|
|||||||
| ملتقى الأمومة والطفل يختص بكل ما يفيد الطفل وبتوعية الام وتثقيفها صحياً وتعليمياً ودينياً |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
يقيمه قطاع الإعلام والتدريب .. منتدى (تراث) الرمضاني السادس: الأسرة المسلمة بين الثوابت الشرعية ومتغيرات الواقع
في شهر رمضان؛ حيث يتجدد الإيمان في القلوب، وتسمو الأرواح، يواصل قطاع الإعلام والتدريب بجمعية إحياء التراث الإسلامي أداء رسالته الدعوية والإعلامية، بإقامة منتدى (تراث) الرمضاني الذي امتدت مسيرته إلى ست سنوات؛ حيث يعقد هذا العام المنتدى السادس تحت شعار: (الأسرة المسلمة بين الثوابت الشرعية ومتغيرات الواقع)، في مبادرة علمية واعية تستحضر مكانة الأسرة، وتستشرف سبل تحصينها في زمن التحديات المتسارعة. المنتدى السادس١٤٤٧ هـ - ٢٠٢٦م يستضيف المنتدى السادس نخبةً من العلماء والمتخصصين من داخل الكويت وخارجها، لطرح جملةٍ من المحاور التي تمسّ واقع الأسرة المسلمة، تأصيلاً ومعالجةً واستشرافًا، وذلك على النحو الآتي:
ولم يغفل المنتدى أهمية المرأة ودورها فخُصصت محاضرتان للنساء.
شمولية الرؤية ويعكس هذا التنوع في الطرح شمولية الرؤية، وحرص قطاع الإعلام والتدريب على معالجة قضايا الأسرة من مختلف جوانبها العقدية والتربوية والقانونية والفكرية، بما يرسخ الثوابت، ويعزز القدرة على التعامل الواعي مع متغيرات الواقع. مسيرة ممتدة وأثرٌ يتنامى منذ أن بزغت الفكرة في شهر رمضان المبارك لعام 1442هـ الموافق 2021م، انطلقت مسيرة منتدى (تراث) الرمضاني لتحمل في طيّاتها روح الدعوة وصدق التوجّه، جاء المنتدى الأول بعنوان: (مقومات نجاح العمل الدعوي والإعلامي في مؤسسات العمل الإنساني)، ليؤسس لملتقى ثقافي دعوي، يجمع بين عمق الرؤية وحسن الأداء، وقد كان اهتمام قطاع الإعلام والتدريب بتنفيذ هذا المشروع الدعوي امتدادًا طبيعيًّا لرسالة جمعية إحياء التراث الإسلامي في الدعوة إلى الله -تعالى-، وتجسيدًا لحرصها على صناعة وعيٍ رشيد، وبناء إدراكٍ واعٍ لدى عموم المسلمين، والدعاة على وجه الخصوص؛ تجاه ما يحيط بالأمة من قضايا مجتمعية وأحداث متسارعة، تحتاج إلى بصيرةٍ شرعية، وقراءةٍ مسؤولة، وموقفٍ متزن يجمع بين الثبات على الأصول وحسن التعامل مع المتغيرات. وهكذا مضى المنتدى في مسيرته، خطوةً بعد خطوة، يرسم معالم وعيٍ منضبط، ويؤكد أن العمل المؤسسي إذا تأسس على رسالةٍ واضحة ورؤيةٍ أصيلة، كان أثره أبقى، وعطاؤه أعمق، ومسيرته أمضى. المنتدى الأول (1442هـ - 2021م) (مقومات نجاح العمل الدعوي والإعلامي في مؤسسات العمل الإنساني) جاء المنتدى الأول بعنوان: (مقومات نجاح العمل الدعوي والإعلامي في مؤسسات العمل الإنساني)، وقد استضاف نخبةً من المشايخ والمتخصصين من داخل الكويت وخارجها، فمن الكويت استضاف المنتدى: م. سالم الناشي، الذي ألقى محاضرة بعنوان: (مهارات التعامل مع وسائل الإعلام)، وكانت المحاضرة الثانية للشيخ د. أحمد الكوس، بعنوان: (أسس نجاح الإعلام الإسلامي)، كما ألقى د. عيسى القدومي، محاضرة بعنوان: (أسس نجاح العمل الخيري في ظل التحديات المعاصرة)، ومن مملكة البحرين استضاف المنتدى الشيخ: فتحي الموصلي، الذي ألقى محاضرة بعنوان: (مقومات نجاح العمل الدعوي)، ومن جمهورية مصر العربية استضاف المنتدى: د. أحمد خليل خير الله، الذي ألقى محاضرة بعنوان: (مهارات إدارية وقيادية)، وكان ختام المحاضرات بعنوان: (الوعي المالي في المؤسسات الإنسانية) ألقاها: د. محمد محرم، وقد مثّل المنتدى الأول انطلاقةً راسخة لمشروعٍ دعويٍّ علميٍّ يتطلع إلى ترسيخ مفاهيم الجودة والإتقان في العمل المؤسسي الإسلامي. المنتدى الثاني (1443هـ - 2022م) (منطلقات لفهم العمل الدعوي والإعلامي في مؤسسات العمل الإنساني) جاء منتدى (تراث) الرمضاني الثاني تحت شعار: (منطلقات لفهم العمل الدعوي)؛ حيث استضاف نخبةً من المحاضرين والمشايخ من داخل الكويت وخارجها، ففي المحاضرة الأولى كان ضيف المنتدى الشيخ محمد الحمود النجدي في محاضرة بعنوان: (رمضان شهر الدعوة)، وأما المحاضرة الثانية فقد ألقاها د. خالد سلطان السلطان وكانت بعنوان: (دعوتي في أسرتي)، وجاءت المحاضرة الثالثة للداعية طلال فاخر بعنوان: (سبع طرق لتكون داعية أينما كنت)، كما كانت المحاضرة الرابعة بعنوان: (الإسلام دعوة العلم والعمل)، ألقاها الشيخ: د. وليد خالد الربيع، كما استضاف المنتدى الشيخ فتحي الموصلي من مملكة البحرين في المحاضرة الخامسة، وكانت بعنوان: (وقفات قرآنية في إعداد الكوادر الدعوية)، وفي ختام المنتدى كان ضيف اللقاء د. أحمد خليل خير الله من جمهورية مصر العربية في محاضرة بعنوان: (أثر تدبر سورة الكهف في بناء الذات والمجتمعات). المنتدى الثالث (1444هـ - 2023م) (أثر القيم الإسلامية في الحفاظ على المجتمعات) جاء المنتدى الثالث تحت شعار: (أثر القيم الإسلامية في الحفاظ على المجتمعات)، ليؤكد مركزية القيم في استقرار المجتمعات وصيانة هويتها، ففي المحاضرة الأولى كان ضيف المنتدى الشيخ د.محمد الحمود النجدي الذي ألقى محاضرة بعنوان: (أثر القرآن الكريم في تعزيز القيم الأخلاقية)، وفي المحاضرة الثانية استضاف المنتدى الشيخ: سالم أحمد الناشي وكان عنوان محاضرته: (أهمية الإعلام في تعزيز القيم الإيجابية)، أما المحاضرة الثالثة فكانت للشيخ: د. خالد سلطان السلطان بعنوان: (الأسرة ودورها في التحصين القيمي للأبناء)، وفي المحاضرة الرابعة كان ضيف اللقاء الشيخ: د. سالم الحسينان ومحاضرة بعنوان: (التحديات القيمية التي تواجه الأمة)، وفي اليوم الخامس استضاف المنتدى الشيخ: شريف الهواري من جمهورية مصر العربية وكانت محاضرته بعنوان: (الجانب الإيماني وبناء الشخصية المسلمة)، وفي ختام المنتدى كان ضيف اللقاء الشيخ: فتحي عبدالله الموصلي من مملكة البحرين في محاضرة بعنوان: (قيمة العدل وأثرها في إصلاح الفرد والمجتمع). ![]() المنتدى الرابع (1445هـ - 2024م) (من يحمل همّ الأمة؟) جاء المنتدى الرابع تحت هذا شعار: من يحمل همّ الأمة؟ تفاعلاً مع الأحداث التي مرت بها الأمة في غزة وغيرها من بقاع العالم الإسلامي؛ فحرص المنتدى على استضافة نخبةٍ متميزة من العلماء، مع تخصيص محاضرة خاصة للنساء، ففي اليوم الأول كان ضيف المنتدى الشيخ د. خالد سلطان السلطان في محاضرة بعنوان: (واقع الأمة بين الأمس واليوم)، وفي اليوم الثاني استضاف المنتدى الشيخ د. محمد الحمود النجدي في محاضرة بعنوان: (دور العلماء والدعاة في النهوض بالأمة)، وفي اليوم الثالث ألقى د. عيسى القدومي محاضرة بعنوان: (الدور الحضاري للوقف الإسلامي)، وفي اليوم الرابع كان ضيف اللقاء الشيخ سالم أحمد الناشي في محاضرة بعنوان: (المؤسسات الإعلامية وبناء الوعي المجتمعي)، ومن المملكة العربية السعودية استضاف المنتدى الشيخ د. محمد بن إبراهيم السعيدي وكانت محاضرته بعنوان: (دور المؤسسات الفكرية والأكاديمية في النهوض بالأمة)، ومن جمهورية مصر العربية استضاف المنتدى الشيخ: شريف الهواري في محاضرة بعنوان: (أهمية الشعور بالمسؤولية وتحملها)، ومن مملكة البحرين كان ضيف المنتدى الشيخ: فتحي الموصلي في محاضرة بعنوان: (أسس ومقومات النهوض بالأمة)، وخصص المنتدى محاضرة للنساء كانت ضيفتها د. صبيحة الخير الله وكانت محاضرتها بعنوان: (دور المرأة في النهوض بالأمة). المنتدى الخامس (1446هـ - 2025م) (أعلام وقدوات أثروا في تاريخ الأمة) جاء المنتدى الخامس تحت شعار: (أعلام وقدوات أثروا في تاريخ الأمة)، وسلّط فيه الضوء على جهود العلماء والأئمة الأعلام في حفظ الدين ونشره، وبيان أثرهم في توجيه الأمة نحو الصراط المستقيم؛ أولئك الذين وقفوا سدًّا منيعًا في وجه التحريف والبدع، فبيّنوا أصول الدين، ودعوا إلى التمسك بالكتاب والسُنَّة، واجتهدوا في تعليم الأحكام، وبيان الحلال والحرام، ونشر قيم الإسلام السمحة، ولم تقتصر جهودهم على التأليف والتدريس، بل خاضوا ميادين الجهاد بالعلم والقلم، فأسهموا في نهضة الأمة وحفظ تراثها، وجاءت محاضرات المنتدى على النحو الآتي: المحاضرة الأولى: (خطوات نحو طريق القدوات)، ألقاها د.أحمد خليل من جمهورية مصر العربية، المحاضرة الثانية: (إمام أهل السُنَّة والجماعة أحمد بن حنبل)، ألقاها الشيخ د. محمد الحمود النجدي، المحاضرة الثالثة: (شيخ الإسلام ابن تيمية)، قدمها الشيخ فتحي الموصلي، المحاضرة الرابعة: (الشيخ محمد بن عبدالوهاب)، قدمها الشيخ د.محمد بن إبراهيم السعيدي من المملكة العربية السعودية، المحاضرة الخامسة: (الشيخ عبدالعزيز ابن باز)، قدمها الشيخ جاسم المسباح، المحاضرة السادسة: (الشيخ محمد ناصر الدين الألباني)، قدمها الشيخ عبدالله آدم الألباني، المحاضرة السابعة: (الشيخ عبدالعزيز الرشيد)، قدمها د. فهد بن صبح الرشيدي، المحاضرة الثامنة (الشيخ محمد بن صالح العثيمين)، قدمها الشيخ: سعد البناق، كما خُصصت محاضرة للنساء بعنوان: (السيدة خديجة -رضي الله عنها-)، قدمتها الأستاذة هند العيناتي. حضور إعلامي ودعوي وبذلك يمضي منتدى (تراث) الرمضاني عامًا بعد عام، مؤكدًا حضوره الإعلامي والدعوي، ومجددًا رسالته في بناء الوعي، وتأصيل المفاهيم، وربط الأمة بثوابتها الشرعية في مواجهة متغيرات العصر، ليكون المنتدى -بإذن الله- منبر خيرٍ وإصلاح، ومصدر إشعاعٍ علميٍّ وتربويٍّ للأمة. اعداد: وائل رمضان
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
محاضرات منتدى تراث الرمضاني السادس – المحاضرة 2 – الأسرة المسلمة وحماية الثوابت الشرعية
لا يخفى على ذي بصيرةٍ أن العنوان هو البنيان الذي ينطلق منه المتحدث، وهو المفتاح الذي يفتح مغاليق الموضوع، ويُحدِّد مساره، ويثير في نفس السامع شوق المعرفة وترقّب البيان؛ فالكلمة الأولى في العنوان ليست لفظًا عابرًا، بل هي مدخلٌ فكريٌّ ومنهجيٌّ لما سيُبنى بعدها من أفكارٍ وتحليلاتٍ واستنتاجات، ومن هنا كان من المناسب أن نبدأ بكلمات العنوان نفسها(الأســـرة المسلـمـة وحماية الثوابت الشـرعية) نتأملها ونبين دلالاتها، حتى ننطلق - على بركة الله - في سفينتنا ونحن نتناول هذا الموضوع الكبير الذي يمسّ صميم حياتنا ووجودنا. مفهوم «الواقع» وتساؤلات المرحلة أما كلمة الواقع، فهي كلمةٌ تستدعي السؤال، بل تُلحُّ عليه: أين وصل الحال اليوم؟ وإلى أي مدى بلغ مسار الأسرة المسلمة في هذا الزمن المتغير؟ إن الحديث عن الواقع ليس حديثًا عن مثالٍ نظريٍّ متخيَّل، ولا عن صورةٍ مثاليةٍ مفترضة، وإنما هو نظرٌ صادقٌ في الحال القائم، وتشخيصٌ أمينٌ للوضع الراهن، بما فيه من مواطن قوةٍ ومواطن ضعف، وبما يحمله من فرصٍ وتحديات.
الأسرة المسلمة محور الحديث إن تركيزنا هنا على الأسرة المسلمة مقصودٌ بذاته؛ لأن الحديث لا يتناول كل أنماط الأسر في العالم، ولا يقف عند نماذج أخرى قد تختلف في المرجعية والمنطلقات، وإنما يسلّط الضوء على الأسرة التي تنتسب إلى الإسلام عقيدةً وشريعةً ومنهجًا؛ فالأسرة المسلمة لها مرجعيتها الخاصة، ولها ضوابطها التي تستمدها من الوحي، ولها ثوابتها التي لا تنفصل عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمّ فإن دراسة واقعها تعني دراسة مدى التزامها بهذه المرجعية، ومدى حفاظها على هذه الثوابت، ومدى تأثرها بالتحولات الفكرية والاجتماعية المحيطة بها. العلاقة بين الواقع والحماية حين يُذكر الواقع، ويُذكر معه مفهوم الحماية، فإن ذلك يشير ضمنًا إلى وجود تحدياتٍ ومؤثراتٍ قد تهدد هذا الواقع أو تُضعف بنيانه؛ فالحماية لا تكون إلا لشيءٍ ذي قيمة، يُخشى عليه من التآكل أو التحريف أو التفكك؛ ومن هنا فإن الحديث عن حماية الأسرة المسلمة ليس مبالغةً ولا تضخيمًا، بل هو استجابةٌ واعيةٌ لمرحلةٍ تتكاثر فيها المؤثرات الفكرية والثقافية والإعلامية، وتتسارع فيها التحولات التي قد تمسّ المفاهيم والقيم، إن لم تُواجَه بالوعي والعلم والثبات. ميزان النجاة ومنهج بناء الأسرة في الإسلام ميزان النجاة في الإسلام هو صدق الاتباع لله -تعالى- ولرسوله - صلى الله عليه وسلم-، وفق الفهم الصحيح الذي سار عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، فالنجاة تتحقق بتحقيق التوحيد الخالص، وتجريد الاتباع، والالتزام بأحكام الشريعة في الاعتقاد والعبادة والسلوك، ونستعرض فيما يلي أهم النقاط في هذا الباب: أولًا: الفرقة الناجية والمنهج الصحيح عندما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن افتراق هذه الأمة إلى فرقٍ شتى، بيَّن أن الفارق الحقيقي، والفيصل الدقيق في مسألة النجاة، إنما هو التمسك بالمنهج الذي كان عليه - صلى الله عليه وسلم- هو وأصحابه؛ فالميزان ليس دعوى تُرفع، ولا اسمًا يُنتسب إليه، وإنما هو اتباعٌ صادقٌ لمنهج النبوة كما تجلّى في فهم الصحابة -رضي الله عنهم- وتطبيقهم، فهؤلاء هم العمدة في معرفة الحق، وهم الأصل الذي تُردّ إليه الأقوال، والاعتقاد، والعبادات، والسلوك، والمنهج، وهذا الأصل المنهجي لا يقتصر على أبواب الاعتقاد فحسب، بل يمتد إلى جميع مناحي الحياة، وفي مقدمتها نظام الأسرة وبناؤها واستقرارها. ثانيًا: عناية الشريعة بالأسرة اعتنت الشريعة بالأسرة عنايةً شاملة، منذ لحظة التكوين الأولى إلى تمام الاستقرار والتوطين، ولا بد أن يُفهم هذا الأمر بعمقه؛ إذ يقول الله -عز وجل-: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}؛ فكيف يُتصوَّر أن يُغفل هذا الكتابُ الرباني شأنَ الأسرة، وهي عصب الحياة، واللبنة الأولى في بناء المجتمع، والركيزة الأساسية لأي أمةٍ من الأمم؟ فالأسرة ليست مجرد إطارٍ اجتماعيٍّ عابر؛ بل هي الأساس القويم الذي يقوم عليه المجتمع؛ فإن صلحت صلح، وإن فسدت فسد، وإن تماسكَت قوي، وإن تفككت ضعُف. ثالثًا: الزواج سنّة إلهية ومنهج استخلاف تبدأ قضية الأسرة بقول الله -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، إنها آيةٌ من آيات الله الدالة على حكمته وقدرته، وبها يستمر الجنس البشري من أبناء آدم -عليه السلام-، ويثبت وجوده على هذه الأرض، ولا يتحقق ذلك إلا بالتناسل المشروع، والتناسل الذي شرعه الله هو الزواج؛ فالزواج هو الطريق الشرعي الوحيد لاستمرار الاستخلاف في الأرض، وتحقيق سنة الله في بقاء النوع الإنساني، ومن خلال هذا العقد الشرعي بين الرجل والمرأة تتحقق المودة، وتنشأ المحبة، وتُبنى الرحمة، وتستقر النفوس، وقد جعل الله هذا العقد آيةً من آياته؛ لأنه يخلق رابطةً لا تقوم على شهوةٍ عابرة، ولا على نزوةٍ مؤقتة، بل على سكينةٍ ومودةٍ ورحمة. رابعًا: بُطلان العلاقات المنحرفة وفي مقابل هذا التكوين الشرعي السليم، لا توجد علاقةٌ أخرى تحقق المودة والرحمة والفطرة السليمة؛ فالعلاقات المحرمة لا تبني أسرة، ولا تحفظ كرامة، ولا تُنشئ سكينة، بل تهدم الفطرة، وتشوّه النفس، وتُضعف البنية الصحية والعقلية والروحية للإنسان، وكذلك ما انحطّت إليه بعض المجتمعات من علاقاتٍ بهيميةٍ لا يقرها عقلٌ سليم، ولا تقبلها فطرةٌ مستقيمة، فهي في حقيقتها اعتداءٌ على كرامة الإنسان، وهبوطٌ به عن مرتبته التي كرّمه الله بها، إن الكرامة الإنسانية لا تتحقق إلا بالتكوين الصحيح الذي شرعه الله، وهو الزواج القائم على العقد الشرعي والالتزام الديني. خامسًا: توجيهات نبوية رغّب النبي - صلى الله عليه وسلم- في الزواج، فقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج»؛ فهو دعوةٌ صريحةٌ إلى هذا الأمر الجليل الذي يحقق مصالح عظيمة، فرديةً واجتماعية، كما أرشد - صلى الله عليه وسلم- إلى معيار الاختيار الصحيح فقال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، فإن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»؛ فالزواج لا يُبنى على المال وحده، ولا على الجاه، ولا على المظهر، وإنما يقوم أساسًا على الدين والخلق؛ فصاحب الدين المتمسك بأحكام شرع الله، وصاحب الخلق الذي التزم بآداب الإسلام، هو الجدير بأن يُؤتمن على ابنةٍ أو أختٍ أو قريبة. سادسًا: معيار اختيار الزوجة وأولوية الدين وكما كان المعيار في اختيار الرجل هو الدين والخلق، كذلك أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم- في شأن المرأة فقال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها»، ثم وجّه التوجيه الحاسم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»؛ فالناس تختلف مقاصدهم؛ فمنهم من يطلب المال، ومنهم من يقصد الحَسَب، ومنهم من يُفتن بالجمال، لكن الموفق حقًّا هو من يطلب ذات الدِّين، التي تعين على الطاعة، وتحفظ البيت، وتصون العِرض، وتربي الأبناء على الإيمان، وهكذا يتكرر الميزان نفسه في حق الرجل والمرأة معًا: الدين والخلق هما الأساس، ومن ظفر بهما فقد سَلِم وغَنِم، وكتب الله له - بإذنه - أسباب الاستقرار والبركة. سابعًا: الأسرة في ميزان الشريعة إذا تبين لنا مما سبق عناية الشرع بالأسرة، علمنا أن اهتمام الشريعة الحكيمة لا يقف عند حدود التكوين الفطري وإشباع الرغبات؛ فليس المقصود أن ينتقل الرجل من حال العزوبة إلى الزواج، ثم من الزواج إلى الأبوة، ولا أن تنتقل المرأة من العزوبة إلى الزواج، ثم إلى الأمومة فحسب، هذا هدف فطري مشروع، نعم، وهو داخل في قول الله -تعالى- في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، لكن هذا ليس الغاية الكبرى، بل هو البداية؛ فالمودة والرحمة والسكن مقاصد عظيمة، غير أن وراءها مسؤولياتٍ جسامًا، وأماناتٍ ثقيلة، وتكليفًا يتجاوز حدود الشهوة إلى آفاق الرعاية والبناء. ![]() ثامنًا: من الإشباع إلى المسؤولية عندما يعقد الرجل على المرأة، لا يدخلان فقط في دائرة الإشباع الفطري؛ لكنَّ ثمة أمرًا أعظم، وهو أنهما دخلا معًا في ميدان المسؤولية، وقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل العظيم بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل في بيته راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها»، فهنا يتجلى جانب الرعاية والتغذية والحماية، لا من وجه واحد؛ بل من وجوه متعددة: (الرجل مسؤول عن توفير السكن، والمرأة مسؤولة عن حفظ هذا السكن وصيانته، الرجل مسؤول عن الإنفاق على المطعم والمشرب والملبس، والمرأة مسؤولة عن حفظ هذه النعم، من غير إسراف ولا مخيلة، الرجل يرعى أبناءه، والمرأة ترعى أبناءها، ويتكامل الأداءان في صناعة جيلٍ صالح)، وهكذا يظهر أن الأمر شراكةٌ متوازنة، لا صراعٌ ولا تنازع، بل تكاملٌ وتعاون، كما دلت عليه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. المسؤولية الدينية ومن أعظم ما يجب التنبيه عليه في باب المسؤوليات: المسؤولية الدينية؛ فالرجل مسؤول عن دين زوجته، والمرأة مسؤولة عن دين زوجها، وكلاهما مسؤولان عن دين أبنائهما، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، إنه نداء لأهل الإيمان: يا من آمنتم بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم- نبيا ورسولًا، اجعلوا بينكم وبين نار الله وقاية، كما أن من الوقاية أيضًا اتقاء نار الدنيا، ومنها: نار الفتن، والشقاق، والخلاف، والمصائب، والابتلاءات. تاسعًا: البناء العقدي والعبادي لقد قام بناء الأمة الإسلامية على ركنين عظيمين: الجانب العقدي، والجانب التعبدّي، قال النبي - صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»؛ فالشهادة هي الأصل العقدي، وهي الأساس الذي يجب أن يُغرس في قلب الزوج والزوجة والأبناء. أركان العبادة ثم تأتي أركان العبادة التي تحفظ الصلة بالله، وتزكي النفس، وتحمي الأسرة من الانحراف؛ ولذلك يدرك أعداء الأمة أن قوتها في تمسكها بعقيدتها، ومنهج ربها، وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم -، ومن هنا جاء سيل الإلحاد، والتشكيك، والطعن في الشريعة، وتشويه صورة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر من يتلقف هذه الشبهات هم الأبناء؛ لأن الوسائل التكنولوجية الحديثة قد استحوذت على عقولهم وقلوبهم وأوقاتهم بنسبة كبيرة جدا من حياتهم، فتعلقت الأرواح بها، وهذا أمر مقصود. عاشرًا: البناء العلمي المحور الأخير في حماية الأسرة وثوابتها هو البناء العلمي؛ فنحمي الأسرة بالعلم الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم-، وهو علم مستمد من مصدرين عظيمين: الكتاب والسُنًّة؛ فالاهتمام بالقرآن داخل الأسرة هو اهتمام بالعلم، والعلم يقود إلى العمل، والعمل يقود إلى مزيد من التعليم، والتعليم يكون بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وبالتكرار والاستمرار، والعلم لا ينتهي، بل يحتاج إلى مدارسة ومراجعة وتذكير دائم، وإلا عاد الجهل، أو النسيان، أو الغفلة، أو المشاغل؛ فالقرآن والسُنَّة روح ونور، كما وصفهما الله، ولا يُقتبس هذا النور إلا بالعلم الصحيح، والعمل المخلص، والتعليم المستمر. الوعي بالمخاطر الوافدة من أهم ما يُوصى به أربابُ الأسر: الاطلاعُ الواعي على الأساليب والوسائل الوافدة وفهمُها ببصيرةٍ متزنة؛ فلا انبهارَ أعمى، ولا رفضَ جاهل، فثمّة منظماتٍ وسياساتٍ وهيئاتٍ تعمل بتخطيطٍ لإضعاف بنية الأمة المسلمة والتأثير في ثوابتها، وقد يُستغرب: ألهذه الدرجة نحن مهمّون لديهم، وهم أسبق منا ماديا وتقنيا؟ والجواب: نعم؛ لأنهم يدركون أن سرَّ قوة هذه الأمة في عقلها القيمي الذي صنع حضارتها، وفي منهجها القائم على العلم والعمل والدعوة والإحسان، ومن هنا يعلمون أن قوة المجتمع المسلم كامنة في أسرته؛ فإذا كانت الأسرة لبنته الأولى وسرَّ تماسكه، فإن تفكيكها وإشغالها بالصراعات هو الطريق الأقصر لإضعاف الأمة بأسرها. حماية الثوابت الشرعية حمايةُ الثوابت الشرعية مسؤوليةٌ يومية تبدأ من داخل البيت؛ بحفظ القرآن والسُنَّة، وصيانة العقيدة والمنهج، ورعاية العبادات والمعاملات، وتقويم الأخلاق والسلوك، ويكون ذلك بأساليب متجددة، من أهمها إعداد مناقشاتٍ مقصودة داخل الأسرة؛ يتفق فيها الوالدان على طرح موضوعاتٍ تمسّ الدين والواقع، كالصلاة، والحجاب، والعقيدة، وتوحيد الله، ومقام النبي - صلى الله عليه وسلم-، وما يثيره الإعلام من قضايا مؤثرة في الشباب؛ فالحوار من أهم الوسائل في إيقاظ الفكر وبناء اليقين، ويمكن تقديمها بأسلوبٍ جاذب؛ كالمسابقات، والقصص القرآني والنبوي، وربط الوقائع التاريخية بواقع الأسرة. الإثم العظيم قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول»، هذه رسالة موجّهة للآباء والأمهات؛ فالإثم الأعظم في الجانب الأسري هو تضييع الدين، ولا يقتصر التضييع على الجانب المادي فقط؛ فكم من آباء وأمهات قصّروا في التعليم والتوجيه الديني! فالوقاية الحقيقية تكمن في الالتزام بأمر الشرع، بعدم التساهل في التوحيد، أو الصلاة، أو الحلال والحرام، لا على النفس، ولا الزوجة، ولا الأبناء، ولا من تحت اليد؛ فالنجاة الحقيقية تتحقق باتباع توحيد الله واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |