|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
وقفات مع آيات الحج (1) أنور الداود النبراوي تمهيد بَيَّن الله تبارك وتعالى في مطْلع آيات سورة الحج بذلك النِّداء العظيم للناس كلهم، من المؤمنين، وأهل الكتاب، والمشركين إلى يوم القيامة؛ ليتلقَّوا الأمر بتقوى الله وخشيته، بحسب حالهم من التلبُّس بما نهى الله عنه، والتفريط فيما أمر به؛ ليسْتَبْدلوا ذلك بضده؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2].أي: يا أيها الناس، احذروا عقاب الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإنَّ ما يحدث عند قيام الساعة من أهوال، وحركة شديدة للأرض، تَتَصَدَّع منها كلُّ جوانبها - شيءٌ عظيم، لا يقدِّر قدره، ولا يبلغ كُنهه، ولا يعلم كيفيَّته إلا ربُّ العالمين. يوم ترون قيام الساعة تنسَى الوالدةُ رضيعَها، الذي ألقمته ثديها؛ لِمَا نزل بها منَ الكرْب، وتُسْقط الحامل حملها من الرُّعب، وتغيب عقول الناس، فهم كالسُّكارى من شدَّة الهَوْل والفزَع، وليسوا بسكارى منَ الخمر، ولكن شدة العذاب أَفْقدتهم عُقُولهم وإدراكهم. ثم بَيَّن سبحانه النِّهاية السعيدة لِمَن اتَّقى واستجاب لربِّه الرحمن، الذي أعَدَّ لعباده المؤمنين منَ النعيم المُقيم الشيءَ العظيم في دار رحمته؛ حيث قال تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج: 23]. إن الله تعالى يُدخل أهل الإيمان والعمل الصالح جنات نعيمُها دائم، تجْري مِن تحت أشجارها الأنهار، يُزَيَّنون فيها بأساور الذهب وباللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة الحرير، رجالاً ونساءً؛ ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ [الحج: 24]. لقد هداهم الله في الدُّنيا إلى طيب القول، من كلمة التوحيد، وحَمْد الله، والثناء عليه، وفي الآخرة إلى حمده على حُسن العاقبة، كما هداهم من قبلُ إلى طريق الإسلام المحمود الموصل إلى الجنة. وكذلك هو الحال بحُجَّاج بيت الله الحرام، قد ساروا إلى الله بإيمان وعمل صالح زادهم، ولباسهم هو التقوى، وطيب أقوالهم وألسنتهم ذِكْر الله والدعاء، قد جدُّوا واجتهدوا؛ ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). وهو سبحانه الحكيمُ الحميد الذي لا يرتضي الظُّلم في أرضه، وقد حرَّمه تعالى بين عباده؛ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 114]. فإذا كان الأمر كذلك، فالويل لمن وقف في طريق عباد الرحمن السائرين إلى الله، والوافدين إلى بيته الأمين؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الحج: 25]: فكما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتباعهم صراط الله؛ ﴿ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ [الحج: 24]، كذلك كان سبَبُ استحقاق المشركين ذلك العذَاب هو أنهم كفروا بالله، وكذبوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم يمنعون غيرهم من الدخول في دين الله، ويصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن المسجد الحرام كما في عام (الحديبية). والصد عن سبيل الله ناشئ عن الكفر، وما يزال صدُّهم مستمرًّا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 217]، وقوله تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ [الفتح: 25]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ [المائدة: 2]. وفي هذا بيان لحقِّ المسلمين في المسجد الحرام، وتهويل أمْر الإلحاد فيه، والتنويه به، وتنزيهه عن أن يكونَ مأوى للشِّرْك، ورِجْس الظلْم والعُدوان. لذا جاء التأكيد بـ ﴿ إِنَّ ﴾ [البقرة: 6]؛ للاهتمام به، وجاء قوله: ﴿ كَفَرُوا ﴾ [الفتح: 25] بصيغة الماضي؛ لأنَّ فعلهم صار كاللقب لهم، وجاء الفعل ﴿ يصدُّون ﴾ بصيغة المضارع؛ للدلالة على تكرر ذلك منهم، وأنه دأبهم، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]؛ أي: ومِن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله. ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 217]: وسبيل الله هو الإسلام، الذي هو دين الله وسبيله الواصل إليه، وهو طريقه الذي شرعه للناس، ونهجه الذي اختاره للعباد، وقد صدّوا المسلمين عن دخول المسجد الحرام والطواف بالبيت بعد الهجرة، ومن ذلك ما صنعوه يوم الحديبية، والصد: هو المنْع، فصدهم عنه هو الذي حقَّق لهم عذاب النار، كما حقق اهتداءُ المؤمنين إليه بأن لهم نعيمَ الجنة. وخبر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الفتح: 25] محذوف، تقديره: نُذيقهم من عذاب أليم، دلَّ عليه قولُه في الجملة الآتية: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]. ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 217]، وخصَّ الصد عن المسجد الحرام بالذِّكْر؛ للاهتمام به، ولينتقل منه إلى التنويه بالمسجد الحرام، وذِكْر بنائه، وشرع الحج له من عهد إبراهيم، وهو الذي جعله الله للناس منطقة أمان ودار سلام، وواحة اطمئنان، فهو بيتُ الله الذي يتساوَى فيه عباد الله، فلا يملكه أحدٌ منهم، ولا يمتاز فيه أحدٌ منهم، فيه تُحقن الدِّماء، ويجد كل أحد فيه مأمنه ومأواه، لا تفضُّلاً مِن أحد، ولكن حقًّا يتساوى فيه الجميع؛ فإن الله جعلَه لجميع المؤمنين. والمسجد الحرام، قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن، لأنه لم يذكر غيره، وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجًا عنه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الفتح: 25]، وقال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الإسراء: 1]. ﴿ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً ﴾ [الحج: 25]؛ أي: للصلاة والطواف والعبادة، وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 96]. فهم يصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفْس الأمر؛ لذلكيقول تعالى مُنكرًا على الكفَّار في صَدِّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه: ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 34]. ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ [الحج: 25]، ولا خلاف بين المسلمين في أنَّ الناس سواء في أداء المناسك بالمسجد الحرام وما يتبعه؛ إلاّ ما منعته الشريعة - كطواف الحائض بالكعبة - فيستوي في أحقية التعبّد به ﴿ الْعَاكِفُ فِيهِ ﴾ [الحج: 25]؛ أي: الملازم له في أحوال كثيرة، المقيم فيه، والمستقر في المسجد، والساكن بمكة؛ لأنَّ الساكن بمكة يعكف كثيرًا في المسجد الحرام، وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة. ﴿ وَالْبَادِ ﴾ [الحج: 25]؛ أي: القادم إليه والبعيد عنه إذا دخله، ومنهم أهل البادية ومَن يقدم عليهم، فقد جعله الله شرعًا؛ سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك، لا فرق فيه بين المقيم فيه الحاضر، والنائي عنه البعيد الدار منه، فليس أهل مكة أحق من النازح إليه. لذلك؛ يُقال للذين يحجزون الأماكن لحسابهم في بيت الله الحرام خاصة، وفي بيوت الله عامة: أريحوا أنفسكم، فالمكان محجوز عند الله لمن سبق، لا لمن وضع سجادته، وشغل بها المكان. وهناك من أهل العلم من قال: لا يجوز تأجير البيوت في مكة، فمَنْ أراد أن ينزل في بيت ينزل فيه دون أجرة حتى يستوي المقيم والغريب، وهذا الرأي مرْدُود عليه بأن البيوت مكان ومكين، وأرض مكة كانتْ للجميع حين كان المكان حُرًّا يبني فيه مَن أراد، أمَّا بعد أن بَنَى بيتًا وسكنه، أصبح مكينًا فيه، لا يجوز لأحد دخوله إلا بإذنه وإرادته. ويؤيده قول الشافعي رحمه الله: لو كان الأمر كذلك، لما قال سبحانه في المهاجرين: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ [الحشر: 8]، فنَسب الديار إليهم، ولَمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة: ((وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟))، وكوْنُ عقيل يبيع دُورهم بعد أن هاجروا، فهذا دليل على ملكيتهم لها. ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]: والإلحاد في اللغة أصله: الميل، والمراد بالإلحاد في الآية: الانحراف عن الاستقامة وسواء الأمور، وأن يحيد عن دِين الله الذي شرَعه، ويعمُّ ذلك كلَّ ميلٍ وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولاً أوليًّا الكفرُ بالله، والشركُ به في الحَرَم، وفعلُ شيءٍ مما حرَّمه، وتركُ شيء مما أوجبه، ومن أعظم ذلك: انتهاكُ حُرُمات الحرم. والباء في "بإلحاد" للتوكيد؛ أي: من يُرد إلحادًا وبُعدًا عن الحق والاستقامة، وذلك صدهم عن زيارته. وقوله: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]؛ أي: عامدًا قاصدًا أنه ظلم، ليس بمتأوّل، وعن ابن عباس: هو التعمُّد، وعنه أيضًا: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]: بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة، وغير واحد، وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]: هو أن تَستحلَّ من الحرم ما حَرَّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فَعَلَ ذلك، فقد وجب له العذابُ الأليم. وقال مجاهد: ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]: يعمل فيه عملاً سيئًا. والظلم يُطلَق على الإشراك، وعلى المعاصي؛ لأنها ظلم للنفس، والباء في "بظلم" للملابسة، فالظلم: الإشراك؛ لأن المقصود تهديدُ المشركين الذين حمَلَهم الإشراكُ على مناوأة المسلمين، ومنعِهم من زيارة المسجد الحرام. والمراد: من يرد في المسجد الحرام الميْلَ عن الحق ظلمًا، فيَعْصِ الله فيه، نُذِقْه مِن عذابٍ أليم موجع. فالمُلحد في المسجد الحرام قد خالف بإلحاده فيه ما أراده الله من تطهيره، حتى أمر ببنائه، والتخلُّص من ذلك إلى إثبات ظلم المشركين، وكفرانهم نعمةَ الله في إقامة المسجد الحرام وتشريع الحج. بل جاء المعنى على مجرد الهمِّ فيه، وهذا من دقائق التعبير؛ ففيه التهديد والوعيد على مجرد الإرادة؛ زيادةً في التحذير، ومبالغة في التوكيد؛ حيث قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]؛ أي: يَهُمّ فيه بأمرٍ فظيع من المعاصي الكبار، فمجردُ إرادة الظلم والإلحاد في الحرم موجبٌ للعذاب، وإن كان غيره لا يُعاقَب العبدُ عليه إلا بعمل الظلم، فكيف بمن أتى فيه أعظمَ الظلم، من الكفر والشرك، والصدِّ عن سبيله، ومنعِ من يريده بزيارة؟! فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟! وفي هذه الآية الكريمة: وجوبُ احترام الحرم، وشدةُ تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها. وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقَب البادي فيه الشر، إذا كان عازمًا عليه، وإن لم يوقعْه، كما جاء عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]، قال: لو أن رَجُلاً أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعَدَن أبينَ، أذاقه الله من العذاب الأليم. وقال سعيد بن جُبَير: شتم الخادم ظلمٌ فما فوقَه، وقيل: احتكار الطعام فيه، وقيل غير ذلك. وقيل: المراد: من لجأ إلى الحرم بإلحاد؛ يعني: بميل عن الإسلام. وهذه الآثار، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكنْ هُو أعم من ذلك؛ بل فيها تنبيهٌ على ما هو أغلظ منها؛ ولهذا لما همَّ أصحاب الفيل بتخريب البيت، أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 4، 5]؛ أي: دمَّرهم وجعلهم عِبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء؛ ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يغزو هذا البيتَ جيشٌ، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بأولهم وآخرهم)) الحديث. وفي الآية أيضًا بيانٌ لشناعة ما عليه المشركون الكافرون بربِّهم، وأنهم جمعوا بين الكفْر بالله ورسوله، وبين الصدِّ عن سبيل الله، ومنعِ الناس من الإيمان، والصد أيضًا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكًا لهم ولا لآبائهم؛ بل الناس فيه سواء: المقيم فيه، والطارئ عليه؛ بل صَدوا عنه أفضل الخلق محمدًا وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام - من حرمته، واحترامه، وعظمته -: أن من يرد فيه بإلحاد بظلم، نذقْه من عذاب أليم. وكلمة "حرام" يُستفاد منها أنه مُحرَّم أنْ تفعل فيه خطأ، أو تهينه، أو تعتدي فيه، وكلمة (الحَرَام) وصف بها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام، وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام، ثم الشهر الحرام، الذي قال الله فيه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217]، وحُرْمة الزمان والمكان هنا لحكمةٍ أرادها الخالق سبحانه لأنه رَبٌّ رحيم بخَلْقه، يريد أن يجعل لهم فرصة لِستْر كبريائهم، والحدِّ من غرورهم. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حُرْمةً؛ لتكون ستارًا لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة، وكل حَدَث يحتاج إلى زمان، وإلى مكان، فحرَّم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرتْ بينهم حربٌ، جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيفَ من قبضة القوي دون أنْ يجرح كبرياءه، وربما هَزَّ رأسه قائلاً: لولا الشهر الحرام، كنت فعلتُ بهم كذا وكذا. فهذه إذًا رحمةٌ من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها، ويَحْقِن دماءهم. فلعلَّهم حين تأتي شهور التحريم، أو يأتي مكانه، يستريحون من الحرب، فيدركون لذَّة السلام، وأهمية الصلح، فيقضون على أسباب النزاع بينهم دون حرب، فسُعَار الحرب يجُرُّ حربًا، ولذةُ السلام، وراحة الأمن، والشعور بهدوء الحياة، تَجُرُّ مَيْلاً للتصالح وفضِّ مثل هذه المنازعات بالطرق السلمية. والمتأمل في هذه الأماكن التي حرَّمها الله يجدها على مراتب، وكأنها دوائرُ مركزُها بيتُ الله الحرام، وهو الكعبة، ثم المسجد الحرام حولها، ثم البلد الحرام، وهي مكة، ثم المشعر الحرام، الذي يأخذ جزءًا من الزمن فقط في أيام الحج. أما الكعبة، فليست كما يظنُّ البعض أنها هذا البناء الذي نراه، الكعبة هي المكان، أما هذا البناء، فهو المكين، فلو نقضْتَ هذا البناء القائم الآن، فمكان البناء هو البيت، هذا مكانه إنْ نزلْتَ في أعماق الأرض، أو صعدْتَ في طبقات السماء. إذًا؛ فبيت الله الحرام هو هذه البقعة من الأرض حتى السماء، أَلاَ ترى الناس يُصَلُّون في الأدوار العليا، وهم أعلى من هذا البناء بكثير؟! إنهم يواجهون جَوَّ الكعبة، لا يواجهون الكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن الكعبة ممتدة في الجو إلى ما شاء الله. وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكُلُّ المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فَرْق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله؛ لذلك جُعل بيتُ الله باختيار الله (البيت الحرام) هو القِبْلة التي تتَّجه إليها كل بيوت الله في الأرض. ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]: و(مِن) في قوله: ﴿ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25] للتوكيد؛ أي: نذقه عذابًا من عذاب أليم. فإنهم سيذوقون العذاب المؤلم الشديد الموجع بأمرٍ من الله - عز وجل - وذلك هو العذاب المهين، والذوق هو الإحساس بالمطعوم، شرابًا كان أو طعامًا، إلا أنه يتعدَّى إلى كل ما يحس، ولو لم يكن مطعومًا أو مشروبًا؛ قال عز وجل: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 49]؛ أي: ذق الإهانة والمذلَّة، لا مما يُطعم أو مما يُشرب، ولكن بالإحساس؛ فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرِّجْل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق، وهذا اللون من إذاقة الذلِّ والإهانة في الدنيا لهؤلاء مجردُ نموذج بسيط لشدة عقاب الله، وعذاب الآخرة سيكون مهولاً، والعذاب هو إيلام الحس. (يتبع).
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
وقفات مع آيات الحج (2) يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [الحج: 26].أنور الداود النبراوي أصل التبوُّء من المباءة: وهي منزل القوم في كلِّ موضع، فإنَّ المرءَ يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إلى منزله ويعود إليه، والتبوِئَة: الإسكان، تقول العربُ: بوَّأت له منزلاً، بمعنى: هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ [النحل: 41]، وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا ﴾ [العنكبوت: 58]، ومنه قول القائل: كَمْ مِنْ أَخٍ لِي مَاجِدٍ ♦♦♦ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا فالله - جل وعلا - أرشد الخليلَ - عليه السَّلام - إلى مكانِ البيت، وأَذِنَ له في بنائه، وجعل قسمًا من ذريته من سكانه؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 56]. ﴿ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾، والمكان: يطلق على الساحة من الأرض، والمكان غير المكين، المكان: هو البقعة التي يقع فيه، ويَحِلُّ به المكين، فأرض هذا المسجد مكان، والبناء القائم على هذه الأرض يُسمَّى مكينًا في هذا المكان. وعلى هذا؛ فقد دَلَّ اللهُ إبراهيم - عليه السَّلام - على المكان، الذي سيأمره بإقامة البيت عليه. وبعض أهل العلم يذهب إلى أنَّ إبراهيم - عليه السَّلام - هو أول مَنْ بنى البيت. وهناك من قال: بوَّأ لإبراهيم مكان البيت؛ يعني: بيَّنه له، وأنه كان مَبنِيًّا، وأنَّ قوله: ﴿ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ يدُلُّ على أن له مكانًا سابقًا، كان معروفًا، لكنه اندرس زمن طوفان نوح؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ [إبراهيم: 37]. ومعلوم أنَّ إسماعيلَ قد شارك أباه وساعده في البناء لَمَّا شَبَّ، وأصبح لديه القُدرة على معاونة أبيه، أمَّا الإسكان، فكان وإسماعيل ما يزال رضيعًا، وقوله - تعالى -: ﴿ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ [إبراهيم: 37] يدل على أن العِنْدية موجودة قبل أنْ يبلغَ إسماعيلُ أنْ يساعد أباه في بناية البيت، إذًا هذا دليل على أنَّ البيت كان موجودًا قبل إبراهيم. كذلك قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96]. فالبيت وُضِع للناس، وآدم من الناس، ثم ذُرِّيته إلى أن تقومَ الساعة، فلا بُدَّ أن يكون وُضِع لآدم أيضًا، فيقال بأنَّ البيت وُضِع حتى قبل آدم، وأن الملائكة هي التي وضعتْ البيت أولاً، ثم طمسَ الطوفانُ معالِمَ البيت، فدلَّ الله إبراهيمَ بوحي منه على مكان البيت، وأمره أنْ يرفعه من جديد في هذا الوادي؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ [البقرة: 127]، قيل: أرسل الله له سحابة، فاستَقَرَّت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفر الخليلُ وابنه عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه، وقيل: جاءت ريح كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس الأول. والمعنى: أي: واذكر - أيها النبي - ذلك الوقت العظيم؛ إذ بَيَّنا لإبراهيم الخليل - عليه السَّلام - مكانَ البيت، وهيَّأناه له، وقد كان غير معروف؛ ليكونَ ذلك البيت مأوى لإقامة شعائر الدين، ورحابًا للطائفين به، والقائمين المصلين عنده، وأمرناه ببنائه على تقوى من الله وتوحيده، وتطهيره من الكفر والبدع والنجاسات، فكان أصل الدين هو نفي الإشراك بالله، فعلم أنَّ البيت جعل مَعْلَمًا للتوحيد؛ لذلك قال - جل وعلا -: ﴿ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ [الحج: 26]؛ أي: لا تشرك بي شيئًا من الشرك، لا قليلاً، ولا كثيرًا. وقال: ﴿ شَيْئًا ﴾؛ ليشملَ النهيُ كُلَّ ألوان الشرك - أيًّا كانت صورته - شجرًا، أو حجرًا، أو وثنًا، أو نجومًا، أو كواكبَ. والمراد: طَهِّر هذا المكانَ من كل ما يُشعِر بالشِّرك، فهذه هي البداية الصَّحيحة لإقامة بيت الله. وكانت قبيلة جرهم تضعُ عند البيت الأصنام تعبدها من دون الله، وكذلك كانت الأصنام عند الكعبة حتى عام الفتح، فطهَّرها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أنجاس الأوثان وأقذارها بأمر الله؛ حيث قال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123]. (وطهر بيتي) التطهير: هو التنزيه والنَّقاء عن كل خبيث. معنويًّا: من الشرك والفواحش والمعاصي، أو ظلم الناس وبثِّ الخصال الذميمة. وحسِّيًّا: من الأقذار والأنجاس والأدناس، والأصوات اللاغية والمرتفعة، التي تشوش المتعبدين بالصلاة والطواف ونحوها، وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة (وطهر بيتي) فيه تكريم وتشريف للبيت، فهو بيتُ الله وحْدَه دون سواه. لذا؛ أضافه الرَّحمن إلى نفسه؛ لشَرَفِه، وفضله، ولتعظم مَحبته في القلوب، وتنصب إليه الأفئدة من كلِّ جانب، وليكون أعظم لتطهيره وتعظيمه؛ لكونه بيتَ الرب للطائفين به والعاكفين عنده، المقيمين على عبادة ربِّهم من ذكر ودعاء، وقراءة وتعليم، وغير ذلك من أنواع القرب. ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾، وقدَّم الطواف على الاعتكاف والصَّلاة؛ لاختصاصِه بهذا البيت، والطَّواف عبادة قديمة، وهو أخصُّ العبادات عند البيت، فإنَّه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، وهو المشي حول الكعبة، وقد كان أهل الجاهلية يطوفون حول أصنامهم كما يطوفون بالكعبة. ولذا؛ يبدأ الحاج أعمالَه بالطواف، سواء طواف القدوم - والذي هو سنة في حق المفرد والقارن - أو طواف العُمرة للمتمتع. "والْقَائِمِينَ"؛ أي: المقيمين المعتكفين فيه للعبادة؛ كما في قوله: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125]. وقيل: القائمون في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مُختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصَّلاة إليه، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي نافلة السفر. وقيل: هم الدَّاعون تُجاه الكعبة، ومنه سمي مقام إبراهيم، وهو مكان قيامه للدعاء، فكان الملتزم موضعًا للدعاء. قال زيد بن عَمرو بن نُفيل: عُذْتُ بِمَنْ عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمُ ♦♦♦ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَهْوَ قَائِمُ ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾؛ أي: المصلين، فالركَّع: جمع راكع، والسجود: جمع سَاجد، مثل: الرقود، والقعود.وعبَّر عن الصَّلاة بالرُّكوع والسجود؛ لأنَّهما أظهرُ أعمال الصلاة التي هي عمود الدين، وأعظم العبادات بعد التوحيد؛ لذا خَصَّها الخليل بالذكر حين أسكنَ ذُرِّيته عند البيت، ودعا ربه، فقال: ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾ [إبراهيم: 37]. والمراد: طهِّره لهؤلاء الفُضلاء، الذين يعبدون الله وَحْده لا شريك له، وهمهم طاعة مولاهم وخدمته، والتقرُّب إليه عند بيته، فهؤلاء لهم الحق، ولهم الإكرام، ومن إكرامهم تطهير البيت لأجلهم؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، كما أنَّ ((الطهور شطر الإيمان))؛ رواه مسلم، وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تَخرج من تحت أظفاره))؛ صححه الألباني. وفي الآية: تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به في البقعة التي أسِّسَتْ من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحْده لا شريك له؛ كما ثبت في الصحيح عن أبي ذر قلت: يا رسول الله، أيُّ مسجد وُضعَ أول؟ قال: ((المسجد الحرام))، قلت: ثم أي؟ قال: ((بيت المقدس))، قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة))، وقد سبق قول الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيم ﴾ [آل عمران: 96 – 97]. ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27]. ﴿ وأذِّن ﴾ عطف على ﴿ وطهر بيتي ﴾، وفيه إشارة إلى أنَّ من إكرام الزَّائر تنظيفَ المنزل، وأنَّ ذلك يكون قبل نزول الزَّائر بالمكان، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ﴾ [التوبة: 3]. والتأذين: رفع الصوت للإعلام بشيء، وأوَّل وسائل العلم السماع بالأذن، ومن الأذن أُخذ الأَذان الذي هو الإعلام بدخول الوقت؛ إعلانًا وتأكيدًا للشروع في عبادة الله وطاعته والاتصال بالمعبود - تبارك وتعالى - من خلال شعيرة الصلاة، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]؛ أي: أَعْلَمَ. وأذَّن بما فيه من مضاعفة الحروف مُشْعِر بتكرير الفعل؛ أي: أكثر الإخبار بالشيء، والكثرة تحصل بالتَّكرار وبرفع الصوت القائم مقام التكرار. ﴿ فِي النَّاسِ ﴾: والناس يعمُّ كل البشر؛ أي: كل ما أمكنه أن يبلغ إليه ذلك. ﴿ بِالْحَجِّ ﴾، والعرب تقول: حج بنو فلان فلانًا: إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردُّد عليه. والمراد بالحجِّ: القصد إلى بيت الله، وكثرة الاختلاف إليه، والتردُّد عليه، وصار لفظ الحجِّ علمًا بالغلبة على الحضور إلى المسجد الحرام لأداء المناسك. ومن حكمة مشروعِيَّته: تلقِّي عقيدة توحيد الله بطريق المشاهدة للهيكل الذي أقيم لذلك؛ حتى يرسخ معنى التوحيد في النفوس؛ لأنَّ للنفوس ميلاً إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس، فهذه أصل في سنَّة المؤثرات لأهل المقصد النافع. "يأتوك" بضمير خطاب إبراهيم؛ دلالة على أنه كان يَحضر موسم الحجِّ في كل عام؛ ليبلِّغ الناس التوحيد وقواعد الحنيفية. كما أنَّ جملة "يأتوك" جواب للأمر، فدَلَّ على أنَّ الله ضمن له استجابة ندائه. روي أن إبراهيم لما أمره الله بذلك، اعتلى جبلَ أبي قيس، وجعل أصبعيه في أذنيه ونادى: "إنَّ الله كتب عليكم الحجَّ فْحُجُّوا"، وذلك أقصى استطاعته في امتثال الأمر بالتأذين. ﴿ رجالاً ﴾: جمع راجل، وهو ضد الراكب. ﴿ وعلى كل ضامر ﴾: الضامر: الخفيف اللحم من السَّيْر والأعمال لا من الهُزال، والضمور من محاسن الرواحل؛ لأنه يعينها على السير والحركة، و"كل" مستعملة في الكثرة؛ أي: وعلى رواحل كثيرة؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 23]، والمقصود: استيعاب أحوال الآتين؛ تحقيقًا للوعد بتيسير الإتيان المشار إليه؛ أي: يأتيك من لهم رواحل ومن يَمشون على أرجلهم. ومن العلماء من ذهب إلى أن الحج ماشيًا - لمن قدر عليه - أفضلُ من الحج راكبًا؛ لأنه قدَّمهم في الذِّكر، فدلَّ على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه حج راكبًا، مع كمال قوَّته - عليه السلام. ولكنْ في تقديم المشاة "رجالاً" نوعٌ من المواساة، وجبر الخاطر، ومراعاة للنفوس، سواء كان الماشي فقيرًا، أم قادرًا؛ لكنه آثر التعبَ والمشقَّة والنَّصَب. ثم قال: ﴿ يَأْتِينَ ﴾، وإنما أسند الإتيان إلى الرواحل دون الناس، فلم يقل: يأتون؛ لأنَّ الرواحل هي سبب إتيان الناس من بُعدٍ لمن لا يستطيع السفر على رِجْليه، وفيه تشريف لها بأنْ جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت. أو أن المعنى: يأتوك جماعاتٍ، فجرى عليهم الفعل بضمير التأنيث؛ ليتضمن زيادة التعجب من تيسير الحج حتى على المشاة، وقد تشاهد في طريق الحج جماعاتٍ بين مكة والمدينة يمشون رجالاً بأولادهم وأزوادهم، وكذلك يقطعون المسافات بين مكة وبلادهم. ﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾، والفجُّ: الشقُّ بين جبلين تسير فيه الركاب، فغلب الفجُّ على الطريق؛ لأن أكثر الطرق المؤدية إلى مكة تُسلك بين الجبال؛ كما قال: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً ﴾ [الأنبياء: 31]، والعميق: البعيد إلى أسفل؛ لأن العمق البعد في القعر، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار؛ ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم: 37]، والمراد: وأعلِمْ - يا إبراهيم - الناسَ بوجوب الحج عليهم، وادْعُهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، وبلِّغ دانيَهم وقاصيَهم فرضَه وفضيلته، فإنك إذا دعوتَهم يأتونك على مختلف أحوالهم، حجَّاجًا وعمَّارًا، مشاةً على أرجلهم من الشوق، وركبانًا على كل ضامر من الإبل، تقطع المفاوز، وتواصل السير، حتى تأتي إلى أشرف الأماكن. جاء في الخبر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناسَ وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربَّكم قد اتَّخذ بيتًا فحجُّوه، فيقال: إن الجبال تواضعتْ حتى بلغ الصوتُ أرجاءَ الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كلُّ شيء سمعه من حَجَرٍ ومَدَر وشجر، ومَن كَتَبَ الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك"؛ أي: إجابة لك بعد إجابة، وإقامة على طاعتك دائمة، مجيبين لذلك النداء الذي هو نداء الله الذي أمر إبراهيم أن ينادي به. وقد حصل ما وَعَدَ اللهُ به، أتاه الناس رجالاً وركبانًا من مشارق الأرض ومغاربها، مقبِلين قد رفعوا أصواتَهم بالتلبية، وجرَّدوا أبدانَهم من لباسهم المعتاد، وارتدَوْا أردية خاصة تشبه أكفان الموتى، واستعدُّوا للأعمال الصالحة، مجيبين لتلك الدعوة، وجاؤوا لعبادة الله - سبحانه وتعالى - فهذه هي الحكمة في جعل هذه المواقيت، ولما كانت مكة في وسط القرى؛ سمَّاها الله - تعالى - أمَّ القرى؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ [الأنعام: 92]، وكان الناس يأتونها من كلِّ الجهات الأربع، من الغرب والشرق، ومن الشمال والجنوب، فجعل لهم مكانًا يستعدون فيه، فالبيتُ بيت الله، والخَلْقُ جميعًا خَلْقُ الله. وفي الآية درس بليغ وعظيم للدعاة المصلحين: فحينما أمَرَ الله إبراهيمَ بالأذان، لم يكُن حول البيت غيرُ إبراهيم وولده وزوجته، فلمَنْ يُؤذِّن؟ ومَنْ سيستمع في صحراءَ واسعةٍ شاسعة ووادٍ غيرِ مسكون؟ فناداه ربُّه: "يا إبراهيم، عليك الأذان، وعلينا البلاغ". فمهمة الداعية هي تبليغ الحق والدعوة إلى الهدى؛ قال الله – تعالى -: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54]. وعلى الله إيصال الخير إلى كل الناس، في كل زمان، وفي كل مكان؛ ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]. جاء في الأثر: فَمنْ أجاب ولَبَّى: (لبيك اللهم لبيك)، كُتِبَتْ له حجة، ومَنْ لبَّى مرتين كُتِبتْ له حجَّتان، وهكذا. وعند التأمل في أركان الإسلام: الشهادتان (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج - سيجد العبد أن الحج هو الركن الوحيد الذي يجتهد المسلم في أدائه وإنْ لم يكُن مستطيعًا له، فتراه يوفِّر ويقتصد حتى من قُوتِه، وربما حرمَ نفسه لِيُؤدِّي فريضة الحج، ولا يحدث هذا ولا يتكلَّفه الإنسان إلا في هذه الفريضة، لماذا؟ قالوا: لأن الله - تعالى - أَمَرَ بهذه الفريضة، وحكم فيها بقوله: ﴿ يَأْتُوكَ ﴾، وهكذا تحِنُّ القلوب إلى بيت الله، وتتحرَّق شَوْقًا إليه، وكأن شيئًا يجذبها لأداء هذه الفريضة، وكأن قوة خارجة عن الناس تجذبهم إلى بيت الله الحرام، ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم: 37]، تهوي وتأتي دون اختيار، من الهُويِّ؛ أي: السقوط، وهو أمرٌ لا يملكه إنسان. وما يزال وعْدُ الله يتحقَّق منذ إبراهيم - عليه السلام - إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدةٌ من الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترف إلى رؤيته والطواف به، الغني القادر الذي يجد وسيلة الركوب، والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه، وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة؛ تلبيةً لدعوة الله التي أذَّن بها إبراهيم - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام. وفي الآية دليل على وجوب الحج على هذه الأمَّة، وذلك بالشروط المعلومة، وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والاستطاعة؛ كما دل عليه قوله – تعالى -: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97]، وقوله - تعالى -: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]. وأما السُّنة، فالأحاديث في ذلك كثيرة، ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خطبَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحجَّ، فحجُّوا))، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو قلتُ: نعم، لوجبتْ، ولما استطعتم))، ثم قال: ((ذروني ما تَرَكْتُكُم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فدَعُوه))؛ رواه مسلم، وحديث ابن عمر المتفق عليه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))؛ رواه البخاري. وجاء في فضل الحج قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 158]. وقد وردتْ أيضا أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الحج والترغيب فيه، فمن ذلك حديثُ أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهادُ في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حجٌّ مبرور))؛ متفق عليه. وعنه - رضي الله عنه - أيضًا قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من حجَّ فلم يرفثْ ولم يفسق، رجع كيومَ ولدتْه أمُّه))؛ متفق عليه. وعنه أيضًا - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))؛ متفق عليه. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: قلتُ: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ((لكن أفضل من الجهاد، حج مبرور))؛ رواه البخاري. وعنها أيضًا - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))؛ رواه مسلم. (يتبع)
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
وقفات مع آيات الحج (3) أنور الداود النبراوي قبل البدء أعتذر عن التوقف عن تتابع الوقفات، حيث كنت في المشاعر المقدسة - في منى تحديدًا - فتعذَّر عليَّ التواصل... فعوضتُ انقطاعي بالدُّعاء لجميع القراء الكرام، ولجميع الأعزاء مِن القائمين والمشرفين على هذه الصَّفحات المباركات؛ لا سيما في مواطن الحج العظام: عشية عرفة، وصبيحة مزدلفة، وعند الصفا، وعند المروة، وخلف الجمرة الصغرى، وخلف الجمرة الوسطى.. وحيث أجدِّد التحية للجميع لنكمل بقية الوقفات، فإني أقول لكم: قد دعوتُ لكم شكرا وعرفانًا؛ فأنتم لي وقود القَلَم والبحث والفكر، وفَّقكم ربي لسعادة الدارين. يقول الله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]. ﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾؛ أي: ليحضروا فيُحصِّلوا منافع لهم؛ إذ يحصِّل كلُّ واحد ما فيه نفعُه مِن مغفرة الذنوب، والثواب على أداء المناسك وفعلِ الطاعات، والتكَسُّبِ في التجارات، وحصول التعارف والتلاقي، وتحقيق الأُخُوَّة في الدين والإيمان، واجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد؛ ليتلقَّى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه، ولأنَّ في الاجتماع صلاحًا في الدنيا بالتعارف والتعامل. وتنكير ﴿ مَنَافِعَ ﴾ للتعظيم والمراد منه الكثرة، وهي المصالح الدينية والدنيوية؛ لأنَّ في مَجمع الحجِّ فوائد جمَّة للناس ولأفرادهم، من الثَّواب والمغفرة لكل حاج ولمجتمعهم. قال ابن عباس: أما منافع الآخرة، فرضوان الله، وأمَّا منافع الدُّنيا فما يُصيبون من منافع البُدْن والربح والتجارات؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198]. ومن تلك المنافع ما يلي: • أن الحاجَّ منذ أنْ ينوي أداء هذه الفريضة يُجري عملية صَقْل خاصة، تُحوِّله إلى إنسان جديد يليق بهذا الموقف العظيم، ويكون أهْلاً لرؤية بيت الله والطواف به، فيُصلح مِن نفسه ما كان فاسدًا، وينتهي عَمَّا كان يقع فيه من معصية الله، ويُصلِح ما بينه وبين الناس. • ومن الإعداد للحج أنْ يتعلَّم الحاجُّ ما له وما عليه، ويتأدب بآداب الحجِّ، فيعرف محظوراته وما يحرُم عليه، وأنه سوف يتنازل عن هِنْدامه وملابسه التي يزهو بها، ومكانته التي يفتخر بها بين الناس، وكيف أن الإحرام يُسوِّي بين الجميع. • ويتأدب مع نفسه فلا يُفكِّر في معصية، ولا تمتدُّ يده حتى على شعرة من شعره، أو ظُفْر من أظافره، ولا يقْربُ طيبًا. ويتأدَّب الحاج مع الحيوان، فلا يصيده ولا يقتله، ومع النبات فلا يقطع شجرًا. • إنَّ الحج التزام وانضباط يفوق أيَّ انضباط يعرفه أهلُ الدنيا في حركة حياتهم، ففي الحج ترى هذا الإنسان السيد الأعلى لكل المخلوقات، كَمْ هو منكسر خاضع مهما كانت منزلته! وكم هي طمأنينة النفس البشرية حين تُقبِّل حجرًا وهي راضية خاضعة! • وكل أعمال الحج مَصحوبة بذكر الله وتلبيته، فَمَا مِن عملٍ يُؤدِّيه الحاجُّ إلا ويقول: لبيك اللهم لبيك، وتارة مكبِّرًا: "الله أكبر"، ذاكرًا لله، مستغفرًا لذنبه، تاليًا لكتاب الله، حامدًا وموحدًا لربه تعالى. • ومن المنافع ما يَتناول الهَدْيَ، فالتاجرُ ينتفع ببيع الهدي، والمشتري ينتفع بأداء النسك، والمربِّي الذي ربَّى هذا الهَدْي، والجزار الذي ذبحه، والفقير الذي أكل منه. • كما أنَّ الحج موسمُ تجارةٍ، وموسمُ عبادة، ومؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدُّنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة. • أصحاب السلع والتِّجارة يَجِدُونَ في موسم الحج سوقًا رائجة؛ حيث تُجْبَى إلى البلد الحرام ثمراتُ كلِّ شيء من أطراف الأرض، ويقدُم الحجيج مِن كل فجٍّ، وِمن كلِّ قُطر، ومعهم مِن خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتَّى المواسم، يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد، فهو موسم تجارة ومعرض نتاج؛ وسوق عالمية تقام في كل عام. وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تَستشعر قُربها مِن الله في بيته الحرام، وهي ترفُّ حول هذا البيت، وتَسْتَروِح الذكريات التي تحوم عليه، وترف كالأطياف مِن قريب ومِن بعيد: طيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يَستودع اللهَ فلذةَ كبدِه إسماعيلَ وأمَّه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربِّه: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37]. وطيف هاجر، وهي تستروح الماءَ لنفْسِها ولطفلِها الرضيعِ في تلك الحَرَّة المتلهِّبة حول البيت، وهي تُهَرول بين الصَّفا والمروة، وقد أنهكها العطش، وهَدَّها الجهد، وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس؛ لتجدَ النبعَ يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء، وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب. وطيف إبراهيم عليه السلام وهو يرى الرؤيا، فلا يتردَّد في التضحية بفلذة كبده، ويَمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102]، فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل عليه السلام: ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]، وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 104 - 107]. وطيف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يَرفعانِ القواعدَ مِن البيت، في إنابة وخشوع؛ ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 127 - 128]. والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريقَ الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل؛ ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، ويَجدون محورهم الذي يشدهم جميعًا إليه، هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا ويلتقون عليها جميعًا، ويَجدون رايتهم التي يَفِيئُون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان. ويَجدون قوتهم قوة التجمع والتوحد والترابُط الذي يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد. وهو مؤتمر للتعارُف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادُل المنافع والسلع والمعارف والتجارب، وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مَرَّة في كل عام، في ظل الله، بالقرب مِن بيت الله، وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة، والذكريات الغائبة والحاضرة في أنسب مكان، وأنسب زمان؛ ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]. وخُصَّ مِن المنافع أن يذكروا اسمَ الله في أيام معلومات على ذَبْح ما يتقربون به من الإبل والبقر والغنم، كما فصَّلها تعالى في سورة الأنعام، وأنَّها ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ [الأنعام: 143]. والقُرآن يقدِّم ذكرَ اسم الله المصاحب لنحر الذبائح؛ لأنَّ الجَوَّ جَوُّ عبادة، ولأن المقصود من النحر هو التقرُّب إلى الله، ومن ثم فإنَّ أظهر ما يبرز في عملية النَّحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]. والنحر ذكرى لفداء إسماعيل عليه السلام، وآية من آيات الله، وطاعة مِن طاعات عَبْدَيْهِ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فوق ما هو صدقة، وقربى لله بإطعام الفقراء، لا سِيَّما في تلك الأيام المباركات. وأدمج في هذا الحكم الامتنان بأنَّ الله رزقهم تلك الأنعام، فقال: ﴿ عَلَى مَا رَزَقَهُم ﴾، وفي هذا تعريض بطلب الشكر على هذا الرزق بالإخلاص لله في العبادة، والأكل من هذه الذبائح استحبابًا، وإطعام المَحَاويج مِن عباد الله مِن لحومها، وفي ذلك سدٌّ لحاجة الفقراء بتزويدهم ما يكفيهم لعامهم؛ ولذلك فرَّع عليه قوله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]. ﴿ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ هي التي أقسم الله بها في قوله: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1 - 2]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات أيام العشر، وهي أفضل الأيام عند الله، وكان صلَّى الله عليه وسلم يصوم هذه العشر. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: ((ما مِن أيام العملُ الصالح فيها أحبُّ إلى الله مِن هذه الأيام))؛ يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجعْ من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري، وأبو داود، واللفظ له، وصححه الألباني. قال البخاري: وكان ابنُ عمر، وأبو هريرة يَخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيُكبِّران ويكبِّر الناس بتكبيرهما، وهي تشتمل على يوم عرفة، والذي جاء فيه عن أبي قتادة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة، فقال: ((أحتسِب على الله أن يُكَفِّرَ السَّنَة الماضيةَ والآتية))؛ رواه مسلم. وتشتمل أيضًا على يوم النَّحر الذي هو يوم الحج الأكبر؛ لذلك كانت أيام العشر أفضلَ أيام السَّنَة على الإطلاق، كما أنَّ ليالي عشر رمضان الأخيرة هي أفضلُ ليالي العام؛ جمعًا بين الأدلة. ويشرع في هذه الأيام المباركات الإكثار من الأعمال الصالحات، من الصيام والصَّلاة والصدقة والتكبير، وأعظم ذلك كله حج بيت الله العتيق؛ استجابة لله، وشكرًا على تلك المنح والفيوض الكريمة. وقد عدل السياقُ عن الغيبة الواقعة في ضمائر؛ ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ... ﴾ [الحج: 28]، إلى الخطاب بقوله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ﴾ [الحج: 28] على طريقة الالتفات؛ تعريضًا بالرد على أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يَمنعون الأكل من الهدايا، ثم عاد الأسلوب إلى الغيبة في قوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ [الحج: 29]. فهم مأمورون أن يأكلوا مِن هذه الذبائح استحبابًا، ويُطعموا منها الفقير الذي اشتد فقره؛ كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نَحَرَ هَدْيَهُ أمَر مِن كل بدنة ببُضْعَة فتطبخ، ثم أكَل مِن لحمها، وحَسَا مِن مرقها. فالسُّنَّة أن يأكل المسلمُ الثلث، وثلثٌ يُهديه، وثلثٌ يَتصدَّق به؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [الحج: 36]. ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يُشعر الفقراء أنَّها طيبة كريمة. والبائس: المسكين المضطر الذي أصابه البؤس، وهو ضيق المال، ويبدو على مِحْنته وشكله وزِيِّه أنه فقير مُحتاج، وإنْ كانَ ظاهره اليُسْر والغِنَى، وعن ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسُه في ثيابه وفي وجهه، والفقير: المتعفِّف الذي تكُون ثيابه نقيَّة ووجهه وجه غني، وإنَّما ذكر لفظ البائس زيادة على الفقير؛ لترقيق أفئدة الناس على الفقير بتذكيرهم أنه في بؤس. وهؤلاء الفقراء لا يلتفت الناسُ إليهم، وربَّما لا يعلمون حالهم وحاجتهم، وقد قال الله فيهم: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا... ﴾ [البقرة: 273]. ومن رحمة الله بالفقراء أنْ جعل الأغنياءَ والمياسيرَ هم الذين يَبحثون عن الذَّبائح ويَشترونها، ويَذهبون لمكان الذبح، ويَتحمَّلون مَشَقَّة هذا كله، ثم يَبحثون عن الفقير؛ ليُعطوه وهو جالس في مكانه مُستريحًا، يأتيه رِزْقه من فَضْل الله سهلًا وميسَّرًا. ومِن شرَف الفقيرِ أنْ جعله اللهُ رُكنًا مِن أركان إسلام الغنيِّ؛ أي: في فريضة الزكاة. وبالنحر ينتهي الإحرام، فيحل للحاج حلقُ شعره أو تقصيره، ونتف شعر الإبط، وقص الأظفار، والاستحمام، مما كان ممنوعًا عليه في فترة الإحرام.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |