الصدقة في رمضان - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         شرحُ العقيدةِ الطحاوية الشيخ سيد البشبيشي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 25 - عددالزوار : 316 )           »          القلب في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 278 )           »          العشر الأواخر من رمضان.. (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »          استشعار الأمانة والمسؤولية تجاه الدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          نعمة الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 348 )           »          غزة في ذاكرة التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 21813 )           »          الإيمان باليوم الآخر وفتنة المال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          علوم القرآن الكريم وارتباطها بالعلوم الأخرى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 10691 )           »          تجديد الإيمان بآيات الصيام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > استراحة الشفاء , قسم الأنشطة الرياضية والترفيه > استراحة الشفاء , وملتقى الإخاء والترحيب والمناسبات
التسجيل التعليمـــات التقويم

استراحة الشفاء , وملتقى الإخاء والترحيب والمناسبات هنا نلتقي بالأعضاء الجدد ونرحب بهم , وهنا يتواصل الأعضاء مع بعضهم لمعرفة أخبارهم وتقديم التهاني أو المواساة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-03-2026, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,535
الدولة : Egypt
افتراضي الصدقة في رمضان

الصدقة في رمضان

السيد مراد سلامة


الحمد لله الذي تفرَّد بجلال ملكوته، وتوحَّد بجمال جبروته، وتعزَّز بعُلو أَحَديَّته، وتقدَّس بسمو صمَديَّته، وتكبَّر في ذاته عن مضارعة كل نظير، وتنزَّه في صفائه عن كل تناهٍ وقصور، له الصفات المختصة بحقِّه، والآيات الناطقة بأنه غيرُ مُشبَّه بخلْقه.


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة موقن بتوحيده، مُستجير بحسن تأييده.
يا واحدٌ في ملكه أنت الأحدُ
ولقد علمتُ بأنك الفرد الصمد
لا أنت مولودٌ ولستَ بوالدٍ
كلَّا ولا لك في الورى كُفوًا أَحَد

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه.
هذا النبي محمدٌ خير الورى
ونبيُّهم وبه تشرَّف آدم
وله البها وله الحياءُ بوجهه
كلُّ الغنى من نوره يتقسَّم
يا فوزَ مَن صلى عليه فإنه
في جنة المأوى غدًا يتنعَّم
صلى عليه الله جلَّ جلالُه
ما راح حادٍ باسمه يترنَّم



وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نَهْجه، وتمسَّك بسنته، واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.


الجوهرة الأولى: تَصَدَّق حتى يُخْلِف الله عليك بأفضل منها:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39].


فلا تتوهَّموا أن الإنفاق ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الله تعالى الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فاطلبوا الرزق منه، واسعوا في الأسباب التي أمركم بها، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله - عليه السلام -: "أَنْفِق يا بن آدم يُنْفَق عليك"، وفي رواية: "أَنْفِق أُنْفِق عليك"، فمَن الذي سيُنْفِق عليك؟[1].


قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 245].


فالله يضاعف لكل مَن أنفق في سبيله، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ كما قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261].

الجوهرة الثانية: التربية الربانية:
الله سبحانه الغني الحميد عندما يتصدق المسلم بصدقة وإن كانت يسيرة، فإنه يتقبلها بيمينه، ثم يربيها له حتى تصير مثل الجبل، فضلًا منه سبحانه وتعالى، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "مَن تَصدَّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل"[2]، كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديق ذلك في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 104]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: 276].


الجوهرة الثالثة: الدعاء الملائكي:
و مما يحث المسلم على إخراج الصدقة أن يناله بركة دعاء الملائكة كلَّ صباح بالبركة والنماء والإخلاف عليه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العبد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط مُمسكًا تلفًا"[3].


فالذي ينفق لله عز وجل، بأن ينفق على عياله، وعلى نفسه وقرابته وأرحامه، وينفق على الفقراء والمساكين، فهذا يعجل الله عز وجل له بعطاء من فضله سبحانه ورحمته، وقوله: (اللهم عجِّل لمنفق خلفًا)؛ أي: أخلف عليه.


أما الممسك الذي يبخل: عن نفسه، وعياله، ويبخل عن أمه وأبيه، ويبخل عن الفقراء والمساكين، مع وجوب ذلك عليه، فهذا يعجل الله عز وجل له تلفًا، فيتلف ماله، تتلف صحته، ويضيع عليه هذا المال الذي اكتسبه وبَخِل به، لذلك فالمؤمن ينفق مما أعطاه الله سبحانه ولا يبخل، فيتعبد الله بالمفهوم الأشمل والأوسع، في كل وقت وفي كل عمل من الأعمال، ويؤدي الواجبات، والنوافل، ويطعم نفسه وأهله، وضيفه، وعياله، فالله عز وجل يملأ يديه رزقًا من فضله وكرمه سبحانه.


الجوهرة الرابعة: حتى يلين قلبك:
والصدقة هي دواء القلوب، ومتى لان قلب العبد انتفع بالموعظة، وسلِم في الدنيا والآخرة؛ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قسوة قلبه، فقال: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ ‌قَلْبُكَ: ‌فَأَطْعِمُ ‌الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ"[4].


الجوهرة الخامسة: الحصانة الربانية:
والصدقة عباد الله حصنٌ حصين، وركن شديد، يلجأ إليه المسلم؛ ليحفظه الله تعالى من مواطن الهلكة، ومن مصارع السوء؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"[5].


إن الحارث الأشعري حدَّثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: (إن الله جل وعلا أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهنَّ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ ... وذكر منهن: «‌وَآمُرُكُمْ ‌بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَشَدُّوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ، وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ؟ فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ[6].


فالصدقة لها تأثيرٌ عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالمٍ، بل من كافر، فإنَّ الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمرٌ معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرُّون به؛ لأنَّهم قد جربوه؛ [الوابل الصيِّب].


قصة:
واسمع معي إلى هذه القصة التي تبيِّن لنا أن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء، هذه القصة هي قصة امرأة كان لها ولد مسافر للدراسة، وكانت امرأة فقيرة، لكنها جوادة كريمة، مُحِبة لله ولرسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -فبينما هي ذات يوم على عشائها الذي لا تملك غيره، إذ بطارق يطرق عليها الباب ففتحته، فإذا هو مسكين يسأل طعامًا، فقامت إلى عشائها فأعطته إيَّاه، وذهب هو ليشبع وباتت وهي جائعة، لكنها محتسِبة عند الله الأجر، ألم الجوع في بطنها؛ لكن فرحة السعادة في قلبها أن سدَّت جوعةً لمسلم!



ومضت الأيام والليالي وقَدِم ابنها من سفره، وأخذ يحدثها عن سفره، فذكر لها من أعجب ما حدث له أن أسدًا اعتدى عليه في إحدى الغابات حتى صار بين يديه، فجاءه رجل عليه ثياب بيض فأنقذه، فسأله: مَن أنت؟ قال: لقمة بلقمة، فتعجَّبت، ماذا يريد بهذا الكلام؟! فسألته أمه: متى حدث هذا الكلام؟ فأخبرها فإذا هو نفس اليوم الذي سدَّت به لقمة ذلك الجائع، لقمة الجائع أنقذت ولدها أن يكون لقمة لأسد مفترس، أرأيتم كيف دُفِع البلاء ببركة الصدقة؟! (صنائع المعروف تقي مصارع السوء).


الجوهرة السادسة: الشفاء الناجع والدواء النافع:
أحباب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما أحوجنا في زمن كثُرت فيه الأسقام، وتنوَّعت فيه الأمراض، ما أحوجنا إلى الرجوع إلى صيدلية الإيمان، والاستشفاء بما بيَّنه لنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم- والأمر لا يحتاج منا إلا إلى اليقين والثقة في كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن داخل الصيدلية الإيمانية نرى دواءً لكل داء، إنه دواء الصدقة، فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "داووا مرضاكم بالصدقة"[7].



وهيَّا لنشنِّف الآذان يتلك القصص التي تبيِّن لنا أثر الصدقة في الأمراض المستعصية:
القصة الأولى: قال أبو طاهر السِّلَفي في معجم السفر: سَمِعت أبا الحسن علي بن أبي بكر أحمد بن علي الكاتب المينزي بدمشق يقول: سمعت أبا بكر الخبازي بنيسابور يقول: مرضتُ مرضًا خطرًا، فرآني جارٌ لي صالح، فقال: استعمل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((داوُوا مرضاكم بالصدقة))، وكان الوقت صيفًا، فاشتريتُ بِطيخًا كثيرًا، واجتمع جماعةٌ من الفقراء والصبيان، فأكلوا ورفعوا أيديَهم إلى الله - عز وجل - ودعوا لي بالشفاء، فواللهِ ما أصبحتُ إلا وأنا في كل عافية من الله تبارك وتعالى.


الجوهرة السابعة: الطهرة من الذنوب:
فمن ثمراتها أن تأتي يوم القامة فتجد صحيفة أعمالك كلها حسنات؛ أين السيئات التي أتت من التقصير؟

إنها الصدقة التي أطفأت خطاياك كما يطفئ الماء النار؛ عند الترمذي من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، ‌وَالصَّدَقَةُ ‌تُطْفِئُ ‌الْخَطِيئَةَ" [8].


الجوهرة التاسعة: المظلة الربانية:
في المحشر حر شديد يفوق الوصف؛ إذ يمكث العباد فيه مـدة طويلة مقدارها خمســـون ألف سنة، لا يأكلون ولا يشربون، والشمس دانية من رؤوسهم ليس بينهم وبينها إلا مقدار ميل، فترتوي الأرض من عرقهم، ويذهب فيها سبعين ذراعًا، ثم يرتفع فوقها؛ فيكون الناس في العرق على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقوَيْه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا.

وهناك آخرون من ذوي الأعمال الجليلة والرُّتَب الرفيعة، لا يعانون من شيء من ذلك، ومن هؤلاء المتصدقون الذين أفادت النصوص بأنهم يكونون في المحشر في ظل صدقاتهم؛ تحميهم من شدة الحر، وتدفع عنهم وهج الشمس، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصَل بين الناس"؛ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ ‌فِي ‌ظِلِّ ‌صَدَقَتِهِ ‌حَتَّى ‌يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ - حَتَّى يُقْتَصَّ بَيْنَ النَّاسِ» [9].


وفى رواية أخرى عند ابن خزيمة عن يزيد بن حبيب قال: قصة: "عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: كَانَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَا يَجِيءُ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ بَصَلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَبَا الْخَيْرِ، مَا تُرِيدُ إِلَى هَذَا يُنْتِنُ عَلَيْكَ ثَوْبَكَ قَالَ: يَا بْنَ أَخِي، إِنَّهُ وَاللهِ مَا كَانَ فِي مَنْزِلِي شَيْءٌ أَتَصَدَّقُ بِهِ غَيْرُهُ، إِنَّهُ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "‌ظِلُّ ‌الْمُؤْمِنِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌صَدَقَتُهُ"[10].


وكذلك أخبرنا الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم- أن من جملة السبعة الذين يظلهم الله بظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّهِ: ... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى ‌لَا ‌تَعَلَّمَ ‌شِمَالُهُ ‌مَا ‌أَنْفَقَتْ ‌يَمِينُهُ"[11].


الجوهرة العاشرة: ثقل الموازين يوم القيامة:
في يوم عبوس قمطرير شرُّه، في يوم تُنصب فيه الموازين، في يوم يرجح ميزان العبد بمثقال ذرة، ويخف ميزانه بمثقال ذرة، يحتاج العبد منا إلى شيء يثقل ميزان، أتدري ما يثقل ميزانك يوم القيامة؟ إنها الصدقة عبد الله؛ فقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَبَدَ اللهَ فِي صَوْمَعَتِهِ سِتِّينَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الأَرْضُ، فَاخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فقَالَ: لَوْ نَزَلْتُ فَذَكَرْتُ اللهَ، لَازْدَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهُ رَغِيفٌ، أَوْ رَغِيفَانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الأَرْضِ، لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ، حَتَّى غَشِيَهَا، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الْغَدِيرَ يَسْتَحِمُّ، فَجَاءَهُ سَائِلٌ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيفَيْنِ، أَوِ الرَّغِيفَ، ثُمَّ مَاتَ ‌فَوُزِنَتْ ‌عِبَادَةُ ‌سِتِّينَ ‌سَنَةً بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ، فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بِحَسَنَاتِهِ، ثُمَّ وُضِعَ الرَّغِيفُ أَوِ الرَّغِيفَانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ، فَرَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ فَغُفِرَ لَهُ"[12].


الجوهرة الحادية عشرة: الحجاب الواقي من نار جهنم:
جهنم - أعاذني الله وإياكم من شرها - حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد، وهجها يشوي الوجوه، ويُحرِّق الأبدان، فما السبيل إلى الوقاية منها ومن حرِّها؟ إنها الصدقة عباد الله تجعل بينك وبينها حجابًا وسورًا واقيًا؛ أخرج البخاري ومسلم عَنْ ‌عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ ‌بَيْنَهُ ‌وَبَيْنَهُ ‌تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»؛ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ: مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"[13].


عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا ‌تَسُدُّ ‌مِنَ ‌الْجَائِعِ ‌مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ"[14].


الجوهرة الثانية عشرة: افتدِ نفسك بالصدقة من نار جهنم:
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقُوا؛ ‌فَإِنَّ ‌الصَّدَقَةَ ‌فِكَاكُكُمْ ‌مِنَ ‌النَّارِ»؛ أي خلاصكم من نار جهنم؛ قال العبادي: والصدقة أفضل من حج التطوع عند أبي حنيفة.


الجوهرة الثالثة عشرة: حتى تدعى من باب الصدقة:
وأنت في أرض المحشر ويُساق المؤمنون إلى الجنة زمرًا، فعندما تصل إلى أبوابها، تُرى من أي باب ستدخل، إن كنت من أهل الصدقة نادى عليك المنادي: هَلُمَّ من هنا، فإنك من أهل الصدقة، نعم إن صاحبها يُدعى من باب خاص من أبواب الجنة؛ يقال له: باب الصدقة، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ «تَصَدَّقُوا؛ ‌فَإِنَّ ‌الصَّدَقَةَ ‌فِكَاكُكُمْ ‌مِنَ ‌النَّارِ»[15].


قَالَ: «‌مَنْ ‌أَنْفَقَ ‌زَوْجَيْنِ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللهِ، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هذَا خَيْرٌ»، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» [16].


اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.


اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات.

[1] - أخرجه: البخاري 6/ 92 (4684)، ومسلم 3/ 77 (993) (36).

[2] - أخرجه: البخاري 2/ 134 (1410)، ومسلم 3/ 85 (1014) (64).

[3] - رواه البخاري 3 / 241 في الزكاة، باب قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5، 6]، ومسلم رقم (1010) في الزكاة، باب في المنفق والممسك.

[4] - أخرجه أحمد 2/ 263 (7566) حسن)؛ انظر حديث رقم: 1410 في صحيح الجامع.

[5] - أخرجه مسلم (كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها 4/ 1982 رقم 20).

[6] - «مسند أحمد» (28/ 406 ط الرسالة): «والترمذي (2863) و(2864)، وأبو يعلى (1571)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1895)».

[7] - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/282، رقم 3557) (حسن) انظر حديث رقم: 3358 في صحيح الجامع.

[8] - المسند 5/ 231، والمعجم الكبير 20/ 130 (266)، والترمذي 5/ 13 (2616)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه 2/ 1314 (3973)، وقد مال الألباني إلى تحسين الحديث؛ ينظر الإرواء 2/ 138 (413).

[9] - ورواه أحمد ج 4 ص 147 , 148، وأبو يعلى ج 2 ص 98، ج 1 ص 99، وقال في المجمع ج 3 ص 110، ورجال أحمد ثقات.

[10] - أخرجه أحمد 4/ 233 (18207).

[11] - أخرجه البخاري (660) و (1423) و (6479)، ومسلم (1031) (91).

[12] - أخرجه ابن حبان (2/102، رقم 378) [قال الألباني]: ضعيف - "التعليق الرغيب" (2/ 49 / 45).

[13] - أخرجه البخاري 4/466 و484 ومسلم 3/86 والترمذي 2/67 وأحمد 4/256 و377.

[14] - المسند 6/ 79؛ قال المنذري في الترغيب 1/ 662 (1266): رواه أحمد بإسناد حسن، وحسَّن الألباني الحديث لطرقه، ونقل أن المطلّب كثيرُ التدليس، وقد عنعن، وفي سماعه من عائشة خلاف، الصحيحة2/ 564 (897).

[15] - أخرجه الطبراني في الأوسط (8/90، رقم 8060)، قال الهيثمي (3/106): رجاله ثقات، وأبو نعيم في الحلية (10/403)، والبيهقي في شعب الإيمان (3/214، رقم 3355)، وابن عساكر (56/73) (ضعيف) انظر حديث رقم: 2439 في ضعيف الجامع.

[16] - مسلم (2/ 711 - 712 رقم 1027)، البخاري (4/ 111 رقم 1897)، وانظر (2841، 3216، 3666)




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 65.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 63.38 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]