التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         xAI تطرح نموذج Grok Imagine Video 1.5 لإنشاء الفيديوهات ابداعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          واتساب يختبر ميزة الرسائل النصية ذاتية الاختفاء بعد قراءتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          نظام التشغيل iOS 27 يعمل على إصلاح ثلاثة مشكلات بتطبيق الرسائل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          جوجل تتعاون مع fbi لمكافحة شبكة احتيال مدعومة بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          نظام iOS 27 يحول iPhone وAirPods إلى ساعة أبل فى الجيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          قريباً.. مكالمات فيديو جماعية على واتساب ويب دون حاجة للهاتف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          تقرير: الذكاء الاصطناعى يسرع وتيرة الهجمات السيبرانية ويزيد تعقيدها عالميًّا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          تعلم NotebookLM.. كيف تحول المستندات لملخصات احترافية بضغطة زر واحدة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أدوبى تكشف عن ميزات جديدة لبرامج فوتوشوب وبريمير ولايت روم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          بدلا من الإجابات الحاسمة الخاطئة.. جوجل تمنح نماذجها لغة الشك والتخمين المدروس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-05-2026, 05:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,599
الدولة : Egypt
افتراضي التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي

التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسي بِتَقوَى اللهِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، نِعَمُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في ازدِيَادٍ، وَكُلَّمَا طَالَ بِالإِنسَانِ العُمُرُ ازدَادَت نِعَمُ اللهِ عَلَيهِ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَن يَزدَادَ شُكرُهُ لِلمُنعِمِ سُبحَانَهُ، وَأَن يَرعَى تِلكَ النِّعَمَ حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَيَستَعمِلَهَا في طَاعَةِ اللهِ وَمَا يُرضِيهِ، وَأَن يَبتَعِدَ عَنِ التَّفَاخُرِ بِهَا أَو استِعمَالِهَا فِيمَا يَضُرُّهُ أَو يَضُرُّ غَيرَهُ، أَو يَجلِبُ لَهُ الأَوزَارَ أَو يُضَاعِفُ لَهُ السَّيِّئَاتِ، وَكَمَا تَكثُرُ النِّعَمُ مَعَ تَقَدُّمِ سِنِّ الإِنسَانِ، فَإِنَّهَا كَذَلِكَ لم تَزَلْ تَكثُرُ مَعَ تَقَدُّمِ البَشَرِ، وَتَزدَادُ وَتَتَعَدَّدُ وَتَتَنَوَّعُ، بِمَا لَو رَأَى بَعضَهُ مَن سَبَقَهُم في قُرُونٍ مَضَت، لَظَنُّوا أَنَّهُم في عَالَمٍ آخَرَ غَيرِ مَا عَاشُوا عَلَيهِ وَمَاتُوا وَهُم يَرَونَهُ.

وَإِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ بَينَ النَّاسِ، لَهِيَ مِمَّا تَقَدَّمَ في العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ تَقَدُّمًا سَرِيعًا عَجِيبًا، بَل ثَارَت صِنَاعَاتُهَا ثَورَاتٍ عَدِيدَةً في سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، فَمِن أَجهِزَةٍ بِدَائِيَّةٍ تَنقُلُ كَلامَ النَّاسِ بِرُمُوزٍ تُتَرجَمُ، إِلى أُخرَى تَنقُلُهُ بِالكِتَابَةِ، إِلى هَوَاتِفَ يَسمَعُ كُلٌّ مِنَ المُتَوَاصِلَينِ فِيهَا صَوتَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ إِلى أَجهِزَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، تَنقُلُ الصَّوتَ وَالصُّورَةَ، وَتَبُثُّ مَا يَجرِي في اللَّحظَةِ نَفسِهَا، فَيَسمَعُ مَن في أَقصَى العَالَمِ مَن يُحَدِّثُهُ، وَيَرَاهُ وَكَأَنَّهُ جَالِسٌ أَمَامَهُ.

وَإِنَّ هَذِهِ الأَجهِزَةَ المُتَقَدِّمَةَ، كَمَا انتَفَعَ بِهَا العُقَلاءُ وَالأَسوِيَاءُ، وَجَعَلُوهَا لِلتَّوَاصُلِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَتَنَاقُلِ العِلمِ النَّافِعِ، وَتبادل الخِبرَاتِ المُتَرَاكِمَةِ وَالقِصَصِ المُؤَثِّرَةِ وَالمَوَاقِفِ الوَاعِظَةِ، فَقَد صَارَت عَلَى آخَرِينَ وَبَالًا وَشَرًّا يَحمِلُونَهُ بَينَ أَيدِيهِم لَيلاً وَنَهَارًا، وَيَبُثُّونَ مِنهُ الشُّرُورَ سِرًّا وَجِهَارًا، وَيُفسِدُونَ بِهِ أَفرَادًا وَيُغَيِّرُونَ أَخلاقَ مُجتَمَعَاتٍ، بَل وَيُحَرِّشُونَ بَينَ دُوَلٍ وَحُكُومَاتٍ، وَيُزَعزِعُونَ أَمنَ آمِنِينَ وَيُؤذُونَ مُؤمِنَاتٍ وَمُؤمِنِينَ. إِنَّهَا لَنِعمَةٌ مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَن عَلَّمَهُم مَا لم يَكُونُوا يَعلَمُونَ هُم وَلا آبَاؤُهُم، وَأَن سَخَّرَ لَهُم مَا لم يُسَخَّرْ لأَجيَالٍ وُجِدَت عَلَى هَذِهِ الأَرضِ قَبلَهُم، وَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الوَسَائِلُ الَّتي جَعَلَتِ العَالَمَ كَالقَريَةِ الوَاحِدَةِ، وَمَكَّنَت كُلَّ فَردٍ مِمَّا لم تَتَمَكَّنْ مِنهُ في المَاضِي دُوَلٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ، وَخَاصَّةً في بَثِّ العِلمِ وَنَشرِ المَعرِفَةِ وَبَسطِ الثَّقَافَةِ، وَإِبدَاءِ الآرَاءِ وَإِظهَارِ مَا تُكِنُّهُ النُّفُوسُ، دُونَ أَن يَحُولَ بَينَ المَرءِ وَبَينَ ذَلِكَ حَائِلٌ أَو يَمنَعُهُ مِنهُ مَانِعٌ، لَكِنَّ هَذَا في المُقَابِلِ وَخَاصَّةً مَعَ ظُهُورِ مَا يُسَمَّى بِالذَّكَاءِ الاصطِنَاعِيِّ، قَد جَعَلَ مَا يَظهَرُ أَمَامَ الأَعيُنِ وَتَرَاهُ وَكَأَنَّهُ وَاقِعٌ، مُنزَلَقًا خَطِيرًا لِمَن لا يَنتَبِهُ وَلا يَتَحَرَّى وَلا يَتَثَبَّتُ، فَقَد صَارَ هَذَا الذَّكَاءُ الاصطِنَاعِيُّ آلَةً خَطِيرَةً في يَدِ كُلِّ سَفِيهٍ وَصَغِيرٍ، وَسِلاحًا مَعَ كُلِّ مُفسِدٍ وَشِرِّيرٍ، لِيُرَكِّبَ بِهِ أَيَّ صَوتٍ عَلَى أَيِّ صُورَةٍ، وَيُقَوِّلَ النَّاسَ مَا لم يَقُولُوا، سَوَاءٌ في العِلمِ الشَّرعِيِّ، أَو في عُلُومِ الطِّبِّ وَالحَيَاةِ الاجتِمَاعِيَّةِ، أَو في نَشرِ مَعلُومَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ، أَوِ افتِعَالِ أَحدَاثٍ لم تَكُنْ، أَو تَنَاوُلِ شَيءٍ مِمَّا يُرَادُ بِهِ نَفعُ قَومٍ أَوِ الإِضرَارُ بِآخَرِينَ، فَيُقلَبُ الحَقُّ بَاطِلاً وَالبَاطِلُ حَقًّا، وَيُؤَلَّفُ بَينَ المُتَنَافِرَاتِ وَيُقَارَبُ بَينَ المُتَبَاعِدَاتِ، بِصُورَةٍ لا يَشعُرُ مَعَهَا الرَّائِي أَوِ السَّامِعُ، أَنَّهُ أَمَامَ كَذِبٍ وَخِدَاعٍ وَقَلبٍ لِلحَقَائِقِ وَتَلفِيقٍ وَتَرقِيعٍ، أَجَل أَيُّهَا الإِخوَةُ، لَقَد فَتَحَ هَذَا الذَّكَاءُ الاصطِنَاعِيُّ لِضِعَافِ الإِيمَانِ وَالعُقُولِ أَبوَابًا لِلتَّزوِيرِ وَالتَّضلِيلِ، فَتَسَاهَلَ بَعضُهُم بِتَركِيبِ المَقَاطِعِ وَتَقلِيدِ الأَصوَاتِ وَانتِحَالِ الشَّخصِيَّاتِ، وَنِسبَةِ الأَقوَالِ زُورًا إِلى غَيرِ أَصحَابِهَا أَو تَقويلِهِم مَا لم يَقُولُوا، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الغِشِّ وَالتَّدلِيسِ وَالكَذِبِ المُحَرَّمِ، وَمِن تَغيِيرِ الحَقَائِقِ وَإِظهَارِ البَاطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، وَيَا للهِ! كَيفَ يَسمَحُ مَن في قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن إِيمَانٍ وَفي رَأسِهِ وَزنُ شَعِيرَةٍ مِن عَقلٍ، أَن يَتَجَرَّأَ عَلَى انتِهَاكِ الأَعرَاضِ وَتَنَاوُلِ مَا يَخُصُّ الآخَرِينَ دُونَ حُدُودٍ أَو قُيُودٍ، أَو يَسعَى في نَشرِ البَاطِلِ وَتَروِيجِهِ، أَو إِيذَاءِ النَّاسِ بِبَهتِهِم أَوِ التَّنَقُّصِ مِنهُم، قَالَ تَعَالى: "وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا" وقال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "يَا مَعشَرَ مَن أَسلَمَ بِلِسَانِهِ وَلم يَدخُلِ الإِيمَانُ في قَلبِهِ، لا تُؤذُوا المُسلِمِينَ، وَلا تُعَيِّرُوهُم، وَلا تَتَّبِعُوا عَورَاتِهِم؛ فَإِنَّهُ مَن تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخِيهِ المُسلِمِ يَتَتَبَّعِ اللهُ عَورَتَهُ، وَمَن تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ يَفضَحْهُ وَلَو في ‌جَوفِ ‌رَحلِهِ"؛ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "وَإِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللهِ لا يُلقِي لَهَا بَالاً يَهوِي بِهَا في جَهَنَّمَ"؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

هَذَا وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِن سَخَطِ اللهِ، فَكَيفَ بِمِئَاتِ الكَلِمَاتِ وَعَشَرَاتِ الجُمَلِ وَالعِبَارَاتِ الَّتي كُلُّهَا كَذِبٌ وَغِشٌّ وَتَضلِيلٌ وَخِدَاعٌ، وَغِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ وَسَبٌّ وَاستِهزَاءٌ، وَتَخبِيبٌ وَزَرعٌ لِلفِتَنِ وَتَأجِيجٌ لِلشُّعُورِ وَالرَّأيِ العَامِّ، وَإِفسَادٌ لِلعِلاقَاتِ وَزَعزَعَةٌ لِلثِّقَةِ بَينَ النَّاسِ، وَتَشوِيهٌ لِسُمعَةِ أَقوَامٍ أَو أُسَرٍ أَو قَبَائِلَ، يَنَشُرُهَا أَحَدُهُم وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ أَو مُنزَوٍ عَنِ النَّاسِ، فَيَرَاهَا وَيَسمَعُهَا آلافٌ مِنهُم، فَيَنخَدِعُونَ وَيَضِلُّونَ، أَو تُسِيءُ إِلَيهِم فَيَدعُونَ عَلَيهِ وَيَتَحَسَّبُونَ، وَصَدَقَ اللهُ تَعَالى إِذْ يَقُولُ: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15].

وَمِن ثَمَّ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، كَانَ مِنَ الوَاجِبِ عَلَى العَاقِلِ الَّذِي يُرِيدُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَالتَّخَفُّفَ مِنَ الأَوزَارِ، أَن يَكُونَ دَقِيقَ التَّأَمُّلِ، وَأَن يَسلُكَ مَا بِهِ يَتَأَكَّدُ مِمَّا يَرَاهُ أَو يَسمَعُهُ أَو يَقرَؤُهُ، وَيَتَثَبَّتُ مِن كَونِهِ حَقِيقَةً أَو زُورًا، أَو صَوَابًا أَو خَطَأً، أَو نُصحًا أَو خِدَاعًا، أَو نَافِعًا أَو ضَارًّا، وَهَل نَشرُهُ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إِلى اللهِ وَيَزِيدُ في حَسَنَاتِهِ، أَم هُوَ مِمَّا يُبعِدُهُ عَن رَبِّهِ وَيُضَاعِفُ سَيِّئَاتِهِ؟! قَالَ تَعَالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 16 - 19].

الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى حَقَّ التَّقوَى، وَالحَذَرَ الحَذَرَ مِن أَن يَكُونَ أَحَدُنَا مَطِيَّةً لِنَشرِ كُلِّ مَا يُرسَلُ إِلَيهِ أَو يَجِدُهُ؛ طَلَبًا لإِدهَاشِ النَّاسِ بِالغَرِيبِ أَو إِضحَاكِهِم بِالعَجِيبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَوعٌ مِنَ الكَذِبِ المُتَوَعَّدِ أَهلُهُ؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "‌كَفَى ‌بِالمَرءِ ‌كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَفي رِوَايَةٍ: "كَفَى بِالمَرءِ إِثمًا"، وإن طَلَبَ رِضَا النَّاسِ وَإِرَادَةَ تَكثِيرِ المُتَابِعِينَ وَالبَحثَ عَمَّا يَجذِبُهُم، لَيسَ مُسَوِّغًا لأَن يَتَسَاهَلُ المَرءُ بِالبُهتَانِ، وَيَستَمرِئَ الكَذِبَ وَيَنشُرَ كُلَّ شَيءٍ، وَمَا قِيمَةُ الشُّهرَةِ وَمَعرِفَةِ النَّاسِ لِلمَرءِ، وَهُوَ عِندَ اللهِ كَذَّابٌ فَاجِرٌ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "وَإِنَّ الكَذِبَ ‌يَهدِي ‌إِلى ‌الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كَذَّابًا"؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

بَل مَا قِيمَةُ إِضحَاكِ النَّاسِ، وَتَحصِيلِ مَكَانَةٍ مَوهُومَةٍ عِندَهُم، وَفي ذِمَّةِ المَرءِ حُقُوقٌ لآخَرِينَ كَذَبَ عَلَيهِم أَو بَهَتَهُم؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَن قَالَ في مُؤمِنٍ مَا لَيسَ فِيهِ ‌أَسكَنَهُ ‌اللهُ ‌رَدغَةَ ‌الخَبَالِ حَتَّى يَخرُجَ مِمَّا قَالَ"؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ، وَرَدغَةُ الخَبَالِ هِيَ عُصَارَةُ أَهلِ النَّارِ، أَو مَا يَخرُجُ مِن أَجسَادِهِم مِن قَيحٍ وَصَدِيدٍ.

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ الَّذِي لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ في الأَرضِ وَلا في السَّمَاءِ، وَلْنَعلَمْ أَنَّ خَلوَتَنَا بِبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ ابتِلاءٌ لَنَا وَاختِبَارٌ، وَأَنَّ الشُّهُودَ عَلَينَا يَومَ القِيَامَةِ مُتَعَدِّدُونَ، سَمعٌ وَبَصَرٌ، وَيَدٌ وَجِلدٌ، وَأَرضٌ مِن تَحتِنَا تُحَدِّثُ أَخبَارَهَا، وَمَلائِكَةٌ مِن حَولِنَا تَكتُبُ في صَحَائِفِهَا، وَاللهُ تَعَالى خَيرُ الشَّاهِدِينَ، وَقَد قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [المائدة: 94].

وَكَمَا اختُبِرَ المُتَقَدِّمُونَ بِصَيدٍ يَعرِضُ لَهُم وَهُم مُحرِمُونَ، فَقَد يَسَّرَت لَنَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ سَمَاعَ الحَرَامِ وَالنَّظَرَ إِلَيهِ، وَبَثَّهُ وَنَشرَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ اختِبَارٌ وَابتِلاءٌ، ﴿ لِيَعلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيبِ ﴾، فَنَسأَلُ اللهَ السَّلامَةَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَدَاءٍ، وَالعَافِيَةَ مِن كُلِّ شَرٍّ وَبَلاءٍ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 55.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.17 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.00%)]