|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الوسطية في مدح الآخرين أ. د. السيد أحمد سحلول عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: ((مدح رجل رجلًا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال: ويحك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك؛ مرارًا، إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه إن كان يعلم ذاك كذا وكذا))[1]. قوله: فليقل أحسب أن فلانًا كذا إن كان يحسب ذلك منه، والله يعلم سره؛ لأنه هو الذي يجازيه ولا يقل: أتيقن ولا أتحقق جازمًا بذلك[2]. قوله: (ولا أزكي على الله أحدًا) أي: لا أقطع على عاقبة أحد ولا ضميره؛ لأن ذلك مغيب عنا، ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضي لذلك[3]. قال ابن بطال: "حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه، لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا على ما وُصف به"[4]. أما حديث همام بن الحارث أن رجلًا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب))[5]. فالمراد بالحديث من يمدح الناس في وجوههم بالباطل، وقال عمر رضي الله عنه: المدح هو الذبح. وقد تأوله العلماء على أقوال: 1- حمل الحديث على ظاهره كما فعله راويه المقداد رضي الله عنه، فكانوا يحثون التراب في وجه المداحين حقيقة، ووافقه على ذلك طائفة من العلماء. 2- الخيبة والحرمان كقولهم لمن رجع خائبًا: رجع وكفه مملوءة ترابًا. فمعناه: خيبوهم، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم. 3- قولوا له: بفيك التراب، والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله. 4- أن ذلك يتعلق بالممدوح، كأن يأخذ ترابًا فيبذره بين يديه يتذكر بذلك مصيره إليه، فلا يطغى بالمدح الذي سمعه. 5- المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب؛ لأن كل الذي فوق التراب تراب. وبهذا جزم البيضاوي، وقال: شبه الإعطاء بالحثي على سبيل الترشيح والمبالغة في التقليل والاستهانة. قال الطيبي: "ويحتمل أن يُراد دفعه عنه، وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من الرضخ والدافع قد يدفع خصمه بحثي التراب على وجهه استهانة به"[6]. 6- وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا. قال النووي: وهذا القول ضعيف[7]. قال ابن بطال:"وأما من مدح بما فيه فلا يدخل في النهي؛ فقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم يحث في وجه مادحه ترابًا"[8]. فمن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر في الإزار ما ذكر، قال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يسقط من أحد شقيه، قال: إنك لست منهم))[9]. فهذا من جملة المدح لكنه لما كان صدقًا محضًا، وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والكبر مدح به، ولا يدخل ذلك في المنع[10]. فالنهي عن المدح محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه، إذا سمع المدح. وأما من لا يخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه، إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه، أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًّا[11]. وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب، والممنوعة بخلافها، ويُستثنى من ذلك ما جاء عن المعصوم، فإنه لا يحتاج إلى قيد كالألفاظ التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعض الصحابة رضي الله عنهم[12]. قال الغزالي: آفة المدح في المادح أنه قد يكذب، وقد يرائي الممدوح بمدحه، ولا سيما إن كان فاسقًا أو ظالمًا، وقد يقول ما لا يتحققه مما لا سبيل له إلى الاطلاع عليه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((فليقل: أحسب فلانًا))، وذلك كقوله: إنه ورع ومتقٍ وزاهد، بخلاف ما لو قال: رأيته يصلي أو يحج أو يزكي، فإنه يمكنه الاطلاع على ذلك، ولكن تبقى الآفة على الممدوح فإنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرًا أو إعجابًا، أو يكله على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأن الذي يستمر في العمل غالبًا هو الذي يعد نفسه مقصرًا، فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأسٌ، وربما كان مستحبًّا. قال ابن عيينة: من عرف نفسه لم يضره المدح[13]. وقال بعض السلف: إذا مدح الرجل في وجهه فليقل: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون[14]. فعلى المرء منا أن يتوسط في توقير لغيره، فلا يبالغ في الثناء عليه، فيعطيه أكثر مما يستحقه فيوصله إلى درجة الغرور والأنا، وما أكثرهم في زماننا هذا، من يلتفون حول أصحاب المناصب، فيُفرِطون في الثناء عليهم من أجل مصلحة، فيتملقونهم فيضيعونهم، وحاشية صاحب المنصب هو أول من تغريه بالثناء الفاحش، وأول من تضعيه، وأول من تنصرف عنه. فقد نهانا المعصوم صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في المدح والإفراط فيه؛ مخافة أن يفتتن الممدوح، فيغتر بنفسه ويصيبه العجب فيهلك؛ فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال: ((سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يثني على رجل، ويطريه في المدحة، فقال: لقد أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل))[15]، والمعنى أهلكتموه، وهذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك، لكن هلاك هذا الممدوح في دينه، وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب، والإطراء مجاوزة الحد في المدح[16]. قال ابن عاشور في قوله: قطعت عنق صاحبك: هذا من بليغ الكلام، ولم أعرف سابقًا له من كلام العرب، فهو مما انفرد به صلى الله عليه وسلم[17]. [1] أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الشهادات باب: إذا زكى رجل رجلًا كفاه 2/167 ح (2662)، وفي كتاب الأدب باب ما يكره من التمادح 4/ 92 ح (6061)، وباب ما جاء في قول الرجل: ويلك 4/ 115، 116 ح (6162)، وأخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزهد والرقائق باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح 18/ 417 ح (3000) {65، 66}، واللفظ له، وأخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب باب في كراهية التمادح 4/254 ح(4805)، وأخرجه ابن ماجه في السنن كتاب الأدب باب المدح 2/1232 ح(3744)، وأخرج أحمد في المسند 5/41، 45، 46، 47، 50 ح (20693، 20736، 20742، 20758، 20786). [2] فتح الباري 10/ 492. [3] شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 417. [4] فتح الباري 10/ 493. [5] أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزهد والرقائق باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح 18/ 418 ح (3002) {68، 69}. [6] فتح الباري 10/ 493، شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 418. [7] شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 418. [8] فتح الباري 10/ 493. [9] أخرجه البخاري في الصحيح كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذًا خليلًا 2/ 430 ح (3665)، وفي كتاب اللباس باب من جر إزاره من غير خيلاء 4/ 36 ح (5784)، وباب من جر ثوبه من الخيلاء 4/ 37، 38 ح (5791)، وفي كتاب الأدب باب من أثنى على أخيه بما يعلم 4/92 ح (6062)، واللفظ المذكور من هذا الموضع. [10] فتح الباري 10/ 494. [11] شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 417. [12] فتح الباري 10/ 493. [13] إحياء علوم الدين 3/ 160، 161. [14] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه 4/ 228 ثر (4876). [15] أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الشهادات باب ما يكره من الإطناب في المدح وليقل ما يعلم 2/168 ح (2663)، وفي كتاب الأدب باب ما يكره من التمادح 4/ 92 ح (6060)، وأخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزهد والرقائق باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح 18/ 418 ح (3001) {67}، واللفظ له. [16] شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 417. [17] النظر الفسيح ص 231.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |