|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
بين أيدينا بحثٌ موجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع -أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت- أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، مع العناية بذكر أبرز الأسس التي استند إليها كلٌّ من الفقه الإسلامي والقانون الدولي في تأصيل قواعد الحصانات والامتيازات الدبلوماسية وضوابطها وآدابها، وما تفرّع عن ذلك من أحكام شرعية ومواد قانونية اكتسبت طابع الإلزام بعد أن كانت أعرافًا قائمة على المجاملة وحسن المعاملة، ولأهمية هذا البحث ننشره مختصرًا على حلقات بإذن الله. مفهوم الحصانات والامتيازات ارتبط مفهوم الحصانات والامتيازات بمفهوم الدبلوماسية منذ نشأتها؛ ففي المجتمعات القبلية والعشائرية القديمة كان الإقرار بهذه الحصانات ومنحها أساسًا في تأمين الاتصال بينها؛ حيث كانت حماية المبعوث وتأمين وصوله من الأغراض الجوهرية للدبلوماسية، وكانت الحرمة الشخصية أول قاعدة تُقرّ في هذا السياق، وتقوم على مبدأ عدم التعرض للمبعوث أو قتله، بل أُحيطت شخصيته بهالة من القدسية، ووُضع تحت حماية الآلهة -بزعمهم-، وفي هذه المرحلة لم تتبلور مفاهيم نظرية محددة للحصانات والامتيازات، نظرًا لضعف تطور العلاقات الاجتماعية والسياسية وغياب الطابع الدولي، فكانت تقوم على تصورات دينية تؤكد مكانة المبعوثين وأهمية مهامهم. تطور البنية الاجتماعية للقبائل ومع تطور البنية الاجتماعية للقبائل، نشأت علاقات أوسع، تمثّلت في تبادل الرسل بين القبائل الصديقة وأحيانًا المتعادية، الأمر الذي استلزم تمتع المبعوث بحصانة شخصية تُحيط بمهمته، حتى إن الاعتداء عليه كان سببًا لاندلاع الحروب، أما العرب في الجاهلية، فقد عرفوا وظيفة السفارة؛ حيث كانت القبائل ترسل الوفود للتهنئة والتعزية والتشاور والتحالف، واشتهر بنو عدي من بطون قريش بتوليهم هذه المهمة، وبعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - استمرت هذه الوظائف؛ حيث أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عددًا من الرسل إلى رؤساء القبائل والملوك يدعوهم إلى الإسلام، كما استقبل رسلهم بالتكريم، وسار الخلفاء من بعده على نهجه في إرسال البعثات الدبلوماسية لمختلف الأغراض. تطور العلاقات الدولية ومع تطور العلاقات الدولية، أصبحت الحصانة الشخصية عرفًا مستقرا، ثم تحولت تدريجيا إلى قواعد قانونية وتشريعات تنظّم العلاقات بين الدول، وظهرت النظريات التي تسوغ منح هذه الحصانات، وقد بدأت الدول بإصدار القوانين المنظمة لها، تأكيدًا لأهميتها في استقرار العلاقات الدبلوماسية واحترام شخص المبعوث؛ فكانت هولندا من أوائل الدول التي أصدرت هذه التشريعات سنة 1651م، بعد جمهورية فينيسيا سنة 1554م، ثم تبعتها بريطانيا وفرنسا وغيرها. واستمر تطور هذه القوانين حتى تم التوقيع على اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في 18 أبريل 1961م، في ختام مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، وقد شملت الاتفاقية تنظيم مختلف جوانب العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك حصانات وامتيازات البعثات وأعضائها. عناية الفقه الإسلامي بهذا الجانب لم يكن الفقه الإسلامي أقل عناية بهذا الجانب؛ إذ شهدت الدولة الإسلامية عبر قرون طويلة علاقات نشطة داخليا وخارجيا، ما أدى إلى تبلور قواعد تنظّم هذه العلاقات، أسهم الفقهاء في بيانها وضبطها، وطرح الحلول المناسبة للتعامل مع الدول الأخرى، وقد دوّن عدد من الفقهاء هذه القواعد في مصنفاتهم، مثل الإمام أبي يوسف في كتاب الخراج، والإمام محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير، وابن الفرّاء في رسائل الملوِّك، وغيرهم. فلهذا أحببت أن أوضح جانبا من مساهمة الفقه الإسلامي في تأصيل الحصانات والامتيازات الدبلوماسية وتطويرها من خلال النصوص الشرعية والقواعد الكلية واجتهاد أئمة الفقه الإسلامي؛ لأبين سبق الفقه الإسلامي للقانون الدولي في هذا الجانب من جهة، ولأوضح استقلالية الفقه وتميزه في أحكامه وقواعده وطبيعته من جهة أخرى. تعريف الحصانات لغة واصطلاحا
حصانٌ رزانٌ ما تُزنّ بريبة وتصبح غَرثَى من لحوم الغوافل فالحصانة تدل على المنعة وهي العزّ والقوة التي تمنع الآخر من الوصول إلى من اتصف بها بإيذاء أو تنقص. الحصانة في اصطلاح القانون الدولي أما تعريف الحصانة في اصطلاح القانون الدولي، فيعنى به في الأصل منح حماية للمبعوث الدبلوماسي بهدف عدم التعرض لشخصه؛ فالحصانة الدبلوماسية: مصطلح قانوني للامتياز الذي يمنح إلى بعض الناس الذين يعيشون في البلاد الأجنبية، وهو يسمح لهم أن يظلوا خاضعين لسلطة القوانين في بلادهم؛ فالسفراء أو الوزراء والوكلاء الدبلوماسيون الآخرون يمنحون هذا الامتياز، ومثل هؤلاء الوكلاء لا يمكن القبض عليهم لمخالفة قوانين البلاد التي يرسلون إليها، ولكن إذا خالفوا القوانين المحلية فإن حكوماتهم قد تطالب باستدعائهم، كما يشمل هذا الاستثناء الهيئات الدولية أو المنظمات الإقليمية المعترف بها في نطاق عضويتها.
اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي (٢) أحكام الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
بدأنا في الحلقة الماضية عرض بحثٌ موجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع -أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت- أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونتناول في هذه الحلقة أحكام الحصانة الدبلوماسية بطريقة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، مبينين الأسس التي بنى عليها كل اتجاه مفهومه للحصانة الدبلوماسية وما تبع ذلك من تفريعات وأحكام أخذت صبغة الإلزام القانوني، وترتب عليها مسؤوليات متبادلة على مستوى الدول. لعل من الأهمية الوقوف على تلك الأسس قبل الشروع في معرفة أحكام الحصانة الدبلوماسية على سبيل التفصيل، وذلك من خلال محورين: المحور الأول: أسس الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي اختلف القانون الدولي والفقه الإسلامي في تحديد أساس منح الحصانة الدبلوماسية، التي تشمل حماية المبعوث وشخصه وماله وأسرته، وتمتد لإعفائه من المساءلة القانونية رغم تعارض ذلك مع سيادة الدولة، كما إن مفهوم الحصانة قديم قدم العلاقات بين الشعوب، وسيعرض هذا المحور هذه الأسس في كل منهما: (1) أسس الحصانة الدبلوماسية في القانون الدولي دأبت الدول منذ القدم على احترام المبعوثين الدبلوماسيين باعتبارهم ممثلين لدولهم؛ لذا قامت بحمايتهم وأسرهم وممتلكاتهم؛ وذلك لكفالة قيامهم بأعمالهم بحرية بعيدا عن تأثير الدولة المعتمد لديها، كما إن الدول والشعوب على اختلاف ثقافاتها راعت على مر التاريخ الالتزامات المتبادلة بهدف ضمان الأمن الشخصي للدبلوماسيين وإعفائهم من أية ملاحقة قانونية بسبب صفتهم التمثيلية. وقد اختلف فقهاء القانون حول الأسس والمسوغات النظرية لمنح المبعوثين الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، ويمكن حصر التسويغ القانوني لهذه الحصانات والامتيازات في ثلاث نظريات، وهي على سبيل الإجمال: (نظرية الامتداد الإقليمي -نظرية الصفة التمثيلية- نظرية مقتضيات الوظيفة)، ولكل نظرية منها مسوغاتها التي تستند إليها، كما أنها لا تخلو من اعتراضات وانتقادات وجهت إليها، وذلك على النحو التالي: أولاً: نظرية الامتداد الإقليمي ظهرت هذه النظرية في القرن السادس عشر على يد (جريوتيوس)، وتقوم على اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية امتدادًا لإقليم الدولة التي يمثلها المبعوث؛ بحيث يُعد كأنه لا يزال مقيما في دولته، ما يسوغ عدم خضوعه لقانون الدولة المضيفة، وقد نشأت هذه النظرية لمحاولة التوفيق بين مبدأ سيادة الدولة على إقليمها وعدم خضوع الدبلوماسي لقوانينها، وقد لاقت تأييدًا من بعض الفقهاء وعملت بها بعض المحاكم، لكنها تعرضت لانتقادات أدت إلى استبعادها أساسا للحصانات الدبلوماسية، ومن هذه الاعتراضات ما يلي:
ثانيا: نظرية الصفة التمثيلية تعرف هذه النظرية بنظرية التمثيل، وأيضا بنظرية الصفة النيابية، وتستند هذه النظرية إلى طبيعة الدور الذي يقوم به الممثل الدبلوماسي وكيلا لدولة ذات سيادة، ومن ثم تتمتع تصرفاته الرسمية وغيرها بالحصانة؛ لأنها تصرفات دولة أجنبية ذات سيادة. ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذه النظرية ترجع في أساسها إلى الصفة المقدسة التي كان يتمتع بها المبعوث الدبلوماسي باعتباره يمثل شخص رئيس الدولة الذي كان يجمع آنذاك بين السلطة الروحية والزمنية؛ ولذا فإن أي اعتداء يوجه إلى المبعوث الدبلوماسي كان يعد انتهاكا للشعائر المقدسة في الدولة، ولهذا عد اليونانيون القدماء الاعتداء على شخص السفير من أفظع المخالفات التي ترتكبها دولة ضد أخرى، كما عد الرومان الأذى الذي يصيب المبعوث الدبلوماسي انتهاكا لحرمة قانون الشعوب. ومع تطور الممارسة الدبلوماسية والانتقال إلى مرحلة الدبلوماسية الدائمة -منذ القرن الخامس عشر- تطورت العلاقات الدولية واتخذت منحى العلاقات الشخصية؛ نظرا لسيطرة مفهوم السيادة الشخصية؛ حيث انعكست على هذه العلاقات، وبدت وكأنها علاقات شخصية، تنشأ بين الملوك والأمراء؛ ما أسبغ على المبعوثين الدبلوماسيين الصفة الشخصية على اعتبار أنهم الممثلون الشخصيون لملوكهم؛ فارتكزت الحصانات على هذه الصفة التمثيلية والقائمة على كرامة السيد الحاكم وعظمته المجسد لإرادة الدولة؛ فكان أي اعتداء على الممثل الدبلوماسي أو إهانة توجه إليه، تعد كأنها وجهت للحاكم الذي بعثه، ولقد هجر الفقه هذه النظرية لتعارضها مع سيادة الدولة المعتمد لديها، ولأنها لو صدقت في حال الحصانة خلال العمل الرسمي، فإنها لا تصدق على الحصانة الشخصية التي يتمتع بها الدبلوماسي خارج نطاق عمله. وأيضا لقصور هذه النظرية عن تفسير كثير من الأوضاع، فمن ذلك إذا كان الدبلوماسي يتمتع بالحصانات والامتيازات بوصفه ممثلا للدولة فقط فلأي سبب يجب أن تتمتع عائلته بهذه المزايا وهي ليس لها أية صفة تمثيلية؟ وإذا كانت هذه النظرية تسوغ منح الحصانات للأشخاص الذين يمثلون دولهم أو رؤساءها، فكيف يمكن تسويغ منح الحصانات لأشخاص القانون الدولي الآخرين من منظمات عالمية وإقليمية وهم لا يمثلون دولة؟ كما أن هذه النظرية تمحورت حول الصفة التمثيلية دون تحديد دقيق للشخص الواجب تمثيله، فتارة تتعلق صفة التمثيل بشخص رئيس الدولة، وتارة تتعلق الصفة بالدولة وسيادتها؛ ما يوقع في ازدواجية الصفة التمثيلية للمبعوث؛ فيستفيد من نوعي الحصانات، وهذا يتعارض مع أساس منح الحصانات؛ حيث إن حصانات رئيس الدولة تتحدد على مستوى المجاملة الدولية أكثر مما تقع على مستوى مفهوم السيادة، بينما حصانات الدولة تقع على مستوى السيادة والاستقلال. اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الحصانات والامتيازات الدبلوماسية .. في الفقه الإسلامي والقانون الدولي (3) أسس الحصانة الدبلوماسية
ما زلنا في استعراض البحث الموجز في (أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي)، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن (أسس الحصانة الدبلوماسية)، وكنا قد تحدثنا عن التسويغ القانوني لهذه الحصانات والامتيازات في ثلاث نظريات، ذكرنا منهم نظريتين: نظرية الامتداد الإقليمي، ونظرية الصفة التمثيلية، واليوم نتحدث عن النظرية الثالثة وهي: نظرية مقتضيات الوظيفة. ترتكز نظرية مقتضيات الوظيفة على مبدأ متطلبات الوظيفة والضرورات العملية لأداء الوظائف الدبلوماسية على أحسن وجه؛ فالحصانات والمزايا التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون ضرورة يقتضيها قيامهم بمهام وظائفهم في جو من الطمأنينة بعيدا عن مختلف المؤثرات في الدول المعتمدين لديها. أكثر النظريات منطقية فالمجتمع الدولي استحسن الأخذ بهذه النظرية؛ لأنها أكثر النظريات مسايرة لمنطق الأمور وأشملها وتتماشى مع الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي المعاصر، في حين لم تقدم النظريتان الأخريان التسويغ الموضوعي المقبول لأسس منح الحصانات والامتيازات الدبلوماسية؛ ولهذا أشار إلى هذه النظرية تقرير أعمال معهد القانون الدولي دورة فيينا عام 1934م ما نصه: «إن أساس الحصانات الدبلوماسية يكمن في المصلحة الوظيفية»، وكذلك تناولها تقرير لجنة القانون الدولي المقدم إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1956م، وأخيرا تبنت هذه النظرية اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م؛ حيث جاء في مقدمتها: «إن الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية تعتقد أن المزايا والحصانات المذكورة ليس الغرض منها تمييز أفراد وإنما تمكين البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول للقيام بمهامها على وجه مجـدٍّ». ليست رخصة للاستخفاف بالقوانين ومما تجدر الإشارة إليه أن منح هذه الحصانات والامتيازات والتمتع بها لا يعني مطلقا الرخصة للاستخفاف بالقوانين المحلية، أو تجاهل عادات مجتمع الدولة المضيفة وتقاليدها وقيمها ؛ فالحصانة تعني عدم الخضوع لاختصاصات المحاكم المحلية وليس الإعفاء من الالتزام بقوانين البلد الممثل فيه الدبلوماسي، وقد أشارت إلى هذا المعنى المادة (41) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية؛ حيث نصت على أنه:» «من واجب جميع الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الامتيازات والحصانات احترام الدولة المستقبلة وأنظمتها». موقف الفقهاء من النظريات الثلاث وبالنظر في النظريات المتقدمة وموقف فقهاء القانون الدولي منها وما اشتملت عليه من مقومات وانتـقادات يمكن القول بما يلي: النظرية الأولى والثانية لا تتفقان مع قواعد الإسلام؛ لاحتوائهما على عدد من المحاذير الشرعية، أما النظرية الثالثة وهي نظرية مقتضيات الوظيفة فبالنظر إلى ركائزها ومقوماتها يظهر أنها لا تشتمل على محظور شرعي ولا تتعارض مع الأساس الشرعي الذي تستند إليه الحصانة الدبلوماسية في الفقه الإسلامي، وهو مبدأ الأمان الذي دلت عليه النصوص الشرعية والآثار والقواعد الكلية، كما أنه يحقق مصلحة شرعية تعود على الأمة بمجموعها في علاقاتها مع الدول الأخرى، وأيضا يحقق مصلحة للرسل والموفدين؛ حيث سيتمتعون بالحصانات والامتيازات التي ستمكنهم من أداء مهماتهم على أكمل الوجوه دون تأثير من الدول المضيفة لهم، وما كان كذلك فهو مباح وجائز باعتبار أن الأصل في العادات الإباحة، وأن هذه الإباحة مقيدة بما لا يخالف الشرع أو يترتب عليه ضرر عام أو خاص. فقه السياسة الشرعية تنوّعت عبارات العلماء في تعريف السياسة الشرعية، بين مَن وسَّع مفهومها ومَن ضيَّقه، غير أنّها تدور في الجملة حول معنى جامعٍ يتصل بإدارة شؤون الأمة على وفق مقاصد الشريعة وضوابطها، وهذه جملة من أهم ما قيل فيها عند أهل العلم. يُعدّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أبرز من أصل لهذا الباب؛ إذ يرى أن السياسة الشرعية هي: إصلاح الراعي والرعية بإقامة العدل وتنفيذ أحكام الشريعة، وجعل الكتاب والسنة مرجعًا أعلى في تدبير شؤون الدولة، مع العناية بحفظ الأمانات، وإقامة الحقوق، وتنفيذ الحدود، بما يحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة. وهي عنده ليست مجرد إجراءات إدارية، بل منظومة متكاملة متجذّرة في أصل العقيدة، لا تنفك عن التوحيد ولا تنفصل عن مقاصد الدين. وقال ابن نُجيم: هي فعل ما يراه الحاكم مصلحةً، وإن لم يرد به دليلٌ جزئيٌّ خاص. وعرّفها ابن عقيل الحنبلي بقوله: هي ما يكون به الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد به نصٌّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا وحي. وقال عبد الرحمن تاج: هي مجموعة الأحكام والتصرفات التي تُدار بها شؤون الدولة الإسلامية في أنظمتها التشريعية والقضائية والتنفيذية والإدارية، وفي علاقاتها الخارجية. وقال عبد الوهاب خلاف: هي علم يبحث في تدبير شؤون الدولة الإسلامية بالقوانين والنظم الموافقة لأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليلٌ خاص. وخلاصة القول أنَّ السياسة الشرعية هي: جملة القرارات والتصرفات التي تصدر عن وليّ الأمر -حاكمًا كان أو من يقوم مقامه من أهل العلم والنظر- في نطاق النصوص الشرعية من حيث تطبيقها وتنزيلها، أو فيما لا نص فيه بما يحقق مصلحة الأمة، وفق مقاصد الشريعة وضوابطها. وبهذا يظهر أن السياسة الشرعية ليست مجالًا منفصلًا عن الدين، بل هي امتداد عملي له؛ أساسها الشريعة، ومرتكزها العقيدة، ومقصدها تحقيق العدل ودفع الفساد، وتقوم على مراعاة المصالح المعتبرة شرعًا، مع الالتزام بالضوابط الكلية للنصوص؛ بحيث تبقى السلطة في إطار العبودية لله، لا في إطار الهوى أو المصلحة المجردة. فهي في حقيقتها توازنٌ دقيق بين النص والمصلحة، وبين الثبات الشرعي والحركة الواقعية، بما يضمن صلاح الدنيا واستقامة الدين، وتحقيق عمارة الأرض على هدي الوحي. اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |