|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الكِساءُ الربَّانيُّ د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم الحمدُ للهِ ذي النعمِ الظاهرةِ والباطنةِ، سبَّحَ له الكونُ وساكنُه، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ وسلّمَ عليه وعلى آلِه وصحبِه الأبرارِ المؤمنةِ. أما بعدُ، فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. أيها المؤمنون! نِعمُ اللهِ بحرٌ غدِقٌ لا يَحُدُّه عَدٌّ، ولا يُحيطُه وصفٌ، والخلقُ عن شكرِه عاجزون، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]. ومن أجلِّ النعمِ التي امتنَّ اللهُ بها على عبادِه نعمةُ الكساءِ؛ كساءِ الظاهرِ بلباسيْه الضروريِّ الذي به تُوارى السوءاتُ والعوراتُ، ولباسِ الريشِ التحسينيِّ الذي يكونُ به الحُسنُ والتجمُّلُ، كما قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ﴾ [الأعراف: 26]. وصيَّرَ ذلك اللباسَ شعارًا يُذَكِّرُ العبادَ بضعفِهم ومسيسِ حاجتِهم إلى خالقِهم وعظيمِ نعمتِه عليهم؛ إذ كانوا عاجزين عن إدراكِ ما يُوارون به سوءاتِهم لولا تيسيرُ اللهِ لهم، وذاك ما امتنَّ به عليهم حين ناداهم بقولِه في الحديثِ القدسيِّ: " يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ " رواه مسلمٌ. ولئِن كان الكساءُ جمالًا للظاهرِ فإنَّ جمالَه لا يغني بحالٍ عن جمالِ الباطنِ إذ يُكسى، كما قال تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ ﴾ [الأعراف: 26]. فالتقوى هي اللباسُ الحقُّ الذي جعلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحقيقةَ التي يُفسَّرُ بها اللباسُ الذي يَراه النائمُ في منامِه، يقول صلى الله عليه وسلم: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدِّينَ " رواه البخاريُّ. وما ذاك إلا أنَّ لباسَ التقوى دائمٌ يستمرُّ مع العبدِ، لا يملكُ أحدٌ نزْعَه إلا إنِ انسلخَ منه صاحبُه، وهو جمالُ القلبِ والعملِ، اللذيْن هما محلُّ نظرِ اللهِ للعبادِ. وأما اللباسُ الظاهريُّ، فغايتُه أن يسترَ العورةَ زمنًا ثمَّ يَخْلَقُ، أو يكونَ جمالًا باديًا للناظرين سريعًا ما تبدو تفاهتُه وعدمُ إغْنائه عن صاحبِه إن بدتْ سوءةُ الباطنِ. ولو قُدِّرَ عدمُ هذا اللباسِ حالَ الضرورةِ إما بفقرٍ أو اعتداءٍ فاجرٍ، فإنما غايتُه انكشافُ العورةِ التي لا يضرُّ كشفُها مع الضرورةِ والعجزِ. وليس الأمرُ كذلك إنْ عُدِمَ لباسُ التقوى، فإنَّ بانعدامِها انكشافَ عورةِ الباطنِ، وبه يكونُ بقاءُ الخزيِ والفضيحةِ يومَ الدينِ. فالتقيُّ مستورُ العورةِ وإِنْ كان عاريًا من الثِّيَابِ، والفاجرُ بادي العورةِ وإِن كان من الثيابِ كاسيًا. إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ التُّقَى ![]() تقلَّبَ عُرْيانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا ![]() وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ ![]() وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا ![]() ويزدانُ لباسُ التقوى بجمالِ سترِ اللهِ إذ يُضْفِيه على عبدِه؛ فلا تبدو منه القبائحُ والذنوبُ وإن وقعَ فيها؛ فلا يُرى منه إلا جمالُ سترِ اللهِ عليه. وَفي النَّاسِ شَرٌّ لَوْ بَدا ما تَعاشَروا ![]() وَلكِنْ كَساهُ اللهُ ثَوْبَ غِطاءِ ![]() ![]() ![]() وذلك السترُ الربانيُّ السابلُ للذنوبِ مُؤْذِنٌ بمغفرةِ اللهِ لها يومَ القيامةِ -كما قال أهلُ العلمِ-؛ أخذًا بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: " لا يسترُ اللهُ على عبدٍ في الدنيا إلا سترَه اللهُ يومَ القيامةِ " رواه مسلمٌ، وفسَّرَ ذلك السترَ الربِّانيَّ فقال: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ! حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كتابَ حسناتِه. وأما الكافرُ والمنافقُ، فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]" رواه البخاريُّ. وقال: " من أذنبَ ذنبًا في الدنيا، فسَتَرَه اللهُ عليه، وعفا عنه؛ فاللهُ أكرمُ مِن أنْ يرجعَ في شيءٍ قد عفا عنه " رواه الحاكمُ وصحَّحَه وحسّنَه الذهبيُّ وابنُ حجرٍ. فلا مَن كساهُ اللهُ ثوبًا كمَن غدا ![]() عليه لِثوبٍ مُستعارٍ مُرَقَّعا ![]() ![]() ![]() عبادَ اللهِ! ولَئِنْ كان المرءُ عاجزًا عن كساءِ ظاهرِه فعجْزُه أحرى عن كساءِ باطنِه؛ إذ الكساءانِ غيرُ مقدورٍ عليهما إلا بإقدارِ اللهِ؛ فليس ثَمَّ من يكسوه سوى خالقِه الذي يقولُ: "يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ". وكساءُ الباطنِ بجلبابِ التُّقَى المزدانِ بغطاءِ السِّترِ الربَّانيِّ الجميلِ إنما يكونُ تفضَّلًا من المولى ورحمةً، ولا بدَّ للعبدِ من التعرُّضِ لها بالإتيانِ بأسبابِها؛ بُغيةَ الظَّفرِ بها. ويأتي في مقدَّمِ تلكمُ الأسبابِ استكساءُ العبدِ ربَّه وسؤالُه سِترَه، مُظْهِرًا عَجزَه وفقرَه، كما كان يسألُها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقوله: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى " رواه مسلمٌ، وقال عبدُاللهِ بنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: " اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي " رواه أحمدُ وصحَّحَه ابنُ حبِّانَ، وكان من دعاءِ ابنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنه-:" اللهم ألبسْنا لباسَ التقوى، وألزمْنا كلمةَ التقوى " رواه ابنُ أبي شيبةَ. وأعمالُ الخيرِ في السرِّ رداءٌ سابغٌ من الحُسنِ من أعظمِ ما يُكسى به العبدُ، ويُجْعَلُ له القبولُ في قلوبِ العبادِ، قال ثابتٌ البُنانيُّ: " كان يُقالُ: لو أنَّ ابنَ آدمَ عملَ بالخيرِ في سبعين بيتًا لَكساه اللهُ رداءَ عملِه حتى يُعرفَ "، وقال المسيبُ بنُ رافعٍ: " ما من رجلٍ يعملُ حسنةً في سبعِ أبياتٍ إلا أظهرَها اللهُ؛ وتصديقُ ذلك كتابُ اللهِ -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وسترُ العبدِ ذنبَه، وسترُه على العبادِ ذنوبَهمُ ومعايبَهم التي لم يجهروا بها، وكسوتُه إياهم من أعظمِ ما يُجَمِّلُ اللهُ به ذلكمُ العبدَ بكسائه الربَّانيِّ الكريمِ الذي تكونُ به مواراةُ المعايبِ ونسيانُها. يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " من سترِ مسلمًا سترَه اللهُ في الدنيا والآخرةِ " رواه مسلمٌ. الخطبة الثانية الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ.أما بعدُ، فاعلموا أنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ... أيها المؤمنون! جعل اللهُ نعمةَ اللباسِ فصيلًا بين التحلِّي بصفةِ الآدميِّةِ والانسلاخِ منها، كما انسلخَ منها أولئك المتعرُّونَ الراتعون في حياةِ البهائمِ السادرةِ -بل هم أضلُّ!-، متنكِّرين فطرةَ اللهِ في استبشاعِ إبداءِ السوءاتِ، متَّبعين غايةَ الشيطانِ التي بادَأَ بها العداءَ مع والديِ البشريةِ آدمَ وزوجِه حواءَ -عليهما السلامُ-؛ إذ زيَّنَ لهما الأكلَ من الشجرةِ التي نهاهمُ اللهُ عنِ اقترابِها؛ بغيةَ انكشافِ سواءتِهما. وما زال ذاك التعرِّي الشيطانيُّ بحَسْرِ ما يستطيعُ الشيطانُ حَسْرَه مما أَمرَ اللهُ بتغطيتِه وسيلةَ إغوائه البشريةَ وطَمْسِ معالمِ فطرتِها التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها التي بها يكون الافتضاحُ، وانسلاخُ الحياءِ، ويسهلُ بها مقارفةُ الفواحشِ والتجرُّؤُ على المآثمِ وانتشارُها وتأنيسُها بالاعتيادِ على مخالطتِها، ويزولُ من القلبِ إنكارُها؛ ليظفرَ من انسلاخِ اللباسِ الظاهرِ بالانسلاخِ من لباسِ التقوى والتعرِّي من لباسِ السترِ الربَّانيِّ الذي لا يُكْساه المجاهرُ بذنبِه؛ وذاك ما حذَّرَ اللهُ بني آدمَ منه بقولِه: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 27]. وحاكَ إبليسُ مُحتالًا مؤامرةً ![]() راحتْ ضَحِيَّتَها أتباعُه الحُمُقُ ![]() نعوذُ باللهِ من خسرانِ آخرةٍ ![]() شأنُ العُصاةِ الأُلى للباطلِ انطلقوا ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |