجدال والمناقضة، والخلاف والمماحلة، والأهواء المختلفة، والآراء المخترعة، من شرائع النبلاء، ولا من أخلاق الفضلاء، ولا من مذاهب أهل المروءة، ولا ممن حُكي لنا عن صالحي هذه الأمة، ولا من سير السلف، ولا من شيمة المرضيين من الخلف». 10- وقال الإمام البغوي -رحمه الله تعالى-: «واتفق علماء السلف من أهل السُّنة: على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات ، وعلى الزجر عن الخوص في علم الكلام وتعلمه». شرح السنة (1/216) . 11- وقال الإمام اللالكائي مبيناً ما جَنته مناظرة المبتدعة من جناية على المسلمين، وما أصبح لهم بسبب مناظرتهم من صيتٍ وجاه، حتى أصبحوا أقراناً لعلماء أهل السُّنة في نظر العامة! قال: «فما جَنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمداً ودرداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً، وصاروا إلى هلاك الإسلام دليلاً، حتى كثرت بينهم المشاجرات، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع مَنْ لم يكنْ عرفها من الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشُّبه في الحجج ، وبلغوا من التدقيق في اللجج؛ فصاروا أقراناً وأخدانا، وعلى المداهنة خلاناً وإخوانا، بعد أنْ كانوا في الله أعداءً وأضداداً، وفي الهجرة في الله أعواناً ، يكفرونهم في وجوههم عياناً، ويلعنونهم جهاراً، وشتّان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين». شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/19-20) . 12- وقال الإمام ابن أبي زيد المالكي في (الرسالة) عن منهج أهل السنة: «وترك المراء والجدال في الدِّين، وترك كل ما أحْدَثه المُحدثون». فظهر من خلال هذه الآثار: ذمّ السلفُ الصالح للمجادلة عموما، ولمجادلة أهل البدع خصوصا، وإعراضهم عن مجادلتهم وتحذيرهم الناس منها، وعَدَّها بدعة في الدِّين حدثت، كما ثبت قبل ذلك ذم الله للجدال وأهله، وذمّ الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، بما تقدم نقله من النصوص آنفاً، التي هي عُمدة السلف في تقرير ما ذهبوا إليه من ذم الجدال ، والمجادلين في الدّين.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (4) د.محمد الحمود النجدى كلام السلف من الذم للجدل وأهله والتحذير من مجادلة أهل البدع ليس على عمومه الله -تعالى- امتن على أنبيائه بأن آتاهم الحجة على أقوامهم اعلم أن الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل؛ فأما الجدال بحق فمحمود، وأما الباطل فمذموم يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع بموضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولا بد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية؛ فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}(الأنعام:162-163). ، ونستكمل الحديث عن موقف السلف من هذه القضية فنقول:المناظرات الممدوحة ليُعلم أن ما ثبت في النصوص الشرعية، وكلام السلف من الذم للجدال وأهله، والتحذير من مجادلة أهل البدع، ليس على عمومه، ويمكن ذكرُ بعضِ الأدلّةِ الشّرعيّةِ على هذا النّوعِ مِنَ الجدلِ المحمود، وقد كان السلف الصالح يستعملونه. بل جاء الأمر ببعض صور المجادلة، والثناء عليها وعلى أهلها، في بعض النصوص من الكتاب العزيز، والسنة النبوية، فمنها: 1- قوله تعالى آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم : {ادْع إلى سبيلِ ربك بالحِكمة والمَوعظة الحَسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنَّ ربكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}(النحل: 125). يقول -تعالى- آمراً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أنْ يدعو الخَلق إلى الله بالحكمة. قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة (والموعظة الحسنة) أي: بما فيه من الزواجر، والوقائع بالناس ذكِّرهم بها؛ ليحذروا بأس الله تعالى. وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن}. أي: مَن احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن، برفقٍ ولين، وحُسن خِطاب، كما قال: {ولا تُجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم}(العنكبوت: 46). فأمره -تعالى- بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون -عليهما السلام- حين بعثهما إلى فرعون فقال: {فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى}(طه: 44). وقال البغوي: «وجادلهم بالتي هي أحسن» وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن، أي: أعرض عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق. 2- وقال النووي -رحمه الله-: «واعلم أنّ الجدال قد يكون بحقٍّ، وقد يكون بباطلٍ، قال الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}(العنكبوت: 46). وقال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن}(النحل: 125)، وقال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}(غافر: 4). فإنْ كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره، كان محموداً، وإنْ كان في مدافعة الحق، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه». 3- ويقول الشوكاني -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}(غافر: 4). والمراد: الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحق كما في قوله تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق}(غافر: 5). فأما الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المُحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون؛ وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب، فقال: {وإذْ أخذ اللهُ ميثاقَ الذين أُوتوا الكتابَ لتبيّننه للناس ولا تكتمونه}(آل عمران: 187). 4- وأخبر الله -تعالى- في مَعرض امتنانه على بعض أنبيائه: أنه آتاهم الحُجة على قومهم، كما في قوله تعالى: {وتلك حُجتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومه نرفعُ درجاتٍ من نشاء}(الأنعام: 83). قال أبو جعفر الطبري: يعني -تعالى- ذكره بقوله: «وتلك حجتنا»، قولَ إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين: ( أي الفريقين أحق بالأمن؟) أم من يعبد ربًّا واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة؟ أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ وإجابتهم إياه بقولهم: بل من يعبد ربًّا واحدًا أحق بالأمن، وقضاؤهم له على أنفسهم, فكان في ذلك قطع عذرهم، وانقطاع حجتهم، واستعلاء حُجة إبراهيم عليهم، فهي الحُجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه. انتهى. 5- وكما أخبر الله -تعالى- عن بعض صور مُحاجّة إبراهيم عليه السلام ومناظرته لقومه، على سبيل التقرير له، والثناء عليه بها، كما في قوله جل شأنه: {ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه أنْ أتاه اللهُ المُلك إذْ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويُميت قال أنا أُحيي وأميتُ قال إبراهيمُ فإنَّ اللهَ يأتي بالشَّمسِ من المشرقِ فأتِ بها منَ المغرب فبُهتَ الذي كفر}( البقرة: 258). 6- وقال تعالى مخبراً عن مناظرة أخرى لإبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه: {إذ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}(الأنبياء: 52-56). إلى قوله بعد ذكر قصة تحطيم إبراهيم عليه السلام لأصنامهم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء: 63-67). 7- ومن صور الجدال في القرآن: ما أخبر الله -تعالى- به عن مُحاجة موسى عليه السلام لفرعون، ومقارعته الحُجة بالحجة، وذكر الأدلة والبراهين في قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ}(الشعراء:23-30 ). يقول -تعالى- مخبراً عن كفر فرعون، وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله: «وما رب العالمين»؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري}(القصص: 38)، {فاستخف قومه فأطاعوه}(الزخرف: 54)، وكانوا يجحدون الصانع -تعالى- ويعتقدون أنه لا ربَّ لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: {إني رسول رب العالمين}(الزخرف: 46). قال له: ومَنْ هذا الذي تزعم أنه ربُّ العالمين غيري؟! هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى قال ربُّنا الذي أَعطى كل شيء خَلقه ثم هدى}(طه: 49 - 50 ). قال: أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشُّبهة، فأجاب موسى بقوله: {ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إنْ كنتم تعقلون} أي: هو الذي جعل المشرقَ مشرقاً تطلع منه الكواكب، والمغربَ مغرباً تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخَّرها فيه وقدرها; ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعتْ حُجته، عَدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له، ونافذ في موسى -عليه السلام- فقال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}!. 8- وقال -تعالى- مخبراً عن قوم نوح -عليه السلام-: {قالوا يا نوحُ قدْ جادلتنا فأكثرتَ جِدالنا فائتنا بما تَعدنا إنْ كنتَ من الصادقين}(هود: 32). فيخبر -تعالى- عن استعجال قوم نوح نقمة الله، وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك {فأتنا بما تعدنا} أي: من النقمة والعذاب، ادعُ علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به؟! {إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجِّلها لكم الله، الذي لا يعجزه شيء، {ولا ينفعكم نصحي إنْ أردتُ أن أنصحَ لكم إنْ كان اللهُ يُريد أنْ يُغويكم} أي: أي شيء يُجدي عليكم إبلاغي لكم، وإنذاري إياكم ونصحي، إنْ كان اللهُ يريد إغواءكم ودماركم، {هو ربكم وإليه ترجعون} أي: هو مالك أزمَّة الأمور، والمتصرِّف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر، وهو المُبدئ المُعيد، مالك الدنيا والآخرة. (انظر تفسير ابن كثير). 9- وقال -تعالى- مخبراً عن نبيه شعيب -عليه السلام- إنه دعا قومه للتوحيد، وإخلاص العبادة لله -تعالى- وترك تطفيف المكيال والميزان وبخسه، وترك الإفساد في الأرض؛ فكان ردّهم أن: {قالوا يا شعيبُ أصلاتك تأمركَ أنْ نترك ما يعبد آباؤنا أو أنْ نفعلَ في أموالنا ما نشاءُ إنك لأنتَ الحليم الرشيد}(هود: 87 ). فقالوا له على سبيل التَّهّكم، قبحهم الله: (أصلاتك)، قال الأعمش: أي: قرآنك «تأمرك أنْ نتركَ ما يعبد آباؤنا» أي: الأوثان والأصنام، «أو أنْ نفعلَ في أموالنا ما نشاء»؛ فنترك التطفيف على قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد! وقال الثوري في قوله: «أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» يعنون: الزكاة. وجاء في مجادلته لهم أنْ قال: «إنْ أُريد إلا الإصلاحَ»، يقول: ما أريد فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، إلا إصلاحُكم وإصلاحُ أمركم «ما استطعت» أي: ما قدرت على إصلاحه، لئلا ينالكم من الله عقوبة منكلة، لخلافكم أمره، ومعصيتكم رسوله ( وما توفيقي إلا بالله ) أي: وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم، وإصلاح أمركم، إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك، وإلا يعنني عليه لم أصب الحق فيه. «عليه توكلت» إلى الله أفوض أمري، فإنه ثقتي، وعليه اعتمادي في أموري. «وإليه أنيب»، وإليه أقبل بالطاعة، وأرجع بالتوبة. والآيات في قصص مناظرات أنبياء الله -عز وجل- لأقوامهم، ومحاجاتهم لهم من كتاب الله تعالى كثيرة.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (5) د.محمد الحمود النجدى كلام السلف من الذم للجدال وأهله، والتحذير من مجادلة أهل البدع، ليس على عمومه، وإنما قصدوا المذموم منه الجدال لاستيضاح الحقِّ، ودفع ما يتعلّق به المُبطلون من متشابهات القرآن، وردّهم بالجدال إلى المُحْكم، من أعظم ما يتقرّب به المتقربون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع بموضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولابد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية؛ فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}(الأنعام: 162-163)، ونستكمل الحديث اليوم عن المناظرات المحمودة فنقول: فليُعلم أنَّ ما ثبت في النصوص الشرعية، وكلام السلف من الذم للجدال وأهله، والتحذير من مجادلة أهل البدع، ليس على عمومه، وإنما قصدوا المذموم منه، الذي سبق ذكر أنواعه، ولا يدخل فيه ما ورد في مدح الجدال الذي أمرت به الشريعة، والذي يُتوصَّل به للحق، والدفاع عنه، وإظهاره للخلق واضحا جلياً بالبراهين والبينات.ويمكن ذكرُ بعضِ الأدلّةِ الشّرعيّةِ على هذا النّوعِ مِنَ الجدلِ المحمود، الذي كان الأنبياء والعلماء والصالحون ومن بعدهم من السلف الصالح يستعملونه؛ بل جاء الأمر ببعض أنواع المجادلة، والثناء عليها وعلى أهلها، في بعض النصوص من الكتاب العزيز، والسنة النبوية، فمنها: 1- قوله تعالى آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: {ادْع إلى سبيلِ ربك بالحِكمة والمَوعظة الحَسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنَّ ربكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل: 125). يقول تعالى آمراً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أنْ يدعو الخَلق إلى الله -تعالى- ودينه وشريعته بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بأحسن أسلوب. قال ابن جرير: (بالحكمة) وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة (والموعظة الحسنة) أي: بما فيه من الزواجر، والوقائع بالناس ذكِّرهم بها ؛ ليحذروا بأس الله -تعالى-. وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: مَن احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن، برفقٍ ولين، وحُسن خِطاب، كما قال: {ولا تُجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم} (العنكبوت: 46). فأمره -تعالى- بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون -عليهما السلام- حين بعثهما إلى فرعون فقال: {فقولا له قولاً لينا * لعله يتذكر أو يخشى}(طه: 43-44). وقال البغوي: «وجادلهم بالتي هي أحسن»: وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن، أي: أعرض عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق. 2- وقال النووي رحمه الله: «واعلم أنّ الجدال قد يكون بحقٍّ، وقد يكون بباطلٍ، قال الله تعالى: {{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}} العنكبوت:46، وقال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} النحل:125، وقال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفرو} غافر:4. فإنْ كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره، كان محموداً، وإنْ كان في مدافعة الحق، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه». 3- ويقول الشوكاني -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفرو} غافر:4. والمراد: الجدال بالباطل،وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} غافر:5. الجدال لاستيضاح الحقِّ فأما الجدال لاستيضاح الحقِّ، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المُحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلّق به المُبطلون من متشابهات القرآن، وردّهم بالجدال إلى المُحْكم، فهو من أعظم ما يتقرّب به المتقربون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب، فقال: {وإذْ أخذ اللهُ ميثاقَ الذين أُوتوا الكتابَ لتبيّننه للناس ولا تكتمونه} آل عمران:187. 4- وأخبر الله -تعالى- في مَعرض امتنانه على بعض أنبيائه: أنه آتاهم الحُجة على قومهم، وأيدهم بالبراهين والبينات، كما في قوله تعالى: {وتلك حُجتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومه نرفعُ درجاتٍ من نشاء} الأنعام:83. قال أبو جعفر الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله: (وتلك حُجتنا) قولَ إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين: (أي الفريقين أحق بالأمن؟) أمَن يعبد ربًّا واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة؟ أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ وإجابتهم إياه بقولهم: بل من يعبد ربًّا واحدًا أحقُّ بالأمن، وقضاؤهم له على أنفسهم , فكان في ذلك قطع عذرهم، وانقطاع حجتهم، واستعلاء حُجة إبراهيم عليهم، فهي الحُجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه. انتهى. 5- وكما أخبر الله -تعالى- عن أنواع صور مُحاجّة إبراهيم -عليه السلام- ومناظرته لقومه، على سبيل التقرير له، والثناء عليه بها، كما في قوله جل شأنه: {ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه أنْ أتاه اللهُ المُلك إذْ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويُميت قال أنا أُحيي وأميتُ قال إبراهيمُ فإنَّ اللهَ يأتي بالشَّمسِ من المشرقِ فأتِ بها منَ المغرب فبُهتَ الذي كفر} البقرة: 258. قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} معناه: هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم، أي: خاصم وجادل وهو نمرود، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادَّعى الربوبية؟ (أنْ آتاه الله الملك) أي: لأنْ آتاه الله الملك فطغى، أي: كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه. 6- وقال تعالى مخبراً عن مناظرة أخرى لإبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وقومه: {إذ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} الأنبياء: 52-56. وهذا بيان لمعنى ما جرى له مع قومه من الجدال بالحق: قال عز وجل: {إذْ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} وهذا هو الرشد الذي أُوتيه إبراهيم -عليه السلام- مِن صِغره، وهو الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} أي: معتكفون على عبادتها. {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين}: لم يكن لهم حُجة سوى صنيع آبائهم الضُلال؛ ولهذا قال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلالٍ على غير الطريق المستقيم. فلما سفَّه أحلامهم، وضلَّل آباءهم، واحتقر آلهتهم {قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} قالوا: هذا الكلام الصادر عنك، أتقوله لاعباً أم مُحقا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك. {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} أي: ربكم الذي لا إله غيره، هو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء (وأنا على ذلكم من الشاهدين) أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. - وبعد قصة تحطيم إبراهيم -عليه السلام- لأصنامهم: حصلت مناظرة ومجادلة لقومه، قال تعالى في ذكرها: {قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء:62-67). فذكر -سبحانه- ما جرى بين إبراهيم -عليه السلام- وقومه في أمر الأصنام، بعد أن كسرها، بعد كسره حجتهم في عبادتها، فطلبوا إحضاره وسؤاله على الملأ، في قوله تعالى: {قالوا} يعني قوم إبراهيم: {فأتوا به} أي: فجيئوا به: {على أعين الناس} أي: بحيث يراه الناس، ويكون بمشهد منهم: {لعلهم يشهدون} عليه بما قاله، فيكون ذلك حُجة عليه بما فعل. قَالُوا له: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} فقال لهم: (بل فعله كبيرهم هذا) وقد اختلف المفسرون في المقصود به، فمنهم من قال: هذا تعريضٌ وتورية، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. والثاني: أنه كذب كذباً غير مذموم شرعاً للمصلحة. ومنهم من قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون؛ فشرط النطق في الفعل. والأول أصح، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، وهم كما قال إبراهيم لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟} فقال إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا، ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا يفعلون، ولا ينفعون ولا يضرون! فيقول لهم: فلم تعبدونها وهي كذلك؟! فتقوم الحُجَّة عليهم منهم. ولهذا يجوز عند العلماء فرض الباطل مع الخصم، حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه؛ فإنه أقرب في الحجة، وأقطع للشبهة، كما قال لقومه: {هذا ربي} على معنى الحجة عليهم، حتى إذا أفل عنهم تبين حدوثه، واستحالة كونه إلها. وقال البغوي في تفسيره: فلما أتوا به (قَالُوا) له: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}؟ قالَ إبراهيم: {َبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} غَضِبَ من أنْ تعبدوا معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرهن، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم؛ فذلك قوله: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} حتى يخبروا من فعل ذلك بهم.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الجَــــدَل في الكتاب والسُّنة (6) أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أنواع من الجدال المحمود، فمن ذلك: تحاجِّ آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام مذهب أهل السنة على ما في المعالم أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليها غيره فيجب على المرء الإيمان به يكثر في أيامنا هذه الجدل والنقاش في أمور كثيرة، والتنازع بموضوعات مختلفة، والتحاور في وسائل التواصل المتنوعة، ولابد للمسلم من التزام الحدود الإسلامية في ذلك، ومراعاة الضوابط الشرعية، والآداب المرعية؛ فالمؤمن لا يخرج في شيء من نواحي حياته عن شريعة ربه {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162-163). ونستكمل الحديث عن الجدال المحمود في السنة النبوية فنقول: وأما من السُّنة النبوية: فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أنواع من الجدال المحمود، فمن ذلك: تحاجِّ آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام:- ففي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، خيَّبتنا وأخْرجتنا من الجنة! فقال له آدمُ: أنتَ موسى! اصطفاك اللهُ بكلامه، وخطَّ لك التَّوراة بيده، أتلومني على أمرٍ قدّره الله عليَّ، قبل أنْ يَخْلقني بأربعين سنة، فحَجَّ آدمُ موسى، فحج آدم موسى، ثلاثاً». 2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تَحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثرت بالمُتكبِّرين والمُتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وسقطهم؟ - زاد في رواية: وغرتهم - فقال الله -عز وجل- للجنة: أنتِ رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي، أُعذِّب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدةٍ منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله - وفي رواية: حتى يضع الله -تبارك وتعالى- رجله؛ فتقول: قط قط قط؛ فهنالك تَمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله مِنْ خَلقه أحدا، وأما الجنة فإنَّ الله يُنشئُ لها خَلقاً» أخرجه البخاري ومسلم. فقوله: «تحاجّت» أي اختصمت كما في رواية للبخاري. وفي رواية أخرى له ولمسلم «تحاجَّت». أي: تخاصمت وتجادلت وتعارضت. قوله: «بالمتكبرين والمتجبرين» قيل هما بمعنى واحد، وقيل: المتكبر المتعاظم بما ليس فيه، والمتجبر الممنوع الذي لا يُوصل إليه. وقيل: الذي لا يكترث بأمر. قوله: «ضعفاء الناس وسقطهم» السقط: أي المحتقرون بينهم، الساقطون من أعينهم، هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس، وبالنسبة إلى ما عند الله: هم عظماء رفعاء الدرجات، لكنهم بالنسبة إلى ما عند أنفسهم لعظمة الله عندهم، وخضوعهم له في غاية التواضع لله، والذلة في عباده، فوصفهم بالضعف والسقط بهذا المعنى صحيح، أو المراد بالحصر في قول الجنة «إلا ضعفاء الناس» الأغلب. من شرح الحافظ ابن حجر (8/597). وقوله في رواية «يدخلني الضعفاء والمساكين» قيل: معنى الضعيف هاهنا الخاضع لله -تعالى- بذُلِ نفسه له -سبحانه وتعالى- ضد المتجبّر والمُتكبّر. وقوله: «أنت عذابي» أي: سبب عقوبتي ومنشأ سخطي وغضبي. وقوله: «وقَالَ للجنة أنتِ رحمتي» أي مُظهِرها، وسَمَّيت الجَنَّة رحمته؛ لأن بها تظهر رحمة الله -تعالى-. وحاصل اختصام الجَنَّة والنار: افتخار إحداهما على الأخرى بمن يسكنها، فتظن النَّار أنها بمن أُلْقِيَ فيها من عظماء الدنيا، أبَرُ عند الله من الجنة، وتظن الجَنَّة أنها بمن يسكنها من أولياء الله -تعالى- أبَرُ عند الله، فأُجِيبَتَا بأنه لا فضلَ لإحداهما على الأخرى من طريق من يسكنهما، وفي كليهما شائبةُ شِكاية إلى ربهما؛ إذ لم تذكر كل واحدة منهما إلا مَا اختصت به، وقد ردَّ الله الأمر في ذلك إلى مشيئته. وقَالَ النووي: هذا الحديث على ظاهره، وأنَّ الله يخلق في الجَنَّة والنار تمييزاً، يُدرِكان به ويقدران على المراجعة والاحتجاج، ولا يلزم مِن هذا أن يكون ذلك التمييز دائماً.اﻫـ وقال الطيبي -رحمه الله-: هذه المحاجّة جارية على التحقيق، فإنه -تعالى- قادرٌ على أن يجعل كل واحدة مميزة مخاطبة، أو على التمثيل. قلت: الأول هو المعول؛ لأنَّ مذهب أهل السنة على ما في المعالم أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليها غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية، فيجب على المرء الإيمان به، ويكل علمه إلى الله سبحانه. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. 3- وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراويْن: البقرة، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنَّهما غَمَامتان، أو كأنهما غيَايتان، أو كأنهما فِرقان مِن طير صَوَاف، تُحاجَّان عنْ أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإنَّ أخذها بَرَكة، وتركها حَسْرة، ولا تستطيعها البَطَلة » رواه مسلم. يقول صلى الله عليه وسلم : «اقرؤوا القرآن» أي: اغتنموا قراءته وداوموا على تلاوته «فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا» أي: مشفعا «لأصحابه» أي: القائمين بآدابه «اقرؤوا» أي: على الخصوص «الزهراوين» تثنية الزهراء تأنيث الأزهر، وهو المضيء الشديد الضوء، أي: المُنيرتين لنورهما وهدايتهما، وعِظم أجرهما فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله، مكان القمرين من سائر الكواكب، وقيل: لاشتهارهما شبهتا بالقمرين «البقرة وسورة آل عمران» وقيل: سميتا زهراوين لكثرة أنوار الأحكام الشرعية، والأسماء الحسنى العلية فيهما. قوله: «فإنهما» أي: ثوابهما الذي استحقه التالي العامل بهما، أو هما يتصوران ويتجسدان ويتشكلان، «تأتيان» أي تحضران «يوم القيامة كأنهما غمامتان» أي: سحابتان تظلان صاحبهما عن حرِّ الموقف، قيل: هي ما يغم الضوء ويمحوه لشدة كثافته، «أو غيايتان» وهي بالياءين ما يكون أدون منهما في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبهما، كما يفعل بالملوك فيحصل عنده الظل والضوء جميعا، «أو فرقان» بكسر الفاء، أي: طائفتان «من طير» جمع طائر «صواف» جمع صافَّة، وهي الجماعة الواقفة على الصف، أو الباسطات أجنحتها، متصلاً بعضها ببعض، وهذا أبين. «أو» في الحديث يحتمل الشك من الراوي، أو التخيير في تشبيه هاتين السورتين، والأولى أن يكون لتقسيم التَّالين؛ لأنّ «أو» من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا مَنْ تردد مِنَ الرواة، لاتساق الرواة عليه على منوال واحد. قال الطيبي: أو للتنويع، فالأول: لمن يقرؤهما ولا يفهم معناهما. والثاني: لمن يجمع بينهما. والثالث: لمن ضم إليهما تعليم الغير، «تحاجان» أي: السورتان تدافعان الجحيم والزبانية، أو تجادلان وتخصمان الرب أو الخصم «عن أصحابهما» وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة. وقوله: «اقرؤوا سورة البقرة» قال الطيبي: تخصيص بعد تخصيص بعد تعميم، أمر أولاً بقراءة القرآن وعلق بها الشفاعة، ثم خص الزهراوين وأناط بهما التخلص من حر يوم القيامة بالمحاجة، وأفرد ثالثا البقرة وأناط بها أمورا ثلاثة؛ حيث قال: «فإن أخذها» أي المواظبة على تلاوتها والتدبر في معانيها والعمل بما فيها «بركة» أي: منفعة عظيمة «وتركها» بالنصب ويجوز الرفع، أي تركها وأمثالها «حسرة»، أي ندامة يوم القيامة، كما ورد: «ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها» (ولا يستطيعها) بالتأنيث والتذكير، أي لا يقدر على تحصيلها (البطلة)، أي أصحاب البطالة والكسالة لطولها، وقيل: أي السحرة؛ لأن ما يأتون به باطل، سماهم باسم فعلهم الباطل، أي لا يؤهلون لذلك أو لا يوفقون له، ويمكن أن يقال: معناه لا تقدر على إبطالها أو على صاحبها السحرة لقوله -تعالى- فيها وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله الآية.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |