|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
الثاني: أشرنا سابقًا إلى التفاوت الحاصل بين القلوب من ناحية حياتها ومرضها وموتها، وقوتها وضعفها؛ فالقلب قد يكون مريضًا أو ضعيفًا، فإذا أصغى صاحبه بسمعه مع حضور القلب حال الاستماع أو القراءة، فإنه ينتفع ويعتبر، ما لم يصل إلى حال الطمس والختم على القلب؛ ولهذا فإن من الكفار من يتأثر بسماع القرآن، وقد يكون ذلك سبب دخوله في الإسلام، كما وقع ويقع في القديم والحديث؛ وقد سمع جُبير بن مُطْعِم - رضي الله عنه - قبل إسلامه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} (الطور: 35 - 37) ، قال: كاد قلبي أن يطير [1]. قال الخطابي: «كأنه انزعج عند سماع هذه الآية؛ لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه ... » اهـ [2]. ![]() الشرط الثاني: العمل الذي يصدر من المكلف (الاستماع، أو القراءة، مع حضور القلب) : وإليك بيان هذا الشرط وما يتعلق به: أما الاستماع: فيكفي في ذلك قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) . يقول ابن سعدي - رحمه الله: «هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يُتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث، أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأما الاستماع له (1) رواه البخاري (4854) . (2) فتح الباري (8/ 479) . ![]() فهو أن يُلقي سمعه ويُحضِر قلبه، ويتدبر ما يستمع، فإن من لاَزَم هذين الأمرين حين يُتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا، وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه؛ ولهذا رَتَّبَ الله حصول الرحمة عليها، فدل ذلك على أن من تُلي عليه الكتاب فلم يستمع له ويُنْصِت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» اهـ [1]. وقال القرطبي - رحمه الله: «حُسْن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 18) ، وذم على خلاف هذا الوصف فقال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) ، فمدح المُنْصِت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأَمَر عباده بذلك أدبًا لهم، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) ، وقال هاهنا: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} (طه: 13) ؛ لأنه بذلك ينال الفهم عن الله تعالى. ![]() وعن وهب بن مُنَبِّه - رحمه الله - أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل؛ وذلك هو الاستماع كما يُحِب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويَحصُر عقله فلا يُحَدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. (1) تفسير السعدي (ص 345) . قال سفيان بن عيينة - رحمه الله: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر [1]، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه، عليه الصلاة والسلام، بنية صادقة على ما يُحِب الله، أفهمه كما يُحِب، وجعل له في قلبه نورًا» اهـ [2]. ![]() وقال أبو بكر الآجري - رحمه الله: «وإن الله وعد لمن استمع كلامه، فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل، ولزوم الواجب لاتباعه، والعمل به، يبشره منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب» اهـ [3]. ويقول ابن تيمية - رحمه الله: «ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعقله، وتَدَبَّره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا مَنظومِه ولا منثورِه» [4]. وقال تلميذه ابن القيم - رحمه الله: «سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبُّرًا، وإجابةً ... فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادًا لحجة، وتبصرة لعِبْرَة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد ... وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة، وكشف شبهة» [5]. ![]() (1) رواه البيهقي في الشعب (1658) ، وروى البيهقي أيضًا في الشعب (1657) هذا الكلام بنحوه عن محمد بن النضر الحارثي. (2) تفسير القرطبي (11/ 176) . (3) أخلاق أهل القرآن للآجري ص: 7. (4) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 749) . (5) مدارج السالكين (1/ 484 - 485) . ![]()
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم* خالد بن عثمان السبت (12) ![]() وقال ابن عاشور - رحمه الله: «فالاستماع والإنصات المأمور بهما المُؤَدِّيان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الأدلة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُفْضِي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ، واستدعاء النظر، والعمل بما فيه» [1]. وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: ![]() «اقرأ عليَّ القرآن»، قلت: أأقرأ عليك وعليك أُنزل؟ ! قال: «إني أُحبُّ أن أسمعَه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء: 41) ، قال: «حسبك»، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان» [2]. قال ابن بطال - رحمه الله: «يحتمل أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَحَبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سُنَّة تُحْتَذى بها، كما يحتمل أن يكون لكي يتدبَّرَه ويتفهمه؛ وذلك لأن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها» [3]. قال ابن تيمية - رحمه الله: «هذا سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المشايخ؛ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان ![]() الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأبي موسى - رضي الله عنه: ذَكِّرْنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون [4]، وكان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون» اهـ [5]. وقد قص الله تعالى علينا خبر الجن وما جرى لهم من ذلك، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} (الأحقاف: 29) ، وذم الكافرين فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ![]() لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26) ؛ لأنهم يعلمون أن ذلك الصنيع يحول بينهم وبين القرآن فلا يتأثرون به. ويحسن التنبيه هنا لأمرين: الأول: أن ينظر المرء فيما يكون أدْعَى للتدبر بالنسبة إليه: القراءة أو الاستماع؛ فإذا كان الاستماع، فليجعل لنفسه منه حظًّا صالحًا. الثاني: من المعلوم أن الإنسان قد يتأثر ببعض التلاوات المسموعة أكثر من غيرها، وينجذب قلبه إليها، فيحسن أن يكون سماعه لمن يكون بهذه المثابة، لاسيما إذا كانت القراءة مُسَجَّلة في صلاة؛ فإن ذلك مَظِنَّة التأثر والخشوع، وهو أمر مُشَاهَد. وأما القراءة: فإنها الطريق إلى التدبر كالاستماع، فإذا راعى القارئ ما ينبغي له عندها، فإن ذلك يكون أدعى للتدبر والانتفاع بها؛ فمن تلك الأمور: 1 - التهيؤ لها: وذلك من وجوه عدة؛ منها: ![]() أ. اختيار الوقت المناسب، ولا شك أن أفضله ما كان ليلًا، وأفضل ذلك ما كان بعد نوم لمن وُفِّق له، حيث قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل: 6) ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} : «هو أجدر أن يفقه القرآن» [6]. ويقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن مُدَارَسَة جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ليلة من رمضان: «المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مَظِنَّة ذلك؛ لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية» اهـ [7]. ![]() وقال النووي - رحمه الله: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل، فإن الإسراء بالرسول كان ليلًا» اهـ [8]. وقال الحسن [9]: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» [10]. وقال السَّرِي السَّقَطِي: «رأيت الفوائد تَرِد في ظلام الليل» [11]. ![]() (1) التحرير والتنوير (9/ 236) . (2) رواه البخاري (4583، وأطرافه في: 5050، 5055) ، ومسلم (800) . (3) شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/ 277 - 278) . (4) رواه الدارمي (3536) ، وأبو عبيد في الفضائل ص: 163. (5) مجموع الفتاوى (10/ 80) ، رسالة التحفة العراقية. (6) رواه أبو داود (1304) . (7) فتح الباري (8/ 674) . (8) التبيان ص: 52 - 53. (9) في المحرر الوجيز وتفسير الثعالبي: الحسن البصري، وفي التبيان: الحسن بن علي - رضي الله عنه -. (10) المحرر الوجيز (1/ 39) ، والتبيان ص: 45 - 46، وتفسير الثعالبي (1/ 134) . (11) حلية الأولياء (10/ 119) . ![]()
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم* خالد بن عثمان السبت (13) ![]() ب. اختيار الحال الأصلح له: وأنفع ذلك ما كان في حال قيام الليل، يقول الشنقيطي - رحمه الله: «لا يثبت القرآن في الصدر، ولا يُسَهِّل حفظه، ويُيَسِّر فهمه إلا القيام به في جوف الليل» اهـ [1]. وهكذا القراءة إذا كانت في صلاة فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: ![]() «الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة ... ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصلاة؛ فالأفضل في حقه ما كان أنفع له» [2]. «كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد، بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له» [3]. كما أن القراءة في حال الطهارة أفضل كما لا يخفى. ج. تفريغ النفس من الشواغل المُشَوِّشَة للفكر والقلب. د. الاستعاذة قبلها: وقد أورد لذلك الحافظ ابن القيم - رحمه الله - ثماني فوائد؛ منها: «أن القرآن شفاء ما في الصدور، يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات ![]() والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأُمر أن يطرد مادة الداء، ويُخلي منه القلب؛ ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فَيَتَمَكَّن منه، ويؤثر فيه ... فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب، وقد خلا من مُزاحِم ومُضَاد له، فَيَنْجَع فيه. ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحس بنبات الخير من القلب، سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر- أي: المؤمن- أن يستعيذ بالله - عز وجل - منه؛ لئلا يُفْسِد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها، وحفظها وثباتها ... ومنها: أن الشيطان يُجْلِب على القارئ بخيله ورَجِلِه؛ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو ![]() تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يَحُول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ بالله - عز وجل - منه ... ومنها: أن الله - سبحانه وتعالى - أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنَّى ألقى الشيطان في أُمنيته [4]، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ... فإذا كان هذا فِعْلُه مع الرسل عليهم السلام فكيف بغيرهم؛ ولهذا يُغلِّط القارئ تارةً، ويخلط عليه القراءة، ويُشَوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا، أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور الاستعاذة بالله تعالى منه. ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد ![]() عليه حينئذ ليقطعه عنه ... فهو بالرَّصَد، ولا سيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يُحارِب عدوه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله تعالى منه أولًا ثم يأخذ في السير ... » [5]. 2 - ما يُطلب مراعاته أثناء القراءة: أ. أن ينظر فيما هو أدعى إلى تدبره: من القراءة عن ظهر قلب، أو من المصحف؛ إذ إن الناس في ذلك يتفاوتون، فيختار كل واحد ما هو أقرب لتدبره وحضور قلبه، فإنِ اسْتَوَيَا فالقراءة في المصحف تَفْضُلُ على القراءة عن ظهر قلب. وهذا القول أعدل الأقوال، واستحسنه النووي - رحمه الله - وقال: «والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل» اهـ [6]. ب. أن يختار الأصلح لقلبه من الجهر والإسرار: ![]() وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على فضل الجهر بالتلاوة؛ كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» [7]. وعنه أيضًا - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا أَذِن الله لِشَيْءٍ مَا أَذِن لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَجْهَرَ بِالقُرْآنِ» [8]، كما ثبت ذلك من فعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه في عدد من الأحاديث والآثار الصحيحة. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لرجل ذكر له أنه سريع القراءة: «إن كنت لا بد فاعلًا، فاقرأ قراءة تُسْمِعُ أذنيك، وتوعيه قلبك» [9]. وعن ابن أبي ليلى - رحمه الله - قال: «إذا قرأت فافتح أُذُنيك؛ فإن القلب عَدْلٌ بين اللسان والأُذن» [10]. وذلك أقرب إلى التدبر في الأصل، لا سيما إذا كان خاليًا، أو لم يحصل التأذي بجهره، وقد جاء في حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - مرفوعًا: «الجَاهِرُ بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرّ بالقرآن كالمسر بالصدقة» [11]. ![]() (1) ذكره عنه الشيخ عطية سالم - رحمه الله -. ينظر: مفاتيح تدبر القرآن ص: 50. (2) مجموع الفتاوى (23/ 62) . (3) السابق (23/ 60) . (4) وذلك في سورة الحج، الآية (52) . (5) إغاثة اللهفان (1/ 181 - 184) . (6) التبيان للنووي ص: 78، وينظر: الأذكار له ص: 161، وفتح الباري (8/ 708) ، والإتقان (1/ 304) ، وفيض القدير (1/ 561) . (7) رواه البخاري (7527) . ![]() (8) رواه البخاري (5023، وأطرافه في: 5024، 7482، 7544) ، ومسلم (792/ 233) . (9) رواه سعيد بن منصور في السنن (161 قسم التفسير) . وللتوسع في تخريجه ينظر في حاشيته. (10) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3690) . ونحوه عن الشعبي؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد (1198) . (11) رواه أحمد (4/ 151) ، والترمذي (2919) ، وأبو داود (1333) ، والنسائي (2561) ، وابن حبان (734) ، وصححه ابن حبان وغيره، وحسنه الترمذي، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 701) .![]()
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم خالد بن عثمان السبت (14) ![]() يقول النووي - رحمه الله: «جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار؛ قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل؛ بشرط ألا يؤذي غيره من مُصَلٍّ أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجهر أن العمل فيه أكثر؛ ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره؛ ولأنه يوقظ ![]() القلب ويجمع همَّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه ... » إلى أن قال: «فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل» اهـ [1]. لكن من الناس من يكون تدبُّرُه حال الإسرار أعظم فَيُقَدَّم، والله أعلم. ج. الترتيل والتَّرَسُّل في القراءة: قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (المزمل: 4) ؛ قال في الكشاف: «ترتيل القراءة: التأني والتمَهُّل، وتبيين الحروف والحركات، تشبيهًا بالثغر المُرَتَّل، وهو المُشَبَّه بنَوْر الأُقْحُوان» [2]. ![]() وقال القرطبي: «أي: لا تَعْجَل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك - رحمه الله: اقرأه حرفًا حرفًا. وقال مجاهد - رحمه الله: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه [3]. والترتيل: التنضيد والتنسيق، وحُسْن النظام، ومنه ثغر رَتِل ورَتَل ... إذا كان حسن التنضيد. وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رَتَّل القرآن فداه أبي وأمي [4]. وقال أبو بكر بن طاهر - رحمه الله: تَدَبَّر في لطائف خطابه، وطَالِب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسِرَّك بالإقبال عليه» اهـ [5]. وقال ابن كثير - رحمه الله: «أي: اقرأه على تمهُّل؛ فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره» اهـ [6]. ![]() ويقول ابن مفلح - رحمه الله: «قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة ... وأكمله أن يُرتِّل القراءة ويتوقف فيها ... والتَّفَهُّم فيه والاعتبار فيه مع قلة القراءة، فهو أفضل من إدراجه بغير فهم. قال الإمام أحمد - رحمه الله: يُحسِّن القارئ صوته بالقرآن ويقرؤه بحزن وتدبُّر؛ وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما أَذِن الله لشيء كَأَذَنِه لنبيٍّ حسن الصَّوت يتَغَنَّى بالقرآن يجهَرُ به»» [7]. وقال ابن الجوزي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (الإسراء: 106) : «على تُؤدة وتَرَسُّل ليتدبروا معناه» اهـ [8]. ![]() وهكذا كانت صفة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان يقرأ السورة، فيرتلها؛ حتى تكون أطول من أطول منها» [9]. وعن أنس - رضي الله عنه - أنه سُئل عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «كانت مدًّا، يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) » [10]. وهكذا حديث حذيفة [11] وعوف بن مالك [12] - رضي الله عنهما -، في وصف قراءته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الليل. وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْقَهُ -وفي رواية: لَمْ يَفْقَهْ- مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» [13]. وقد حَدَّث أبو جمرة قال: قلت لابن عباس - رضي الله عنهما: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما: «لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ من ![]() أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولا بد، فاقرأ قراءة تُسْمِعُها أُذنيك ويعيها قلبك» [14]. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: «لا تَهُذُّوا القرآن هَذَّ الشِّعْر، ولا تَنْثُرُوه نَثْر الدَّقل، وقِفُوا عند عجائبه، وحَرِّكُوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم آخر السورة» [15]. وقال الحسن البصري - رحمه الله: «يا ابن آدم! كيف يَرِقّ قلبك، وإنما هِمَّتُك في آخر السورة؟ ! » [16]. وفي الباب آثار عن السلف - رضي الله عنهم - في الإنكار على من أسرع في القراءة: يقول النووي - رحمه الله: «قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر وغيره ... لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب» [17]. قال القرطبي - رحمه الله: «الترتيل أفضل من الهَذّ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهَذّ» [18]. ![]() (1) الأذكار (ص 162) ، وينظر: التبيان (ص 81) ، والمجموع (2/ 191) . (2) الكشاف (4/ 175) ، وبنحوه في تفسير القرطبي (1/ 17) ، (بتصرف يسير) . ونَوْر الأُقْحُوان: زَهْرُه، والثَّغْر: الفم، والأُقْحُوان: نَبْت زَهْرُه أصفر أو أبيض، ورقه مُحَدَّد كأسنان المنشار، ومنه: البَابُونَج، وقد كثر تشبيه الأسنان بالأبيض المُحَدَّد منه. انظر: المعجم الوسيط (الأقحوان) ، (1/ 22) . ![]() (3) مختصر قيام الليل (1/ 132) ، نوادر الأصول في أحاديث الرسول (2/ 287) ، تفسير السمرقندي (3/ 509) . (4) رواه البيهقي في الشعب (1973) بنحوه. (5) تفسير القرطبي (19/ 37) . (6) تفسير ابن كثير (8/ 250) . (7) الآداب الشرعية (2/ 297) ، والحديث سبق تخريجه. (8) زاد المسير (5/ 97) . (9) رواه مسلم (733) . (10) رواه البخاري (5046) . (11) حديث حذيفة - رضي الله عنه - رواه مسلم (772) . (12) رواه أبو داود (873) ، والنسائي (1048) ، وأحمد (6/ 24) . (13) مضى تخريجه (ص 37) . ![]() (14) مضى تخريجه قريبًا. (15) أخرجه البيهقي في الشعب (1883) ، والآجري في أخلاق حملة القرآن ص: 2، وأورده البغوي في التفسير (4/ 407) . (16) رواه أحمد في الزهد (ص 209) . (17) التبيان ص: 72. (18) تفسير القرطبي (15/ 192) . ![]()
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم* خالد بن عثمان السبت (15) ![]() وقال ابن كثير - رحمه الله -: «المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتَفَهُّمه، والخشوع والخضوع والانقياد والطاعة» (1). ومن هنا ذهب النووي - رحمه الله - إلى أن تحديد مدة لختم القرآن يختلف بحسب الأشخاص، فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفِكْر، اسْتُحِب له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخِل بالمقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شُغل بالعلم أو غيره ![]() من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، يُستحب له أن يقتصر منه على القدر الذيلا يُخِل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه، من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هَذْرَمة (2). وبناء على ذلك يَحْسُنُ أن تكون للمسلم قراءة يَتَدَبَّرُ فيها ولو قلَّت، إن لم يجعل قراءته كلها كذلك. فيكون له وِرْد للمراجعة أو الحفظ، وآخر للتدبر، فَإِنْ أَبَى فَوِرْدٌ للحفظ أو المراجعة، وآخَرُ للتلاوة والختم، وثالث للتدبر. ![]() د. تكرار الآية أو الآيات أو السورة القصيرة: فإذا أراد القارئ أن يَتَدَبَّر موضعًا من كتاب الله تعالى يجد فيه عِبْرة أو عِظَة لقلبه، فإنه يُكرر تلاوته ويُردِّدُه؛ حتى يحصل مقصوده، ولو اقتصر عليه في مجلسه أو ليلته بكاملها. قال ابن القيم - رحمه الله -: «فإذا قرأه بتفكر حتى إذا مر بآية وهو مُحتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتَفَهُّم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتَفَهُّم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذَوق حلاوة القرآن» اهـ (3). قال في الإحياء: «وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية، فليرددها» اهـ (4). ![]() وقد قال أبو ذر - رضي الله عنه -: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية حتى أصبح، يرددها، والآية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة: 118)» (5). وهكذا كانت عادة السلف - رضي الله عنهم - (6). عن عَبَّاد بن حمزة - رحمه الله - قال: «دخلتُ على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (الطور: 27)، قال: فَوَقَفَتْ عليها، فَجَعَلَتْ تستعيذ وتدعو. قال عباد: فذهبتُ إلى السوق، فَقَضَيْتُ حاجتي، ثم رَجَعْتُ، وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو! » (7). وقام تميم الداري - رضي الله عنه - بآية حتى أصبح؛ وهي قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (الجاثية: 21) (8)، ![]() فلم يزل يكرِّرها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام. وكذلك قام بها الربيع بن خُثيم (9). وردَّدَ الحسن البصري - رحمه الله - ليلة: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (النحل: 18)، حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: إن فيها مُعْتَبرًا، ما نرفع طَرْفًا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر (10). وعن سعيد بن جبير - رحمه الله - أنه ردد قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (البقرة: 281)، بضعًا وعشرين مرة (11)، وردد قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} (غافر: 70، 71) (12). ![]() ورُوي عنه أنه أحرم بنافلة فاستفتح: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} (الانفطار: 1)، فلم يزل فيها حتى نادى منادي السَّحَر (13). وعن الضحاك - رحمه الله - أنه رَدَّدَ قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} (الزمر: 16) (14). وعن عامر بن عبد القيس - رحمه الله - أنه قرأ في ليلة سورة غافر، فلما انتهى إلى قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} (غافر: 18)، فلم يزل يرددها حتى أصبح (1). وقال محمد بن كعب - رحمه الله -: «لأن أقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا}، و ![]() {الْقَارِعَةُ}؛ أرددهما وأتفكر فيهما، أحبُّ من أن أبيت أَهُذ القرآن» (2). وقال زائدة - رحمه الله -: «صليت مع أبي حنيفة في مسجده عشاء الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أني في المسجد، وأردت أن أسأله مسألة من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصلاة، حتى بلغ إلى هذه الآية {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (الطور: 27)، فأقمت في المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يرددها حتى أَذَّن المؤذن لصلاة الفجر» (3). وقال رجل لابن المبارك - رحمه الله -: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: «لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} إلى الصبح، ما قدر أن يجاوزها»؛ يعني: نفسه (4). ![]() عن عبد الرحمن بن عجلان - رحمه الله - قال: «بِتُّ عند الربيع بن خُثيم ذات ليلة فقام يصلي، فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (الجاثية: 21)، فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد» (15). بل جاء عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها (16). وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد (17). وقد ذُكِر عن بعضهم أنه كان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وأنه بقي في ختمة بضع عشرة سنة فمات قبل أن يختمها (18). فكانت هذه للتدبر الدقيق. ------------------- ![]() (1) فضائل القرآن ص: 64، ضمن المجلد الأول من تفسير ابن كثير. (2) التبيان ص: 50. وينظر: الأذكار ص: 154 (3) مفتاح دار السعادة (1/ 553). (4) الإحياء (1/ 282) (بتصرف يسير). (5) رواه النسائي (271)، وابن ماجه (1350)، وأحمد (5/ 149). (6) ينظر: الأذكار للنووي ص: 161، مفتاح دار السعادة (1/ 553 - 554). (7) رواه ابن أبي شيبة (6092) (8) أخرجه ابن المبارك في الزهد (94)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص: 149، والطبراني في الكبير (1236، 1237). (9) سيأتي قريبًا. (10) رواه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (53). (11) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (189)، وابن أبي شيبة في المصنف (36499)، وأحمد في الزهد (2165)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 272)، والأصبهاني في سير السلف الصالح، ص 781. ![]() (12) أخرجه وكيع في الزهد (156)، وعبدالرزاق في المصنف (4196)، وابن سعد في الطبقات (6/ 271)، وابن أبي شيبة في المصنف (8455)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 272)، والمستغفري في فضائل القرآن (59). (13) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (189). (14) التبيان في آداب حملة القرآن ص: 69 (15) حلية الأولياء (2/ 112). (16) قوت القلوب (1/ 92)، وانظر: الإحياء (1/ 282). (17) السابق. (18) ينظر: حلية الأولياء (10/ 302) ![]()
__________________
|
|
#16
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم* خالد بن عثمان السبت (16) ![]() ذِكْرُ جملة من الأمور المُعِينة على التدبر، مما يكون مُشترَكًا بين الاستماع والتلاوة: 1 - إدراك أهمية التدبر وفائدته: قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر» (1). وقد مضى الحديث عن هذا المعنى، لكن المراد هنا التنبيه على أن من لا يُدْرِك أهمية التدبر، فإنه لن يلتفت إليه. 2 - استحضار عظمة المتكلم بالقرآن: ![]() فإذا كان الإنسان يَتَمَعَّن كثيرًا حينما يقرأ خطاب من يُعظِّمه من البشر، ويقف مع كل حرف فيه، ويتأمل في مضامينه، فإن كلام الله تعالى أولى بذلك، وأحق لدى أصحاب القلوب الحيَّة. قال ابن قدامة - رحمه الله -: «وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه؛ فإن التدبر هو المقصود من القراءة» اهـ (2). قال الحارث المحاسبي: «إذا كان كلام العالم أولى بالاستماع من كلام الجاهل، وكلام الوالدة الرَّؤُوم أحق بالاستماع من كلام غيرها، فالله أعلم العلماء وأرحم الرحماء، فكلامه أولى كلام بالاستماع، والتدبر، والفهم» اهـ (3). وقال: «إذا عَظُم في صدرك تعظيم المتكلم بالقرآن، لم يكن عندك شيء أرفع، ولا ![]() أشرف، ولا أنفع، ولا ألذ، ولا أحلى من استماع كلام الله - عز وجل -، وفهم معاني قوله تعظيمًا وحبًّا له، وإجلالًا؛ إذ كان تعالى قائله، فَحُبّ القول على قَدْر حُبّ قائله» اهـ (4). 3 - ما ينبغي أن تكون عليه تصوراتنا ونظرتنا للقرآن: إن النظرة القاصرة، وفساد التصور تجاه القرآن الكريم، يُقْعِدان صاحبهما عن تدبر كتاب الله تعالى، وطلب الهدى منه، وذلك حينما ينظر بعضهم إلى القرآن باعتبار أنه مجرد كتاب مُقَدَّس يُتلى لتحصيل الأُجور، وربما لمجرد تحصيل البركة، فيضع المصحف في بيته أو مركبته، أو أنه ملجأ أرباب العِلَل والأدواء فَيَسْتَرْقُون به لكشف ما ألَمَّ بهم، أو أنه إنما يُقْرأ مجرد قراءة في المآتم أو افتتاح بعض المناسبات، أو أنه نزل ![]() ليعالج بيئة مُتَخَلِّفة يعبد أهلها الأصنام، فدعاهم إلى تركها وعبادة الله وحده دون ما سواه، فهو يعالج تلك الحِقْبَة الغابرة، ولا تَعَلُّق له بالواقع المعاصر وتعقيداته! ! إلى غير ذلك من التصورات الضيقة. فمن كانت هذه نظرته إلى هذا الكتاب، فلا يُظَن به أنه سَيُقْبِل عليه بتدبر وتفهم؛ ليستخرج من كنوزه وهداياته؛ إذ الناس- كما قيل- أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم. والله تعالى قد وصف هذا الكتاب بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89). واتلُ بفَهمٍ كتابَ اللهِ فيهِ أتَتْ ... كلُّ العلومِ تَدَبَّرْهُ ترَ العَجَبا (5) فينبغي النظر إليه باعتبار أنه كتاب هداية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ![]() (الإسراء: 9)، يُحيي الله به موتى الأرواح: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الأنعام: 122)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24)، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1). وإذا أردت أن تعرف عظمة هذا القرآن، وتأثيره في النفوس والمجتمعات، فتأمل ما وصفه الله تعالى به في مواضع كثيرة، حيث وصفه بأنه كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، ومبارك، وعزيز، ومُهيمِن، وعلِيّ، وهُدى، ورحمة، وشفاء، ونور، وذِكْر، وموعظة، ورُوح، وتفصيل كل شيء، وبصائر، وأنه حق، وبرهان، إلى غير ذلك من الأوصاف. ![]() كما سماه بالفرقان؛ لأنه يفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وبالقرآن؛ لأنه جمع ثمرة الكتب قبله. فالواجب أن يُقبل المسلم على كتاب ربه إقبالًا يليق بهذا القرآن العظيم، «ويعرف أنه سِيق لهداية الخلق كلهم، عالِمِهم وجاهلهم، حضريهم وبدويهم ... فمن وُفِّق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبُّرِه وتَفَهُّمه، وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه، ولوازمه وما تتضمنه ... وما يدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بَذَلَ وُسْعَه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه» (6). قال ابن القيم - رحمه الله -: «هو أعظم الكنوز، طَلْسَمُهُ الغوص بالفكر إلى قرار معانيه» اهـ (7). ![]() فتَدَبَّرِ القرآنَ إن رُمْتَ الهُدى ... فالعِلمُ تحتَ تدَبُّر القرآنِ (8) 4 - استحضار أنك المُخَاطَب بهذا القرآن: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فأَصْغِ لها سمعك، فإنه خير تُؤمر به، أو شر تُصرف عنه» (9). وقال الحسن: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار» (10). وقال محمد بن كعب القرظي - رحمه الله -: «من بلغه القرآن، فكأنما كلَّمه الله» (11)، وعَقَّبه في الإحياء بقوله: «وإذا قَدَّر ذلك لم يتخذ قراءة القرآن عَمَلَه، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه، الذي كتبه إليه؛ ليتأمله ويعمل بمقتضاه» (12). ![]() (1) مفتاح دار السعادة (1/ 553). (2) مختصر منهاج القاصدين، ص: 68، وينظر: الإحياء (1/ 282). (3) العقل وفهم القرآن، ص: 247 (4) السابق، ص: 302 (5) تفسير القرطبي (1/ 41) (6) تفسير السعدي ص: 23 - 24. (7) مدارج السالكين (1/ 453). (8) النونية، رقم (736). (9) سنن سعيد بن منصور (50، 848 التفسير). (10) تقدم ص: 50. (11) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1271). (12) الإحياء (1/ 285) ![]()
__________________
|
|
#17
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم خالد بن عثمان السبت (17) ![]() وقال الخَوَّاص - رحمه الله -: «قلت لنفسي: يا نفس اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة» (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله» اهـ (2). «فيُقَدِّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قَدَّر أنه المنهيُّ والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء، علم أن ![]() السَّمَر غير مقصود، وإنما المقصود أن يعتبر بها، ويأخذ من تضاعيفها ما يحتاج إليه، وإذا قُصد بالخطاب جميع الناس، فهذا القارئ الواحد مقصود، فما له ولسائر الناس، فَلْيُقَدِّر أنه المقصود؛ قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 19)» (3). قال ابن القيم - رحمه الله -: «وبالجملة فمن قُرِئ عليه القرآن، فَلْيُقَدِّر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه، ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه، وازدلفت إليه بأيهما يبدأ، فما شئت من علم وحكمة، وتَعَرُّفٍ وبصيرة، وهداية وغَيْرَة» (4). ![]() فإذا استجمع هذه الأمور فإن ذلك يقوده إلى ما بعدها؛ فمن ذلك: 5 - صدق الطلب والرغبة، وقوة الإقبال على كتاب الله، عز وجل: قال القرطبي - رحمه الله -: «فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنية صادقة على ما يُحِب الله، أفهمه كما يُحِب، وجعل في قلبه نورًا» اهـ (5). وهذا يتطلب قدرًا من الصبر والإصرار؛ قال ثابت البُنَاني - رحمه الله -: «كَابَدتُّ القرآن عشرين سنة، ثم تنعَّمْت به عشرين سنة» (6). 6 - أن يقرأ ليمتثل: قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} (البقرة: ![]() 121). قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «والذي نفسي بيده: إن حق تلاوته أن يُحِل حلاله، ويُحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله» (7). وقال الحسن البصري - رحمه الله -: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيدٌ وصبيانٌ لا علم لهم بتأويله ... وما تدبر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله، ما يُرى القرآن له في خُلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَس! والله ما هؤلاء بالقراء، ولا بالعلماء، ولا الحكماء، ولا الوَرَعَة، متى كان القراء مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء» (8). ![]() وقال - رحمه الله -: «أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا» (9). وقال - رحمه الله -: «إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه، وإن لم يكن قرأه» (10). قال الفضيل - رحمه الله -: «إنما نزل القرآن لِيُعْمَل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا، قيل: كيف العمل به؟ قال: لِيُحِلوا حلاله، ويُحرِّمُوا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه» (11). وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا دَرْسه عملًا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسْقِط منه حرفًا، وقد أسقط العمل به» (12). ![]() وقيل ليوسف بن أسباط: بأي شيء تدعو إذا خَتْمَت القرآن؟ قال: «أستغفر الله من تلاوتي؛ لأني إذا خَتَمْته وتَذَكَّرت ما فيه من الأعمال خَشِيت المَقْت، فَأَعْدِل إلى الاستغفار والتسبيح» (13). وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما خَتَمتُه أردتُّ الرجوع من أوله فقال لي: «اتخذتَ القراءة عليّ عملًا، اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك، وانظر ماذا يُفْهِمُك منه فاعمل به» (14). قال ابن عطية - رحمه الله -: «قال الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51)، وقال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (المزمل: 5)؛ أي: عِلْم معانيه والعمل به والقيام بحقوقه، ثقيل، فمال ![]() الناسُ إلى المُيَسَّر، وتركوا الثقيل، وهو المطلوب منهم! » اهـ (15). وقد كان السلف - رضي الله عنهم - لا يتجاوزون الآيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان الرجل منا إذا تَعَلَّمَ عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (16). وجاء نحوه عن أبي عبد الرحمن السلمي (17). وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ولكن إذا وقع في القلب فَرَسَخَ فيه، نَفَعَ» (18). «فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه؛ فما حذَّره مولاه حَذِرَهُ، وما خوَّفه به من عقابه خافه، وما رغَّب فيه ![]() مولاه رغب فيه ورجاه؛ فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدًا وشفيعًا، وأنيسًا وحِرْزًا؛ ومن كان هذا وَصْفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة» (19)، «وكان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همُّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلوه؟ ! ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ ! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ ! متى أزدجر، متى أعتبر؟ ! لأن تلاوة القرآن عبادة لا تكون بغفلة» (20). فالمسلم «يتصفح القرآن ليُؤدِّب به نفسه، هِمَّتُه: متى أكون من المتقين؟ ! متى أكون ![]() من الخاشعين؟ ! متى أكون من الصابرين؟ ! متى أزهد في الدنيا؟ ! متى أنهى نفسي عن الهوى؟ ! » (21). قال يزيد بن الكُميت - رحمه الله -: «قرأ بنا علي بن الحسين المُؤَذِّن في عشاء الآخرة: {إِذَا زُلْزِلَتِ}، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يُفَكِّر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذَرَّةِ خَيرٍ خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذَرَّةِ شَرٍّ شرًّا، أجِرِ النعمان عبدَك من النار، وما يُقَرِّب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك. قال: فَأَذَّنْتُ، فإذا القنديل يَزْهَر وهو قائم، فلما دخلت، قال: تريد أن تأخذ القنديل؟ قلت: قد أَذَّنْتُ لصلاة الغداة، قال: اكتم عليَّ ما رأيت» (22). ![]() (1) سير أعلام النبلاء (8/ 180). (2) الفوائد ص: 3. (3) الإحياء (1/ 285). (4) مدارج السالكين (1/ 499) (5) تفسير القرطبي (11/ 176). (6) الإحياء (1/ 302). (7) رواه ابن جرير في تفسيره (2/ 567). (8) مضى ص: 34 (9) الداء والدواء ص: 357. (10) رواه أحمد في الزهد ص: 233، والبيهقي في الشعب (9600). (11) أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل، رقم (116). (12) المحرر الوجيز (1/ 39). ![]() (13) السابق. (14) السابق (1/ 39) (15) السابق. (16) رواه ابن جرير في التفسير (1/ 80). (17) المصدر السابق (1/ 80). (18) رواه مسلم (822)، ونحوه عند البخاري (6/ 238) (19) أخلاق حملة القرآن ص: 25. (20) السابق ص: 9. (21) السابق ص: 22 بتصرف. (22) تاريخ بغداد (15/ 487) ![]()
__________________
|
|
#18
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم خالد بن عثمان السبت (18) ![]() قال في الإحياء: «وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك اللسان والعقل والقلب؛ فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل: تفسير المعاني، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار؛ فاللسان يُرتِّل، والعقل يُترجم، والقلب يتعظ» اهـ (1). «وينبغي للتالي أن يستوضح كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: ![]() {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (الأنعام: 1)، فليعلم عظمته، وَيَتَلَمَّح قدرته في كل ما يراه، وإذا تلا: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} (الواقعة: 58)، فليتفكر في نُطفة متشابهة الأجزاء كيف تنقسم إلى لحم وعظم ... وإذا تلا أحوال المكذبين، فليستشعر الخوف من السَّطْوَة إن غفل عن امتثال الأمر. وينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه المقصود بخطاب القرآن ووعيده، وأن القصص لم يُرَد بها السَّمَر بل العِبَر، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كَاتَبَه سيده بمقصود، وليتأمل الكتاب، وليعمل بمقتضاه» (2). ووصف السيوطي - رحمه الله - الوقوف عند المعاني بقوله: «أن ينشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك؛ فإن ![]() كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرع وطلب» (3). 7 - تنزيل القرآن على الواقع: إذا تقرر ما سبق، فإنه يتعين على قارئ القرآن أن يَسْتَصْحِب الأحوال والمُلَابَسَات التي نزل فيها القرآن، وكيف كان يعالج المواقف والوقائع حتى أخرج ذلك المجتمع والجيل الراشد الذي اهتدى بالقرآن، وحمل هداياته إلى نواحي المعمورة، وحقق انتشارًا وانتصارًا مُبْهِرَين في مدة قياسية قصيرة. واليوم القرآن هو القرآن، والناس هم الناس، والصراع بين الحق والباطل قائم، والمواقف متكررة وإن تغيَّرت الأسماء، فما علينا إلا أنْ نَعِيَ كتاب الله تعالى ونتدبره، ![]() وعندئذ سنجد فيه ما يعيد الحق إلى نصابه، والعالَم إلى صوابه، فتتحرَّك عجلة التغيير من جديد كما كانت في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، وذلك حينما نُحرِّر نصوص القرآن من قيد الزمان والمكان، والله المستعان. وأما حضور القلب: فلا يخفى أن تلاوة القرآن أو سماعه لا يمكن أن يحصل معهما تدبر أو اعتبار إذا كان القلب غائبًا؛ لأنه موضع العقل، وقد مضى قول الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله» اهـ (4). ![]() وقال الخازن - رحمه الله -: «وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الهَم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصِّرْف، وخلوص النية» اهـ (5). وما ذكرته في الشرط الأول- وهو وجود المَحَل القَابِل- له اتصال وثيق بهذا الموضع، إلا أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فقد يكون صاحب القلب الحي مُشَوَّشًا أو مشغولًا، أو في موضع لا يتمكن معه من إحضار قلبه حال السماع أو التلاوة، فيقرأ الآيات أو السورة ويتجاوزها وهو لا يشعر؛ لأن قلبه لم يحضر معه لعارض. وقد لا يكون القارئ أو المستمع من أصحاب القلوب الحية، لكنه لم يُطبع على قلبه، فإذا استمع أو قرأ مع حضور القلب، فإنه ينتفع. الشرط الثالث: وجود قدر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع: ![]() من المعلوم أن الفهم قضية نسبية، يقع فيها التفاوت كثيرًا، والناس فيها على ثلاث مراتب، ومن هنا حصل التفاوت بينهم في العلم والفقه. ونحن لا نطالب العامي أن يفهم منه ما يفهم ابن عباس - رضي الله عنهما -، وإنما المقصود هنا حصول حد أدنى من الفهم لما يقرأ أو يسمع؛ بحيث لا يكون بمنزلة من خُوطِب بلغة غير لغته لا يعرفها، فإن من خُوطِب بما لا يفهم أصلًا، لا يمكن أن يتدبر مهما كان قلبه حيًّا وأحضره حال الاستماع أو التلاوة. ومن هنا يتعيَّن علينا أن ننظر إلى هذا الشرط بنوع اعتدال، فلا نشترط منه قدرًا لا يصدُق إلا على العلماء، ولا نُلْغيه بالكلية فنطالب من كان بمنزلة الأعجمي أن يتدبر القرآن، وقد وصف الله تعالى كتابه بقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ![]() لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت: 3)، وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195)، وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَآمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت: 44)، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات، كما أخبر أنه يسَّره للذِّكر فقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 17)، وقد سبقت الإشارة إلى العموم الوارد في الحث على تدبره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29)، ولم يخص ذلك بأهل العلم دون غيرهم؛ مع أن ما يحصل للعالم من ذلك لا يقاس بما يحصل لغيره. قال ابن جرير - رحمه الله -: «وفي حَثِّ الله - عز وجل - عباده على الاعتبار بما ![]() في آي القرآن من المواعظ والبينات بقوله جل ذكره لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29)، وقوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الزمر: 27، 28)، وما أشبه ذلك من آي القرآن التي أمر الله عبادَه، وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتِّعاظ بمواعظه- ما يدلُّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيِهِ؛ لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يَفْهَمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه: (اعْتَبِرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام) - إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به، فأما قبلَ ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل، كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب ![]() (1) الإحياء (1/ 287). (2) مختصر منهاج القاصدين ص: 69، وينظر: الإحياء (1/ 283). (3) الإتقان (1/ 300) (4) مضى ص: 67 (5) تفسير الخازن (6/ 182) ![]()
__________________
|
|
#19
|
||||
|
||||
![]() الخلاصة في تدبر القرآن الكريم خالد بن عثمان السبت (19) ![]() ولا يفهمونه، لو أُنشِدت قَصيدةُ شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتُ أمثالٍ ومواعظ وحِكم: (اعْتَبِرْ بما فيها من الأمثال، وادّكر بما فيها من المواعظ)، إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه، ثم الاعتبار بما نَبَّهَها عليه ما فيها من الحِكَم، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها. فكذلك ما في آي كتاب الله من العِبَرِ والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: ![]() (اعْتَبِرْ بها) إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا؛ وإلا بمعنى الأمر- لمن كان بذلك منهُ جاهلًا- أنْ يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبَّره بعدُ، ويتعظ بحِكَمِه وصُنوف عِبَرِه. فإذْ كان ذلك كذلك- وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله- كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلّ عليه آيُه جاهلًا، وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون، صحَّ أنهم- بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيِهِ الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا- عارفون، وإذْ صَحَّ ذلك، فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين، من كتاب الله وتنزيلِه، ما لم يحجب عن خَلقه تأويله» اهـ (1). وكان - رحمه الله - يقول: «إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يَلْتَذّ بقراءته! ! » اهـ (2). وقال الزجاج - رحمه الله - تعليقًا على قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ ![]() قَلْبٌ} (ق: 37): «من صَرَف قلبه إلى التَّفَهُّم» اهـ (3). وقال القرطبي - رحمه الله -: «وينبغي له أن يَتَعَلّم أحكام القرآن، فيَفْهَم عن الله مراده، وما فرض عليه، فيَنْتَفِع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ ! وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذا حاله إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا» اهـ (4). وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -: «وتدبُّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن؛ وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2)، وعَقْل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك» اهـ (5). ![]() وقال الشنقيطي - رحمه الله -: «فإذا علمت -أيها المسلم- أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليُستضاء به، ويُهْتَدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أنتعمى عن النور؟ ! ... يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا» اهـ (6). وكلام أهل العلم في هذا المعنى كثير جدًّا، لا حاجة إلى التطويل بإيراده ونَقْلِه. أما من أراد الغَوص في المعاني، واستخراج نفائس الجواهر واللآلئ، فإنه بحاجة إلى معرفة بعلوم العربية بأنواعها، إلى غير ذلك من العلوم المُسَاعِدَة في التفسير، مع طول النظر في كلام السلف في التفسير، وكثرة القراءة في كتب التفسير التي تَمَيَّز مؤلفوها ![]() بالتحقيق والتأصيل، والقدرة البارعة على الجمع بين الأقوال أو الترجيح، أو التوجيه: كأبي جعفر بن جرير، والحافظ ابن كثير، والشنقيطي، مع ما جُمِع من كلام الإمامين- ابن تيمية، وابن القيم- في التفسير، فإن سَاعَد مع ذلك وجود المَلَكَة، وتَوَقُّد القريحة، فذاك كنور العين مع ضوء الشمس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه؛ فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما يدَّعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» اهـ (7). ![]() (1) تفسير الطبري (1/ 82 - 83). (2) معجم الأدباء (6/ 2453) (3) معاني القرآن (5/ 48). (4) تفسير القرطبي (1/ 21). (5) مجموع الفتاوى (13/ 332). (6) أضواء البيان (7/ 465 - 466) (7) مجموع الفتاوى (7/ 116) ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |