مواسم قد لا تعود - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مكافحة الفقر فريضة اسلامية غائبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 122 )           »          خواطر حول عبارة (لا يعرف الحق بالرجال) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 139 )           »          هل لإبليس زوجة؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 129 )           »          الماء.. تلك النعمة المهدرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 134 )           »          الرمز والحق وتجاذب الولاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 130 )           »          الفوضى الخلاقة.. ومعالم الانطلاقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 139 )           »          الفرق بين العلم والمعرفة والمعلومات والثقافة، والفرق بين العالم والعارف والمعلوماتي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 153 )           »          المرأة المعاصرة ودروس من الهجرة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 162 )           »          لكل أُم.. خطوات عملية تحسّن جودة حياتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 174 )           »          المرأة.. وتربية الأبناء على حب المقدسات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 173 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-05-2026, 06:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,820
الدولة : Egypt
افتراضي مواسم قد لا تعود

موَاسِمُ قَدْ لَا تَعُودُ

رعد الدغيثر
الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَيَّامَ مَوَاسِمَ لِلْخَيْرَاتِ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَفَضَّلَ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ؛ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ، وَكَيْفَ يَتَسَابَقُ الْمُتَسَابِقُونَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَقْسَمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ لِعِظَمِهِ وَجَلَالِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، دَلَّ الْأُمَّةَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَفَتَحَ لَهَا أَبْوَابَ الْفَضَائِلِ وَالْبِرِّ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَعَظِّمُوا أَمْرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ، وَرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَخَافُهُ وَيَرْجُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا تُفْتَنُونَ، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَعْمَارَ تُطْوَى، وَأَنَّ اللَّيَالِيَ تَمْضِي، وَأَنَّ السَّعِيدَ مَنْ عَرَفَ قِيمَةَ أَيَّامِهِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ حَسَرَاتٍ وَآهَاتٍ.

عِبَادَ اللَّهِ، نحن مقْبِلُونَ عَلَى أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْمُبَارَكَات، فما سِرُّ هذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي يُقْسِمُ اللَّهُ بِهَا؟! وَلِمَاذَا أَقْسَمَ رَبُّ الْعِزَّةِ- جَلَّ جَلَالُهُ- بِهَا فَقَالَ: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]؟!

فهذَا قَسَمٌ يُوقِظُ الْقُلُوبَ، وَيُحَرِّكُ الْأَرْوَاحَ، فَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِعِظَمِهِ ومكانتِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَقْسَمَ بِهذِهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ؟! إِنَّهَا لَيْسَتْ أَيَّامًا عَادِيَّةً تَمُرُّ كَمَا يَمُرُّ غَيْرُهَا من الأيام، بَلْ هِيَ مَوَاسِمُ رَفْعٍ وَمَغْفِرَةٍ، وَأَيَّامُ سَبْقٍ وَمُسَابَقَةٍ، وَمَوَاقِيتُ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَالْعِتْقِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تعالى، وَلِذلِكَ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]. وقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَيْءٍ».

وَمَا أَعْظَمَ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّمَنِ! فَالزَّمَنُ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْأَيَّامُ هِيَ أَوْعِيَةُ الْأَعْمَالِ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي فَإِنَّمَا يَحْمِلُ مَعَهُ إِلَى الْمِيزَانِ، مَا أَوْدَعَهُ الْعَبْدُ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَإِحْسَانٍ، أَوْ شَرٍّ وعصيان. فاللَّحْظَةُ الْوَاحِدَةُ قَدْ تَرْفَعُ عَبْدًا إِلَى أَعْلَى الْجِنَانِ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَيْهِ وَبَالًا وَحَسْرَةً يَوْمَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمنِ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْلِمَ لَيْسَ فِي قِلَّةِ الْمَوَاسِمِ، فَاللَّهُ- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا زَالَ يَفْتَحُ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ الْخَيْرِ وَالرَّحَمَاتِ، وَقَدْ جَعَلَ أَعْمَارَ هذِهِ الْأُمَّةِ قَصِيرَةً، ثُمَّ عَوَّضَهَا بِمَوَاسِمَ عَظِيمَةٍ، تُضَاعَفُ فِيهَا الْأُجُورُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ وَالسَّيِّئَاتُ، وَلكِنَّ الْمُؤْلِمَ حَقًّا: قِلَّةُ مَنْ يَشْعُرُ بِقِيمَتِهَا، وَقِلَّةُ مَنْ يَغْتَنِمُهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا.

كَمْ مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا مَعَنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، يُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ، وَيَصُومُونَ وَيَدْعُونَ، وَهُمْ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ بِأَعْمَالِهِمْ مُرْتَهنُونَ! وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ كَانَ يَرْفَعُ التَّكْبِيرَ وَالدُّعَاءَ، فَصَارَ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ وَالثَّنَاءَ! وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ كَانَ يَقِفُ مَعَنَا فِي الصُّفُوفِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَنَا فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ الْيَوْمَ تَحْتَ الثَّرَى يَنْتَظِرُ دَعْوَةً أَوِ اسْتِغْفَارًا!

فَاتَّقُوا اللَّهَ- عِبَادَ اللَّهِ- فِي أَعْمَارِكُمْ قَبْلَ ذَهَابِهَا، وَفِي مَوَاسِمِكُمْ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّ أَعْظَمَ الْخَسَائِرِ لَيْسَتْ خَسَارَةَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، بَلْ خَسَارَةُ الْأَيَّامِ الَّتِي لَا تَعُودُ، وَالْمَوَاسِمِ الَّتِي إِذَا مَضَتْ لَا تَرْجِعُ وَلَا تَعُودُ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُطْفِئُ نُورَ الْمَوَاسِمِ فِي الْقُلُوبِ: دَاءُ التَّسْوِيفِ، هذَا الدَّاءُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَقْتُلُ الْعَبْدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلكِنَّهُ يَسْرِقُ عُمْرَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَيُخَدِّرُ قَلْبَهُ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الْمَوَاسِمُ وَهُوَ فِي غَفْلَتِهِ بلا إقبالٍ ولا طاعةٍ، وَتَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ وَهُوَ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ.

وَإِنَّ مِنَ الْحِرْمَانِ- عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْعَبْدِ مَوَاسِمُ الرَّحمَاتِ، وَقَلْبُهُ لَاهٍ، وَنَفْسُهُ غَافِلَةٌ، فَلَا يَشْعُرُ بِقِيمَةِ الْأَيَّامِ، وَلَا يَسْتَيْقِظُ لِنِدَاءِ الْمَوَاسِمِ، حَتَّى تَمْضِيَ اللَّيَالِي وَهُوَ كَمَا كَانَ، لَا قَلْبٌ رَقَّ، وَلَا دَمْعَةٌ نَزَلَتْ، وَلَا نَفْسٌ عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَتْ.

وَنَحْنُ الْيَوْمَ- عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى أَبْوَابِ مَوْسِم أيامٍ عظيمةٍ، تَهْفُو فِيها الْقُلُوبُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ شوقًا، وَتَشُدُّ فِيهِ الْأَرْوَاحُ رِحَالَهَا إِلَى الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ حُبًّا، وَمَعَ ذٰلِكَ فَمَا أَكْثَرَ مَنْ قَيَّدَهُ التَّسْوِيفُ، وَأَثْقَلَتْهُ الدُّنْيَا، وَخَدَعَهُ طُولُ الْأَمَلِ.

عِبَادَ اللَّهِ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَسْمَعَ بِفَضْلِ الْعَشْرِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَعْلَمُ فَضْلَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلكِنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ: هَلْ سَتُغَيِّرُكَ هذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا؟! وَأَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا عُمرُكَ إِلَّا أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ. فَهَلْ سَتُحْيِي هذِهِ الْأَيَّامُ الْمُبَارَكَةُ فِي قَلْبِكَ مَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ؟! وَهَلْ سَتَرُدُّكَ إِلَى الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِنَابَةِ؟! أَمْ سَتَمُرُّ عَلَيْكَ كَمَا مَرَّتْ مَوَاسِمُ كَثِيرَةٌ قَبْلَهَا، لَا قَلْب رَقَّ، وَلَا عَيْن دَمَعَتْ، وَلَا نَفْس عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَتْ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخِذْلَانِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْكَ الْمَوَاسِمُ وَتَخْرُجَ مِنْهَا وَأَنْتَ كَمَا أَنْتَ، لَا غَفْلَة انْكَسَرَتْ، وَلَا شَهْوَة ضَعُفَتْ، وَلَا قَلْب عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَ.
.
عِبَادَ اللَّهِ، اعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تُحْيَا بِهِ هذِهِ الْأَيَّامُ: صِدْقُ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَالِابْتِعَادُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْغَفَلَاتِ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْفَجْرَ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، يُذَكِّرُنَا أَنَّ بَعْدَ ظُلْمَةِ الْغَفْلَةِ نُورًا، وَبَعْدَ طُولِ الْبُعْدِ قُرْبًا، وَأَنَّ الْعَبْدَ مَهْمَا أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، فَبَابُ الرَّحْمَةِ لَمْ يزل مفتوحًا، وَمَوَاسِمُ الْخَيْرِ مَا زَالَتْ تَدْعُوهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى اللَّهِ فَرِحًا مسرورًا.

فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ، وَاسْتَقْبِلُوا الْعَشْرَ بِقُلُوبٍ مُخْبِتَةٍ، وَنُفُوسٍ مُقْبِلَةٍ، وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، فَلَعَلَّ بَعْضَنَا لَا يُدْرِكُ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ عَامِهِ هذَا، فَاغْتَنِمُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَا بَقِيَ مِنَ الْأَعْمَارِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ ذِكْرَى وَآثَارًا، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].

أَقُولُ قَوْلِي هذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدَ مَنْ رَجَا رَحْمَتَهُ، وَخَشِيَ عِقَابَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ الْخَيْرِ وَأَبْوَابَ الْمَغْفِرَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْشَدَ الْأُمَّةَ إِلَى الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ- عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَوَاسِمَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَوَاعِظِ وَالْكَلَامِ، وَلٰكِنْ بِمَا تُحْدِثُهُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ إِنَابَةٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَتَمَامٍ.

فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ سَمِعَ فَضَائِلَ الْعَشْرِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَقَلْبُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ! وَإِنَّمَا السَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَوْسِمِ وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنَ اللَّهِ، وَتَخَلَّصَ مِنْ غَفْلَةٍ، وَكَسَرَ فِي نَفْسِهِ شَهْوَةً أَوْ ذَنْبًا أَوْ تَعَلُّقًا بِالدُّنْيَا.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الدُّنْيَا تَخْدَعُ الْإِنْسَانَ بِالطُّولِ وَالْأَمَلِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ الْأَيَّامَ لَا تَنْقَضِي، وَأَنَّ الْمَوْتَ بَعِيدٌ، وَأَنَّ لِلْعَبْدِ مُتَّسَعًا مِنَ الْعُمْرِ، ثُمَّ إِذَا بِالْأَعْمَارِ تُطْوَى، وَإِذَا بِالصِّحَّةِ تَذْهَبُ، وَإِذَا بِالْإِنْسَانِ يَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ الْآخِرَةِ يَنْظُرُ خَلْفَهُ فَلَا يَرَى إِلَّا أَيَّامًا ضَيَّعَهَا فِي غَفْلَةٍ وَتَسْوِيفٍ.

فَاحْفَظُوا- عِبَادَ اللَّهِ- أَعْمَارَكُمْ قَبْلَ ذَهَابِهَا، وَقُلُوبَكُمْ قَبْلَ قَسْوَتِهَا، وَمَوَاسِمَكُمْ قَبْلَ فَوَاتِهَا. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فَرُبَّ تَكْبِيرَةٍ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبٍ مُخْبِتٍ، رَفَعَتْ صَاحِبَهَا دَرَجَاتٍ، وَرُبَّ دَمْعَةٍ فِي سَحَرٍ، كَانَتْ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ سِنِينَ، وَرَفْعِ دَرَجَاتٍ، وَعِظَمِ أَثَرٍ.

فَأَكْثِرُوا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، وَأَحْيُوا لَيَالِيَهَا بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ، وَعَوِّدُوا أَلْسِنَتَكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، وَقُلُوبَكُمْ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ.

هٰذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَالْهُدَى، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذلِكَ فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَعِنَّا فِيهَا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا أَيَّامَ خَيْرٍ وَفَتْحٍ وَمَغْفِرَةٍ وَعِتْقٍ مِنَ النَّارِ.

اللَّهُمَّ أَحْيِ قُلُوبَنَا بَعْدَ غَفْلَتِهَا، وَأَقْبِلْ بِنَا عَلَيْكَ إِقْبَالَ الصَّادِقِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ قَاسٍ، وَمِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَاخْتِمْ لَنَا بِالصَّالِحَاتِ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ مَا قَضَيْتَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.74 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.86%)]