|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#361
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 581 الى صـــ 589 الحلقة (361) قلت: ويحتمل أن يكون هذا هو السر في الطاعون لا يدخل المدينة؛ لأنه وباء عند الأطباء وغيرهم، والشارع دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد. وفيه: حجة على بعض المعتزلة القائلين ألا فائدة في الدعاء مع سابق القدر. والبيتان المذكوران من إنشاد بلال، ذكر أسامة بن مرشد (١) في كتابه «التمام في تصريف الأحلام» أنهما لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي عندما نفتهم خزاعة عن مكة، قال: ورويا لغيره. وقولها: (يرفع عقيرته) (٢)، أي: صوته إذا تغني أو قرأ. ومعنى أقلع: زال، وأصل ذلك عند العرب أن رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته، فقيل لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته. وعن أبي زيد يقال: رفع عقيرته: إذا قرأ أو غنى، ولا يقال في غير ذلك، ذكره في «الموعب»، وفي «التهذيب» للأزهري: أصله أن رجلًا أصيب عضو من أعضائه، وله إبل اعتادت حداه، فانتشرف عليه إبله، فرفع صوته بالأنين؛ لما --------- (١) هو الأمير الكبير العلامة، فارس الشام، مجد الدين، مؤيد الدولة، أبو المظفر، أسامة ابن الأمير مرشد بن علي بن مقلد بن نضر بن منقذ الكناني، الأديب، أحد أبطال الإسلام، ورئيس الشعراء الأعلام. قال السمعاني: ذكر لي أنه يحفظ من شعر الجاهلية عشرة آلاف بيت، قال يحيى بن أبي طيء في «تاريخه»: كان إماميًا حسن العقيدة، وصنف كتبًا منها «التاريخ البدري» عاش سبعًا وتسعين سنة، ومات بدمشق في رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة. انظر تمام ترجمته في: «التكملة لوفيات النقلة» ١/ ٩٥ (٥١)، «معجم الأدباء» ٢/ ١٠٠ (٢١٨)، «تاريخ الإسلام» ٤١/ ١٧٠ (١١٤)، «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ١٦٥ (٨٣)، «الوفي بالوفيات» ٨/ ٣٧٨ (٣٨١٨). (٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: صوته. أصابه من العقر في بدنه، فسمعت به إبله فحسبته يحدو بها، فاجتمعت إليه، فقيل لكل من رفع (عقيرته) (١) بالغناء: قد رفع عقيرته (٢). وفي «المحكم»: عقيرة الرجل: صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى (٣). ومعنى (وعك): حُمّ. قال ابن سيده: رجل وعك ووعك: موعوك، وهذِه الصيغة على توهم فَعِل كألم، أو على النسب كطعم، والوعك: الألم يجده الإنسان من شدة التعب (٤). وفي «الجامع»: وعك: إذا أخذته الحمى، وأخذته وعكة يراد ذلك، والواعك الشديد من الحمى، وقد وعكته الحمى تعكهُ إذا دكته، وفي «المجمل»: الوعك: الحمى. وقيل: نغث الحمى (٥). والإذخر والجليل: نبتان بمكة. وقال بعضهم: شجرتان، وأنكر عليه، وإنما هما نبتان. وشامة وطفيل: جبلان بها. وقال الفاكهاني: بينهما وبين مكة نحو ثلاثين ميلًا. قال الخطابي: وكنت مرة أحسبهما جبلين حتى أنبئت أنهما عينان (٦)، والجليل - بجيم مفتوحة ثم لام مكسورة ثم مثناة تحت ثم لام، واحدته جليلة (٧). قال أبو نصر: أهل الحجاز يسمون الشام: الجليل، وهو شجر ضعيف. ---------- (١) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: صوته. (٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٥، (٣) «المحكم» ١/ ١٠٥. (٤) «المحكم» ١/ ٢٠١. (٥) «المجمل» ٤/ ٩٣٠. (٦) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٣٨. (٧) ورد بهامش الأصل: كلام الفاكهاني في «المطالع» وكذلك النقل عن الخطابي غير أنه قال: كنت (…) وفيه زيادة، وقال جبلان يشرفان على مجنة على بريد من مكة، وقال أبو عمر: وقيل أحدهما بجدة انتهى ويأتي باقي كلام المصنف (…). و(مياه): جمع ماء وهو بالياء في جمعه، ومجيئه دليل على أن الهمزة في ماء مبدلة من هاء. و(شامة) بشين معجمة ثم ألف ثم ميم كذا ذكره أبو عبيد، وقيده ابن الأثير (١) والصنعاني بباء موحدة بعد الألف. و(طفيل) بفتح الطاء المهملة ثم فاء مكسورة ثم مثناة تحت قيل: جبل من حدود هرشى، يشرف هو وشامة على مجنة. ومجنة على بريد من مكة. وقال ابن فارس: طفيل موضع (٢)، وتمنى بلال رجوعه إلى مكة لما استثقل حمى المدينة ووباءها. والوباء بالهمز: الموت الذريع، قال في «الصحاح»: يمد ويقصر: مرض عام (٣). وقال ابن الأثير: هو يمد ويقصر ويهمز الطاعون والمرض العام (٤). وفي «التمهيد» قيل: إن أحدهما بجدة (٥). وفي «المحكم» (٦) و«الجامع» و«المجمل»: شامة وطفيل: موضعان، ويقال وبدل الطاء بالقاف. ومَجَنّة -بفتح أوله وثانيه ثم نون مشددة ثم هاء بعدها- ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران. وقال ابن التين: سوق هجر بقرب مكة. قال أبو الفتح: يحتمل أن تسمى مجنة ببساتين ---------- (١) ورد بهامش الأصل: ابن الأثير ذكره بالميم، وذكر عن بعضهم أنه بالباء. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٥٢١. (٢) «المجمل» ٢/ ٥٨٣. (٣) «الصحاح» ١/ ٧٩. (٤) «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ١٤٤. (٥) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٠. (٦) «المحكم» ٩/ ١٤٤. تتصل بها، وهي الجنان وأن تكون فعلة من مجن يمجن، سميت بذلك؛ لأن ضربًا من المجنون كان بها. وحكى صاحب «المطالع» كسر الميم أيضًا، وقال الأزرقي: هي على بريد من مكة. وقولها: (بطحان تجري نجلا)، بطحان: اسم للمكان المنبطح، وهو المستوي المتسع، وبُطحان بضم أوله عند المحدثين، وبفتحها عند أهل اللغة، ثم بطاء مكسورة، قال البكري لا يجوز غيره (١)، وهو: واد بالمدينة. و(تجري نجلا): يريد واسعًا، تقول العرب: استنجل الوادي: إذا اتسع جريه، ومنه العين النجلاء: الواسعة، وطعنة نجلاء أي: واسعة وفي البخاري: ماء آجنًا (٢)، وقيل إن النخيل: النز حين يظهر. قال ابن التين: ضبط في بعض المصنفات بفتح الجيم، وفي بعضها بالكسر، والصواب عند أهل اللغة سكون الجيم، والآجن: المتغير الريح، يقال: منه أَجَنَ الماء يأجن ويأجُن، وأجِن -بالكسر- ياجن. وفيه من المعاني: جواز هذا النوع من الغناء، وهو نشيد الأعراب للشعر بصوت رفيع، وفي المسألة مذاهب: ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة أهل الكوفة إلى تحريم الغناء، وذهب آخرون إلى كراهته، نقل ذلك عن ابن عباس، ونص عليه الشافعي وجماعة من أصحابه، وحكي ذلك عن مالك وأحمد (٣)، وذهب ------------ (١) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٥٨. (٢) هو حديث الباب (١٨٨٩). (٣) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٣/ ٣٠٣، «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «فتح القدير» ٨/ ٨٩، «المدونة» ٣/ ٣٩٧، «تفسير القرطبي» ٢١/ ٤٠، «الأم» ٦/ ١١٥ - ٢١٤، «إحياء علوم الدين» ٢/ ٢٩٤، «المغني» ١٤/ ١٦٠ - ١٦٢. آخرون إلى إباحته -لكن بغير هذِه الهيئة التي تعمل الآن- فمن الصحابة عمر ذكره ابن عبد البر (١)، وعثمان ذكره الماوردي، وعبد الرحمن بن عوف ذكره ابن أبي شيبة (٢)، وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد وبلال وخوات بن جبير ذكرهم البيهقي (٣)، وعبد الله بن الأرقم ذكره أبو عمر (٤)، وجعفر بن أبي طالب ذكره السهروردي (٥) في «عوارفه» (٦)، والبراء بن مالك ذكره أبو نعيم (٧)، وابن الزبير ذكره صاحب «القوت» (٨)، وابن جعفر ----------- (١) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، «الاستذكار» ٢٦/ ٥١. (٢) «المصنف» ٣/ ٤٨٥ (١٦٣٩٨) كتاب: الحج، باب: ما قالوا في اللهو. (٣) «سنن البيهقي» ١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥. (٤) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، «الاستذكار» ٢٦/ ٥١. (٥) هو الشيخ الإمام العلامة القدوة الزاهد العارف المحدث شيخ الإسلام وأحد الصوفية، شهاب الدين، أبو حفص وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله -وهو عمويه- بن سعد بن حسين البكري السهروردي الصوفي ثم البغدادي، ينتهي نسبه بأبي بكر الصديق، صنف «عوارف المعارف» في التصوف شرح فيه أحوال القوم وحدث به مرارًا. انظر تمام ترجمته في «التكملة لوفيات النقلة» ٣/ ٣٨٠ (٢٥٦٥)، «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٤٦، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٧٣ (٢٣٩)، «تاريخ الإسلام» ٤٦/ ١١٢ (١١٢)، «شذرات الذهب» ٥/ ١٥٣. (٦) انظر: «كشف الظنون» ٢/ ١١٧٧. (٧) ذكر ذلك عنه في «الحلية» ١/ ٣٥٠ في ترجمته، فقال: البراء شهد أحدًا فما دونه من المشاهد، استشهد يوم تستر، وكان طيب القلب يميل إلى السماع ويستلذ الترنم. وانظر للمزيد بقية ترجمته في «الحلية». وكذا ترجمته في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٣٨٠ (٢٧٤). (٨) هو الإمام الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو طالب محمد بن علي بن عطية، الحارثي المكي المنشأ، العجمي الأصل، كان من أهل الجبل، وله لسان حلو في التصوف، ذكر أن له رياضات وجوع بحيث أنه ترك الطعام، وتقنع بالحشيش حتى = ومعاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان ذكرهم أبو الفرج في «تاريخه»، وقرظة بن كعب ذكره الهروي، ورباح بن المغترف (١)، ومن التابعين جماعة ذكرهم ابن طاهر وابن قتيبة وأبو الفرج. وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء القليل والكثير، وطائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء، فحرموه من الأجانب وجوزوه من غيرهم وقد أوضحت ذلك بزيادة في شرحي لـ«المنهاج» في الشهادات، فراجعه منه. وقال ابن حزم: من نوى به ترويح القلب ليقوى به على الطاعة فهو مطيع، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو شيئًا فهو لغو معفو عنه (٢). وقال الأستاذ أبو منصور: إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود وربما أجر. وقال الطبري: وهذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع الحجة، وهو الذي غني به في بيت رسول الله - ﷺ - ولم ينه عنه، وهو الذي كان السلف يجيزون ويسمعون، وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نعم زاد الراكب الغناء نصبًا (٣). وروى ------------- = اخضر جلده، وكتابه المذكور «قوت القلوب» وهو كتاب مشهور. انظر تمام ترجمته في «تاريخ بغداد» ٣/ ٨٩، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣٠٣، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٥٣٦ (٣٩٣)، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ١٢٧، «الوافي بالوفيات» ٤/ ١١٦. (١) ورد بهامش الأصل: ذكره الذهبي في ترجمته في «التجريد»، فقال: رباح بن المغترف، وقيل: ابن عمرون بن المغترف. (٢) «المحلى» ٩/ ٦٠. (٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، وذكره في «الاستذكار» ٢٦/ ٥١، لكنه عن عروة، قال: قال عمر، أي من قول عمر. ابن وهب عن أسامة وعبد الله ابني زيد بن أسلم، عن أبيهما زيد، عن أبيه أن عمر قال: الغناء من زاد الراكب (١). وروى ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى النصب (٢). قال الطبري: وإنما يسمية العرب: النصب: لنصب المتغني به صوته، وهو الإسناد له بصوت رفيع. وروى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعًا عقيرته يتغنى، قال عبد الله بن عتبة: والله ما رأيت رجلًا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم (٣). وقد سلف شيء من ذلك في باب: سنة العيدين لأهل الإسلام (٤)، وسيأتي ما يحل منه في الاستئذان في باب: كل لهو باطل إذا شغله عن الطاعة، إن شاء الله (٥). وحديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن ----------- (١) ذكره هكذا ابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٧، وفي»الاستذكار«٢٦/ ٥١. ورواه البيهقي ٥/ ٦٨ مسندًا عن جعفر بن عون، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر، به. ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٤ (١٣٩٥٣) عن وكيع، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر، به. (٢) رواه الباغندي في»مسند عمر بن عبد العزيز«(٦١)، والبيهقي ١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٧، وذكره في»الاستذكار«٢٦/ ٥١. (٣) رواه البيهقي ١٠/ ٢٢٥، وذكره ابن عبد البر في»التمهيد«٩٧/ ١٢٢، وفي»الاستذكار" ٢٦/ ٥١. (٤) راجع شرح حديثي (٩٥١ - ٩٥٢) كتاب: العيدين. (٥) حديث أبي هريرة (٦٣٠١). يمتلئ شعرًا» (١) فمؤول إما على الهجو، وإما على الغلبة عليه. قال لبيد بن ربيعة: ما قلت بيت شعر منذ أسلمت (٢). وفي حديث عائشة من الفقه تمثل الصالحين والفضلاء بالشعر. وفيه: عيادة الجلة السادة لعبيدهم؛ لأن بلالًا أعتقه الصديق (٣) وكانت عائشة تزوره (٤)، وكان ذلك قبل نزول الحجاب. آخر الحج بحمد الله ومنِّه. ----------- (١) سيأتي برقم (٦١٥٥)، ورواه مسلم (٢٢٥٧) من حديث أبي هريرة. (٢) سيأتي ثناؤه - ﷺ - على لبيد في حديث أبي هريرة (٣٨٤١) مرفوعًا: «أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شي ما خلا الله باطل». وانظر ترجمة لبيد في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٣، «الاستيعاب» ٣/ ٣٩٢ (٢٢٦٠)، «أسد الغابة» ٤/ ٥١٤ (٤٥٢١)، «تاريخ الإسلام» ٣/ ٣٥٣، «الإصابة» ٣/ ٣٢٦ (٧٥٤١). (٣) يدل لذلك حديث سيأتي برقم (٣٧٥٤). (٤) يدل لذلك حديث الباب، وسيأتي التصريح بذلك (٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧) حيث قالت: فدخلت عليهما، أي على أبيها وعلى بلالًا. وأصرح من ذلك ما جاء عند أحمد ٦/ ٦٥، ٢٢١ - ٢٢٢: واشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- وبلالًا، فاستأذنت عائشة النبي - ﷺ - في عيادتهم، فأذن لها. ٣٠ - كتاب الصوم هو في اللغة: الإمساك. قَالَ ابن سيده: الصوم ترك الطَّعام والشراب والنِّكاح والكلام، صام صومًا وصِيامًا واصْطامَ، ورجلٌ صائِم وصَوْمٌ من قومٍ صوام وصيام وصُيَّم قلبوا (الواو) لقربها من الطرف، وصِيَّم عن سيبويه كسروا لمكان الياء، وصِيَام وصَيَامَى الأخيرة نادرة، وصومٍ وهو اسم الجميع، وقيل: هو جمع صائم (١). وفي «الجامع» أصله القيام بإمساك ما، فالصائم مقيم عَلَى الإمساك عن الطعام والشراب، ونساء صوَّم. وفي «الصحاح»: رجلٌ صومان (٢). وهو في الشرع: إمساك مخصوص في زمنٍ مخصوصٍ من شخصٍ مخصوص مع النية، بشرائط مخصوصة. وروي عن علي أنه لما صلى الفجر قَالَ: الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيطِ الأسود (٣). -------------- (١) «المحكم» ٨/ ٢٥٨. (٢) «الصحاح» ٥/ ١٩٧٠. (٣) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩، ٣٠١٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٦١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري. ![]()
__________________
|
|
#362
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 9 الى صـــ 30 الحلقة (362) وعن ابن مسعود نحوه (١). وقال مسروق (٢): لم يكونوا يعدون الفجرَ الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول الأعمشِ (٣). وقال ابن عساكر: قام الإجماع عَلَى أن الخيطَ الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، ولم يخالف فيه إلا الأعمش، ولم يعرج أحد عَلَى قوله لشذوذِه. وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ: حَدَّثَنَا أصحابُ محمدٍ - ﷺ - قَالَ: أحيل الصوم عَلَى ثلاثة أحوال: صيام ثلاثة أيام لما قدم المدينة، ثم صوم رمضان، ومن لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ اَلشَّهرَ فَلْيَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الاية، فكانت الرخصة للمريض والمسافر (٤). وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ -ولم يسمع منه (٥) - قَالَ: ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٣٤ (٧٦١٩) كتاب: الصيام، باب: تأخير السحور، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١٠ - ٣٠١١) بمعناه. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت. (٣) روى ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٩ (٩٠٧٥) والطبري ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٠ - ٣٠٠١) عن الأعمش، عن مسلم قال: لم يكونوا يعدوا الفجر فجركم ولكن يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. (٤) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٠ كتاب: الصيام، باب: ما قيل في بدء الصيام إلى أن نسخ بفرض صوم شهر رمضان. (٥) قال الترمذي في «سننه» ٥/ ٢٩١ بعد حديث (٣١١٣): عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن غلام صغير ابن ست سنين. اهـ. = أحيل الصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن سيدنا رسول الله - ﷺ - بعدما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، فصام سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى شهر رمضان. ثم قَالَ: «إن الله تعالى أنزل عليكم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ .. الاية [البقرة: ١٨٣] (١). قلت: الذي عليه المؤرخون أن فريضة رمضان إنما نزلت في شهر شعبان عَلَى رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وأغرب البغوي فقال: يقال: نزلت قبل بدر بشهرٍ وأيام (٢). ------------ = وقال الدارقطني: سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من معاذ فيه نظر؛ لأن معاذًا قديم الوفاة: مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة. اهـ.»علل الدارقطني«٦/ ٦١. (١) رواه الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٦)، ٢/ ١٣٨ (٢٧٤٠)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٥ (١٦٧٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٠. (٢)»معالم التنزيل" للبغوي ١/ ١٤٩. ١ - باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. ١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ، أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ: وَالذِي أَكْرَمَكَ [بالَحْقِّ] لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ». [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٤/ ١٠٢] ١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [٢٠٠٠، ٤٥٠١ - مسلم: ١١٢٦ - فتح: ٤/ ١٠٢] ١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَه». [انظر: ١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٤/ ١٠٢] معنى: كتب فرض كما في قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ أي: فرض، وقيل: إنه كان فرض عَلَى النصارى فنقلوه عن وقتِه من الحرِّ إلى الربيع وزادوا فيه، حكاه الزَّجاج وتوقف فيه، لكنه مروي عن الشعبي وأنه زيد فيه إلى خمسين (١)، وهم أمة عيسى كما ذكره ابن عباس في «تفسيره». وقيل: التشبيه إنما هو من أجل صومِهم، كان [من] (٢) العشاء الآخرة إلى مثلِها، وكان ذَلِكَ فرض عَلَى المؤمنين في أوَّلِ ما افترض عليهم الصوم. قَالَ السديُّ: كتب عَلَى النصارى أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النومِ ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان، فاشتد ذَلِكَ عَلَى النصارى، وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذَلِكَ اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاءِ والصيفِ. وقالوا: نزيد عشرين يومًا نُكفر بها ما صنعنا. فجعل صيامهم خمسين يومًا، فلم يزلْ المسلمون عَلَى ذَلِكَ يصنعون حَتَّى كان من أمر [أبي] (٣) قيس بن صرمة وعمر ما كان، فأحل اللهُ تعالى لهم الأكلَ والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ (٤). وقال الحسن فيما ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره»: والله قد كتب الصِّيام عَلَى كلِّ أمةٍ خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا (٥). وإليه نحا الزمخشري في قوله: آدم فمن دونه. فعلمنا أن الصَّومَ عبادة قديمة لم تخل منها أمة (٦). ----------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٤ (٢٧٢٧) مطولًا. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) زيادة ليست في الأصل، مثبته من «تفسير الطبري». (٤) رواه الطبري ٢/ ١٣٤ - ١٣٥ (٢٧٢٨) من طريق موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي به. (٥) «تفسير ابن أبي حاتم» ١/ ٣٠٥ (١٦٢٦). (٦) «الكشاف» ١/ ٢٠٤. وقوله: ﴿لَعَلَّكُم تَتَقُونَ﴾ أي: بالمحافظة عليه. أو: تنتظمون في سلك المتقين، فإن الصَّومَ من شعارِهم. وروي أن صرمة بن مالك (١) كان شيخًا كبيرًا جاء إلى أهلهِ وهو صائمٌ فدعا بعشائِه، فقالوا: أمهل حَتَّى نجعل لك طعامًا سخنًا تفطر عليه، فنام، فجاءوا بطعامِه، فقال: قد كنت نمت. فبات جائعًا، فنزلت الآية (٢). وجاء عمر لأهلِهِ فقال: إنها قد كانت نامت، فظن أنها اعتلت عليه، فواقعها، وفعل مثل ذَلِكَ كعب بن مالك، فنزلت ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٧]. ----------- (١) سيأتي قريبًا في باب: قول الله جل ذكره ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ في حديث (١٩١٥) حكايته المصنف الاختلاف في اسمه، فقيل: صرمة بن أنس، وقيل: صرمة بن قيس، وقيل: صرمة بن مالك، نسبة إلى جده، وقيل: صرمة بن أبي أنس، واسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك. (٢) سيأتي برقم (١٩١٥) والذي فيه: قيس بن صرمة الأنصاري. (٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٠، والطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧١ (٢٩٤٩)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦ (١٦٧٧) من حديث كعب بن مالك، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣١٧: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات. اهـ قلت: ابن لهيعة وان كان فيه ما فيه إلا أن الراوي عنه هنا عبد الله بن المبارك، قال الحافظ في «التقريب» (٣٥٦٣): رواية ابن المبارك وابن وهب، عن ابن لهيعة أعدل من غيرهما. اهـ وقال الألباني في «الصحيحة» ١/ ٥٩٥: المتقرر من مجموع كلام الأئمة في ابن لهيعة أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيئ الحفظ، وقد نص بعضهم على أن حديثه صحيح، إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك. وابن وهب، والمقرئ. اهـ. فالمتقرر أن هذا الحديث سنده حسن. = ذكر فيه حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. الحديث. وسلف في الإيمان في باب: الزكاة من الإسلام (١). وفيه: أن أداءَ الفرائضِ يوجب الجنةَ، وأن عمل السنن والرغائب يوجب الزيادة في الجنة بفضله. وفيه: عن أبي سهيل عن أبيه. وأبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، ولم يذكر الحج فيه؛ لأنه لم يفرض حينئذٍ (٢) ولا الجهاد؛ لأنه لم يكن عَلَى الأعراب فرضًا. وفيه: اليمين عَلَى ترك فعل الطاعة المندوب إليها وهو مكروه، لكنه - ﷺ - سكت إما لأنه حديث عهدٍ بالإسلام فلا ينفره، أو لأنه أخبر أنه لا ينقص من الفرائضِ ولا يزيد فيها فإذا أتى بها عَلَى أكملِ أحوالِها لم يحتج إلى النوافل. ومعنى: (وَلَا أَنْقُصُ) أي: مما فرض الله عليَّ. وحديث ابن عمر: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. وحديث عائشة أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ». ------------ = وقد أورده السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٧ وعزاه لأحمد والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: إسناده حسن. (١) برقم (٤٦). (٢) قال النووي في «شرح مسلم» ١/ ١٧٨: نزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل سنة تسع، وقال الزيلعي في «تبيين الحقائق»: ٢/ ٢ كان فرض الحج في سنة ست. واختلف العلماءُ هل كان واجبًا قبل فرض رمضان أم لا؟ والأشبه أنه لم يجب قط. وقال أصحابُ أبي حنيفةَ بالأول (١)، وعبَّر الطبري عنه، فقال: عن قوم: أنه كان يصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وعن قومٍ: أنه لم يزل يصومه ويحث أمته عليه حَتَّى مضى لسبيله، روي هذا عن ابن عباس قَالَ: ما رأيت رسولَ الله - ﷺ - يصوم يومًا يتحرى فضلَه إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان (٢). ووجه كراهية ابن عمر صومه (٣)، هو نظير كراهية من كره صومَ رجب إذ كان شهرًا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في الإسلام ما كان يُعظَّم في الجاهلية من غير تحريم صومه عَلَى من صامه، ولا مرية من الثواب الذي وعد اللهُ صائمه عَلَى لسان رسوله إذا كان مبتغيًا بصومِه ثوابَ اللهِ ولا يريد به إحياء سنةِ أهل الشرك، وكذلك صوم رجب، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في بابه إن شاء الله، وهذا أولى من دعوى نسخه بفرض رمضان كما مشى عليه ابن التين، وليس في الأمر بصومه ما يدل عَلَى منع صومه إلا أنه اقترن به ما يدل عَلَى أن جميعَ الفرضِ من الصيامِ. ----------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٠٣. (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٠٠٦) باب: صوم يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٣٢) كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. (٣) رواه مسلم (١١٢٦/ ١١٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه» وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه. وقال الداودي: فيه دليل عَلَى أن معنى الآية: كتب عليكم رمضان كما كتب عَلَى الذين من قبلكم صيام، وفيه ردٌّ عَلَى عطاءَ وقتادةَ في قولهما: كتب عَلَى أوائل أمة محمد - ﷺ - ثلاثة أيام من كل شهر (١). وقيل: إن في يوم عاشوراء ست عشرة فضيلة. واختلف في السبب الموجب لصيام رسول الله - ﷺ - عاشوراء، فروي أنه كان يصومه في الجاهلية (٢). وفي البخاري عن ابن عباس: قدم النبيُّ - ﷺ - المدينةَ فرأى اليهودَ تصومه قالوا: يومٌ صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهِم فصامه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» (٣). ويحتمل أن تكون قريش كانت تصومه كما في حديث عائشة، وكان - ﷺ - يصومه معهم قبل أن يبعث، فلما بعث تركه، فلما هاجر أعلم أنه من شريعة موسى فصامه وأمر به، فلما فُرض رمضان (٤)، فيجمع بهذا بين الحديثين. ---------- (١) رواهما الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٤، ٢٧٣٧). (٢) سيأتي برقم (٢٠٠٢)، باب: صيام يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٢٥) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء. (٣) سيأتي برقم (٢٠٠٤). (٤) كذا في الأصل وجواب الشرط (تركه) محذوف. ٢ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ ١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ -مَرَّتَيْنِ- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ٣/ ١٠٤] ذكر فيه حديث أبي هريرة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّة، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومن حديث أبي سعيد (٢)، وزاد: «يوم القيامة» (٣) وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر والحارث الأشعري. قَالَ الحاكم: صحيحٌ عَلَى شرطهما (٥). ------------ (١) مسلم (١١٥١) كتاب: الصيام. (٢) مسلم (١١٥١/ ١٦٥). (٣) مسلم (١١٥١/ ١٦٣). (٤) النسائي ٤/ ١٦٢ كتاب: الصيام، فضل الصيام. (٥) «المستدرك» ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ كتاب: الصوم، مطولًا. ورواه الترمذي (٢٨٦٣ - ٢٨٦٤) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأحمد ٤/ ١٣٠، والطيالسي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١٢٥٧)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ١٤٥ - ١٤٢ (١٥٧١)، وابن خزيمة ٣/ ٩٥ - = ومعنى: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»: سترٌ من الآثام أو النار؛ أو لأنه يكسر شهوته ويضعف قوته، ومنه قيل للترس: مجن؛ لأن صاحبَه يستتر به. وفي بعض الأحاديث «الصوم جنَّة ما لم يخرقه» قيل: وبم يخرقه؟ قَالَ: «بكذب أو غيبة» (١). ------------ = ١٩٦ (١٨٩٥) كتاب: الصيام، باب: ذكر تمثيل الصائم في طيب ريحه بصيب ريح المسك إذ هو أطيب الطيب، وابن حبان ١٤/ ١٢٤ - ١٢٦ (٦٢٣٣) كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧ (٣٤٢٧)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٨٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٢١٧ - ٢١٩، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٢٩٨). (١) رواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ١٣ (٤٥٣٦)، ٨/ ١٥ (٧٨١٤) وقال: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا الربيع بن بدر، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٢ في ترجمة: ربيع بن بدر السعدي (٦٥١)، والحديث أورده الحافظ ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ١٣٩ ط الرسالة. وقال: في إسناده نظر. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧١: فيه: الربيع بن بدر، وهو ضعيف. اهـ. قال الحافظ في «التقريب» (١٨٨٣): الربيع بن بدر، متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٠): حديث ضعيف جدًا. وروي النسائي ٤/ ١٦٧، والدارمي ٢/ ١٠٨١ (١٧٧٣) كتاب: الصيام، باب: الصائم يغتاب، وأبو حاتم الرازي كما في «العلل» ١/ ٢٣٧، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٩٤ (١٨٩٢) كتاب: الصيام، والشاشي في «مسنده» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١ (٢٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣١٣ (٣٦٤٣)، والضياء في «المختارة» ٣/ ٣١٨ (١١٢١)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣، جميعًا من طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: «الصيام جنة ما لم يخرقها» وعند بعضهم: ما لم يخرقه. قال الدارمي بعد روايته الحديث: يعني بالغيبة. والحديث صححه أبو حاتم الرازي في «العلل» ١/ ٢٣٧، وقال المنذري: كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٣٠: إسناده حسن. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٦٥٧). = والرفث هنا: الفحش والخناء والجهل، وما لا يصلح من القول أو الفعل. وقال ابن التين: قيل: اسم لما يريده الرجل من النساء. وقيل: هو الإفصاح بما يجب أنْ يكنى عنه من ذكرِ النكاحِ. وقيل: هو قبيح الكلام، فإن كان من قبيل الكلام قيل فيه: رفثَ وأرفثَ، ذكره ابن فارس (١)، فيقرأ: يرفث. بضم الياء وفتحها، والرواية الثاني. وفي رواية ستأتي قريبًا: «ولا يصخب» (٢) وهو الصوت والجلبة. قَالَ ابن التين: لا يجوز في مضارعِه ضم الخاء ولا كسرها؛ لأن ماضيه صخِب بالكسر. قلت: ذكر القزاز الصخب فيه بغير نفيه، ويقال فيه بالسين أيضًا. وذكر بعضهم أن الأصلَ بالسين ونقلت إلى الصادِ تجوزًا، وكذا هو إذا كان بعدها خاء أو أخواتها من حروف الاستعلاء. وعند الطبري: «ولا يسخر» من السخرية بالناس. والجهل: السفه، وهو ضد العلم يتعدى بغيرِ حرف جرٍ، نقول جهل عليَّ فلانٌ. تعني: تعدى. و(«قاتله») يحتمل أن يريد به: أراد قتاله. وقوله («فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ») اختلف هل يقوله بلسانه ليكف عن شتمِه، أو بقلبه؟ والأظهر الأول؛ لأنه لا ينكف بذلك، ووجه الثاني خوف الرياءِ لا جرم، فرق بعض أصحابِنا بين الفرضِ والنفل، وقد ---------- = وعياض بن غطيف قال عنه الحافظ في «التقريب» (٥٣٦٢): مقبول. (١) «المجمل» لابن فارس ٢/ ٣٩٠. (٢) برقم (١٩٠٤) باب: هل يقول: إني صائم إذا شتم؟ كان حكمُ الصِّيامِ عند مريم وأهل زمانها عدم الكلام في الصوم متعارفًا بينهم، قَالَ تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] قَالَ زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون بالكلامِ كما يصومون من الطعامِ، ولا يتكلمون إلا بذكر اللهِ تعالى. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعامٍ أن يقول: إني صائم؟ ثم ذكر حديث أبي هريرة (١). وروي عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم (٢)، وقاله قتادةُ والزهري (٣). والخلوف، بضم الخاء عَلَى الصواب، وهو تغير رائحة الفم، وكثير يروونه بفتحها. قَالَ الخطابي: وهو خطأٌ؛ لأن المصادر التي جاءت عَلَى فعول بفتح الفاء قليلةٌ ذكرها سيبويه وليس هذا منها، وإن كان فعله بالإسكان في المصادر أيضًا قليلة يقال: خلف فوه، يخلفُ وأخلف يُخلف إذا تغير (٤). وفي كتاب ابن الجُوزي: لخلوف فم الصائم: إذا هو أخلف. وقال: كذا في كتابي: من أخلف وهو لغة، واللغة المشهورة: خلف. ولم يزد ابن بطال عَلَى قوله: يعني تغير رائحته في آخر النهار؛ لأن الفم يتغير بترك الطعام (٥). ----------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٩٤ (٧٤٥٦) كتاب: الصيام، باب: الرفث واللمس وهو صائم. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٣) كتاب: الصوم، باب: الرجل يدعى إلى طعام وهو صائم، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٨ (٩٤٣٩، ٩٤٤٢)، والبغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٥٥٢)، والطبراني ٩/ ٣١٥ (٩٥٧٨). (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٢) كتاب الصوم. (٤) «إصلاح غلط المحدثين» للخطابي ص ١٠٢ بتصرف. (٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٢. قَالَ أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه (١)، ولم يذكر ضبطه. ومعنى: «أَطْيَبُ»: أذكى عند الله وأقرب إليه. قَالَ المازري: هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباعٌ تميل إلى شيء يستطيبه، وتنفر من شيءٍ فيتقذره، والله -سبحانه وتعالى- مقدس عن ذَلِكَ، لكن جرت عادتنا التقرب للروائح الطيبة، فاستعير ذَلِكَ في الصوم لتقريبه من اللهِ (٢). وهل هذا الخلوف في الدنيا أو في الآخرة؟ جاء في رواية: «حين يخلف» (٣) وجاء في مسلم: «يوم القيامة» (٤) فيكون أطيب من ريح المسك جزاء وأجرًا ورضى أكثر من أجر من ندب إلى استعمال المسك. وقال: «عِنْدَ اللهِ»: يعني طيبه عند الله. يريد: في الآخِرَة أي: يجازيه يوم القيامةِ لطيب نكهته الكريهة في الدنيا حَتَّى تكون كريحِ المسكِ، والدليل عَلَى أنه أراد الآخرةَ بقوله: «عِنْدَ اللهِ» قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يريد: أيامَ الآخرةِ. ومن هذا الباب الحديث الصحيح الآتي أنه يجازي الشهيدَ في الآخرةِ بأن يجعل رائحة دمه الكريهة في الدنيا كرائحة المسك في الآخرة (٥). ------------- (١) «غريب الحديث» ١/ ١٩٥. (٢) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٣١٩. وكلامه من باب التأويل الذي جرت عليه عادة كثير من المتكلمين، والاشتراك في الصفة بين الخالق والمخلوق لا يلزم منه التشبيه. وانظر التعليق على هذا بالتفصيل في كتاب التوحيد من هذا الشرح. (٣) رواها أحمد ٢/ ٤٨٠، وابن حبان ٨/ ٢١١ (٣٤٢٤) كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم. (٤) مسلم (١١٥١/ ١٦٣) كتاب الصيام، باب: فضل الصيام. (٥) سيأتي برقم (٢٨٠٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: من يجرح في سبيل الله -عز وجل-، = والفم فيه لغات: فتح الفاء في الأحوال الثلاث، وكسرها كذلك، واتباع الفاء الميم كامرئ. وقوله: («الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ») (١) أي: أكافئ، لا شك أن الصومَ وجميع الأعمال له تعالى، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشترك فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى فيثيبه عليه عَلَى قدرِ خلوصِه لوجهه، جاز أن يضيفه إلى نفسِه، ألا ترى قوله: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». وكان ابن عيينة يقول في قوله: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» قَالَ: لِأن الصوم: هو الصبرُ، يصبِّر الإنسانُ نفسَه عن المطعمِ والمشربِ والمنكح، ثم قرأ: ﴿نَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) [الزمر: ١٠]. وجاء أن: «الصوم نصف الصبر» (٣). ------------ = ورواه مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. من حديث أبي هريرة. (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال السمعاني في «المذيل على تاريخ بغداد» بعد أن ساق سندًا طويلًا، قدم الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري بغداد وتفقد مجلس الوعظ، وروى في أول مجلس عقده الحديث المشهور عن النبي - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه …» الحديث. [قلت «المحقق»: سبق برقم (١٨٠٤)، ورواه مسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة]. فقام سائل وقال: لما سمى النبي - ﷺ - «السفر قطعة من العذاب» فقال: لأن سبب فرقة الأحباب، فاضطرب الناس وتواجدوا وما أمكنه أن يتم المجلس فتركه. (٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦. (٣) قطعة رويت في حديثين: الأول: عن رجل من بني سليم مرفوعًا: «سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله يملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر». = و«الصبر نصف الإيمان» (١). ------------ = رواه الترمذي (٣٥١٩) كتاب: الدعوات، وقال: حديث حسن، وأحمد ٤/ ٤٦٠، ٥/ ٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٢، ومعمر بن راشد في «الجامع» (٢٠٥٨٢)، والعدني في «الإيمان» (٥٨)، والدارمي في «مسنده» ١/ ٥١٩ (٦٨٠) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الطهور، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ (٢٩٢٠)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٥٨٢ - ١٥٨٣ (١٧٣٤)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٤٣٢ - ٤٣٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤٣٦ (٦٣١)، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٩٤٤)، و«ضعيف الجامع» (٢٥٠٩). الثاني: عن أبي هريرة مرفوعًا: «لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر». رواه ابن ماجه (١٧٤٥) كتاب: الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد -وهذا لفظه- والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٦٢ (٢٢٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٢ (٣٥٧٧)، والديلمي في «الفردوس» ٢/ ٤٠٩ (٣٨١٧). قال المناوي في «فيض القدير» (٥٢٠٠) منتقدًا تحسين السيوطي للحديث: قال ابن العربي في «السراج»: ضعيف جدًا. والحديث ضعفه البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٧٩، وكذا الألباني في «الضعيفة» (٣٨١١). (١) روي مرفوعًا وموقوفًا. عن عبد الله بن مسعود: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله». والموقوف هو الصحيح. المرفوع رواه: ابن الأعرابي في «المعجم» ١/ ٣٠٩ (٥٩٢)، وتمام الرازي في «الفوائد» ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٤، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٥٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١٢٣ (٩٧١٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «العلل» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ (١٣٦٤)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٣، وفي «لسان الميزان» ٥/ ١٥٢ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد الأيامي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعًا. قال أبو نعيم والخطيب البغدادي: تفرد به المخزومي عن سفيان بهذا الإسناد. زاد ابن الجوزي: والمخزومي مجروح، ويعقوب بن حميد قال يحيى والنسائي: ليس بشيء اهـ. = وقال وكيع في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ٢٤] هي أيام الصوم، إذ تركوا الأكل والشرب فيها (١)، ثم هذا كله إنما يكون فيما خلص لله تعالى من الرياء، ويدل عليه أيضًا قوله - ﷺ - عن الله تعالى أنه قَالَ: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٢) فجعل عمل الرياء لغيره، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى. ----------- = وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤)، والحافظ في «اللسان» ٥/ ١٥٢: قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد ولا من حديث الثوري اهـ. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٩) منكر. والموقوف رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٧٤ (٧١٨) وقال: صحيح، والطبراني ٩/ ١٠٤ (٨٥٤٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٤٦ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٤ (٤٨) -وقال: روي من وجه آخر غير قوي مرفوعًا- و٧/ ١٢٣ (٩٧١٧)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٢ وقال: هذا موقوف صحيح، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٧: رجاله رجال الصحيح. وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤): الصحيح المعروف أنه من قول ابن مسعود، وقال في «الآداب» (٩٣٢) رويناه عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، والموقوف أصح، وقال الحافظ: روي موقوفًا بسند صحيح، ومرفوعًا ولا يثبت رفعه اهـ. «فتح الباري» ١/ ٤٨ بتصرف. (١) رواه بنحوه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٤٨ في ترجمة الحسن بن صالح بن حي (٤٤٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣١٨ (٣٩٤٩) لكنه عن عبد العزيز بن رفيع. قوله، وكذا عزاه السيوطي أيضًا في «الدر المنثور» ٦/ ٤١١ لابن المنذر وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «الشعب». (٢) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله. من حديث أبي هريرة. وعنه: إذا كان يوم القيامة يحاسبُ الله العبد، فيؤدي ما عليه من المظالم من سائر أعماله الصالحة، حَتَّى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم بالصوم، فيدخله الجنة (١) (٢)، وبنحوه ذكره ابن العربي. قَالَ القرطبي (٣): وكنت أستحسنه حَتَّى ذكرت حديث المقاصة، -------------- (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره وهو قول ابن عيينة. [قلت «المحقق»: تقدم تخريجه]. (٢) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ كتاب: الصيام، باب: من كره السواك بالعشي …، ٤/ ٣٠٥، باب: في فضل شهر رمضان وفضل الصيام على سبيل الاختصار، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ (٣٥٨٢) عن إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد ما تقول في ما يرويه النبي - ﷺ -، عن ربه تعالى: كل عمل ابن آدم له ..... الحديث. فقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة ..... قوله. (٣) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: «كل العمل كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: انظر «المسند» ٢/ ٤٦٧] وكذا رواه أبو داود ولفظه: «قال ربك تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٤/ ٢٢٧ (٢٦٠٧)] ورواه قاسم بن أصبغ عن شعبة ولفظه: «كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٦٠ من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن الجهم عن روح عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] وقد أخرجه المصنف -يعني: البخاري- في التوحيد عن آدم بلفظ: يرويه عن ربكم قال: «لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: سيأتي برقم (٧٥٣٨)] وكذا رواه أحمد من طريقه. [قلت «المحقق»: انظر: «مسند أحمد» ٢/ ٤٥٧ من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] انتهى كلام ابن حجر. [قلت «المحقق»: انتهى من «فتح الباري» ٦/ ١٠٩] فوجدت فيه: «أتدرون من المفلس؟» ثم قَالَ: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام» الحديث (١). وقال آخرون: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فيقول: أنا أتولى جزاءه عَلَى ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب. وهذا القول ذكره الداودي، وصوب الطبري الأول، وأبعدَ مَنْ قَالَ: إن معناه لم يتعبد به غير الله، فلم يعظم الكفار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة السجود والصدقة وشبهها. وقد حكى المسعودي وغيره أن جماعة من الملاحدة وغيرهم يعبدوا المشترى وزحل والزهرة به، وكذا قول من قَالَ: إنه ليس للصائم ونفسه فيها حظ. حكاه الخطابي (٢)؛ لأن غيره من العبادات كذلك، وكذا قول من قَالَ: لأن الاستغناء عن الطعام من صفة الرب، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء. وأما معنى قوله: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» فأنا المتفرد بجزائه عَلَى عمله ذَلِكَ لي، بما لا يعلم عنه مبلغه غيري، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري بإعلامي إياه أن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله: «الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» فقال: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به». ----------- (١) «المفهم» ٣/ ٢١٢. والحديث رواه مسلم (٢٥٨١) كتاب: البر والصله، باب: تحريم الظلم. من حديث أبي هريرة. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٤٦. وهي في مسلم أيضًا (١)، وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] أن عملهم الصيام فيفرغ لهم الجزاء إفراغًا من غير تقدير، فخص الصيام بالتضعيف عَلَى سبعمائة ضعف في هذا الحديث. وقد نطق الرب ﷻ بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضًا، كتضعيف الصيام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وجاء في ثواب الصبر مثل ذَلِكَ وأكثر، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فيحتمل -والله أعلم- أن هاتين الآيتين نزلتا عَلَى رسول الله - ﷺ - بعدما أعلمه الله تعالى ثواب الصيام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحي. وأما قول من قَالَ: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام، فإنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب، فواهٍ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل والشرب، وهو حقيقة الصيام، وإذا اطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائي أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا كان في الباطن، فإذا كف عنه باطنًا وتمادى عليه فقد علمت صيامه. وليس قول من تأول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أنَّ مريم كانت صائمة في ذَلِكَ الوقت بصواب، بدليل قوله تعالى في الآية ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية [مريم: ٢٥]، فأخبر أن ذَلِكَ كان بعد أكلها وشربها. ------------ (١) مسلم (١١٥١/ ١٦٤). ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى ﴿صَومًا﴾: إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام: إذا أمسك عن الكلام. ولا يعترض عَلَى هذا بقوله: ﴿فَقُولى﴾ لأن المراد به الإشارة، بدليل قوله بعد ﴿فَأَشَارَت إِلَيهِ﴾ الآية، وقيل: معناه: أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر الله جلّ وعز عَلَى مقدار ثوابها بعض مخلوقاته -وقد سلف- وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اَللهِ﴾. وقال الثقفي في «نضرة الصحاح»: لأنه يتعلق بالنية، والنية محلها القلب فلا يطلع عليها غير المطلع عليها، فالرب يتولى جزاءه، والحفظة لا تعلم النية، وما أحسن ما حكاه ابن العربي عن الزهاد أن الصوم عن الطعام والمحظورات صوم العوام، وأن صوم الخواص هو الصوم عن غير ذكر الله، وخواص الخواص هو الصوم عن رؤيته، فلا يفطر إلا برؤيته. ولقائه، ويوم أراكم ذاك فطر صيامي، وهذا الذي قَالَ فيه تعالى: «الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (١)، وفيه أقوال أخرى ذكرها الطالقاني في كتابه «حظائر القدس». فائدة: سيأتي في باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، عقب قوله: «من ريح المسك» «وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٢) أما عند لقاء ربه فلما يرى من الخيرات المعدة له وما قدمه، وعند ------------ (١) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٢٢٩. (٢) برقم (١٩٠٤). فطره لتمام عبادته، وسلامتها من المفسد، وأبعد من قَالَ أنه بإباحة الأكل. فائدة أخرى: قوله: («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ») أقسم للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبّ اَلسَّمّاَءِ وَالأَرضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]. أخرى: أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة السواك للصائم بعد الزوال وقال: إنه يزيل الخلوف، ورأيت في البويطي عدم الكراهة، وبه قَالَ مالك (١)، وأكثر الفقهاء، ومنعوا أنه يزيل؛ لأنه من المعدة. وقوله: («يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي») يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف عَلَى المسك، وأن يكون لأجل الصوم. ------------ (١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٦٦٥، «المجموع» ٦/ ٤٠٢. ![]()
__________________
|
|
#363
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 31 الى صـــ 50 الحلقة (363) ٣ - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ». قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ التِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٤/ ١١٠] ذكر فيه حديث جامع -هو ابن أبي راشد أخو الربيع الكوفي، وفي طبقته جامع بن شداد أبو صخرة الكوفي- عَنْ أَبِي وَائِلٍ -وهو شقيق بن سلمة الأسدي- عن حذيفة قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَحْفَظُ حديث رسول الله - ﷺ - فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّيَامُ وَالصَّدَقَة» الحديث. وقد سلف في: الصلاة كفارة (١). ومعنى «فِتْنَةُ الرَّجُلِ»: قَالَ الداودي: يعني ينقص له من حسناته إن ظلم أحدًا منهم، والفتنة هنا النبلاء والاختبار، وهي هنا شدة حب الرجل لأهله وشغفه بهن، كما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله - ﷺ - ووضعهما في حجره، ثم قَالَ: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر» ثم ------------ (١) برقم (٥٢٥) باب: الصلاة كفارة. أخذ في خطبته (١) وسمع عمر رجلًا يستعيذ بالله من الفتنة، فقال له: أتدع الله أن لا يرزقك مالًا وولدًا؟! فاستعذ بالله من مضلات الفتن (٢). وقال ابن مسعود: لا يقل أحدكم اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل عَلَى فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُم وَأَولَدُكمُ فِتنَةٌ﴾ (٣) [الأنفال: ٢٨] فأيكم استعاذ فليستعذ باللهِ من مضلات الفتن، ومن فتنة الأهل الإسراف والغلو في النفقة عليهن والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل، وفتنته في ماله أن يشتد سروره --------- (١) رواه أبو داود (١١٠٩) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، والترمذي (٣٧٧٤) كتاب: المناقب، وقال: حسن غريب، والنسائي ٣/ ١٠٨ كتاب: الجمعة، نزل الإمام عن المنبر قبل فراغه، وابن ماجه (٣٦٠٠) كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال، وأحمد ٥/ ٣٥٤، وفي «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٦٦ (١٣٥٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢٨٢ (٣٢١٧٩) كتاب: الفضائل، ما جاء في الحسن والحسين رضي الله عنهما، وابن أبي الدنيا في «العيال» ١/ ٣٤١ (١٧٩)، وابن خزيمة ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (١٨٠١)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٨٧ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٦٥، وفي «شعب الإيمان» ٧/ ٤٦٦ (١١٠١٦)، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٥٠٥ (٨٠٥)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ١٢ - ١٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٠٣. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠١٦) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٩ (٣٧٢٠٧) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٢١٧ (١٥٩٢٦) وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٥/ ١٦٨٥ (٨٩٨٤)، والطبراني ٩/ ١٨٩ (٨٩٣١)، من طريق المسعودي عن القاسم عن عبد الله، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٢٤ لابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفي ٦/ ٣٤٥ لابن المنذر والطبراني، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٢٠: رواه الطبراني، بإسناده منقطع وفيه المسعودى وقد اختلط. بحيث يغلب عليه، وهو مذموم، ألا ترى أنه - ﷺ - لما رأى علم الخميصة في الصلاة ردها إلى (أبي جهم) (١). وقال: «كاد يفتنني» (٢) فتبرأ مما خشي منه الفتنة، وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في حائطه فطار دُبْسِى، فأعجبه فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته فلم يَدْرِكم صلى فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فذكر ذَلِكَ له فقال: هو صدقة يا رسول الله فضعه حيث شئت (٣). ومن فتنة المال أيضًا أن لا يصل أقاربه ويمنع معروفه أجانبه، وفتنته في جاره أن يكون أكثر مالًا منه وحالًا فيتمنى مثل حاله، وهو معنى قوله --------- (١) في الأصل (أبو جهيم)، وما أثبتناه من «الجامع الصحيح». (٢) سبق برقم (٢٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، ورواه مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام. من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٨٢، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٣٤٩ كتاب: الصلاة، باب: من ينظر في صلاته إلى ما يلهيه لم يسجد سجدتي السهو. من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة … الحديث. قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٣٨٩: هذا الحديث لا أعلمه يروى من غير هذا الوجه، وهو منقطع. قلت: وجه انقطاعه أن عبد الله بن أبي بكر هذا هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو لم يدرك أبا طلحة الأنصاري وبالتالي لم يدرك القصة؛ لأنه قيل أنه توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: ثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، فعلى القول الأول، يكون مولده في سنة خمس وستين، وعلى الثاني يكون في سنة ستين. وأبو طلحة الأنصاري واسمه زيد بن سهل بن الأسود، قال أبو حاتم سنة أربع وثلاثين، فبهذا لا يمكن أن يكون قد أدركه بحال. انظر ترجمتهما في: «تهذيب الكمال» ١٠/ ٧٥ (٢١١١)، ١٤/ ٣٤٩ (٣١٩٠). والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٢٨٦). تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] فهذِه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فما دونها، تكفرها أعمال البر، ومصداق ذَلِكَ ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. قال أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلوات الخمس (١)، والسيئات: الصغائر. وقوله: (ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ) أي: ذَلِكَ أحرى كأنه يقول ذَلِكَ أولى به (وأحق) (٢). --------- (١) قاله كعب ومحمد بن كعب القرظي وابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك وابن مسعود وسلمان ومسروق. رواه عنهم الطبري في «تفسيره» ٧/ ١٢٩ - ١٣٠ (١٨٦٦٢ - ١٨٦٧٤). (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث والأربعين، كتبه مؤلفه غفر الله له. ٤ - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ ١٨٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». [٣٢٥٧ - مسلم: ١١٥٢ - فتح: ٤/ ١١١] ١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». [٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦ - مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٤/ ١١١] ذكر فيه حديث سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». وحديث ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا خَيْرٌ. فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ .. الحديث الشرح: حديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي رواية للبخاري: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون» (٢) وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ولابن زنجويه في «الأول»: «فإذا دخلوا أُغْلق، فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدًا» (٤) وفي رواية لأبي موسى المديني في «ترغيبه»: «من دخل منه لم يظما أبدًا» قَالَ أبو موسى: وفي الباب عن ابن مسعود. وزعم الدارقطني أن نبيه بن عثمان رواه عن خليد بن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة وقال: غريب تفرد به نبيه، عن خليد. وأخرجه ابن حبان من حديث أبي صالح عنه: سأل الناس رسول الله - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وفيه: «فإذا جاوز الجسر فكل من أنفق زوجًا من المال مما يملكه في سبيل الله تعالى، فكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله، يا مسلم هذا خير» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن ذَلِكَ عبد لا توى عليه يدع بابًا ------------ (١) مسلم (١١٥٢) كتاب الصيام، باب فضل الصيام. (٢) سيأتي برقم (٣٢٥٧) كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة. (٣) مسلم (١٠٢٧) كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر. (٤) رواه بهذا اللفظ النسائي في «المجتبى» ٤/ ١٦٨، كتاب: الصيام، فضل الصيام، وأحمد ٥/ ٣٣٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٩٤ (٢٥٤٤)، وابن خزيمة ٣/ ١٩٩ (١٩٠٢)، وأبو يعلى ١٣/ ٥٢٥ (٧٥٢٩)، والروياني في «مسنده» ٢/ ٢١٩ (١٠٧٥)، والطبراني ٦/ ١٥٢ (٥٨١٩)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٢١٩ (١٠٧٥)، و٤/ ٤٥٦ ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٨٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٥١، وجاء بهامش (م): قوله: يدخل منه الصائمون جملة مستأنفة. والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٢٠ (١٧٠٩)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥١٨٤). ويلج من آخر .. الحديث (١). وفي مسلم: «أي فل هلم» (٢)، ولأبي عمر من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عنه: «ما من أحد ينفق زوجين من ماله إلا دُعي من أبواب الجنة الثمانية» وقال: لا يصح هذا الإسناد عن مالك، ومحمد بن عبد الله وأبوه متهمان بوضع الأحاديث والأسانيد (٣). قَالَ: وأكثر الرواة عَلَى وصل هذا الحديث -يعني: حديث الباب- إلا يحيى بن بكير فإنه أرسله عن حميد، عن النبي - ﷺ -، وكذا رواه التنيسي، عن مالك، وقد أسنده جلة عن مالك، وليس هو عند القعنبي لا مسندًا ولا مرسلًا (٤). قلت: قد ذكر الدارقطني في كتاب «الموطآت» أن القعنبي رواه كما رواه أبو مصعب ومعن وغيرهما مسندًا، والله أعلم. وفي «صفة الجنة» لأبي نعيم الحافظ من حديث عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود مرفوعًا (٥): «للجنة ثمانية أبواب، سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة، حَتَّى تطلع الشمس من مغربها» (٦). ----------- (١) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠ (٧٤٤٥) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، باب: وصف الجنة وأهلها. (٢) مسلم (١٠٢٧/ ٨٦). (٣) «التمهيد» ٧/ ١٩١. (٤) «التمهيد» ٧/ ١٨٣ - ١٨٤. (٥) جاء على هامش النسخة (م): حسن؛ لأنه صبر على العطش في الدنيا فناسب دخوله ريان، فسمى بحصول ما يزيل عطسه (هـ. و. ى). (٦) «صفة الجنة» لأبي نعيم ٢/ ١٦ (١٦٩)، ورواه ابن أبي شيبة في «مسنده» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ (٣٠٧). = إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الريان: فعلان من الرِيّ بالكسر هو نقيض العطش، وسمي بذلك لأنه جزاء الصائمين عَلَى عطشهم وجوعهم. واكتفي بذكر الري عن الشبع (١)؛ لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا؛ وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش كما خص رسول الله - ﷺ - أبا بكر الصديق بباب في المسجد؛ يقرب منه خروجه إلى الصلاة فلا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا (٢). وفي «مسند البزار» من حديث الوليد بن رباح بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا أن لهم حوضًا لا يرده غيرهم -يعني الصوام- ثم قَالَ: لا نعلمه رواه عن أبي هريرة إلا الوليد (٣). ------- = وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٤٢٩ (٥٠١٢)، والطبراني ١٠/ ٢٠٦ (١٠٤٧٩)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٦١ كتاب: التوبة والإنابة، وسكت عنه، وقال المنذري كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» للألباني ٢/ ٢٩١: رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد، وتبعه الهيثمي فقال في «المجمع» ١٠/ ١٩٨: رواه أبو يعلى والطبراني وإسناده جيد. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٢٩) وقال معقبًا على كلام المنذري والهيثمي: هو من تساهلهما الذي عرفا به. (١) جاء على هامش النسخة (م): مطلب: اكتفي بذكر الري لأنه سبيله إلى الشبع. (٢) سلف برقم (٤٦٦) كتاب الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، ورواه مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر. من حديث أبي سعيد. (٣) البزار كما في «كشف الأستار» (٩٦٥) بنحوه. قلت: قد رواه المطلب بن عبد الله عنه أيضًا، ذكره ابن أبي عاصم في كتاب «الصوم» حيث قَالَ: وللصوام حوض لا يرده غيرهم، ثم ساقه. ثانيها: معنى: «دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاةِ» أي: المكثر من صلاة التطوع، وكذا غيرها من أعمال البِّر، لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن يدعى من أبواب جهنم. وأما أسماء هذِه الأبواب، ففي «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي من أبواب الجنة: باب محمد - ﷺ - وهو: باب الرحمة، وباب التوبة، وهو منذ خلقه الله تعالى مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة (١). روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألم به هل له فيه توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت فرأى عينيه تزرفان فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة، فإن عليه ملكًا موكلًا به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس (٢). ذكره ابن بطال (٣). ووجه الاتفاق في ذَلِكَ ما يتقوى به عَلَى طاعة الله تعالى، ويتحلل من المحارم التي سلفت منه، ويؤدي المظالم إلى أهلها، وسائر الأبواب -------- (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال الكرماني: فإن قلت ما وجه التكرار حيث ذكر الاتفاق في صدر الكلام والصدقة في عجزه. قلت: لا تكرار، إذ الأول: النداء بأن الاتفاق وإن كان قليلًا من جملة الخبرات العظيمة، وذلك حاصل من كل الأبواب. والثاني: استدعاء الدخول إلى الجنة وإنما هو من بابه الخاص به، وعي الحديث فضيلة عظيمة حيث افتتح واختتم به. (٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٠٤٢). (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٧. مقسومة عَلَى أعمال البر، باب الزكاة، العمرة، الحج، الصلة، وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين، الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. وفي كتاب «الصوم» لابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: «لكل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل» (١) وذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم (٢). وفي كتاب الآجري عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن في الجنة بابًا يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يدومون عَلَى صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا» (٣). ---------- (١) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٢٣٧) وبنحوه أحمد ٢/ ٤٤٩، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٩٨: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، وقد وثقه جماعة. (٢) «المصنف» ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥ (٨٩٠٣). (٣) رواه بنحوه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ١٩٥ (٥٠٦٠)، والحاكم كما في «زاد المعاد» ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا به. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٢٣٩: فيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد، وهو متروك، وقال الألباني: في «الضعيفة» (٣٩٢): ضعيف جدًا. وقد روي في هذا الباب أحاديث أخرى باطلة. منها: ما رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٧١ (٨٠١) من طريق يحيى بن شبيب اليماني عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا: «إن في الجنة بابًا يقال له: الضحى، فمن صلى الضحى حنت إليه صلاة الضحى، كما يحن الفصيل إلى أمه، حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة». والحديث رواه الخطيب في ترجمة: يحيى بن شبيب اليماني وقال: يروي أحاديث باطلة، وروى له ثلاثة أحاديث، منها هذا الحديث. = وفي «الفردوس» عن ابن عباس مرفوعًا: «للجنة باب يقال له: باب الفرح، لا يدخل منه إلا بفرح الصبيان» (١). وفي «التحبير» للقشيري عن رسول الله - ﷺ -: «الخُلُق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، ----------- = وقال عنه الألباني في»الضعيفة«(٣٩٣): موضوع. ومنها ما رواه الخطيب أيضًا في»تاريخه«١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في»العلل«١/ ٤٧١ (٨٠٢) من طريق يحيى بن شبيب عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا:»إن في الجنة بابًا يقال له: الضحى، لا يدخل منه إلا من حافظ على صلاة الضحى«. وهذا حديث باطل أيضًا، كما قال الخطيب. وقال الألباني في»الضعيفة«(٣٩٤): موضوع، رواه الخطيب بإسناد الحديث الذي قبله. (١)»الفردوس«٣/ ٣٢٨ (٤٩٨٥)، وفي الباب، عن عائشة، وعقبة بن عامر. حديث عائشة رواه ابن عدي في»الكامل«١/ ٣٢٨ في ترجمة أحمد بن حفص بن عمر (٤٥)، وابن الجوزي في»الموضوعات«٢/ ٥١٠ (١٠٧٦) من طريق ابن عدي حدثنا أحمد بن حفص عن سلمة عن عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن لهيعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا:»إن في الجنة دارًا يقال لها: الفرح، لا يدخلها إلا من فرح الصبيان«. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -؛ ابن لهيعة لا يعول عليه، وأحمد بن حفص منكر الحديث، وأورده الشوكاني في»الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة«ص ٧٢ (٢٥) وقال: رواه ابن عدي وقال: لا يصح اهـ. وضعفه الألباني في»ضعيف الجامع«(١٨٩٣). وحديث عقبه بن عامر أورده السيوطي في»الجامع الصغير«(٢٣٢٢) وعزاه لحمزة بن يوسف السهمي في»معجمه«وابن النجار عن عقبة بن عامر مرفوعًا:»إن في الجنة دارًا يقال لها: دار الفرح لا يدخلها إلا من فرح يتامى المؤمنين«. وأشار إلى ضعفه. وضعفه الألباني في»ضعيف الجامع" (١٨٩٤). والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة، حيثما ذهب الخُلُق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها حَتَّى تدخله من ذَلِكَ الباب إلى الجنة» (١). وعند الحافظ أبي عيسى الترمذي باب الذكر، وذكر البراء في كتاب «الروضة» عن أحمد بن حنبل، حَدّثَنَا روح، ثَنَا أشعث، عن الحسن قَالَ: إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة، فقال لابنه: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حَتَّى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دواد، وعبد الرحمن بن إسحاق، فإنهما طلبا دمي وأنا أهون عَلَى الله من أن يُعذب فيَّ أحد، أشهدك أنهما في حل. ومنها: باب الحافظين فروجهم والحافظات، المستغنين بالحلال عن الحرام، غير المتبعين للشهوات، ذكره ابن بطال حيث قَالَ: أبواب الجنة ثمانية، وذكر منها في الحديث أربعة، فمن الأربعة الباقية: باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ثم ساق حديث الحسن. وباب التوبة. ويمكن أن يكون من الثلاثة الباقية باب المتوكلين الذين يدخلون الجنة في سبعين ألفًا من باب واحد، لا يدخل أولهم حَتَّى يدخل آخرهم، ووجوههم كالبدر الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. ------------- (١) ذكره ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٦٢ في ترجمة: عبد الرحمن بن محمد بن الحسن البلخي، وقال عنه: شيخ يضع الحديث على قتيبة بن سعيد، حدث بالشام، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه، روى عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا النضر بن شميل، عن سفيان الثوري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إن الخلق الحسن طوق» الحديث وكذا ذكره الحافظ في «لسان الميزان» ٣/ ٤٣٢ في ترجمة عبد الرحمن بن محمد البلخي (٥٠٩٠). قلت: فالحديث على أقل درجاته ضعيف. ووجه الإنفاق في ذَلِكَ أنهم ينفقون عَلَى أنفسهم في حال المرض النافع لهم من التصرف في طلب المعاش، صابرين عَلَى ما أصابهم، وينفقون عَلَى من أصابه ذَلِكَ البلاء من غيرهم. ومنها: باب الصابرين لله عَلَى المصائب، المحتسبين، الذين يقولون عند: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٦]. ومنها: باب الحافظين السالف. ووجه الإنفاق في ذَلِكَ الصداق، والوليمة، والإطعام، حَتَّى اللقمة يضعها في في امرأته، والله تعالى أعلم بحقيقة الثلاثة أبواب (١). وفي «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي»، واللفظ له من حديث عمر مرفوعًا: «من توضأ ثم قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه، فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء»، ولم يذكر مسلم لفظة: «من» وقال: «فتحت له ثمانية أبواب الجنة» (٢) قَالَ أبو عمر في «تمهيده»: كذا قَالَ: «من أبواب الجنة» (٣)، وذكره أبو داود والنسائي: «فتحت له أبواب الجنة الثمانية» ليس فيها ذكر (من) (٤). والمؤمن لا يدخل إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها عَلَى سبيل الإكرام. ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٦ - ١٨. (٢) مسلم (٢٣٤) كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء. (٣) «التمهيد» ٧/ ١٨٨. (٤) أبو داود (١٦٩) كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ، النسائي ١/ ٩٢ - ٩٣ كتاب: الطهارة، القول بعد الفراغ من الوضوء. ثالثها: معنى قوله: «زَوْجَيْنِ»: أي: شيئين، كدينارين، أو درهمين، أو ثوبين، وشبه ذَلِكَ. وقيل: دينار وثوب، أو درهم ودينار، أو ثوب مع غيره، أو صلاة مع صوم، فيشفع الصدقة بأخرى، أو فضل خير بغيره. قَالَ الداودي: والزوج هنا: الفرد، يقال للواحد: زوج، وللاثنين: زوج. قَالَ تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] وصوابه: للاثنين زوجان، تدل عليه الآية. وروى حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد وحميد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذر أن النبي - ﷺ - قَالَ: «من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة» ثم قَالَ: بعيرين، شاتين، حمارين، درهم. قَالَ حماد: وأحسبه قَالَ: خفين، وللنسائي: «فرسان من خيله، (يعني: بعيران) (١) من إبله»، وروي عن صعصعة قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرًا له عليه مزادتان، قَالَ: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ما من مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده» قلت: زوجين ماذا؟ قَالَ: إن كان صاحب خيل ففرسين، وإن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، حَتَّى أعد أصناف المال (٢). ------------ (١) فوقهما في الأصل: كذا كذا. (٢) رواه النسائي ٦/ ٤١ - ٤٩ كتاب: الجهاد، فضل النفقة في سبيل الله، وأحمد ٥/ ١٥١، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٥ (١٩٥٣٨) كتاب: الجهاد، ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٣٤٩ - ٣٥١ (٣٩٠٩ - ٣٩١٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٣٢ (٤٣٩٤)، وأبو عوانة ٤/ ٥٠١ - ٥٠٢ (٧٤٨٢ - ٧٤٨٧) كتاب: الجهاد، باب: ثواب من أنفق زوجين في سبيل الله -عز وجل- وصفتهما، = وشبيه بهذا حديث الحماني عن مبارك بن سعيد عن أبي المحبر يرفعه: «من عال ابنتين أو أختين أو خالتين أو عمتين أو جدتين، فهو معي في الجنة» (١) لا يقال: إن النفقة إنما تسوغ في الجهاد والصدقة، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام، لأنهما أفعال جسمية، لأن معنى زوجين أراد نفسه وماله. والعرب تسمي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة، فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعه من سائر الأعمال: أنفقت في هذا عمري، وبذلت فيه نفسي، فتكون النفقة عَلَى هذا الوجه في باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه، لا يقال: كيف تكون النفقة في ذَلِكَ زوجين؟ وإنما نجد الفعل في هذا الباب نفقة الجسم لا غير؛ لأن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم في ذَلِكَ؛ لأنه لا بد للمصلي وللصائم من قوت يقيم ------------- = وابن حبان ١٠/ ٥٠١ - ٥٠٣ (٤٦٤٣ - ٤٦٤٥) كتاب: السير، باب: فضل النفقة في سبيل الله، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (١٦٤٤ - ١٦٤٥)، وفي «الأوسط» ٤/ ١٠٩ (٣٧٣٤)، ٥/ ١٤٨ (٦٠٤٧)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٨٦ كتاب: الجهاد، وقال: حديث صحيح الإسناد، وصعصعة بن معاوية من مفاخر العرب، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢١١ - ٢١٢ (٣٣٤٥)، ٤/ ٣٣ (٤٢٧٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ١٨٦، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٥٦٧). (١) رواه الطبراني ٢٢/ ٣٨٥ (٩٥٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٥٧: فيه: يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. قلت: قال عنه الحافظ في «التقريب» (٧٥٩١): حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. وفي الباب عن أنس، رواه مسلم (٢٦٣١) كتاب: البر والصلة، باب: فضل الإحسان إلى البنات، بلفظ: من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة، أنا وهو، وضم أصابعه. به رمقه، وثوب يستره، وذلك من فروض الصلاة، ويستعين بذلك عَلَى الطاعة، فقد صار منفقًا لزوجين لنفسه وماله. وقد تكون النفقة في باب الصلاة أن يبنى مسجدًا لله للمصلين بدلالة قوله: «من بني لله مسجدًا بني الله له بيتًا في الجنة» (١). والنفقة في الصيام إذا فطر صائمًا وأنفق عليه يبتغي وجه الله بدلالة قوله - عليه السلام - «من فطر صائمًا» فكأنما صام يومًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] فجعل الإطعام له عوضًا من صيام يوم. فإن قلت: إذا جاز تسمية استعمال الجسم في الطاعة نفقة، فيجوز أن يدخل في معنى الحديث «من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله» فالجواب: نعم، وهو أعظم أجرًا من الأول، يوضحه ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قَالَ: قَالَ رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قَالَ: «أن يعقر جوادك، ويهراق دمك» (٢) لا يقال: دخل في ذَلِكَ صائم رمضان، أو المزكي لماله ----------- (١) سلف برقم (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: فضل بناء المساجد. (٢) رواه من هذا الطريق: ابن حبان ١٠/ ٤٩٦ (٤٦٣٩) في السير، باب فضل الجهاد. ورواه أحمد ٣/ ٣٠٠، ٣٠٢، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٩ (١٩٣١٦) عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. به. ورواه أحمد أيضًا ٣/ ٣٤٦، ٣٩١، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٦٢ (٢٠٨١) من طريق أبي الزبير عن جابر. به. ورواه الدارمي ٣/ ١٥٤٦ (٢٤٣٧)، والطبراني في «لصغير» ٢/ ٢٤ - ٢٥ (٧١٣) من طريق مالك بن مغول عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. به. قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٩١: رجال أبي يعلى و«الصغير» رجال الصحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٥٢). ومؤدي الفرائض؛ لأن المراد النوافل وملازمتها، والتكرير منها، فذلك الذي يستحق أن يدعى من أبوابها. وسبيل الله: سبل الخير كلها، وقول المَلك: «هذا خير» في كل باب، يعني: ثوابًا وغبطة فيه؛ لأنه قاله عَلَى طريق التفاضل بين الأبواب. رابعها: قوله: (هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قَالَ: «نعم») يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة يدعى منها كلها، فلا ضرورة عليه (١) في دخوله من أي باب شاء، لاستحالة دخوله منها كلها معًا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو عَلَى سبيل الإكرام والتخيير له في الدخول من أيها شاء، كما أسلفناه. خامسها: قوله: («وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ») الرجاء من النبي - ﷺ - واجب، نبه عليه ابن التين، وقال غيره أيضًا: والصديق من أهل هذِه الأعمال كلها. سادسها: فيه: أن أعمال البر كلها يجوز أن يقال فيها: سبل الله، ولا يخص ذَلِكَ بالجهاد وحده. ----------- (١) جاء على هامش النسخة (م): لطيفة: قيل: نفي الضرر كناية عن ثبوت الكرامة والسعادة فطلب الصديق (أن يكون ممن يخص بهذِه الكرامة. وقال ابن بطال: معنى ما على من دعي من تلك الأبواب أن من لم يكن إلا من أهل خصلة واحده ودعي من بابها: لا ضرر بها؛ لأن المطلوب دخول الجنة. قال الكرماني: أقول ويحتمل أن تكون الجنة كالقلعة أي لها سواء محيطة بها وعلى كل سوء باب، فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الذي يلي وهلم جرا. وفيه: أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن الصديق منهم. وفيه: أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، وقد أرسل عبد الله بن عمر العمري (١) العابد إلى مالك يحضه عَلَى الانفراد، وترك الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله -عز وجل- قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجلٍ يفتح له في باب الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر يفتح له في باب الصدقة، ولم يفتح له في الصيام، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البِّر، وقد رضيت بما فتح لي من ذَلِكَ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كل منا عَلَى خير، ويجب عَلَى كل أحدٍ أن يرضى بما فتح الله له، والسلام (٢). ---------- (١) جاء بهامش (م): هو غير الصحابي رضي الله عنه فإن مالكًا لم يدركه. (٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ١٨٥ وقال: هذا معنى كلام مالك؛ لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه، ونقله عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ١١٤ في ترجمة: الإمام مالك رحمه الله. ٥ - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ». وَقَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ». ١٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ». [١٨٩٩، ٣٢٧٧ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١١٢] ١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». [١٨٩٨ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١٩١٢] ١٩٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ: لِهِلَالِ رَمَضَانَ. [١٩٠٦، ١٩٠٧، ١٩٠٨، ١٩١٣، ٥٣٠٢ - مسلم: ١٠٨٠ (٨) - فتح: ٤/ ١١٣] ذكر فيه حديث أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ». وحديث الزهري: حدثني ابن أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطينُ». وحديث ابن عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْل وُيونُسُ: لِهِلالِ رَمَضَان. الشرح: تعليق «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ»، و«لَا تقدموا رَمَضَانَ» سيأتيان مسندين قريبًا (١). وحديث أبي هريرة الأول والثاني أخرجهما مسلم (٢)، ولمسلم: «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرحمة» (٣)، وأبو سهيل في الأول هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وهو ابن أبي أنس في الثاني. قَالَ ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي المدينة: أخبرني عم جدى الربيع بن مالك بن أبي عامر -وهو عم مالك بن أنس المفتي- عن أبيه، فذكر حديثًا أنه عاقد عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فعدادهم اليوم في بني تيم لهذا السبب (٤). وقيل: حلف لبني عثمان أخي طلحة. وحديث ابن عمر: أخرجه مسلم أيضًا من طرق (٥). وقول البخاري: (وقال غيره): (يعني: غير يحيى بن بكير، والضمير في غيره) (٦) لعله يريد به كاتب الليث. وقد رواه الإسماعيلي عن إبراهيم بن هانئ، ثَنَا الزيادي، ثَنَا ابن بكير وأبو صالح، أن الليث ------------ (١) التعليق الأول هو الحديث الآتي برقم (١٩٠١)، والثاني يأتي برقم (١٩١٤) باب: لا يتقد من رمضان بصوم يوم أو يومين. (٢) مسلم (١٠٧٩) كتاب: الصيام، باب: فضل شهر رمضان. (٣) مسلم (١٠٧٩/ ٢). (٤) «الطبقات الكبرى» ٥/ ٦٣ - ٦٤. (٥) مسلم (١٠٨٠). (٦) هذِه الجملة في الأصل كتبها بين السطور. ![]()
__________________
|
|
#364
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 51 الى صـــ 70 الحلقة (364) حدثهما، ثَنَا عقيل .. الحديث. ثم قَالَ: قَالَ ابن ناجية في حديث البخاري، ثم ذكر مثل حديث يونس، وزاد فيه: وكان أبو هريرة يقول فيه: سمعت النبي - ﷺ -، مثله. وقال: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» (١). وللشافعي: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاِثينَ» (٢). قَالَ أبو عمر: كذا قَالَ، والمحفوظ من حديث ابن عمر: «فاقدروا له» (٣) وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ لهلال رمضان: «إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يومًا». قَالَ: وحَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع: عنه: «إن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» (٤). قال أبو عمر: كذا في حديث ابن عمر، وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة وأبو بكرة وطلق الحنفي وغيرهم عن رسول الله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» بمعني واحد (٥). ----------- (١) سيأتي برقم (١٩٠٦) باب: قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا. (٢) «مسند الشافعي» ٢/ ٩٨ (٦٠٧) كتاب: الصيام، باب: وجوب الصيام بالرؤية. (٣) «التمهيد» ١٤/ ٣٣٨. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ١٥٦ (٧٣٠٦ - ٧٣٠٧) كتاب: الصيام. (٥) «التمهيد» ١٤/ ٣٣٨، ٣٣٩. قلت: حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (١)، وأصله في مسلم (٢)، وحديث أبي بكرة وطلق أخرجهما البيهقي، وأخرجه أيضًا من حديث جابر من حديث أبي الزبير عنه، وعائشة (٣). قَالَ الدارقطني: إسناده صحيح (٤). وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين (٥)، وعمر ورافع بن خديج، وحديث حذيفة خرَّجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٦)، وهو عند النسائي مرسل (٧). قَالَ: ولم يقل في الحديث: عن حذيفة. غير حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اعترض بعضهم فقال: حديث ابن عمر غير مطابق للباب، وكان البخاري أشار إلى ما جاء في بعض طرقه الصحيحة أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حَتَّى تروا الهلال» .. الحديث (٨). ---------- (١) أبو داود (٢٣٢٧) كتاب: الصوم، باب: من قال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين. (٢) مسلم (١٠٨٨). (٣) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٦. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٦٠. (٥) «المستدرك» ١/ ٤٢٣. (٦) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٢٠٣ (١٩١١). (٧) «المجتبي» ٤/ ١٣٦، و«السنن الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٨) عن ربعي بن حراش مرفوعًا، من طريق الحجاج بن أرطاة، وفي تفصيل طرق هذا الحديث انظر: «الإرواء» (٩٠٢). (٨) سيأتي برقم (١٩٠٦) باب: قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا، ورواه مسلم (١٠٨٠) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. ثانيها: فيما ذكره دلالة واضحة أنه لا يُكره أن يقال جاء رمضان، ولا صمنا رمضان، وهو ما اختاره هو والمحققون، وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان، وإنما يقال كما قَالَ تعالى: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى (١)، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضًا قَالَ: والطريق إليه والتي مجاهد ضعيفة (٢)، وهو قول أصحاب مالك، قَالَ النحاس: وهذا قول ضعيف؛ لأنه - ﷺ - نطق به، فذكر ما ذكره البخاري ثم قَالَ: والأحاديث كثيرة في ذَلِكَ. وفي «المصنف» من حديث الفضل الرقاشي عن عمه عن أنس مرفوعًا: «هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنان» الحديث (٣) ولأبي داود بإسناد جيد من حديث أبي بكرة قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يقولن أحدكُم: إني قمت رمضان كله، أو صمته كله» قَالَ: فلا أدري أكره التزكية، أو قَالَ: لا بد من نومة أو رقدة (٤). --------- (١) رواه عنهما الطبري ٢/ ١٥٠ (٢٨١٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لوكيع والطبري. (٢) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٢. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٧١ (٨٨٧١) في الصيام، ما ذكر في فضل رمضان .. (٤) أبو داود (٢٤١٥) في الصوم، باب من يقول صمت رمضان كله، ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٣٠ في الصيام، الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان، وأحمد ٥/ ٤٠، ٤١، ٤٨، ٥٢، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (٤٠٩ - ٤١٠)، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ١٠٤ (٣٦٤٣)، وابن حبان ٨/ ٢٢٤ (٣٤٣٩) في الصوم، باب فضل رمضان، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة مرفوعًا. قلت: وقول المصنف: رواه أبو داود بإسناد جيد، فيه نظر؛ لأن الحسن رواه عن = وفي «كامل ابن عدي» مضعفًا (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله جل وعز، ولكن قولوا: شهر رمضان» (٢)، وقال أبو حاتم: إنه خطأ، وإنما هو قول أبي هريرة (٣). وفي المسألة قول ثالث، وهو قول أكثر أصحابنا: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، فلا كراهة له، وإلا فيكره. قالوا: فيقال قمنا رمضان، ---------- = أبي بكرة وقد عنعنه في جميع رواياته ولم يصرح بالسماع، والحسن معروف أنه مدلس، وبهذه العلة ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤١٧)، و«الضعيفة» (٤٨١٩) قال: رجاله ثقات، إلا أن الحسن مدلس، وقد عنعنه عندهم جميعًا. (١) في هامش الأصل: وقد عزاه النووي في «التهذيب» إلى البيهقي. قال: وضعفه البيهقي. والضعف عليه بين. (٢) «الكامل» ٨/ ٣١٣ في ترجمة: نجيح أبو معشر المدني (١٩٨٤) وقال: لا أعلم يروى عن أبي معشر بهذا الإسناد. ورواه أيضًا البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠١ كتاب: الصيام، باب: ما روي في كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان، من طريق ابن عدي. وقال البيهقي: هكذا رواه الحارث بن عبد الله الخازن عن أبي معشر، وأبو معشر هو نجيح السندي، ضعفه ابن معين، وكان يحيى القطان لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه اهـ والديلمي في «الفردوس» ٥/ ٥٢ (٧٤٣٣). وضعفه النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٢٧، وكذا القرطبي في «تفسيره» ٢/ ٢٧٢، وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ١٨١: فيه أبو معشر وفيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث اهـ.، وضعفه الحافظ في «الفتح» ٤/ ١١٣. ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣١٠ (١٦٤٨) عن محمد بن كعب القرظي وأبي هريرة. قولهما، وكذا رواه البيهقي ٤/ ٢٠٢ عن محمد بن كعب. قوله، وقال: وهو أشبه. (٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. ورمضان أفضل الأشهر، وإنما يكره أن يقال: قد (١) جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر، ونحو ذلك. قلت: قد روى البخاري -كما سلف- «إذا دخل رمضان» و«إذا جاء رمضان»، وأما ما رُوِي عن ابن عباس أن يهوديًّا سأل: لم سمي رمضان؟ فقال: لأن الذنوب ترمض فيه إرماضًا، أي: يحرقها ويذهبها، فواهٍ، فيه جماعةٌ متهمون. وفي بعض كتب الترغيب والترهيب من حديث عائشة: «أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين، وغفرها لهم» (٢) وعن أنس نحوه (٣). وقوله: («أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ») يجوز فيه فتح الهاء. حكاه ابن دحية، والمشهور الإسكان، قَالَ ابن سيده: الشهر: القمر، سمي بذلك لشهرته (يعني في الثبوت) (٤) وظهوره، وسمي الشهر بذلك؛ لأنه يشهر بالقمر (٥). ثالثها: قالَ ثعلب: رمضان شهر حر ترمض فيه الإبل، فلا يقدرون عَلَى المسير. قَالَ ابن سيده: جمعه رمضانات ورماضين (٦)، وذكر غير ذَلِكَ. وقال المطرز: كره مجاهد أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله تعالى (٧). ----------- (١) من (ج). (٢) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لابن مردويه والأصبهاني في «الترغيب». (٣) عزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لابن مردويه والأصبهاني في «الترغيب». (٤) كتبت في الأصل بين السطور. (٥) «المحكم» ٤/ ١٣٣. (٦) «المحكم» ٨/ ١٣٨. (٧) رواه الطبري ٢/ ١٥٠ (٢٨١٨)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لوكيع وابن جرير. وفي «الجامع» هو مشتق من اسم الزمان، وذلك أنهم لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة سموها بالأزمنة التي فيها فوافق أيام رمضان أيام رمض الحر. وفي «الغريبين»: هو مأخوذ من رمض الصائم، يرمض إذا حرَّ جوفه من شدة العطش، وفي «المغيث» لأبي موسى: اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضًا: إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي به لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها، وقيل: من رمضت في المكان بمعنى احتبست؛ لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه. وفعلان لا يكاد يوجد في باب فَعِل، وهو من باب فَعَل بالفتح كثير، فعلى هذا هو بهذا أشبه من قولهم: رمضت الفصال (١). وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب رمضان إلا شيئان، اسم هذا الشهر. وعن العرب أنها تقول: جاء فلان يعدو رَمْضًا، ورَمَضًا، وترميضًا، ورمضانًا إذا كان قلقًا فزعًا. رابعها: قوله: («فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ») روي بتشديد التاء وتخفيفها، وهو محمول عَلَى الحقيقة فيه، وفي غيره، وأبواب السماء هنا المراد بها: أبواب الجنة كما جاء في الرواية الأولى، ويؤيده قوله في آخره: «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» وقد أسلفنا أنه حقيقة، فيسلسلون، ويقل أذاهم ووسوستهم، ولا يكون ذَلِكَ منهم كما هو في غير رمضان، ويدل عليه ما يذكر من تغليل الشياطين ومردتهم، بدخول أهل المعاصي كلها في الطاعة، ---------- (١) «المجموع المغيث» لأبي موسى المديني ١/ ٨٠٣ - ٨٠٤. والبعد عما كانوا عليه من الشهوات، وذلك دليل بين. وفيه تأويل آخر أنه عَلَى المجاز، ويكون فتح أبواب الجنة المراد بها: ما فتح الله عَلَى العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها الجنة من الصيام والصلاة والتلاوة، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل، والأعمال فيه أسرع إلى القبول، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصي وترك الأعمال المستوجبة بها النار، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، ليستنقذ منها ببركة الشهر قومًا، ويهب المسيء للمحسن، ويتجاوز عن السيئات، فهذا معنى الغلق، وكذلك «سُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» يعني: اللهُ يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب عن المعاصي والميل إلى وسوسة الشيطان وغرورهم. وجاء في رواية أخرى: «وصفدت الشياطين» (١) والتصفيد: جعل الغل في العنق، ويكون ذَلِكَ علامة لدخول الشهر وتعظيم حرمته. وقال القرطبي: معناه أن الجنة تفتح وتزخرف لمن مات في رمضان لفضيلة هذِه العبادة الواقعة فيه، وتغلق عنهم أبواب النار فلا يدخلها منهم أحد مات فيه، وتصفيد الشياطين لئلا تفسد عَلَى الصائمين. وأما الاعتراض بأنا قد نرى الشر والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا فجوابه من وجوه: أحدها: أنها تُغَلَّ عن الصائمين في الصوم الذي حوفظ عَلَى شروطه بخلاف غيره. ثانيها: أن الشر واقع من غيرهم كالنفس الخبيثة والعادات الركيكة والشياطين الإنسية. --------- (١) رواها مسلم (١٠٧٩). ثالثها: أنه إخبار عن غالب الشياطين والمردة منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يصفد، والمقصود: تقليل الشر وهو موجود في شهر رمضان (١). وقد يقال: الحاصل من تلك الحركة -أعني: حركة المغلول- وإن قلَّتْ. خامسها: معنى: «فاقدروا له» ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، قَالَ تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَليهِ رِزفُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق. وممن قَالَ بهذا أحمد وغيره ممن يجوِّز صوم ليلة الغيم عن رمضان. وقَالَ آخرون منهم ابن سريج ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة والداودي: معناه: قدروه بحسب المنازل. يعني: منازل القمر. وفي «الفصيح»: قدرت الشيء والثوب من التقدير قَدَرًا وقَدْرًا، وأنا أقَدِّره وأَقدُرُه جميعًا. وقال غيره: قدرته وأقدرته. ورواية: «فأكملوا» هي تفسير لأقدروا، ولهذا لم يجتمعا في رواية. قَالَ أبو عمر في «استذكاره»: وقد كان كبار بعض التابعين يذهب في هذا إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب. قَالَ ابن سيرين: وكان أفضل له لو لم يعمل. وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قَالَ: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه، جاز له أن يعتقد الصوم وينويه ويجزئه، قَالَ: والذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية فاشية، أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وعلى هذا مذاهب ---------- (١) «المفهم» للقرطبي ٣/ ١٣٦ بتصرف. جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلا أحمد، ومن قَالَ منهم بقوله: ذهابًا إلى أن معناه: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا (١). وفي «قنية المنية» من كتب الحنفية: لا بأس بالاعتماد عَلَى قول المنجمين. وعن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم. وقول من قَالَ: إنه يرجع إليهم عند الاشتباه بعيد. وعند الشافعي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان (٢). وقال المازري: حمل جمهور الفقهاء: «فاقدروا له» على أن المراد: كمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم؛ لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم (٣). وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان» (٤) ---------- (١) انتهى من «الاستذكار» ١٠/ ١٨ - ١٩. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٤٧. (٣) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٣٠٠ ط. المجلس الأعلى للشئون الأسلامية. (٤) رواه الترمذي (٦٨٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان، والدارقطني ٢/ ١٦٢ - ١٦٣، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٢٥ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٤/ ٢٠٦ في الصيام، باب الصوم لرؤية الهلال، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠ (١٧٢٢) من طريق أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، به. قال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٢٣١ (٦٧٠): سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا خطأ، إنما هو محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن = فليس بمحفوظ كما قَالَ أبو حاتم (١)، وبعض المالكية من البغاددة ركن إلى أن المراد به: حساب النجوم. وقال به بعض الشافعية كما سلف. والحق أن الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصوم، وإنما إذا دلَّ الحساب عَلَى أن الهلال قد طلع من الأفق عَلَى وجه يُرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا، فهذا قد يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشترطة في اللزوم، فإن الاتفاق عَلَى أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدد أو بالاجتهاد أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه. ---------- = النبي - ﷺ - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث. ورواه الطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٥٢ (٨٢٤٢) من طريق يحيى بن راشد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. به، وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا يحيى بن راشد، تفرد به: مروان بن محمد. قلت: لم يتفرد به يحيى بن راشد، عن محمد بن عمرو، فقد تابعه أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. به، كما مر تخريجه. وأورد ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٢٤٥ (٧١٨) حديث الطبراني هذا وقال: سألت أبي عنه فقال: ليس بمحفوظ. اهـ. وسيأتي هذا عند المصنف رحمه الله. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٥٦٥) وقال: رأيت ابن أبي حاتم قد ساق الحديث في «العلل» ١/ ٢٤٥ من طريق يحيى بن راشد قال: حدثنا محمد بن عمرو به وقال: قال أبي: ليس هذا الحديث بمحفوظ. فكأنه لم يقع له من طريق أبي معاوية اهـ. قلت: قد وقع له من طريق أبي معاوية كما أسلفناه- وضعفه، قال ابن أبي حاتم: سالت أبي عن حديث رواه أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - … الحديث، فقال: هذا خطأ .. إلى آخر كلامه. اهـ. «العلل» ١/ ٢٣١ (٦٧٠). (١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٥ (٧١٨). وفي «الإشراف» لابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو إجماع من الأمة أنه لا يجب، بل هو منهي عنه، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك أنه من رمضان، منهم علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم (١)، والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور إسحاق (٢). وفي «المحلى» عن ابن عمر والضحاك بن قيس أنهما قالا: لو صمنا السنة كلها لأفطرنا اليوم الذي يشك فيه (٣). وجاء ما يدل عَلَى الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاصي ومعاوية وعائشة وأسماء بنت الصديق (٤)، فإن حال دون منظره غير وشبهه فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك والشافعي والأوزاعي، ورواية عن أحمد، فلو صامه وبان (له) (٥) أنه من رمضان يحرم عندنا، وبه قَالَ الثوري والأوزاعي. وقال ابن عمر، وأحمد وطائفة قليلة: يجب صومه في الغيم دون الصحو (٦). --------- (١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤ (٩٤٨٩ - ٩٤٩٠، ٩٤٩٣ - ٩٤٩٥، ٩٤٩٧ - ٩٤٩٨، ٩٥٠٣، ٩٥٠٦ - ٩٥٠٧) كتاب: الصيام، ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام. (٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٦١١، «البيان» ٣/ ٥٥٧، «المغني» ٤/ ٣٣٨. (٣) «المحلى» ٧/ ٢٣. (٤) رواه البيهقي ٤/ ٢١١ عن أبي هريرة وأسماء وعائشة. (٥) من (ج). (٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦١ (٧٣٢٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٤ عن ابن عمر. وقال قوم: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية (١)، ورواية عن أحمد (٢). قَالَ مطرف وجماعة أسلفناهم: ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطرًا متلومًا غير آكل ولا عازم عَلَى الصوم، حَتَّى إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال نوى وإلا أفطر، فيما ذكره الطحاوي. حجة الجماعة قوله: «فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» (٣). وقالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عقد ثلاثين يومًا ثم صام. قَالَ الدارقطني: إسناد صحيح (٤). ولأبي داود عن حذيفة بإسناد جيد ------------ (١) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٢ (٧٣٢٩) عن ابن سيرين، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٩٤٩٨ - ٩٤٩٥، ٩٥٠٥) عن الشعبي. (٢) انظر: «المغني» ٤/ ٣٣٠. (٣) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٤. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٥٧ وقد رواه بسنده ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ورواه أيضًا أبو داود (٢٣٢٥) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، وأحمد ٦/ ١٤٩، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣/ ٩٦٠ (١٦٧٥)، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٣١ (٣٧٧)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٣ (١٩١٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٣ من طريق أبي داود، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٧٥ (١٠٦٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة به. قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح، قلت: وهذِه عصبية من الدارقطني، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، والذي حفظ من هذا: فعدوا ثلاثين ثم أفطروا اهـ، وقال الذهبي رادًا على ابن الجوزي: قلت: وهذِه منك عصبية؛ فإن معاوية احتج به مسلم اهـ. «تنقيح التحقيق» ٥/ ١١٥، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٩: = «لا تقدموا الشهر حَتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدة» (١). ------------ = قال ابن عبد الهادي في «التنقيح»: ليست العصبية من الدارقطني، وإنما العصبية منه. قلت: -يقصد ابن الجوزي- فإن معاوية بن صالح: ثقة صدوق، وثقه أحمد وابن مهدي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ولم يرو شيئًا خالف فيه الثقات، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال، فقد قال: لو لم أرو إلا عن من أرضى ما رويت إلا عن خمسة، وقول ابن أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح؛ لأنه لم يذكر السبب. اهـ. بتصرف. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٩٨: إسناده صحيح، وقال في «الدارية» ١/ ٢٧٦: هو على شرط مسلم. وقال المنذري: رجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين، على الاتفاق والانفراد. اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٤، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠١٤) وقال معقبًا على كلام المنذري: قلت: ما قاله فيه نظر؛ فإن معاوية بن صالح وعبد الله بن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري في «صحيحه» فالأول أخرج له في «جزء القراءة» والثاني في «الأدب المفرد» اهـ وخلاصة القول أن الحديث صحيح على شرط مسلم. (١) أبو داود (٢٣٢٦) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٣٥، وفي «الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٦)، والبزار في «البحر الزخار» ٧/ ٢٧٢ (٢٨٥٥)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٣ (١٩١١)، وابن حبان ٨/ ٢٣٨ (٣٤٥٨) كتاب: الصوم، باب: رؤية الهلال، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٨ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان …، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٧٥ (١٠٦٣) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعًا. به. وقد اختلف فيه، قال أبو داود: ورواه سفيان وغيره عن منصور عن ربعي عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - لم يسم حذيفة اهـ رواه النسائي ٤/ ١٣٥ - ١٣٦، وأحمد ٤/ ٣١٤، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٧)، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦٤ (٧٣٣٧)، والبزار ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٢٨٥٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٣٨ كتاب: الصلاة، باب: الرجل يشك في صلاته، والدارقطني ٢/ ١٦١ - ١٦٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٣ من طريق = وعن ابن عباس: «فإن حال بينكم وبينه غمام فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان» (١). ------------- = سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - مرفوعًا. به. قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وقال البزار: لا نعلم أحدًا قال فيه عن حذيفة إلا جرير، وقال البيهقي: وصله جرير عن منصور، بذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة، وقال ابن الجوزي: ضعف أحمد حديث حذيفة، وقال: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ اهـ. قال الحافظ في «فتح الباري» ٤/ ١٢١ - ١٢٢ قيل الصواب فيه، عن ربعي، عن رجل من الصحابة منهم ولا يقدح ذلك في صحته، وقال في «التلخيص» ٢/ ١٩٨، و«الدراية» ١/ ٢٧٦: رجح أحمد رواية ربعي عن بعض أصحاب النبي، وقال: لا أعلم أحدًا سماه غير جرير، وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» كما في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٩ معقبًا على ما قاله ابن الجوزي: هذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وأن تسمية حذيفة وهم من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، وليس بمرسل بل متصل إما عن حذيفة أو عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وجهالة الصحابي غير قادحة في صحة الحديث، وبالجملة فالحديث صحيح، ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح اهـ. قال ابن القيم: هذا الحديث وصله صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور، وقول النسائي: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير، إنما عني تسمية الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، وهذا موصول، ولا يضره عدم تسمية الصحابي، ولا يعلل بذلك اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٤. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠١٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. (١) رواه أبو داود (٢٣٢٧) كتاب: الصوم، باب: من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين، والترمذي (٦٨٨) كتاب: الصيام باب: ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له، والنسائي ٤/ ١٥٣ - ١٥٤ كتاب: الصيام، صيام يوم الشك. باللفظ = ومعنى غمَّ: ستر، ومنه الغم؛ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم: المستور الجبهة بالشعر. وسمي السحاب غيمًا؛ لأنه يستر السماء. ويوم الشك: أن يتحدث الناس برؤية الهلال أو يشهد بها من لا تقبل شهادته، فلو صامه عَلَى نية التطوع فهو حرام عَلَى الأصح، وغير مكروه عند الحنفي، وبه قَالَ مالك (١). قَالَ في «شرح الهداية»: والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف. وفرض العوام التلوم إلى أن يقرب الزوال -وفي «المحيط»: إلى وقت الزوال- فإن ظهر أنه من رمضان نواه وإلا أفطر، وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام، أو شعبان كله، أو وافق يوم الشك يومًا كان يصومه فالأفضل صومه بنية الفضل. ---------- = الذي ذكره المصنف، وأحمد ١/ ٢٢٦، ٢٥٨، والطيالسي ٤/ ٣٩٥ (٢٧٩٣)، والدارمي ٢/ ١٠٤٨ (١٧٢٥) كتاب: الصوم، باب: ما يقال عند رؤية الهلال، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٢٤٣ (٢٣٥٥)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٤ (١٩١٢)، وابن حبان ٨/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٥٩٠)، ٨/ ٣٦٠ (٣٥٩٤)، والطبراني ١١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (١١٧٥٤ - ١١٧٥٧)، والحاكم ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥ وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي، والبيهقي ٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان …، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٣٥ - ٣٧، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٣٢ (١٧١٦) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. والحديث صححه الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٨، وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٩٧: رواه النسائي وابن خريمة وابن حبان والحاكم، وهو من صحيح حديث سماك، لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٩١٧). (١) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٦١٠. وفي «المبسوط»: الصوم أفضل، وتأويل النهي أن ينوي الفرض فيه (١). وفي «المحيط»: إن وافق يومًا كان يصومه فالصوم أفضل وإلا فالفطر أفضل، والصوم قبله بيوم أو يومين مكروه، أي صوم كان، ولا يكره بثلاثة (٢)، وهو قول أحمد (٣). وأما ما ذكره الخطيب الحافظ عن عبد الله بن جراد: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، فكان الشهر قد غم علينا، فأتينا رسول الله - ﷺ - فوجدناه مفطرًا، فقلنا: يا نبي الله، صمنا اليوم. قَالَ: «أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يكون منه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه» (٤). --------- (١) «المبسوط» ٣/ ٦٣. (٢) «المحيط» ٣/ ٣٦٣. (٣) انظر: «المغني» ٤/ ٣٢٦. (٤) رواه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٧٦ - ٧٧ (١٠٦٨) من طريق الخطيب، عن يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد. به. قال ابن الجوزي: قال الخطيب: ففي هذا الحديث كفاية عن ما سواه. قلت: لا تكون عصبية أبلغ من هذا فليته روى الحديث وسكت، فأما أن يعلم عيبه ولا يذكره، ثم يمدحه ويثني عليه، ويقول فيه كفاية عن ما سواه فهذا مما أزرى به على علمه وأثر به في دينه، أتراه ما علم أن أحدًا يعرف قبح ما أتى كيف وهذا الأمر ظاهر لكل من شدا شيئًا من علم الحديث، فكيف بمن أوغل فيه، أتراه ما علم أنه في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». وهذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول الله - ﷺ -، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف، وإنما هو مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق، عن ابن جراد، وهي نسخة موضوعة، قال أبو زرعة والرازي: يعلى بن الأشدق ليس بشيء، وقال أبو أحمد ابن عدي الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين. وقال البخاري: يعلى لا يكتب = فقد قَالَ هو: فيه كفاية عما سواه. لكن ضعفه أبو أحمد بن عدي وابن حبان وغيرهما. واستدل أبو حنيفة بما قَالَ مالك عن أهل العلم أنهم لا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا. وعندنا: إذا انتصف شعبان حرم الصوم ابتداء عَلَى الأصح. وفيه: حديث في السنن من طريق أبي هريرة، صححه الترمذي وابن حزم، واحتج به (١)، وخولف، ضعفه النسائي وأحمد (٢). --------- = حديثه، وقال أبو حاتم ابن حبان الحافظ: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبيهًا بما في حديث نسخه، عن ابن جراد، فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبيهًا بما في حديث نسخه، عن ابن جراد، فجعل يحدث بها وهو لا يدري، لا يحل الراوية عنه. قلت: وما كان هذا يخفي على الخطيب غير أن العصبية تغطي على الدهر، وإنما يُبهرج بما يخفي، ومثل هذا لا يخفي -نعوذ بالله من غلبات الهوى. اهـ. وأقر الذهبي ابن الجوزي في «التنقيح» ١١٩ - ١٢٠. وعزاه الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٧٦ للخطيب في «النهي عن صوم يوم الشك» وقال: أخرجه ابن الجوزي وأشار إلى أنه موضوع؛ لأنه رواية يعلى بن الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد، ويعلى هالك اهـ. (١) «المحلى» ٧/ ٢٦. (٢) حديث أبي هريرة رواه: أبو داود (٢٣٣٧) كتاب: الصوم، باب: في كراهية ذلك، والترمذي (٧٣٨) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، وابن ماجه (١٦٥١) في الصيام، باب: ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان ..، وأحمد ٢/ ٤٤٢، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦١ (٧٣٢٥)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ١٧٢ (٢٩١١) كتاب: الصيام، صيام شعبان، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨٢ كتاب: الصيام، باب: الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان، وابن حبان ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (٣٥٨٩) في الصوم، صوم يوم الشك، والبيهقي ٤/ ٢٠٩ في الصيام، باب: الخبر الذي ورد في النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا = وحديث عمران بن حصين الثابت في «الصحيح»: «أصمت من سرر شعبان شيئا؟» قَالَ: لا. قَالَ: «فإذا أفطرتَ فصم يومين معًا» (١). إذا قلنا: إن سرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيها --------- = عن الصوم حتى يكون رمضان«وهذا لفظ أحمد. والحديث ضعفه أحمد كما ذكر المصنف، ففي»علل أحمد بن حنبل«ص: ١١٧ - ١١٨ (٢٧٣) ذكرت له حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا كان نصف شعبان .. الحديث. فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه، فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، وهذا خلاف الأحاديث التي رويت عن رسول الله - ﷺ -، وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، قلت لأحمد: لم قال لأنه كان عنده أن النبي - ﷺ - كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي - ﷺ - خلافه، وقال: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه. اهـ. وضعفه النسائي كذلك -كما ذكر المصنف- قال النسائي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن اهـ.، قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال المنذري: يحتمل أن يكون الإمام أحمد قد أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن، فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن، وإن كان فيه مقال، فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في»صحيحه«، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو على شرطه، ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرده به، وإن كان قد خرج في الصحيح أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضًا اهـ.»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥ بتصرف. قلت: يفهم من كلام المنذري تصحيح الحديث. والله أعلم. وكذا صححه ابن القيم في»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ وله فيه بحث جيد شفى فيه وكفي فراجعه، وللشيخ أحمد شاكر تعقيب على كلام المنذري في هامش»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٥ فسارع إليه ترشد. وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٠٢٥) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الترمذي وابن حبان واحتج به ابن حزم، وقواه ابن القيم اهـ. (١) سيأتي برقم (١٩٨٣) باب: الصوم آخر الشهر، ورواه مسلم (١١٦١) كتاب: الصوم، باب: صوم سرر شعبان. لا يعارضه، لأن له سببًا. وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقدموا رمضان بصيام إلا أن يوافق ذَلِكَ صومًا كان يصومه أحدكم» (١). وقد دل أن الكراهة عَلَى تعمد الصيام بحال رمضان. ولأبي داود بإسناد جيد -وإن كان ابن الجوزي أعله- عن معاوية مرفوعًا: «صوموا الشهر وسرره، وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله فليفعله» (٢). -------- (١) يأتي برقم (١٩١٤) باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ورواه مسلم (١٠٨٢) باب: لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين. (٢) أبو داود (٢٣٢٩) كتاب: الصوم، باب: في المتقدم، من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر- المغيرة بن فروة قال: قام معاوية في الناس بدير مسحل الذي على باب حمص فقال: أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدم فمن أحب أن يفعله فليفعله .. وفي آخره قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «صوموا الشهر وسره». وأعله ابن الجوزي -كما ذكر المصنف- في «العلل المتناهية» ٢/ ٣٨ - ٣٩ (٨٧٤) وقد رواه من طريق خالد بن يزيد المري، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول أن معاوية كان إذا حضر شهر رمضان قال: أما هلال شعبان يوم كذا وكذا … الحديث، فقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - ومكحول لم يسمع من معاوية، وأما خالد بن يزيد فقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: لبس بثقة. اهـ. وقال ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٤ وقد أورد الحديث: المغيرة بن فروة غير مشهور، ثم لو صح لما كانت فيه حجة أصلًا. قلت: يشير بقوله هذا إلى عدم صحته. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٧): إسناده ضعيف. وروى أبو داود (٢٣٣٠) حدثنا سليمان بن عبد الرحمن في هذا الحديث قال: قال الوليد: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي يقول: سره أوله. قال الخطابي: أنا أنكر هذا التفسير، وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في اللغة، والصحيح أن سره آخره، هكذا حدثناه أصحابنا، عن إسحاق بن إبراهيم بن = وعن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان، يصله برمضان. وصححه الترمذي (١). وللحاكم وقال: عَلَى شرط الشيخين. عن عائشة: وكان أحب المشهور إلى رسول الله - ﷺ - يصومه شعبان، ثم يصله برمضان (٢). ----------- = إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، عن الوليد، عن الأوزاعي قال: سره: آخره. وهذا هو الصواب، وفيه لغات، يقال: سرُّ الشهر، وسَرَرُ الشهر، وسَرَاره، وسمي آخر الشهر سرًا لاستسرار القمر فيه اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، وكذا فسره ابن القيم في «حاشية مختصر السنن» بأنه آخره، وقت استسرار هلاله. وهذا الحديث قال عنه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٨): إسناده إلى الأوزاعي صحيح، لكنه مقطوع وشاذ. وروي أبو داود أيضًا (٢٣٣١) حدثنا أحمد بن عبد الواحد عن أبي سهر قال: كان سعيد -يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره: أوله. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٩): إسناده إليه صحيح، لكنه مقطوع، مستنكر لغة، كما في الذي قبله اهـ. وقال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه، وقالوا: آخره اهـ. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤٠٠ - ٤٠١): لم أقف على من وصلهما، وقوله: وسطه، مخالف لمعناه الراجح وهو: آخره كما تقدم، وهو مذهب الجمهور. وقوله: آخره: هو الصحيح من حيث المعنى اهـ. بتصرف. (١) رواه أبو داود (٢٣٣٦) باب: فمن يصل شعبان برمضان، والترمذي (٧٣٦) باب: ما جاء في وقال شعبان برمضان، والنسائي ٤/ ١٥٠، ٢٠٠، وابن ماجه (١٦٤٨) باب: ما جاء في وقال شعبان برمضان، وأحمد ٦/ ٣١١، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٢٤) وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٣٤، ورواه أيضًا: أبو داود (٢٤٣١) باب: في صوم شعبان، والنسائي ٤/ ١٩٩، وأحمد ٦/ ١٨٨، وابن خزيمة ٣/ ٢٨٢ (٢٠٧٧)، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٩٢ كتاب: الصيام، باب: في فضل صوم شعبان، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٣٧٧ (٣٨١٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٤١، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٣٣٠ (١٧٧٩)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٠١) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. ![]()
__________________
|
|
#365
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 71 الى صـــ 90 الحلقة (365) فرع: لو نوى صوم غدٍ من رمضان إن كان منه فكان منه لم يقع عندنا، خلافًا للمزني، إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشدًا. وفي «شرح الهداية»: لا يصير صائمًا بقوله: أصوم غدًا إن كان من رمضان، دون ما إذا كان من شعبان لتردده، فلو قَالَ: إن كان من رمضان فعنه، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر، فمكروه لنزدده أيضًا، ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه، أو من شعبان فلا عن الواجب، ولو قَالَ: أصوم غدًا من رمضان أو تطوعًا، لا يصير صائمًا قطعًا. فرع: من انفرد برؤية الهلال ولم يقبل صام سرًّا، كالمنفرد برؤية هلال شوال يفطر. فرع: إذا رؤي ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح. وظاهر الحديث التعدي إلى غيره مطلقًا، وقد وقعت المسألة في زمن (ابن عباس) (١) وقال: لا نزال نصوم حَتَّى يكمل ثلاثين أو نراه، وبهذا أمر رسول الله - ﷺ - (٢). ويمكن إرادته هذا. فرع: لا يثبت هلال رمضان بشهادة واحد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وإن كان في الأمران الشافعي رجع عنه، ولا يثبت هلال شوال بواحد، خلافًا لأبي ثور (٣). ----------- (١) وقع في الأصل: ابن عبد البر. والمثبت من هامشه حيث إنه كذا في مسلم. (٢) رواه مسلم (١٠٨٧) كتاب: الصيام، باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم وانهم .. (٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٥، «البيان» ٣/ ٤٨٠، ٤٨٢. ٦ - باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً وَقَالَتْ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يُبْعَثُونَ عَلَى قدر نِيَّاتِهِمْ». (١). ١٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩، ٧٦٠ - فتح: ٤/ ١١٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد سلف في الإيمان (٢). ومعنى: «إِيمَانًا»: تصديقًا بالثواب من الله تعالى عَلَى صيامه وقيامه، ومعنى: «احْتِسَابًا»: يحتسب ثوابه عَلَى الله تعالى، وينوي بصيامه وجهه، ولا يتبرم بزمانه حرًّا وطولًا. والحديث دال عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قَالَ - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٣) وهو راد لقول زفر: إن رمضان يجزئ من غير نية، ثم هي مبيتة عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة (٤) والأوزاعي وإسحاق حيث قالوا: يجزئ قبل الزوال. ولا سلف لهم فيه والنية إنما ينبغي أن تكون مقدمة قبل العمل، وحقيقة التبييت لغة يقتضي جزءًا من الليل، وروى هذا --------- (١) في هامش الأصل: هذا التعليق هو عنده مسند، وكذا عند مسلم وذكره معلقًا أيضًا في باب: هدم الكعبة فاعلمه. (٢) سلف برقم (٣٥) باب: قيام ليلة القدر من الإيمان. (٣) تقدم برقم (١)، ورواه مسلم (١٩٠٧). (٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣. ابن عمر وحفصة وعائشة (١)، ولا مخالف لهم. وعند أبي حنيفة: لو صام رمضان بنية النفل أجزأه (٢)، وكذا إن أطلق يجزئه عنه، مسافرًا كان أو حاضرًا، قَالَ: فإن نوى النذر أو الكفارة أجزأه عن رمضان إن كان حاضرًا، وعن نذره إن كان مسافرًا. والمراد هنا بالذنوب: ما عدا التبعات، والفضل واسع. --------- (١) رواه عن ابن عمر: البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٢ كتاب: الصيام، باب: الدخول في الصوم بالنية. ورواه عن حفصة: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٣ (٩١١٢) كتاب: الصيام، من قال: لا صيام لمن لم يعزم من الليل، والدارقطني ٢/ ١٧٣، والبيهقي ٤/ ٢٣ ورواه عن عائشة البيهقي ٤/ ٢٠٣. (٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٠. ٧ - باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ ١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [انظر: ٦ - مسلم: ٢٣٠٨ - فتح: ٤/ ١١٦] ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). و(أجود) الأول بالفتح. وقوله: (وكان أجود)، كذلك (٢) وجوز ابن مالك رفعه أيضًا. وامتثل النبي - ﷺ - في هذا قوله تعالى، وأمره بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول - ﷺ -، الذي كان أمر به تعالى عباده ثم عفا عنهم لإشفاقهم من ذَلِكَ، فامتثل ذَلِكَ عند مناجاته جبريل، وقد سلف هذا المعنى. وفيه: بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكيرًا لفعل الخير وتنبيهًا عَلَى الازدياد من العمل الصالح، وكذلك أمر - ﷺ - بمجالسة العلماء، ----------- (١) مسلم (٢٣٠٨) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. (٢) في هامش الأصل: رجح في أوائل الشرح الرفع في (أجود) الثانية. ولزوم حلق الذكر (١)، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يحذك من متاعه لم تعدم طيب ريحه (٢). ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء (٣). ------------ (١) روي عن أنس مرفوعًا: «إذا مررتم برياض الجنة، فارتعوا». قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». رواه الترمذي (٣٥١٠) كتاب: الدعوات، وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٦٤٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، وابن عدي في «الكامل» ٣١١/ ٧ - ٣١٢ في ترجمة: محمد بن ثابت البناني (١٦٣٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٣٩٨ (٥٢٩)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» ١/ ٩٣ - ٩٤ (٣٩)، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٢٥٦٢). (٢) روي عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكبير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكبير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة». وسيأتي هذا الحديث (٢١٠١) كتاب: البيوع، باب: في العطار وبيع المسك، ورواه مسلم (٢٦٢٨) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب مجالس الصالحين، ومجانبة قرناء السوء. وهذا لفظه. (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص: ٦١٩، بلاغًا. ورواه الطبراني ٨/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٧٨١٠)، والرامهرمزي في «أمثال الحديث» ص ٨٧ - ٨٨ (٥٢)، والديلمي في «الفردوس» ٣/ ١٩٦ (٤٥٥٠) من حديث أبي أسامة مرفوعًا. قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٢٥: فيه: عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٨). ورواه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٨٧) عن عبد الوهاب بن بخت المكي، قوله. وقال مرة أخرى: فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم. فهذِه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم. وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا ويعين عَلَى بعض، ألا ترى أن بركة الصيام ولقاء جبريل - عليه السلام - وعرضه القرآن عليه زاد في جوده - ﷺ - وصدقته، حَتَّى كان أجود من الريح المرسلة. ونزول جبريل - عليه السلام - في رمضان للتلاوة دليل عظيم لفضل تلاوة القرآن فيه، وهذا أصل تلاوة الناس القرآن في كل رمضان تأسيًا به. ومعنى مدارسته إياه فيه؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن كما نطق به القرآن. وفيه: أن المؤمن كلما ازداد عملًا صالحًا وفتح له باب من الخير، فإنه ينبغي له أن يطلب بابًا آخر وتكون يمينه ممتدة في الخير إلى فوق عمله، ويكون خائفًا وجلًا غير معجب بعمله، طالبًا للارتقاء في درجات الزيادة. ٨ - باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ ١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». ذكر فيه حديث أبي هريرة فقال: حَدَّثَنَا ادمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». هذا الحديث من أفراده، ولما ذكره في الأدب قَالَ: أفهمني رجل إسناده (١). وقال أبو داود: قَالَ أحمد بن يونس: فهمت إسناده عن ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أُراه ابن أخيه (٢). وفي رواية للجُوزي: والجهل (٣). قَالَ الدارقطني في «علله»: رواه يزيد بن هارون وأبو نباتة يونس بن يحيى (ت) (٤)، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، لم يذكر أباه، وأغرب أبو قتادة بسند آخر عن ابن أبي ذئب فقال: عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، عن أبي هريرة (٥). ---------- (١) سيأتي (٦٠٥٧) باب: قول الله تعالى: واجتنبوا قول الزور. (٢) «سنن أبي داود» ٢/ ٧٦٧، عقب حديث (٢٣٦٢). (٣) ستأتي (٦٠٥٧). (٤) في هامش الأصل: صدوق توفي سنة ٢٥٧ هـ. (٥) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨. قلت: ورواه من غير ذكر أبيه حماد بن خالد، ساقه الإسماعيلي. قَالَ: ابن أبي ذئب، عن المقبري عن أبي هريرة. وفي «مستدرك الحاكم» عَلَى شرط مسلم من حديث عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه - ﷺ - قَالَ: «ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم» (١). وفي لفظ: «رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع، ورب قائم حظه من قيامه السهر». ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط البخاري (٢). وروى أبو السري هناد بن السري في «زهده» عن أنس مرفوعًا: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» (٣). وله عن أنس أنه قَالَ: «إذا اغتاب الصائم أفطر» (٤). ---------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٣٠ وصححه الحاكم، الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٨٢). (٢) «المستدرك» ١/ ٤٣١. (٣) «الزهد» لهناد ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٦)، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٩٠) كتاب: الصوم، باب: ما يؤمر به الصائم، وإسحاق بن راهويه كما في «نصب الراية» ٢/ ٤٨٢، والديلمي في «الفردوس» ٤/ ٧٧ (٦٢٣٨). ورواه الطيالسي في «مسنده» ٣/ ٥٧٧ (٢٢٢١)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (١٧٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٠٩، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٠١ (٦٧٢٢) مطولًا وفيه عندهم قصة. بلفظ: وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ والحديث أورده الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ١٣/ ١٦٣ من طريق الطيالسي وقال: إسناد ضعيف متن غريب، وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٨٧: فيه يزيد بن أبان اهـ. قلت: يشير إلى ضعف الحديث، لضعف يزيد بن أبان، قال في «التقريب» (٧٦٨٣): يزيد بن أبان الرقاشي، زاهد ضعيف اهـ. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٥١). (٤) «الزهد» ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٤). أما فقه الباب فهو أن حكم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذَلِكَ فقد نقص صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله - ﷺ -: «من باع الخمر فليشقص الخنازير» (١) ----------- (١) رواه أبو داود (٣٤٨٩) كتاب: الإجارة، باب: في ثمن الخمر والميتة، وأحمد ٤/ ٢٥٣، والطيالسي في «مسنده» ٢/ ٧٦ (٧٣٥)، والحميدي ٢/ ٢٣ (٧٧٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤١٧ (٢١٦١٢) كتاب: البيوع والأقضية، ما جاء في بيع الخمر، والدارمي ٢/ ١٣٣٤ - ١٣٣٥ (٢١٤٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الخمر وشرائها، والطبراني في «الكبير» ٢٠/ ٣٧٩ (٨٨٤)، وفي «الأوسط» ٨/ ٢٤٥ (٨٥٣٢)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٦٠٨)، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٢ كتاب: البيوع، باب: تحريم التجارة في الخمر، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥. من طريق طعمة بن عمرو الجعفري عن عمر بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا. به. قال عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٧ (١٣٦٦): سألت أبي عن هذا الحديث، فقلت: من عمر بن بيان؟ فقال: لا أعرفه اهـ.، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٥٦٦). تنبيه: وقع في بعض الكتب وكذا في «الضعيفة» للألباني: عن عمرو بن بيان عن عروة بن المغيرة، وفي بعضها عن عمرو بن دينار عن عروة وهذا خطأ لأنه عمر بن بيان عن عروة، قاله الدارمي. تنبيه آخر: قال الألباني في «الضعيفة» (٤٥٦٦): قال الدارمي: إنما هو عمرو بن دينار. اهـ. قلت: يبدو أن النسخة التي نقل منها الألباني بها ما قاله، أما في طبعة دار المغني تحقيق: حسين أسد: قال الدارمي: إنما هو عمر بن بيان، وأشار في الهامش أن في بعض النسخ: دينار وهو تحريف. تنبيه ثالث: وقع عند البيهقي: طعمة بن عمرو الجعفي، وهو خطأ وصوابه الجعفري، وقد أشار إليه المحقق في الهامش. = يريد: أي: يذبحها. ولم يأمره بشقصها ولكنه عَلَى التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه. وفي كتاب «الرقاق» لابن المبارك عن ابن جريج قَالَ: قَالَ سليمان بن موسى عن جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الخادم، وليِكُ عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك وفطرك سواء (١). وفي «علل الدارقطني» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خمس يفطرن الصائم وينفضن الوضوء: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر بشهوة، ------------ = تنبيه رابع: وقع عند الطبراني في»الأوسط«: نا طلحة بن عمرو الجعفري قال: سمعت عمرو بن دينار عن عروة بن المغيرة بن شعبة. به. وقال الطبراني: لا يروي هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به طلحة بن عمرو! كذا قال! قلت: صوابه: طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان، عن عروة، ولعله خطأ من بعض النساخ. وأما قوله - ﷺ -:»فليشقص الخنازير«. قال ابن الأثير: أي فليقطعها قِطعًا ويفصلها أعضاءً كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها، يقال: شقصه يشقصه، وبه سمي القصاب مشقصًا. المعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابًا. اهـ.»النهاية في غريب الحديث والأثر«٢/ ٤٩٠ مادة (شقص). (١)»الزهد والرقائق«(١٣٠٨)، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٨٠)، والحاكم في»معرفة علوم الحديث«ص: ٢٠ النوع الخامس، والبيهقي في»شعب الإيمان" ٣/ ٣١٧ (٣٦٤٦) من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله. قوله. قال الحاكم: هذا حديث يتوهمه من ليس الحديث من صناعته أنه موقوف على جابر، وهو موقوف مرسل قبل التوقيف، فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يسمع من جابر ولم يره، بينهما عطاء بن أبي رباح في أحاديث كثيرة. واليمين الكاذبة» (١). قَالَ أبو حاتم في «علله»: هذا حديث كذب (٢). ولابن حزم -مصححًا- عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - أتى عَلَى امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: «قيئا» فقاءتا قيحًا ودمًا ولحمًا عبيطًا، فقال - ﷺ -: «إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا عَلَى الحرام» (٣). --------- (١) مسند أبي هريرة من «علل الدارقطني» غير مطبوع، وقد روي عن أنس. رواه الديلمي كما في «الفردوس» ٢/ ٩٧ (٢٩٧٩) وعنه الجورقاني في «الأباطيل والمناكير» ١/ ٣٥١ (٣٣٨)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٥٦٠ (١١٣١) من طريق الحسن بن أحمد بن البنا، عن أبي الفتح بن أبي الفوارس، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أحمد بن جعفر الجمال، عن سعيد بن عنبسة، عن بقية، عن محمد بن الحجاج، عن جابان، عن أنس مرفوعًا. به. قال الجورقاني: هذا حديث باطل، في إسناده ظلمات، وقال ابن الجوزي: حديث موضوع، من سعيد بن عنبسة إلى أنس كلهم مطعون فيه، وقال ابن ماكولا في «الإكمال» ٢/ ١٠ - ١١ في ترجمة جابان روى عن أنس، عن النبي - ﷺ - حديثًا منكرًا «خمس يفطرن الصائم» وكذا أورده الحافظ في «لسان الميزان» ٢/ ٨٦ في ترجمة جابان (١٨٨٢) من حديث أنس وقال: قال الأذدي: موسى بن جابان، عن أنس متروك الحديث. وأورده الشوكاني في «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» ص ٩٤ (٢٥)، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٧٠٨): موضوع. (٢) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (٧٦٦) والذي. فيه من حديث أنس. (٣) «المحلى» ٦/ ١٧٨. وحديث عبيد رواه أحمد ٥/ ٤٣١، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (١٧١)، والروياني في «مسنده» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٧٢٩)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ١٨٦ من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي قال سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - .. الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ سليمان التيمي. ورواه أبو يعلى في «مسنده» ٣/ ١٤٦ - ١٤٧ (١٥٧٦)، وابن الأثير في "أسد = وعن علي من حديث مجالد عن الشعبي عنه (١). ومجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر قَالَ: ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، لكنه من الكذب والباطل واللغو (٢). وعن أنس قَالَ: إذا اغتاب الصائم أفطر (٣) (٤). وقال أبو ذر: إذا كان يوم صومك فتحفظ ما استطعت (٥). --------- = الغابة«٣/ ٥٣٨ من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - ..... الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف أيضًا لانقطاعه؛ لأن سليمان التيمي لم يسمع من عبيد، فهو مرسل. قال ابن عبد البر في»الاستيعاب«٣/ ١٤٠ (١٧٦٦): عبيد مولى رسول الله - ﷺ - روى عنه سليمان التيمي، ولم يسمع منه، بينهما رجل. والحديث ضعفه الألباني في»الضعيفة«(٥١٩)، وقال عنه الحويني في النافلة (٦٢): منكر، وعقد فيه بحثًا أيضًا فليراجع. (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٤) كتاب: الصيام، ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب، والبيهقي في»شعب الإيمان«٣/ ٣١٦ (٣٦٤٥، ٣٦٤٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٨٥). (٣) وقع في هامش الأصل: ولأحمد مسند فيه مجهول عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - أن امرأتين صامتا إلى أن قال:»ادعهما«قال: فجاءتا. قال: فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما:»قيئي«فقاءت قيحًا، ودمًا وصديدًا أو لحمًا حتى ملأت نصف القدح، ثم قال للأخرى إلى أن قال:»إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس«. وله بسند آخر فيه مجهول … عثمان بن عتاب الذي … مولى رسول الله - ﷺ - كذلك. وله: حدثنا يحيى بن سعيد عن عتاب -هو ابن سعيد مولى رسول الله - ﷺ -- أنهم أمروا بصيام يومٍ، فذكر نحوه وقد عزاه الشيخ لابن حزم هنا. (٤) تقدم تخريجه، وهو عند هناد في»الزهد«٢/ ٥٧٣ (١٢٠٤). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٧٨)، والبيهقي في»شعب الإيمان" ٣/ ٣١٦ (٣٦٤٧). قَالَ ابن حزم: فهؤلاء من الصحابة عمر وعلي وأنس وأبو ذر وأبو هريرة وجابر (١)، يرون بطلان الصوم بالمعاصي؛ لأنهم خصوا الصوم باجتنابها، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ومن التابعين مجاهد وحفصة بنت سيرين وميمون بن مهران والنخعي (٢)، وفي هذا رد عَلَى قول ابن التين لما نقل عن الأوزاعي أنه يفطر من اغتاب مسلمًا. وعند كافة الفقهاء أن ذَلِكَ نقص من حظه من الصيام لا في الإجزاء. واحتج الأوزاعي بالحديث السالف، وهذا عندنا عَلَى وجه التغليظ والمجاز، ومعناه: سقوط الثواب. قلت: قد علمت ضعفه وأن الأوزاعي لم ينفرد به، وكذا قَالَ ابن بطال (٣): اتفق جمهور الفقهاء عَلَى أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ القبيح، ثم نقل عن الأوزاعي أنه يفطره السب والغيبة، واحتج بما روي أن الغيبة تفطر الصائم، وكذا قَالَ القرطبي. قَالَ: وبه قَالَ الحسن فيما أحسب. وقال ابن القصار: معناه: أنه يصير في معنى المفطر في سقوط الأجر لا أنه أفطر في الحقيقة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] فلم يكن آكلًا في الحقيقة، وإنما يصير في معناه، ويجوز أن يكون في معنى التغليظ كما قَالَ: «الكذب مجانب --------- (١) تقدم تخريج هذِه الآثار. (٢) انظرها في:»مصنف ابن أبي شيبة«٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٣، ٨٨٨٧ - ٨٨٨٩) كتاب: الصيام، باب: ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب، و»شعب الإيمان«٣/ ٣١٧ - ٣١٨ وانظر»المحلى«٦/ ١٧٩. (٣)»شرح ابن بطال" ٤/ ٢٤ - ٢٥. الإيمان». وقال أبو العالية: الصائم في ثوابٍ ما لم يغتب وإن كان نائمًا عَلَى فراشه (١). وقال مجاهد: من أحب أن يسلم له صومه (فليجتنب) (٢) الغيبة والكذب (٣). وقال النخعي: كان يقال: الكذب يفطر الصائم (٤). وقوله: («فليس لله حاجة») معناه: فليس لله إرادة في صيامه، والله لا يحتاج إلى شيء فوضع الحاجة موضع الإرادة (٥). ---------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٩) كتاب الصوم، ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وهناد في «الزهد» ٢/ ٥٧٢ (١٢٠١) باب الغيبة للصائم. (٢) في (ج) فليتخنب. (٣) رواه هناد في «الزهد» ٢/ ٥٧٢ (١٢٠٣). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٢٧. (٥) في هامش الأصل: آخر ٩ من ٦ من تجزئة المصنف. وقبالتها في الجهة الأخرى من الهامش: ثم بلغ في الرابع بعد الأربعين كتبه مؤلفه. ٩ - باب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ. إِذَا شُتِمَ؟ ١٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». [انظر: ١٨٩٤ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ٤/ ١٨٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف في باب فضل الصوم، وهو أتم من ذاك. والرفث والجهل ذكر هنا؛ لأنه أشد لحرمة الصوم عنهما كما قاَلَ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والخشوع في الصلاة آكد منه في غيرها، وقال في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فأكد حرمة الأشهر الحرم وجعل الظلم فيها أشد من غيرها، فينبغي للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف قدر ما لزمه من حرمة الصيام، والقيام بحدوده. وقد أسلفنا هناك الكلام عَلَى «يصخب». وقوله: («فم») وفي بعض النسخ «فيِّ» وهو رواية الشيخ أبي الحسن، كما عزاه إليه ابن التين، ثم نقل عن القزاز أنه لا أصل لهذا اللفظ في الحديث ولا لقوله: «فيِّ الصائم» بتشديد الياء، والتشديد لا يجوز عَلَى أحد جهله، وإنما تقول العرب: أعجبني هو زيد، وعجبت من في زيد، ولا وجه للتشديد. ١٠ - باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُزُوبَةَ ١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». [٥٠٦٥، ٥٠٦٦ - مسلم: ١٤٠٠ - فتح: ٤/ ١١٩] ذكر فيه حديث أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، والاستطاعة هنا وجود ما يتزوج به لا القدرة عَلَى الوطء. والباءة أصلها في اللغة: الجماع، وهي مشتقة من المباءة وهي: المنزل، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأن من تزوج امرأة فقد بوأها منزلًا، فهو من مجاز الملازمة، وفي الباءة أربع لغات: أفصحها وأشهرها: الباءة بالمد والهاء. ثانيها: بدون مد. ثالثها: بلا هاء. رابعها: الباهة بهائين بلا مد. وفي بعض شروح «التنبيه» أنها بالمد: القدرة عَلَى مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء. وفي «الموعب»: الباءة: الحظ من النكاح. واختلفوا في المراد بها هنا عَلَى قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما: أن المراد معناها --------- (١) مسلم (١٤٠٠) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنسائي ٤/ ١٦٩، وابن ماجه (١٨٤٥). اللغوي، وهو الجماع، والثاني المؤن. قَالَ ابن دريد: سميت باءة؛ لأن الماء يصب ثم يعود. ومعنى «أَغَضُّ» أمنع وأحصن، مأخوذ من الحصين الذي يمتنع به من العدو. والوجاء -بكسر الواو والمد- رض الأنثيين أي: قاطع للشهوة، فإن سلتا فهو الخصي. وأطلق الداودي أن الوجاء هو الخصي، وحكي فيه فتح الواو والقصر، وليس بشيء، كما نبه عليه القرطبي (١)، وحكاه صاحب «مجمع الغرائب» وغيره من الحفي، وما أبعده؛ لأنه لا يكون إلا بعد طول مشي وتعب، إلا أن يستعمل بمعنى العثور. وأغض وأحصن يحتمل أن تكون لغير المبالغة وأن تكون عَلَى بابها. وقوله: («فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ») ليس إغراء الغائب؛ لأن الهاء في عليه لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة لتعذر خطابه بكاف الخطاب والحوالة عَلَى الصوم لما فيه من كسر الشهوة؛ فان شهوة النكاح متابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها. وفيه: كما قَالَ الخطابي: دلالة عَلَى جواز المعاناة لقطع الباه بالأدوية، ومنعه غيره قياسًا عَلَى التبتل والإخصاء (٢). وفيه: وجوب الخيار في العنة، كما قَالَه القرطبي (٣). وفيه: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه، وهو إجماع، لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب، وإن خاف العنت، وستأتي المسألة ------------ (١) «المفهم» ٤/ ٨٥. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٥٠. (٣) «المفهم» ٤/ ٨٥. -إن شاء الله- مبسوطة في النكاح، فإنه أليق بها، وقد ندب - ﷺ - أمته إلى النكاح ليكونوا عَلَى كمال من دينهم، وصيانة لأنفسهم في غض أبصارهم وحفظ فروجهم، لما يخشى عليه مَنْ جبله الله عَلَى حب أعظم الشهوات، ثم اعلم أن الناس كلهم لا يجدون طولًا في النساء، وربما خافوا العنت بعقد النكاح، فعوضهم منه ما يدافعون به سورة شهواتهم وهو الصيام، فإنه وجاء، وهو مقطعة الانتشار وحركة العروق التي تتحرك عند شهوة الجماع. ١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -. ١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ - فتح: ٤/ ١١٩] ١٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ - فتح: ٤/ ١١٩] ١٩٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٣) - فتح: ٤/ ١١٩] ١٩٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺأَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ - ﷺ --: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». [مسلم: ١٠٨١ - فتح: ٤/ ١١٩] ١٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا». [٥٢٠٢ مسلم: ١٠٨٥ - فتح: ٤/ ١١٩] ١٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٤/ ١٢٠] ثم ذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّئ تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وحديثه أيضًا: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاِثينَ». وحديثه أيضًا: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. وحديث أبي هريرة: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاِثِينَ». وحديث يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ: «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا». وحديث أنس: آلَى رسُول اللهِ - ﷺ -، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا عِشْرِينَ». الشرح: تعليق صِلةَ عن عمار -وهو ابن ياسر- أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والحاكم عَلَى شرط الشيخين. وقال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات (١). ![]()
__________________
|
|
#366
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 91 الى صـــ 110 الحلقة (366) ولا عبرة بقول أبي القاسم الجوهري أنه موقوف، فقد قَالَ ابن عبد البر: لا يختلفون في إسناده. وصِلة هو ابن زفر، ووقع في كتاب ابن حزم: ابن أشيم (٢)، وهو غلط. وحديث ابن عمر بطرقه أخرجه مسلم (٣) وقد سلف (٤). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٦)، وحديث أنس من أفراده. وقد سلف فقه الباب في باب: هل يقال رمضان (٧)؟ واضحًا. وحديث أبي هريرة ساقه البخاري عن آدم، ثَنَا شعبة، ثَنَا محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، فذكره. قَالَ الإسماعيلي: رواه هكذا، وفيه: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة ------- (١) أبو داود (٢٣٣٤) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، الترمذي (٦٨٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، النسائي ٤/ ١٥٣، ابن ماجه (١٦٤٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (١٩١٤)، ابن حبان ٨/ ٣٥١ (٣٥٨٥) كتاب: الصوم، صوم يوم الشك، الدارقطني ٢/ ١٥٧، الحاكم في»المستدرك«١/ ٤٢٣ - ٤٢٤. وصححه الألباني في»صحيح أبي داود«(٢٠٢٢)، و»الإرواء«(٩٦١). (٢)»المحلى" ٧/ ٢٣. (٣) مسلم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر .. (٤) برقم (١٩٠٠). (٥) مسلم (١٠٨١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. (٦) مسلم (١٠٨٥) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعا وعشرين. (٧) راجع شرح أحاديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠). شعبان ثلاثين» وقد رويناه عن عندر وابن مهدي وعدد جماعات، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وهذا يجوز أن يكون آدم رواه عَلَى التفسير من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحًا. ورواه المقرئ، عن ورقاء، عن شعبة عَلَى ما ذكرناه أيضًا، ويحيى بن عبد الله بن صيفي ثقة (١). ومعنى: خنس الإبهام: قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون الخنوس لازمًا. وقوله: («الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ») أي ربما كان كذلك و«غبي» بالباء وروي بالميم من الإغماء، وهو: الإخفاء، وقد سلف «ويومًا» أراد به: مع ليلته. وفيه: دلالة لقول ابن عبد الحكم أنه إذا حلف لا يكلم إنسانًا شهرًا أنه يبر بتسعة وعشرين يومًا. وعند مالك: لا يبر إلا بثلاثين. والمشرُبة بضم الراء وفتحها: الغرفة، وقيل: الخزانة والجمع: مشارب، ولعل يمينه كانت في أول النهار إن كان الصحيح قوله: غدا، أو في نصفه إن كان الصحيح: أو راح، قاله ابن التين. قَالَ الترمذي: والعمل عَلَى حديث عمار عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي ------ (١) هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي القرشي المخزومي المكي، مولى بني مخزوم، وثقه ابن معين والنسائي. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٦٢ (٦٧٠)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤١٦ (٦٨٦٦). وأحمد وإسحاق، وكرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أن صيامه مكان يوم من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه (١). واحتج القاضي في «شرح الرسالة» عَلَى أبي حنيفة في تجويزه صوم يوم الشك عَلَى أنه لرمضان بحديث ابن عمر، وفيه: «لا تصوموا حَتَّى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». فنهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين، فمتى لم يوجدا أو أحدهما فيجب أن لا يجزئه، وقد أسلفنا أن كافة الفقهاء ذهب إلى معنى «فَاقْدُرُوا لَهُ» مجمل يفسره قوله - ﷺ -: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا»، وكذلك جعل مالك في «الموطأ»: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا» بعد قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» (٢) كما صنع البخاري؛ لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ». وحكى ابن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في معناه إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب (٣)، وقد سلف. والحديث نص أنه لم يرد اعتبار ذَلِكَ بالنجوم والمنازل؛ لأنه لو كلف ذَلِكَ أمته لشق عليهم؛ لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى في الدين من حرج، وإنما أحال عَلَى إكمال الثلاثين يومًا وهو شيء يستوي في معرفته الكل. وقد انضاف إلى أمره باعتبار ثلاثين عند عدم الرؤية بفعله في نفسه، فعن عائشة: كان - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر المشهور، فإذا رآه صام، وإن غم عدَّ شعبان ثلاثين وصام. ولو كان ها هنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به (٤). ---------- (١) «سنن الترمذي» عقب حديث (٦٨٦). (٢) «الموطأ» ص ١٩٢. (٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٠. (٤) تقدم تخريجه باستيفاء. وجمهور الفقهاء عَلَى أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، إما بالرؤية وإما بإكمال شعبان ثلاثين، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله؛ لأنه ممكن في الشهر أن يكون ناقصًا، فالرؤية تصحح ذَلِكَ وتوجب اليقين، وإلا فإكمال العدد ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» عند العلماء. ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه كما سيأتي في باب: صيام يوم الشك. وأما حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» له، فإن معناه -كما قَالَ الطبري: الشهر الذي نحن فيه أو الذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأن الألف واللام إنما تدخلها العرب في الأسماء، إما لمعهود قد عرفه المُخبِر والمخبَر، وإما للجنس العام من الشهر، ومعلوم أنه - ﷺ - لم يقصد في ذَلِكَ الخبر عن الجنس العام؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فأحال عَلَى الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعًا وعشرين، فعلم أن قوله: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» أن ذَلِكَ قد يكون في بعض الأحوال. وقد روى البخاري بعده عن ابن عمر مرفوعًا: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر (كذا وكذا) (١)» (٢) يعني: مرة ناقصًا ومرة كاملًا. وروي عن عروة، عن عائشة أنها أنكرت قول من قَالَ أنه - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»: لا والله ما قَالَ كذلك، إنما قَالَ حين هجرنا: «لأهجرنكم شهرً» وأقسم عَلَى ذَلِكَ، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرًا. فقال: «إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة» (٣). ----------- (١) ورد فوق الكلمتين: هكذا وهكذا. (٢) سيأتي برقم (١٩١٣). (٣) رواه مسلم (١٠٨٣) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين، والنسائي ٤/ ١٣٦ - ١٣٧، وأحمد ٦/ ٣٣. ١٢ - باب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ قَالَ إِسْحَاقُ (١): وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهْوَ تَمَامٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ. ١٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ». [مسلم: ١٠٨٩ - فتح: ٤/ ١٢٤] ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «شهرًا عيد لا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ». حديث أبي بكرة أخرجه مسلم أيضًا (٢). ونقل الداودي عن بعض العلماء أنه لم يروه أهل المدينة. وإسحاق (٣) هذا هو ابن سويد بن هُبَيْرة العدوي عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا وهو المذكور بعد في حديث أبي بكرة، الراوي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. ------------- (١) ورد بهامش (م): هو إسحاق بن راهويه، وفي هامش الأصل: ابن سويد، كذا في نسختي، وعليه ما رقمته عليه، والظاهر أنها للمستملي. اهـ ووقع بين السطور رموز غير واضحة. (٢) مسلم (١٠٨٩) كتاب: الصيام، باب: معنى قوله - عليه السلام - شهرا عيد لا ينقصان. (٣) ورد بهامش (م): "إسحاق أي الذي هو من رجال السند لا المذكور بعد الترجمة في بعض النسخ. وعبد الرحمن بن أبي بكرة أول مولود ولد بالبصرة في الإسلام سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، ومات أبو بكرة نفيع بن مسروح سنة إحدى وخمسين بالبصرة. ولما خرَّج الترمذي حديث أبي بكرة حسنه، قَالَ: وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (١). وسمي شهر رمضان شهر عيد، وإنما العيد في شوال؛ لأنه قد يرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم من رمضان، أو أنه لما قرب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قرب منه، ذكرهما الأثرم، واختلف في معناه عَلَى تأويلين: أحدهما: لا ينقصان من سنة، أي غالبًا. والثاني: لا ينقص ثوابهما بل ثواب الناقص كالكامل، وقد ذكرهما البخاري أول الباب، أو المراد لا ينقص العمل في عشر ذي الحجة ولا رمضان، وفيه قوة، وبالأول قَالَ البزار: إن نقص أحدهما تم الآخر. وقَالَ الطحاوي: روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، [عن أبيه] (٢) عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «كل شهر حرام ثلاثون» قَالَ: وليس بشيء لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء، ولأن العيان يمنعه (٣). ----------- (١) الترمذي (٦٩٢) باب: ما جاء في شهرًا عيد لا ينقصان. (٢) زيادة من الطحاوي. (٣) «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢١ (١٣٣٨ - تحفة) وحديث أبي بكرة رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٤٦ - ٤٧ من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مرفوعًا، وقال: حديث لا يحتج بمثله؛ لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف. = وقال المهلب: روى زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا». وبالثاني قَالَ الطحاوي والبيهقي (١): والأحكام متكاملة فيهما لأن في الأول الصوم وفي الثاني الحج. فإن قلت: موضع العبادة من ذي الحجة لا يتأثر بالنقص؛ لأن موضع العبادة منه في أوله خاصة. فجوابه أنه قد يكون في أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون في آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصانه، فإذا كان ذَلِكَ وقع وقوف الناس بعرفة في ثامن ذي الحجة ومرة عاشره. وقد اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده، أيجزئ عنه؛ لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر رمضان الناقص، والإجزاء هو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشافعي، -------------- = وأورده الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٣/ ٢٦٢ في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي (٤٨١٢) من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق. به. وقال الذهبي: عبد الرحمن ضعفوه، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: ضعيف، ومرة قال: متروك، وقال البخاري: فيه نظر. اهـ. وأورد متنه الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٤٧ وعزاه للطبراني في «الكبير» وقال: رجاله رجال الصحيح اهـ.، ولم أقف عليه في «الكبير» فلعله في الجزء المفقود من المعجم، وقول الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، فيه نظر، إن كان طريق الطبراني هو نفس الطريق السابق الذي فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وقد أجمعوا على ضعفه، إلا أنه قد يكون طريق الطبراني غير هذا الطريق والله أعلم. (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٨ - ٥٩، و«سنن البيهقي» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١. واحتج أصحاب الشافعي عَلَى جواز ذَلِكَ بصيام من التْبَسَتْ عليه المشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان وبعده، قالوا: كما يجزئ حج (١) من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده. وقال ابن القاسم: إن أخطئوا ووقفوا العاشر أجزأهم، وإن قدَّموا الوقوف يوم التروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم (٢). وهذا يخرج عَلَى أصل مالك فيمن التَبَسَتْ عليه المشهور فصام شهرًا ثم تبين أنه أوقعه بعد رمضان، أنه يجزئه دون ما إذا أوقعه قبله، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه، وقال بعض العلماء أنه لا يقع وقوف الثامن أصلًا؛ لأنه إن كان برؤية وقفوا التاسع، وإن كان بإغماء فالعاشر. ------------ (١) ورد بهامش / ١٣١ ب/ ما نصه: ولا يخفي أن محل ذلك إذا لم يقع تقصير في طلب ثبوت الهلال. (٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ٨. ١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» ١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٥) - فتح: ٤/ ١٢٦] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قال: قال النَّبِيِّ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثينَ. هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» -وعقد الإبهام في الثالثة- والشهر هكذا وهكذا وهكذا«يعني تمام ثلاثين (١). وانفرد بإخراجه من حديث سعد بن أبي وقاص (٢). وقال أبو حاتم: مرسل عن محمد بن سعد، عن رسول الله - ﷺ - (٣)، ولأبي داود عن ابن مسعود: ما صمت مع رسول الله - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٤). ------------ (١) مسلم (١٠٨٠/ ١٥). (٢) مسلم (١٠٨٦) باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين. (٣)»علل ابن أبي حاتم«١/ ٢٥٥ (٧٥٤). (٤) أبو داود (٢٣٢٢) باب الشهر يكون تسعًا وعشرين يومًا، ورواه الترمذي (٦٨٩) باب ما جاء أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وأحمد ١/ ٣٩٧، ٤٤١، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٨ (١٩٢٢) من طريق عيسى بن دينار، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود .. قوله. قال المباركفوري في»تحفة الأحوذي«٣/ ٣٠٢: حديث حسن، وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٠١١). وعن عائشة مثله عند الدارقطني: إسناد حسن صحيح (١)، ولابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة (٢). قَالَ أبو حاتم الرازي: وحديث ابن عباس رفعه: «الشهر تسع وعشرون وثلاثون» خطأ، والصحيح: عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ -، كذا رواه الحفاظ، فقيل له: فقد روي عن سماك، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة أيضًا، فقال أبو زرعة: يخطئ من يقول ذلك (٣). وخطَّأ أبو حاتم رواية من روى عنها مرفوعًا: «إِنَّا أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» (٤). إذا تقرر ذَلِك؛ فمعنى قوله: «إنا أمة» أي: جماعة قريش، مثل ---------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٩٨، ورواه أحمد ٦/ ٨١، ٩٠، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٥٧ (٥٢٤٩)، والبيهقي ٤/ ٢٥٠ كتاب: الصيام، باب: الشهر يخرج تسعًا وعشرين فيكمل صيامهم. من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة. به. وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق بن سعيد ا. هـ، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٧ رواه أحمد والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٢٣: إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٧/ ٩٠، وسنده صحيح على شرطهما. (٢) ابن ماجه (١٦٥٨) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهر تسع وعشرون، ورواه الترمذي في «العلل الكبير» ١/ ٣٣٢، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٠٧ (٦٤٨٦)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ١/ ٣٢٠ من طريق القاسم بن مالك المزني، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة. به. وانظر: «مصباح الزجاجة» ٢/ ٦٣. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٣٤٥): حسن صحيح. (٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٣٣ (٦٨٠). (٤) السابق ١/ ٢٣٩ (٦٩٧). قوله: ﴿وَأُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. و«أُمِّيَّةٌ» أي: باقون عَلَى ما ولدت عليه الأمهات لا نكتب ولا نحسب، أو نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأَن هذِه صفات النساء غالبًا. وقال الرشاطي: يعني نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل له: أمي نسبة إلى أم القرى مكة، وجعله الله أميًا خشية أن يرتاب المبطلون، إنما يسمع وحيًا فيبلغه ولم يأخذ عن كتب الأمم قبلنا، ولا بحساب نجوم. وقال: «أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذته عما جاء به الوحي من الله. ومعنى: «لَا نَحْسُبُ» وهو بضم السين أي: لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتاب، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذَلِكَ الحساب وغيرهم، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يلفظ بعبارة عنه نزولًا إليها بما يفهمه الخرس والعجم، وحصل من إشارته بيده أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنسِه إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعًا وعشرين. وعلى هذا أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذَلِكَ يقال له: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذَلِكَ ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم، وكذا من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك، فإنه قَالَ: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية. وفيه: أن يوم الشك من شعبان. وقال المهلب: في الحديث بيان لقوله: «اقْدُرُوا لَهُ» أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا كما تأول الفقهاء، ولا اعتبار في ذَلِكَ بالنجوم والحساب، وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عَلَى الرؤية للأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس في الصيام والحج والعدد والديون، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانًا أو كالعيان. وأما ما غمض حَتَّى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار، فقد نهينا عنه وعن تكلفه، وذلك أن رسول الله - ﷺ - إنما بعث إلى الأميين الذين لا يقرءون الكتب ولا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانًا. وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء لمن قَالَ: امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات. ١٤ - باب لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ ١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». [مسلم: ١٠٨٢ - فتح: ٤/ ١٢٧] ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف فقهه في باب: هل يقال رمضان؟ وانفرد داود فقال: لا يصح صومه أصلًا ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذ بظاهر هذا الحديث، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود (٢). ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن وابن سيرين (٣). --------- (١) مسلم (١٠٨٢) كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين. (٢) رواه عن عمر: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٠) كتاب: الصيام، من كره أن يتقدم شهر رمضان بصوم، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٧). والبيهقي ٤/ ٢٠٩ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم، وعن علي: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٢٩)، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، والبيهقي ٤/ ٢١٠. وعن حذيفة: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٣، ٩٤٩٠)، والبيهقي ٤/ ٢١٠. (٣) رواه عن الشعبي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٩٤٩٥ - ٩٤٩٦، ٩٥٠٤ - ٩٥٠٥). وعن النخعي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٥، ٩٤٩٨، ٩٥٠٦) وعن = وهو قول الشافعي (١). وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران بفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر (٢). قَالَ عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله (٣). وأجازت طائفة صومه تطوعًا، روي عن عائشة وأختها أسماء أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (٤). وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق (٥). وحجة هذا القول أنا أنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو عَلَى وجه المراعاة خوفًا أن يكون من رمضان فيلحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، إنما نيتة أنه من شعبان فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهي عن أن يصومه عَلَى أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع. ---------- = الحسن: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١)، ٢/ ٣٢٣ (٩٥٠٠). وعن ابن سيرين: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦٢ (٧٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١). (١) انظر: «البيان» ٣/ ٥٥٨. (٢) رواه عن ابن عباس: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٥٨ (٧٣١١ - ٧٣١٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٢)، ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٨. وعن أبي هريرة: عبد الرزاق ٤/ ١٥٨ (٧٣١٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٥). (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠ (٧٣١٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٣). (٤) رواه عنهما البيهقي ٤/ ٢١١. (٥) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «المغني» ٤/ ٣٢٦. واختلفوا إذا صامه عَلَى أنه من رمضان فقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويرون أن من صامه عَلَى غير رؤية ثم جاء المثبت أنه من رمضان عَلَى أن عليه قضاءه. قَالَ مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا (١). وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل عَلَى أنه من رمضان، ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزئه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه. وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حَالَ دون الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غير سحاب (٢). ويجزئهم من رمضان وإن ثبت بعد ذَلِكَ أن شعبان تسع وعشرون، وهو قول أحمد بن حنبل، وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث. وقول أهل المدينة أولى؛ لنهيه - ﷺ - أن يتقدم صوم رمضان؛ ولقول عكرمة وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (٣). ----------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ١٨٢. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦١ (٧٣٢٣). (٣) حديث عكرمة تقدم تخريجه قريبًا جدًا، وحديث عمار تقدم أيضا تخريجه باستيفاء، وسلف معلقًا قبل حديث (١٩٠٦) وصححه جمع من الأئمة، فراجعه. ١٥ - باب قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. [٤٥٠٨ - فتح: ٤/ ١٢٩] ذكر فيه حديث البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ … الحديث إلى قوله: فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾. هذا الحديث من أفراده، لم يخرجه مسلم إلا نزول الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَى اَلَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتابع البخاري عَلَى قيس بن صرمة: الترمذي وابن خزيمة والدارمي وجماعات (١). ----------- (١) الترمذي (٢٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، أحمد ٤/ ٢٩٥، = وقال أبو نعيم في «الصحابة»: صرمة بن أنس -وقيل: ابن قيس- الخطمي الأنصاري الشاعر نزلت فيه ﴿وَكُلُواْ وَاَشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية ثم ساق من حديث صرمة بن أنس: أتى النبي - ﷺ - عشية من العشيان وقد جهده الصوم فقال له: «مالك يا قيس، أمسيت طليحًا ..» الحديث (١)، وكذا ذكره أبو داود في «سننه» (٢) ومقاتل في «تفسيره». وقال ابن عبد البر: صرمة بن أبي أنس -قيس- بن مالك البخاري، أبو قيس. وقال بعضهم: صرمة بن مالك نسبه إلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُم ليلَةَ اَلصِيَام﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) كذا هو في «أسباب النزول» للواحدي (٤). وقال الداودي: ما ذكره البخاري من كونه قيس بن صرمة أخشى أنه ليس بمحفوظ، إنما هو صرمة بن قيس، وبخط الدمياطي قيل: نزلت في ابنه قيس، والأشبه: صرمة، ترهب في الجاهلية ثم أسلم وشهد أحدًا. وفي كتاب ابن الأثير من حديث أبي هريرة: ضمرة بن أنس (٥)، ولعله تصحيف. ---------- = الدارمي ٢/ ١٠٥٣ - ١٠٥٤ (١٧٣٥) كتاب: الصيام، باب: متى يمسك المتسحر عن الطعام والشراب، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٩٠٤) كتاب: الصوم، باب: ما كان الصائم عنه .. وابن حبان ٨/ ٢٤٠ (٣٤٦٠) كتاب: الصوم، باب: السحور، البيهقي ٤/ ٢٠١. (١) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم الأصبهاني ٣/ ١٥٢٤ ترجمة (١٤٨٤) حديث (٣٨٦٤)، والحديث رواه أيضًا الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٩٥٧). (٢) أبو داود (٢٣١٤) كتاب: الصيام، باب: مبدأ فرض الصيام. (٣) «الاستيعاب في أسماء الأصحاب» ٢/ ٢٩٠ (١٢٤٤). (٤) «أسباب النزول» ١/ ٥٣ - ٥٤ (٩١ - ٩٢). (٥) «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير ٣/ ٥٨ (٢٥٧٠). وقال السهيلي: حديث صرمة بن أبي أنس -قيس بن صرمة- الذي أنزل الله فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهذِه في عمر، ثم قال: ﴿وَكُلُواْ وَاَشرَبُواْ﴾ إلى آخر الآية. فهذِه في صرمة بن أنس، بدأ الله بقصة عمر لفضله، ثم بقصة صرمة (١). إذا تقرر ذَلِكَ: فالرفث (٢) كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من النساء، قاله الزجاج (٣). وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم﴾ أي: سكن، أو من الملابسة وهو الاختلاط والاجتماع، والعرب تسمي المرأة لباسًا. ﴿تَختَانُونَ﴾ من الخيانة أي: تخونون أنفسكم بارتكابكم ما حرم عليكم. والمباشرة: الجماع من البشرة ﴿وَابْتَغُوا مَاكَتَبَ اللهُ لَكُم﴾ الولد أو الجماع. وقال ابن عباس: ليلة القدر (٤)، وهو غريب. وقولها: (فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ). هي من خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. ----------- (١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٨٧. (٢) ورد بهامش (م) / ١٣٤ أ/ ما نصه: الرفث بسكون الفاء مصدر رفث يرفث من باب قصد وضرب وكذب: فحش الكلام، وبالفتح الاسم رفث اسم لما يريد الرجال من النساء والحكمة، وضد الصواب رقد أي: دنا. (٣) انظر: «معالم التنزيل» ١/ ٢٠٦. (٤) رواه الطبري ٢/ ١٧٦ (٢٩٨٥ - ٢٩٨٦)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧ (١٦٨٣)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٩ لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكر إسماعيل بن إسحاق عن زيد بن أسلم وإبراهيم التيمي قالا: كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حَتَّى تكون القابلة، فنسخ الله ذَلِكَ. وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم في ذَلِكَ فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد الرقاد وقبله في الليل كله (١). ------------ (١) رواه الطبري ٢/ ١٧٢ (٢٧٥٣)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٨ لعبد بن حميد والطبري. ١٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فِيهِ البَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». [٤٥٠٩، ٤٥١٠ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٤/ ١٣٢]. ١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. [٤٥١١ - مسلم: ١٩٠١ - فتح: ٤/ ١٣٢] ثم ذكر حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ .. الحديث. وحديث سهل بن سعد من طريقين: عنه لما أُنْزِلَتْ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾. ![]()
__________________
|
|
#367
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 111 الى صـــ 130 الحلقة (367) حديث البراء سلف في الباب قبله (١). وحديث عدي وسهل أخرجهما مسلم أيضًا (٢)، وخرج حديث عدي في التفسير أيضًا، وقال: «إن وسادك إذًا لعريض» (٣) وقال في رواية: «إنك لعريض القفا» (٤) وفي سند حديث عدي، حُصين بن عبد الرحمن بضم الحاء، كذا حيث وقع بلا كنية، فإن كني به فهو بفتح أوله. والعقال فيه، الحبل. وقال الداودي في حديث سهل بن سعد: أحسب أنه غير المحفوظ، وإنما المحفوظ حديث عدي؛ لأن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، وإن كان محفوظًا فإنما كان هو الذي فرض عليهم ثم نسخ بالفجر. والخيط: اللون عند أهل اللغة، وبيانه في حديث عدي: سواد الليل وبياض النهار، فخيط الفجر بياض الصبح أول ما يبدو يمتد كالخيط ثم ينتشر. وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى (٥)، وروي معناه عن ابن مسعود (٦). ------- (١) برقم (١٩١٥). (٢) مسلم (١٠٩٠ - ١٠٩١) كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر. (٣) سيأتي برقم (٤٥٠٩). (٤) سيأتي برقم (٤٥١٠). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣٥) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١). وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجر كم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت (١). وقال أبو عبيد: الخيط الأبيض: هو الصبح المصدق، والأسود: هو الليل، والخيط: هو النور. واختلف العلماء في الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب عَلَى من يريد الصوم كما فرضه ابن المنذر، فقال الأربعة وأبو ثور: إنه يحرم عند اعتراض الفجر الآخر في الأفق وهو المنتشر ضوءه معترضًا به. وروي معناه عن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء وعوام علماء الأمصار (٢). وفيه: قول ثان رويناه عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة وابن مسعود وغيرهم، فروينا عن سالم بن عبيد الله أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة (٣). وعن علي أنه قَالَ حين صلى الفجر: الآن حين تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٤). ----------- (١) تقدم. (٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٥٤، «أحكام القرآن» ١/ ٩٢، «البيان» ٣/ ٤٩٧، «المغني» ٤/ ٣٢٥. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٢٩) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١٢). (٤) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٦١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري. وروينا عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى (١). وروينا عن ابن مسعود مثله (٢) زاد الطحاوي قَالَ زر: تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه فأمرني بلقحة، فحلبت، ثم قَالَ: ادن فكل. فقلت إني أريد الصيام. فقال: وأنا أريد الصيام. فأكلنا وشربنا، ثم أتينا المسجد فأقمت الصلاة، فلما صلى حذيفة قَالَ: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -. قلت: أبعد الصبح؟ قَالَ: نعم هو الصبح، غير أن الشمسَ لم تطلع (٣). قَالَ النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. ورواه من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن زر، ومن طريق إبراهيم، عن صلة، ولم يرفعاه، قَالَ: فإن كان رفعه صحيحًا فمعناه أنه قرب النهار كقوله تعالى: ﴿فَإذَا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن قربنا (٤) المنازل إذا قارب، وروى حماد عن أبي هريرة أنه سمع النداء والإناء عَلَى يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة (٥). --------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨ (٨٩٣٥، ٨٩٣٧، ٨٩٣٩)، والطبري ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٦ - ٣٠٠٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١)، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١١). (٣) رواه أحمد ٥/ ٣٩٦، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٢ كتاب: الصيام، باب: الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصيام، وفي «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤ (١٣٤١) (تحفة). من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، به. (٤) بياض في (م) بمقدار كلمة. (٥) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٦/ ٢٣٣. من طريق حماد بن سلمة، ثنا حميد، عن أبي رافع أو غيره عن أبي هريرة، به، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٧/ ١١٧ - ١١٨: إسناد صحيح موقوف. وقال هشام: كان عروة يأمرنا بهذا، يعني: إذا سمع النداء والإناء عَلَى يده، فلا يضعه حَتَّى يقضي حاجته منه. ورواه الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا (١). قلت: هو في «سنن أبي داود» عن أبي هريرة مسندًا، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم، ولم يخرجاه (٢). ----------- (١) رواه أحمد ٢/ ٤٢٣، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ (٧٣٦٩). (٢) أبو داود (٢٣٥٠) كتاب: الصوم، باب: في الرجل يسمع النداء والإناء على يده، «المستدرك» ١/ ٢٠٣، كتاب الصلاة، ١/ ٤٢٦ كتاب: الصوم ٢/ ٤٢٣، ٢/ ٥١٠، ورواه أيضًا الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٣)، والدارقطني ٢/ ١٦٥، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا، به. ورواه أحمد ٢/ ٥١٠، والحاكم ١/ ٢٠٣، ٢٠٥، والطبري ١٨١/ ٢ (٣٠٢٤)، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، مرفوعًا به. وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر. والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم -كما ذكر المصنف- وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمع أحدكم ..» الحديث، وحديث حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - مثله، فقال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح ا. هـ «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٢٣ - ١٢٤ (٣٤٠)، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (٧٥٩) بتصرف يسير. وصححه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطي» ٢/ ٢١٢ فأورده وسكت، وسكوته عنه تصحيح له كما نص هو على ذلك في مقدمته للكتاب ١/ ٦٦ فقال: «وإن لم تكن فيه عله كان سكوتي عنه دليلًا على صحته. ا. هـ وهذِه الفائدة من»صحيح أبي داود" ٧/ ١١٥. وتعقب ابن القطان عبد الحق الإشبيلي فقال: سكت عنه عبد الحق، وهو حديث = --------------= مشكوك في رفعه في الموضع الذي نقله منه -قلت: يقصد «سنن أبي داود»- قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، أظنه، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، به. هكذا في رواية ابن الأعرابي عن أبي داود (أظنه) عن حماد وهي متسعة للتشكك في رفعه واتصاله، وإن كان غيره لم يذكر ذلك عن أبي داود فهو بذكره إياه قد قدح في الخبر الشك، ولا يدرؤه إسقاط من أسقطه، فإنه إما أن يكون شك بعد اليقين، فذلك قادح، أو تيقن الشك، فلا يكون قادحًا، ولم يتعين هذا الأخير، فبقي مشكوكًا فيه ا. هـ «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٢٨٢ (٢٧٧). وكلام ابن القطان هذا ذكره عنه ابن القيم، وسكت عليه، فكأنما أقره على قوله، «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢٣٣. وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في «إتحاف المهرة» ١٦/ ١١٩ - ١٢٠ (٢٠٤٧٩) وعزاه للدارقطني والحاكم وأحمد وقال: قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات ا. هـ. قلت: قول الدارقطني هذا غير موجود في «سننه» التي فيها الحديث فلعله في مصدر آخر، والله أعلم. والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، وتعقب ابن القطان قائلًا: لست أدري من أين جاء ابن القطان بهذا، والذي في «سنن أبي داود»: حدثنا عبد الأعلى حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فهذا إسناد متصل بالسماع صحيح، ثم قد رواه أحمد: حدثنا غسان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو به، وغسان: هو ابن الربيع، وهو ثقة، ثم رواه أيضًا: حدثنا روح، حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة. مثله. فهذِه أسانيد ثلاثة متصلة صحيحة ا. هـ «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢٣٣. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٩٤) و«صحيح أبي داود» (٢٠٣٥) وفيه ردٌّ بديع رائع على ابن القطان، فليراجع. وقال فيه أيضًا متعقبًا أبا حاتم في تضعيفه للحديث: إني أرى أن الصواب لم يكن حليف أبي حاتم حين ضعف الحديثين من طريقي محمد بن عمرو، وعمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة! ومن الغريب، أنه لم يذكر الحجة في جزمه بأن حديث عمار الثقة موقوف! وقد رواه حماد الثقة عنه مرفوعًا، والمفروض أن = -------- = يذكر المخالف له في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله المخالف له في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله شواهد موصولة أخرى يقطع الواقف عليها بأن الحديث صحيح بلا ريب؟! ا. هـ «صحيح أبي داود» ٧/ ١١٨. قلت: هذِه الشواهد التي أشار إليها الشيخ هي من حديث جابر وبلال وأبي أمامة وأنس بن مالك وابن عمر. حديث جابر رواه: أحمد ٣/ ٣٤٨ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه فيسمع النداء، قال جابر: كنا نحدث أن النبي - ﷺ - قال: «ليشرب». قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٣: إسناده حسن؛ وقال الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٣: هذا إسناد لا بأس به في الشواهد، وتابعه الوليد بن مسلم: نا ابن لهيعة به، أخرجه أبو الحسين الكلابي في «نسخة أبي العباس طاهر بن محمد» ورجاله ثقات رجال مسلم، غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ. ا. هـ وحديث جابر هذا ذكره المصنف -رحمه الله- بعد حديث أبي هريرة. وحديث بلال رواه: أحمد ٦/ ١٢، ١٣، والطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٦)، والشاشي ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٩٧٢ - ٩٧٥)، والطبراني ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (١٠٨٣) عن بلال قال: أتيت النبي - ﷺ - أوذنه بالصلاة وهو يريد الصوم، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت ثم خرج إلى الصلاة. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٢: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٣. وحديث أبي أمامة رواه: الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٥) من طريق أبي غالب عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: «نعم»، فشربها. قال الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٢: إسناده حسن. وحديث أنس رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٩٨٣) من طريق مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: انظر من في المسجد فادعه، فدخلت -يعني المسجد- فإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فدعوتهما .. الحديث، قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٢؛ والحافظ في "مختصر = وعن جابر مثله، أخرجه القاضي يوسف بن حماد بن زيد في كتاب «الصيام» (١). وقال بعض أهل العلم فيما حكاه الحازمي (٢): إن حديث حذيفة كان في أول الأمر ثم نسخ بدليل حديثي الباب، وتأول بعضهم قوله في حديث عدي: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» قال بياض النهار أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت وقت صلاة المسفرين بصلاة الصبح. وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. وقال إسحاق بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبي بكر وعلي وحذيفة: هؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، رأوا أن يصلي المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا، ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا حَتَّى يتبين بياض النهار من سواد الليل. ومال إسحاق إلى القول الأول، ثم قَالَ من غير أن يطعن في هؤلاء الذين تأولوا الرخصة في الوقت: فمن أكل في ذَلِكَ الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولًا. -------- = زوائد البزار«(٦٩٥): إسناده حسن. وحديث ابن عمر رواه: الطيالسي ٣/ ٤١٤ (٢٠١٠)، وعبد بن حميد ٢/ ٥٢ - ٥٣ (٨٥٠)، وابن عدي في»الكامل«٧/ ١٦١ في ترجمة قيس بن الربيع (١٥٨٦) من طريق قيس بن الربيع، عن زهير بن أبي ثابت عن تميم بن عياض، عن ابن عمر قال: كان علقمة بن علاثة عند رسول الله - ﷺ - فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: رويدًا يا بلال يتسحر علقمة. قال: وهو يتسحر برأس. وانظر:»الصحيحة«(١٣٩٤). (١) تقدم تخريجه في شواهد حديث أبي هريرة السابق له. (٢)»الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" للحازمي ص: ١١٢. وقال الطحاوي، ولم يذكر حديث أبي بكر ولا علي، ولا فعل أبي هريرة وابن مسعود: حديث حذيفة يدل عَلَى أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل (١). وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قبل أن ينزل ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَلَى ما في حديث سهل، وذهب علم ذَلِكَ عن حذيفة وعلمه غيره، فعمل حذيفة بما علم ولم يعلم الناسخ فصار إليه، ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. وقال ابن قدامة: ﴿الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ هو: الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، قَالَ: وذلك إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، وقد شذَّ، ولم يعرج أحد عَلَى قوله، قال والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى الغروب، هذا قول جماعة المسلمين (٢). وقال الطبري: الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها (٣)، هذا ليس بصحيح منه كما نبه عليه القرطبي (٤)؛ لأن الله تعالى أمر بصوم ما يقال عليه يوم لا ما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعدُوَدَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا: الصائم يلزمه اعتراف طرفي النهار، وذلك لا يكون إلا بتقديم شيء وإن قلَّ من السحر، وأخذ شيء من الليل؛ لأن عليه أن يدخل في إمساك أول جزء من اليوم بيقين، كما عليه أن يدخل في أول رمضان بيقين، والأكل مناف --------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٢. (٢) «المغني» ٤/ ٣٢٥. (٣) «تفسير الطبري» ٢/ ١٨٠ - ١٨١. (٤) «تفسير القرطبي» ٢/ ٣١٩. لأول جزء من الإمساك، فينبغي له أن يقدم الإمساك ليتحقق له أنه حصل في طلوع الفجر ممسكًا، ومن أكل حين يتبين له الفجر ويعلمه فقد جعل أكلًا في أول الصوم. واختلفوا فيمن أكل وهو شاك في طلوع الفجر، فقالت طائفة: الأكل والشرب مباح حَتَّى يتيقن طلوع الفجر. وروى سفيان عن أبان عن أنس عن الصديق قَالَ: إذا نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما: طلع. وقال الآخر: لم يطلع. فليأكل حَتَّى يتبين لهما (١). وعن ابن عباس قَالَ: أحل الله الأكل والشرب ما شككت (٢). وروى وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول قَالَ: رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم ثم قَالَ لرجلين: أطلع الفجر؟ فقال أحدهما: لا، وقال الآخر: نعم، فشرب (٣). ومكحول هذا ليس بالشامي، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور، كلهم قَالَ: لا قضاء عليه، وليس كمن يأكل وهو يشك في غروب الشمس إذ الأصل بقاء النهار، والأصل هناك بقاء الليل (٤). وقال مالك: من أكل وهو شاك في الفجر فعليه القضاء (٥). ------------ (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٧٢ (٧٣٦٥) باب: الطعام والشراب مع الشك. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٧٢ (٧٣٦٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٩ (٩٠٦٧). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٨ (٩٠٦٠). (٤) انظر: «المبسوط» ٣/ ٧٧، «البيان» ٣/ ٥٠٠، «المغني» ٤/ ٣٩٠. (٥) «المدونة» ١/ ١٧٣. وقال ابن حبيب: هو عنده استحباب إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر فيصير واجبًا، كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ظهرت الشمس (١). قلت: الخلاف محله إذا لم يبن الحال. واحتج الأولون بما أسلفناه، وهو القياس، قَالَ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، وهو العلم به، وليس الشك علمًا به، ولكن الاحتياط أن لا يأكل في شك، والبناء عَلَى اليقين من قواعد الدين، والشك مطرح، كما في الشك في الصلاة. وقد وقع الاتفاق عَلَى أنه إذا أكل يوم الشك أنه لا قضاء عليه إذا لم يبن أنه من رمضان، ومسألتنا كذلك قد أكل في زمن يجوز أن يكون من الليل ومن النهار، فلم يلتفت إلى التحرير مع استصحاب حكم الليل، كما لم نوجب الإعادة في يوم الشك مع استصحاب حكم شعبان، وهذِه المسألة مبنية عَلَى ما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث. واحتج من أوجب القضاء بأن الطعام والشراب يحرم عند اعتراض الفجر الآخر وصوم رمضان عليه بيقين، فلا يسقط حكم الصوم إلا بيقين، ومن شك هل أكل قبل الفجر أو بعده؟ فليس بيقين دخوله في الإمساك، وهو كمن شك في الغروب فأكل، وكمن شك في الصلاة، فلا تجزئه الصلاة؛ لأن الوقت عليه بيقين، وكذا لو شك في دخول رمضان وصام عَلَى الشك لم يجزئه من رمضان، وكذا لو شك هل كبر للإحرام لم يجزئه؛ لأن عليه الدخول في الصلاة بيقين كما يدخل في وقتها بيقين، كذلك عليه الدخول في أول جزءٍ من اليوم بيقين، كما عليه الدخول في رمضان بيقين. أعني: الاعتقاد الصحيح. وفرق ابن ------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٨. حبيب بين من أكل وهو شاك في الفجر وبين من أكل وهو شاك في الغروب، كما سيأتي في باب: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت عليه الشمس (١). وقال ابن القاسم: من طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يطأ فليلق ما في فيه ولينزع. ولم يفرق بين الأكل والوطء. وقال ابن الماجشون: ليس الأكل كالجماع؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ولكن لم يبتدئه ولم يتعمده، فعليه القضاء إذا تنحى مكانه، فإن عاد أو خضخض فعليه القضاء والكفارة، وهو قول الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة والمزني: لا كفارة عليه، واحتجوا بأنه إذا أولج ثم قَالَ: إن جامعتك فأنت طالق فلبث أنه لا حنث عليه ولا مهر، ولم يجعله الليث كالإيلاج في وجوب المهر والحد، وجعله الليث هنا كالإيلاج في وجوب الكفارة. وفي حديثي عدي وسهل أن الحكم للمعاني لا للإلفاظ، بخلاف قول أهل الظاهر. وقوله: (فعلموا) إنما يعني: الليل والنهار حجة في أن النهار من طلوع الفجر. فائدة: «عريض القفا» في رواية البخاري السالفة قال الخطابي تفسر عَلَى وجهين: أحدهما: أن تكون كناية عن الغباوة أو سلامة الصدر، يقال للرجل الغبي: إنك لعريض القفا. والآخر أن يكون أراد: إنك غليظ -------- (١) برقم (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت الصديق. (٢) انظر: «البيان» ٣/ ٥٠٠. الرقبة، وافر اللحم؛ لأن من أكل بعد الفجر لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه. وقوله: «إن وسادك لعريض». أي: إن نومك إذًا لطويل. كنَّى بالوساد عن النوم، ومعنى العريض: السعة والكثرة إذ لم يرد به ضد الطول. أخرى: قوله في حديث سهل: «حَتَّى يتبين له رؤيتهما» ضبطت هذِه اللفظة عَلَى ما في «المطالع» (١) وغيره عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: رئيهما -براء مكسورة ثم همزة ساكنة- ومعناه منظرهما، ومنه قول تعالى: ﴿أَحسَنُ أَثاثًا وَرءيًا﴾ [مريم: ٧٤]. ثانيها: زِيِّهما بزاى مكسورة ثم ياء مشددة بلا همز ومعناه لونهما. ثالثها: رَئّيِهما بفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء، قَالَ عياض: هذا غلط؛ لأن الرئيَّ التابع من الجن فإن صح فمعناه مرئي (٢). ثالثة: في حديث سهل: إن الله تعالى لم ينزل: ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ إلا منفصلًا عن قوله: ﴿مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ويجمع كما قَالَ القرطبي بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، إنما سمع الآية مجردةً، وعلى هذا فيكون ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ متعلقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، قَالَ: ويحتمل أن تكونا قضية واحدة. وذكر بعض الرواة ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ متصلًا بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرقًا كما بينه حديث سهل (٣). ---------- (١) ورد تعليق في هامش الأصل: ليس في «المطالع» الثاني. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٧. (٣) «المفهم» ٣/ ١٤٨ بتصرف. وحديث سهل يقتضي أن يكون متفرقًا، وذلك أن فرض الصيام كان في السنة الثانية قطعًا. وقال سهل في حديثه: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود. فأنزل الله ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ فدلَّ هذا عَلَى أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك إلى أن أسلم عدي في السنة التاسعة. وقيل: العاشرة، حتى أخبره رسول الله - ﷺ - أن ذَلِكَ كان سواد الليل وبياض النهار. قَالَ: وقوله: فأنزل الله بعد ذَلِكَ ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ روي أنه كان بينهما عام (١). وقال عياض: وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولًا ثم نسخ بقوله ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ كما أشار إليه الطحاوي والداودي، وإنما المراد أن ذَلِكَ فعله وتأوله من لم يكن مخالطًا لرسول الله - ﷺ -، إنما هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده، أو لم تكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار (٢). قال الطحاوي: أهل الكتاب من شريعتهم أنهم إذا ناموا في ليلهم حرم عليهم ما يحرم على الصائم إلى خروجهم من صوم غد تلك الليلة (٣)، وهذا أسلفناه. -------- (١) «المفهم» ٣/ ١٤٩ - ١٥٠. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٥. (٣) «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢٥ (تحفة). ١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ» ١٩١٨، ١٩١٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ؛ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ». قَالَ القَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى هذَا وَيَنْزِلَ ذَا. ١٩١٨ - [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٤/ ١٣٦] ١٩١٩ - [انظر: ٦٢٢ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٤/ ١٣٦] ذكر فيه حديث نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ». قَالَ القَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَينْزِلَ ذَا. هذا الحديث تقدم في الأذان قبل الفجر (١) وانفرد بقوله: «فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» واقتصر ابن بطال ذكره من طريق عائشة وأسقط ابن عمر وتوبع (٢). وقوله: (واَلْقَاسِم) هو بالخفض عطفًا عَلَى نافع؛ لأن عبيد الله روى عن نافع عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة، وأخطأ من ضبطه بالرفع كما نبه عليه ابن التين. ------- (١) برقم (٦٢٢ - ٦٢٣) كتاب: الأذان. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤١ - ٤٢. قَالَ ابن بطال: معنى حديث عائشة ومعنى لفظ الترجمة واحد وإن اختلف اللفظ، قَالَ: ولم يصح عند البخاري عن النبي - ﷺ - لفظ الترجمة، واستخرج معناه من حديث عائشة، ثم قَالَ: ولفظ الترجمة رواه وكيع، عن أبي هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ ولَا الفجرُ المستطيل ولكنَّ الفجرُ المستطير في الأفق» وحسنه الترمذي (١). هذا آخر ما ذكره وهو عجيب منه، فالبخاري نفسه في الأذان أورد هذا اللفظ بعينه من حديث ابن مسعود (٢) وشرحه ابن بطال (٣). فيا للعجب من كونه يدعي أن ذَلِكَ لم يصح عنده وينتقل إلى حديث آخر، وقد نقل بعدُ أن ابن مسعود رواه كما ستعلمه. قال المهلب: والذي يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالًا كانت رتبته وخطته أن يؤذن بليل عَلَى ما أمر به الشارع من الوقت؛ ليرجع القائم وينبه النائم وليدرك السحور منهم من لم يتسحر، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ -، فكانوا يتسحرون بعد أذانه. وفيه: قرب أذان ابن أم مكتوم من أذان بلال. قَالَ الداودي: قوله: لم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا وقد قيل له: أصبحت دليل أن ابن مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنه لم يكن يكتفى بأذان بلال في علم الوقت؛ لأن بلالًا فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته، وإنما حكى من ---------- (١) الترمذي (٧٠٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في بيان الفجر وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١. (٢) سلف برقم (٦٢١). (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١. قَالَ: ينزل ذا ويرقى ذا، ما شاهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفي به رسول الله - ﷺ -، ولم يقل فكلوا واشربوا حَتَّى يؤذن ابن أم مكتوم، ولقال: فإذا فرغ بلال فكفوا، ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف، ويحتمل أن لابن أم مكتوم من يراعي له الوقت، ولولا ذَلِكَ لكان ربما خفي عليه الوقت. ويبين ذَلِكَ ما روى ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم قَالَ: كان ابن أم مكتوم ضرير البصر ولم يكن يؤذن حَتَّى يقول له الناس حين ينظرون إلى فروع الفجر: أذن (١)، وقد روى الطحاوي حديث أنيسة -وكانت قد حجت مع رسول الله - ﷺ -- أنها قالت: كان إذا نزل بلال وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به، قالوا: كما أنت حتى نتسحر (٢). وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث فيه صعوبة، وكيف لا يكون بين أذانيهما إلا ذَلِكَ وهذا يؤذن بليل وهذا بعد الفجر، فإن صح بأن بلالًا، كان يصلي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حَتَّى يسمع مجيء ابن أم -------- (١) رواه البيهقي ١/ ٣٨٠ كتاب: الصلاة، باب: السنة في الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر؛ والخطيب في «الفصل للوصل» ١/ ٣٢١. (٢) الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٣٨، ورواه أحمد ٦/ ٤٣٣، والطيالسي ٣/ ٢٣٧ (١٧٦٦)، وابن سعد ٨/ ٣٦٤، والطيالسي ٣/ ٢٣٧ (١٧٦٦)، وابن سعد ٨/ ٣٦٤، وابن خزيمة ١/ ٢١٠ - ٢١١ (٤٠٥)، والطبراني ٢٤/ ١٩١ (٤٨٠ - ٤٨١)، والبيهقي ١/ ٣٨٢ كتاب: الصلاة، باب: القدر الذي كان بين أذان بلال ..، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٣٢ في ترجمة: أنيسة (٦٧٤٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٣٤ - ١٣٥ من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت خبيب، به. قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ١٣٨ - ١٣٩: إسناده صحيح على شرطهما. مكتوم، وهذا ليس ببين؛ لأنه قَالَ: لم يكن بين أذانيهما، فإن أبطأ بعد الأذان لصلاة وذكر لم يقل ذَلِكَ، وإنما يقال: لما نزل هذا طلع هذا. وقال الداودي: فعل هذا كان في وقت تأخر بلال بأذانه، فشهده القاسم، فظن أن ذَلِكَ عادتهما قَالَ: وليس بمنكر أن يأكلوا حَتَّى يأخذ الآخر في أذانه. قلت: (قوله فشهده القاسم) غلط فتأمله. وجاء أنه لا ينادي حَتَّى يقال: أصبحت أصبحت (١)، أي: دخلت في الصباح أو قاربته. ---------- (١) سلف برقم (٦١٧). ١٨ - باب تَعجيل السَّحُورِ ١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٥٧٧ - فتح: ٤/ ١٣٧] ذكر فيه حديث عبد العزيز ابن أبي حازمِ عن أبيهَّ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ مع أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. هذا الحديث من أفراد البخاري، ولما رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله بن عامر، عن أبي حازم، عن سهل قَالَ: ينبغي أن يتأمل كيف يصح ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، ثم يروي ابن أبي حازم، عن عبد الله بن عامر، عن أبي حازم، عن سهل. قلت: وعبد الله بن عامر ضعفوه (١)، وقد أخرجه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن أبي حازم في باب: وقت الفجر (٢). ---------- (١) هو عبد الله بن عامر الأسلمي، أبو عامر المدني، كان من قراء القرآن، روى عن: عمرو بن شعيب، وسعيد المقبري، وأبي الزناد، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير. وعنه: إبراهيم بن سعد، وأبو نعيم الفضل بن دكين. قال البخاري: يتكلمون في حفظه، وقال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: ضعيف، زاد أبو حاتم: ليس بالمتروك، وعن يحيى بن معين: ليس بشيء؛ ضعيف. قال الحافظ في «التقريب» (٣٤٠٦): ضعيف. وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٦ - ١٥٧ (٤٨٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٢٣ (٥٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٥٠ (٣٣٥٥). (٢) سلف برقم (٥٧٥). ورأيت بخط الدمياطي في أصله: قيل الأولى: أن يقول: باب: تأخير السحور، وكأنه أخذه من قول ابن بطال: ولو ترجم له باب: تأخير السحور كان حسنًا، وجوابه كما نقله عن المهلب أنه يريد تعجيل الأكل فيه؛ لمراهقتهم بالأكل والشرب لآخر الليل ابتغاء القوة عَلَى الصوم ولبيان علم الصبح بالفجر الأول. وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان فيستعجل الخدمَ بالطعام مخافة الفجر (١). وكان رسول الله - ﷺ - يغلس بالصبح؛ ليتمكن من طول القراءة وترتيلها؛ ليدرك المتفهم التفهم والتدبر، أو ليمتثل قول الله تعالى في النزتيل (٢). -------- (١) «الموطأ» ص ٩٢. (٢) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٣ - ٤٤. ١٩ - باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ ١٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ، قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. [نظر: ٥٧٥ - مسلم: ١٠٩٧ - فتح: ٤/ ١٣٨] ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ. قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. هذا الحديث سلف في باب وقت الفجر (١)، وهو دال عَلَى تأخير السحور، وحكمته التقوي به عَلَى الصوم، وإنما كان يؤخره إلى الفجر الأول، وكذا جعله الله حدًّا للأكل بقدر ما يتم أكله حَتَّى يطلع الثاني، ولولا هذا الفجر الأول لصعب ضبط هذا الوقت عَلَى الناس، فقيل لهم: إذا رأيتم الفجر الأول فهو نذير بالثاني، وهو بإثره بقدر ما يتعجل الأكل وينهض إلى الصلاة. وفيه: دليل عَلَى تقدير الأوقات بأعمال الأبدان، والاستدلال عَلَى المغيب بالعادة في العمل، ألا ترى في حديث طلوع الشمس من مغربها أنه لا يعرف تلك الليلة التي تطلع من صبحها إلا المتهجدون بتقدير الليل بمقدار صلاتهم وقراءتهم المعتادة، والعرب تُقَدِّر الأوقات بالأعمال، فيقولون: قدر حلب شاة وفواق ناقة. -------- (١) برقم (٥٧٧). ![]()
__________________
|
|
#368
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 131 الى صـــ 150 الحلقة (368) ٢٠ - باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ. ١٩٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ. قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى». [١٩٦٢ - مسلم: ١١٠٢ - فتح: ٤/ ١٣٩] ١٩٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». [مسلم: ١٠٩٥ - فتح: ٤/ ١٣٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى». وحديث أَنَسَ: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وللنسائي من حديث أنس من طريق أبي هريرة، ثم قَالَ: إسناد حسن وهو منكر، وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل، وذكره الضياء أيضًا من حديث ابن مسعود (٢) وسمي سحورًا؛ لأنه قرب السحر، وكانوا يسمونه الغداء؛ لأنه بدل منه، قاله الداودي. --------- (١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم برقم (١١٠٢) باب: النهي عن الوصال في الصوم. وحديث أنس الثاني رواه مسلم برقم (١٠٩٥) باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه. (٢) «المجتبى» ٤/ ١٤١ - ١٤٢. والصحيح كما قَالَ ابن التين أنه سمي سحورًا لوقوعه في السحر؛ لأن السحر قبيل الصبح، وهو وقت السحور، وفيه الندب إليه وهو أمرُ إرشاد. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء أنه مندوب إليه (١) ولا إثم عَلَى من تركه، وحض أمته عليه ليكون قوة لهم عَلَى صيامهم، وروى ابن عباس مرفوعًا: «استعينوا بأكل السحر عَلَى صيام النهار وبالقائلة عَلَى قيام الليل»، ذكره الحاكم في «مستدركه» (٢). وذكره ابن ابي حاتم من حديث أبي هريرة وقال: فيه مجاهيل (٣) وقد سماه - ﷺ -: «الغداء المبارك» من حديث العرباض بن سارية، أخرجه أبو داود (٤)، وفي -------- (١) «الإجماع» لابن المنذر (١٤٧). (٢) «المستدرك» ١/ ٤٢٥، ورواه ابن ماجَهْ (١٦٩٣) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في السحور، وابن خزيمة ٣/ ٢١٤ (١٩٣٩)، والطبراني ١١/ ٢٤٥ (١١٦٢٥)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٦٨ في ترجمة: سلمة بن وهرام (٧٨٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ١٨٢ - ١٨٣ (٤٧٤٢) من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا به. قال الحاكم: زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ليسا بالمتروكين اللذين لا يحتج بهما، لكن الشيخين لم يخرجاه عنهما، وهذا من غرر الحديث في هذا الباب. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٧٠: هذا إسناد فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف، وكذا قال الحافظ في «الفتح» ١١/ ٧٠، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٧٥٨)، وانظر: «كشف الخفاء» (٣٣٠). (٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤١ (٧٠١). (٤) أبو داود (٢٣٤٤) كتاب: الصوم، باب: من سمى السحور الغداء، ورواه النسائي ٤/ ١٤٥، وأحمد في «المسند» ٤/ ١٢٧، وفي «فضائل الصحابة» ٢/ ١١٥٥ - ١١٥٧ (١٧٤٨)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٧٩ (٢٤٧٣)، وابن خزيمة ٣/ ٢١٤ (١٩٣٨)، ابن حبان ٨/ ٢٤٤ (٣٤٦٥) كتاب: الصوم، باب: السحور، والطبراني ١٨/ ٢٥١ - ٢٥٢ (٦٢٨)، والبيهقي ٤/ ٢٣٦ كتاب: الصيام، باب: استحباب = ------------ = السحور، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢، ٣٢/ ٥١١ - ٥١٢، من طريق معاوية بن صالح عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية، مرفوعًا به. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٣٠). وللحديث شواهد منها: أولًا: عن المقدام بن معدي كرب. رواه النسائي ٤/ ١٤٦، وأحمد ٤/ ١٣٢، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٧٩ (٢٤٧٤)، والطبراني ٢٠/ ٢٧١ (٦٤١) وفي «مسند الشاميين» ٢/ ١٧١ - ١٧٢ (١١٣٠) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: «عليكم بغداء السحر، فإنه هو الغذاء المبارك». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٤٠٨). ثانيًا: عن أبي الدرداء. رواه ابن حبان ٨/ ٢٤٣ (٣٤٦٤) كتاب: الصوم، باب السحور. من طريق عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن أبي الدرداء مرفوعًا: «هو الغداء المبارك» يعني السحور. ثالثًا: عن عتبة بن عبد السلمي وأبي الدرداء معًا. رواه الطبراني ١٧/ ١٣١ (٣٢٢)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦ من طريق الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، عنهما مرفوعًا: «تسحروا من آخر الليل»، وكان يقول: هذا الغذاء المبارك، وقال في «المجمع» ٣/ ١٥١: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: جبارة مغلس، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٩٦١). رابعًا: عن خالد بن معدان مرسلًا: رواه النسائي في «المجتبى» ٤/ ١٤٦، وفي «الكبرى» ٢/ ٨٠ (٢٤٧٥) من طريق سفيان، عن ثور، عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجل: «هلم إلى الغداء المبارك» يعني السحور، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٩٨٣) قال: إسناد صحيح مرسل. خامسًا: عن عائشة. رواه مسدد في «مسنده» كما في «المطالب العالية» ٦/ ١١٣ (١٠٥٥)، وأبو يعلى = أفراد مسلم من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إن فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (١). ولا يبعد أن يكون من جملة بركته ما يكون في ذَلِكَ الوقت من ذكر المتسحرين وقيام النائمين وصلاة المتهجدين، فإن الغالب ممن قام يتسحر يكون منه ذكر وصلاة واستغفار، وشبهه مما يثابر عليه في رمضان، وقال عبادة: كان السحور مستحبًا ولو عَلَى ماء، وكان يقال لها أكلة بركة (٢). واعترض ابن بطال فقال: وقول البخاري في هذِه الترجمة أنه - ﷺ - وأصحابه واصلوا ولم يذكر سحوره غفلةً منه؛ لأنه قد صرح في باب الوصال حديث أبي سعيد أنه - ﷺ - قَالَ لأصحابه: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل حَتَّى السحر» (٣). فقد ذكر هنا السحور، وهو حديث مفسر يقضي عَلَى المجمل الذي لم يذكر فيه سحور، وقد ترجم له البخاري باب الوصال إلى السحر (٤). -------- = في «مسنده» ٨/ ١٣٧ - ١٣٨ (٤٦٧٩) من طريق معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «قربي إلينا الغداء المبارك» يعني: السحور أو ربما لم يكن إلا تمرتين. قال في «المجمع» ٣/ ١٥١: رجاله ثقات. سادسًا: عن ابن عباس. رواه الطبراني في «الأوسط» ١/ ١٦٠ (٥٠١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١/ ٣٨٧ من طريق القاسم بن مساور الجوهري عن محمد بن إبراهيم عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب يدعوني إلى السحور، وقال: إن رسول الله - ﷺ - سماه الغداء المبارك. (١) مسلم (١٠٩٦) باب: فضل السحور. (٢) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ٢٢٨ (٢٧٥٨). (٣) سيأتي برقم (١٩٦٣). (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٥. فائدة: روي في فضل السحور أحاديث صحيحة منها حديث ابن عمر رفعه: «إن الله وملائكته يصلون عَلَى المتسحرين» (١). --------- (١) رواه الروياني في «مسنده» ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١ (١٤٣٢)، وابن حبان ٨/ ٢٤٥ (٣٤٦٧) كتاب: الصوم، باب: السحور، والطبراني في «الاوسط» ٦/ ٢٨٧ (٦٤٣٤)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص: ١٩، النوع الثاني والأربعين، وأبو نعيم في «الحلية» ١٨/ ٣٢٠. من طريق إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عياش بن عباس، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، به. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عبد الله بن سليمان، ولا عن عبد الله بن سليمان إلا عبد الله بن عياش، تفرد به: إدريس بن يحيى، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. اهـ وقال أبو نعيم: غريب من حديث نافع. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، عن حديث نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». قال أبي: هذا حديث منكر. اهـ «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (٧١٢). لكن صححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٥٤) وفيه توجيه جيد لما قاله أبو حاتم من أنه حديث منكر، فراجعه. وحديث ابن عمر هذا له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري. رواه أحمد ٣/ ٤٤، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٤٤٥ في ترجمة: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١١٠٥) من طريق عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد مرفوعًا: «السحور أكلة بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». ولأحمد ٣/ ١٢ من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد مرفوعًا. به. قال المنذري كما في «صحيح الترغيب» (١٠٧٠): إسناده قوي، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٠: رواه أحمد، وفيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «الصحيحة» ٧/ ١٢٠٧: قول المنذري: إسناده قوي، مردود، وقد رده الناجي، وقال في «صحيح الترغيب» (١٠٧٠): حسن لغيره. وحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «تسحروا ولو بجرعة من ماء» (١). وحديث أبي هريرة مرفوعًا: «نعم سحور المؤمن التمر» رواه ابن حبان في «صحيحه» (٢). وحديث أبي ذر أنه - ﷺ - كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر» رواه أحمد (٣). وأحاديث أُخر منها حديث جابر: «من أراد أن يصوم فليتسحر ولو بشيء». ---------- (١) رواه ابن حبان ١٨/ ٢٥٣ - ٢٥٤ (٣٤٧٦). قال الألباني في «صحيح موارد الظمآن» (٨٨٤): حسن صحيح. وفي الباب عن أنس، رواه أبو يعلي ٦/ ١٨٧ (٣٣٤٠)، والعقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٥٠، والضياء في «المختارة» ٥/ ١٣٠ - ١٣١ (١٧٥٢ - ١٧٥٤) من طريق عبد الواحد بن ثابت الباهلي عن ثابت البناني عن أنس مرفوعًا: «تسحروا ولو بجرعة من ماء». قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٠: فيه: عبد الواحد بن ثابت الباهلي، وهو ضعيف. (٢) ابن حبان ٨/ ٢٥٣ (٣٤٧٥)، ورواه أبو داود (٢٣٤٥) كتاب: الصوم، باب: من مسمي السحور الغداء، والبيهقي ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧ من طريق محمد بن أبي الوزير، عن محمد بن موسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا به، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٦٢). (٣) أحمد ٥/ ١٤٧، ١٧٢ من طريق ابن لهيعة عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحميص، عن أبي ذر مرفوعًا به. قال الهيثمي في «المجمع» فيه سليمان بن أبي عثمان قال أبو حاتم: مجهول وقال الألباني في «الإرواء» (٩١٧): منكر بهذا التمام؛ لأنه قد جاءت أحاديث كثيرة بمعناه لم يرد فيها تأخير السحور أصحها حديث سهل من سعد مرفوعًا بلفظ لا نزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطارَّ أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٣٦ بسند صحيح وهو عند الشيخين وأحمد ٥/ ٣٣١ - ٣٣٤ - ٣٣٦ - ٣٣٧ - ٣٣٩ بلفظ: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر أ. هـ بتصرف. أخرجه ابن أبي شيبة (١)، وله من حديث أبي الدرداء: «ثلاثة من أخلاق النبيين الإبلاغ في السحور» الحديث (٢). وحديث ابن عباس يرفعه: «إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا» ضعفه البيهقي بطلحة بن عمرو المكي (٣). -------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٧٦ (٨٩١٦)، ورواه أحمد ٣/ ٣٦٧، ٣٧٩، والبزار كما في «كشف الأستار» (٩٧٩)، أبو يعلى ٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩ (١٩٣٠)، ٤/ ٦٨ (٢٠٨٨) من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، مرفوعًا، به. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٠: فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه كلام، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٠٩) (٢) «المصنف» ٢/ ٢٧٦ (٨٩٢١)، ٢/ ٢٧٩ (٨٩٥٧). (٣) رواه الطيالسي ٤/ ٣٧٧ (٢٧٧٦)، وابن سعد في «الطبقات» ١/ ٣٨٥، وعبد بن حميد ١/ ٥٤٠ (٦٢٣)، والدارقطني ١/ ٢٨٤، والبيهقي ٤/ ٢٣٨ من طريق طلحة بن عمرو المكي، عن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعًا به. وطلحة ضعيف، كما نقل المصنف عن البيهقي. لكن تابعه عمرو بن الحارث، عن عطاء، رواه ابن حبان ٥/ ٦٧ - ٦٨ (١٧٧٠) كتاب الصلاة، باب: صفة الصلاة، والطبراني ١١/ ١٩٩ (١١٤٨٥)، وفي «الأوسط» ٢/ ٢٤٧ (١٨٨٤) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعًا به. ورواه الطبراني ١١/ ٧ (١٠٨٥١)، وفي «الأوسط» ٤/ ٢٩٧ (٤٢٤٩) من طريق سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا به. والحديث أورده الهثيمي في «المجمع» ٢/ ١٠٥، ٣/ ١٥٥ عن ابن عباس وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ا. هـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٢٨٦). وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر، وعائشة موقوفًا. حديث أبي هريرة رواه الدارقطني ١/ ٢٨٤ من طريق ابن أبي ليلي، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضرب بأيماننا على شمائلنا في الصلاة». وهذا الحديث أشار البيهقي إلى ضعفه في (سننه) ٤/ ٢٣٨. وأما الكلام عَلَى الوصال فقد عقد له البخاري بابًا بعد باب كما سيأتي (١). واختلف في قوله: «إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى» عَلَى تأويلات: أصحها: أنه يعان عَلَى الصوم ويقوى عليه، فيكون كانه أطعم يؤيده قوله: «أَظَلُّ» ولا يكون إلا نهارًا. وثانيها: أنه يأكل حقيقة كرامة له من الله، وأنكره بعضهم لانتفاء الوصال إذًا وكان مفطرًا، وقد يجاب بأن طعام الجنة لا يفطر، أو يخلق الله له من الشبع والري كالطاعم الشارب، واستبعد؛ فإنه - ﷺ - كان يجوع أكثر مما يشبع، ولكان لا يجد له روحها الذي هو الجوع والمشقة. ------- وحديث ابن عمر رواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٣٨ (٣٠٢٩)، وفي «الصغير» ١/ ١٧٦ - ١٧٧ (٢٧٩)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٤٨ في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (١٥٠٠) والبيهقي ٢/ ٢٩ من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى علي اليسرى في الصلاة». وأشار أيضًا البيهقي إلى ضعفه في «السنن» ٤/ ٢٣٨. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٥: فيه يحيى بن سعيد بن سالم القداح، وهو ضعيف. وحديث عائشة رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٢، والدارقطني ١/ ١٨٤، والبيهقي ٢/ ٢٩ من طريق هشيم عن منصور بن زاذان، عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع الرجل يده اليمني علي اليسري في الصلاة. قال البخاري: لا نعرف لمحمد سماعًا من عائشة، وصححه البيهقي ٢/ ٢٩، ٤/ ٢٣٨. (١) سيأتي برقم (١٩٦٢). وثالثها: أن ذَلِكَ كان في المنام، والوصال في حقنا مكروه عند جميع العلماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال من السحر إلى السَّحر. وذكر ابن المنذر أن عبد الله بن الزبير وابن أبي نعيم رخصا فيه (١). ولابن أبي شيبة بإسناد جيد عن علي أن رسول الله - ﷺ - واصل إلى السحر (٢). ولأحمد من حديث ليلى امرأة بشير -يعني: ابن الخصاصية- قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنه، وقال: إنما يفعل ذَلِكَ النصارى (٣). وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء عَلَى أن الشارع نهى (٤). واختلفوا في تأويله فقال منهم قائلون: نهى عنه رفقًا بهم -يعني: على ما في حديث عائشة السالف، فمن قدر عليه فلا حرج لأنه يدع طعامه وشرابه لله، وكان عبد الله بن الزبير وجماعة يواصلون الأيام، وكان أحمد وإسحاق لا يكرهان الوصال من سحر إلى سحر لا غير (٥)، وحجتهم حديث أبي سعيد -يعني: السالف- وكره مالك وأبو حنيفة والشافعي (٦) والثوري وجماعة من أهل الفقه والأثر الوصال عَلَى كل حال لمن قوي عليه ولغيره، ولم يُجز الوصال لأحد؛ لحديث الباب، ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٢ (٩٥٩٨ - ٩٥٩٩) وفيه عن ابن أبي أنعم. (٢) «المصنف» ٢/ ٣٣١ (٩٥٨٩). (٣) أحمد ٥/ ٢٢٥، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٨: ليلى لم أجد من جرحها، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٤) «الإجماع» ص ١٣٤. (٥) انظر: «المغني» ٤/ ٤٣٧. (٦) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٧٩، «المنتقى» ٢/ ٦٠، «البيان» ٣/ ٥٣٦. ولقوله - ﷺ -: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (١) (٢) وبما رواه الحميدي، عن سفيان، ثنا هشام، عن أبيه سمعت عاصم بن عمر عن أبيه يرفعه: «إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (٣) ففيه ما يدل عَلَى أن الوصال من خواصه وإن واصل لا ينتفع بوصاله؛ لأن الليل ليس بموضع للصيام، وقد رواه عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا (٤)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوأ الصّيَامَ إِلَى اَليلِ﴾. قَالَ أبو عمر: وفي المسألة عندي نظر ولا أحب لأحد أن يواصل (٥). وفي كتاب «الأوائل» للعسكري كان ابن الزبير يواصل خمسة عشر يومًا، وروى الطبري: حَتَّى تيبس أمعاؤه، فإذا كان يوم فطره أتى بصبر وسمن فتحساه حَتَّى لا تتفتق الأمعاء (٦). وللطبري كان عبد الرحمن بن نعيم لا يفطر في رمضان إلا مرتين (٧). وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل ليلة ست عشرة، وليلة سبع عشرة من رمضان ولا يفرق بينهما، ويفطر عَلَى السمن --------- (١) سيأتي برقم (٧٢٨٨) كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، ورواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. من حديث أبي هريرة. (٢) بياض في (م)، (ج) بمقدار كلمة ولعلها: (فاجتنبوه). (٣) «مسند الحميدي» ١/ ١٥٨ (٢٠) وعنه البخاري سيأتي برقم (١٩٥٤) باب: متى يحل فطر الصائم. (٤) سيأتي برقم (١٩٤١) باب: الصوم في السفر والإفطار، ورواه مسلم (١١٠١) باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار. (٥) انتهى من «التمهيد» ١٤/ ٣٦١ - ٣٦٥. (٦) ذكره القرطبي في «تفسيره» ٢/ ٣٥٨. (٧) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٦٩ - ٧٠. فقيل له، فقال: السمن يبل عروقي والماء يخرج من جسدي (١). وأجاز ابن وهب وأحمد وإسحق الوصال من سحر إلى سحر احتجاجًا بحديث أبي سعيد الآتي (٢). فأذن في ذَلِكَ لمن أطاقه من أمته عَلَى النحو الذي يجوز، ونهى عنه من كان غير مطيق له؛ لقوله: «فاكلفوا من العمل ما تطيقون» (٣) بعد أن بين لهم أنه قد أعطي قوة عليه من لم يعط غيره. قَالَ الطبري: وأما ما روي عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم الأكل الأيام ذوات العدد فإن ذَلِكَ كان منهم عَلَى أنحاء شتى: فمنهم من كان ذَلِكَ منه لقدرته عليه، فيصرف فطره إلى أهل الفقر والحاجة طلبًا للثواب، مثل ما روي عن الحسن قَالَ: لقد أدركنا أقوامًا وصحبنا طوائف إن أحدهم يُمسى وما عنده من العشاء إلا قدر ما يكفيه، ولو شاء لأتى عليه فيقول: ما أنا بآكله حَتَّى أجعل لله منه (٤). ومنهم من كان يفعله استغناء عنه أو كانت نفسه قد اعتادته، كما روى الأعمش عن التيمي أنه قَالَ: ربما لبثت ثلاثين يومًا ما أطعم من غير صوم إلا الحبة، وما يمنعني ذَلِكَ من حوائجي. وقال الأعمش: كان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل ولكنه يشرب شربة من نبيذ (٥). ----------- (١) «تفسير الطبري» ٢/ ١٨٤ (٣٠٣٨). وانظر: «المنتقى» ٢/ ٤٢، «المغني» ٤/ ٤٣٧. (٢) سيأتي برقم (١٩٦٣). (٣) سيأتي برقم (١٩٦٦) باب: التنكيل لمن أكثر الوصال، ورواه مسلم (١١٠٣) باب: النهي عن الوصال في الصيام. من حديث أبي هريرة. (٤) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٧٢. (٥) السابق ٤/ ٢١٤. ومنهم من كان يفعله مقمعًا لنفسه شهوتها، ما لم تدع إليه ضرورة ولا خاف العجز عن أداء واجب عليه، إرادة قهرها وحملها عَلَى الأفضل، كالذي روينا عن مجاهد قَالَ: لو أكلت كل ما أشتهي ما ساويت حشفة. وقال الخطابي: الوصال من خواصه ومحظور عَلَى أمته (١). وذهب أهل الظاهر إلى تحريمه (٢)، وهو الأصح عندنا. وقال القرطبي: الجمهور عَلَى كراهته وإليه ذهب أبو حنيفة (٣). --------- (١) «معالم السنن» للخطابي ٢/ ٩٢. (٢) انظر: «المحلى» ٧/ ٢١. (٣) «المفهم» ٣/ ١٦٠. ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الأربعين، كتبه مؤلفه. ٢١ - باب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُالت: لَا. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا. وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ. ١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ -أَوْ فَلْيَصُمْ- وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ». [٢٠٠٧، ٧٢٦٥ - مسلم: ١١٣٥ - فتح: ٤/ ١٤٠] ثم ذكر حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ. أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ -أَوْ فَلْيَصُمْ- وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ». الشرح: تعليق أم الدرداء أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء به (١) وأثر أبي طلحة أخرجه أيضًا عن الثقفي، ويزيد بن حميد، عن أنس أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، قَالَ: فإني صائم، زاد الثقفي: إن كان عندهم أفطر (٢). قَالَ: وحَدَّثَنَا الفضيل، عن أبي محرم، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث قَالَ: كان معاذ يأتي أهله بعدما يضحى فيسألهم فيقول: عندكم شيء؟ فإذا قالوا: لا صام ذَلِكَ اليوم (٣). -------- (١) «المصنف» ٢/ ٢٩٢ (٩١٠٦). (٢) السابق ٢/ ٢٩٢ (٩١٠٧). (٣) السابق ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٩١١٠). وروى مسلم عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي - ﷺ - ذات يوم فسأل: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قَالَ: «فإني إذًا صائم» ثم أتى يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: «أرنيه؛ لقد أصبحت صائمًا» فأكل (١). وفي رواية للدارقطني والبيهقي في الأول: «إني إذًا أصوم» وفي الثاني: «إذًا أفطر، وإن كنت قد فرضت الصوم». وقالا: إسناده صحيح (٢). وفي رواية لهما غريبة: «وأقضي يومًا مكانه» قالا: وهي غير محفوظة (٣). وفي رواية للدارقطني: «هل عندكم من غداء»، الحديث، ثم قَالَ: هذا إسناد صحيح (٤). ولابن أبي شيبة حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن ليث، عن عبد الله، عن مجاهد، عن عائشة قالت: ربما دعا رسول الله - ﷺ - بغدائه فلا يجده فيفرض عليه صوم ذَلِكَ اليوم (٥). ---------- (١) مسلم (١١٥٤). (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٣ من طريق سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن عائشة به. قال الذهبي في «المهذب» ٤/ ١٥٧٢ - ١٥٧٣: سليمان ضعفه ابن معين، واختلف فيه ابن مهدي والقطان. وقال ابن التركماني: معقبًا على تصحيح البيهقي لسند الحديث: كيف يكون صحيحًا وسليمان هذا قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان رافضًا غالبًا وكان يقلب الأخبار، وهو سليمان بن قرم بن معاذ ينسب إلى جده. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٧٧، «سنن البيهقي» ٤/ ٢٧٥. (٤) الدارقطني ٢/ ١٧٦ - ١٧٧. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٩٢٩ (٩١٠٥). وتعليق أبي هريرة رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عمر قَالَ: إن أبا هريرة كان يصبح مفطرًا فيقول: هل من طعام؟ فيجده أو لا يجده فيتم ذَلِكَ اليوم (١). وتعليق حذيفة رواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن الثوري، عن الأعمش، عن طلحة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن حذيفة أنه بدا له أن يصوم بعد أن زالت الشمس فصام (٢)، وفي لفظ: من بدا له الصيام بعد أن تزول الشمس فليصم (٣). ورواه البيهقي بإسناد صحيح (٤)، وهو ما نص عليه الشافعي في [رواية] (٥) حرملة، لكن مشهور مذهبه اختصاصه بما قبل الزوال، وتعليق ابن عباس (٦) قَالَ ابن حزم: رواه طاوس عنه بلفظ: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار (٧). ومن طريق سعيد بن عبيد، عن ابن عمر مثله بزيادة: ما لم يطعم فإن بدا له أن يطعم طعم، وإن بدا له أن يجعله صومًا كان صومًا (٨). -------- (١) عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ (٧٧٨١) عن ابن جريج قال: أخبرني عبيد الله بن مهران أن أبا هريرة وأبا طلحة كانا يصبحان مضطرين فيقولان: هل من طعام؟ فيجدانه أو لا يجدانه فيتمان ذلك اليوم. (٢) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩١ (٩٠٩١). (٣) عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ (٧٧٨٠). (٤) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٤. (٥) ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق. (٦) ورد بهامش (م) وعن ابن عباس: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار. (٧) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٠) عن طاوس، عن ابن عباس. (٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٩٠٨١، ٩٠٨٨) كتاب: الصيام، من قال: الصائم بالخيار في التطوع. ومن طريق حماد بن سلمة: حدثتني أم شبيب، عن عائشة أنها قالت: إني لأصبح يوم طهري حائضًا وأنا أريد الصوم فأستبين طهري، ما بيني وبين نصف النهار فأغتسل ثم أصوم. ومن طريق الحارث، عن علي: إذا أصبحت وأنت تريد الصوم فأنت بالخيار، إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، إلا أن تفرض الصيام عَلَى نفسك من الليل (١). ولفظ جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلًا سأل عليًا فقال: أصبحت ولا أريد الصيام، فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فإن انتصف النهار فليس لك أن تفطر (٢). ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي الأحوص، قَالَ ابن مسعود: إن أحدكم بأحد النظرين ما لم يأكل أو يشرب (٣). ومن طريق معمر، عن عطاء الخرساني: كنت في سفر وكان يوم فطري، فلما كان بعد نصف النهار قلت: لأصومن هذا اليوم، فصمت، فذكرت ذَلِكَ، فقال: أصبت (٤). قَالَ عطاء: كنت عنده يومًا فجاء أعرابي عند العصر فقال: إني لم آكل اليوم شيئًا أفأصوم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فإن عليَّ يومًا من رمضان أفأجعله مكانه؟ قَالَ: نعم (٥). ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٧٤ (٧٧٧٩) كتاب: الصوم، باب: إفطار التطوع وصومه إذا لم يبيت، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٣). (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ (٧٧٨٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٤). (٤) عبد الرزاق ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ (٧٧٨٣). (٥) السابق ٤/ ٢٤٥ (٧٦٧٥). ومن طريق حماد بن سلمة، عن حماد (١) بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قَالَ: إذا عزم عَلَى الصوم من الضحى فله أجر النهار، فإن عزم نصف النهار فله ما بقي من النهار، فإن أصبح ولم يعزم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار. ومن طريق ابن جريح سألت عطاء عن رجل كان عليه أيام من رمضان فأصبح وليس في نفسه أن يصوم، ثم بداله بعدما أصبح أن يصوم وأن يجعله من قضاء رمضان، فقال عطاء: ذلك له. وعن مجاهد: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار فإذا جاوز ذَلِكَ فإنما بقي له بقدر ما بقي من النهار (٢). وقال الشعبي: من أراد الصوم فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار (٣). وعن الحسن: إذا تسحر الرجل فقد وجب عليه الصوم، فإن أفطر فعليه القضاء، وإن همَّ بالصوم فهو بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر (٤). ومن طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وعبد الله بن أبي عتبة، عن أبي أيوب الأنصاري: فعل فِعل أبي طلحة سواء (٥). ومن طريق ابن أبي شيبة، عن المعتمر، عن حميد، عن أنس قَالَ: من حدث نفسه بالصيام فهو بالخيار ما لم يتكلم حَتَّى يمتد النهار (٦). ---------- (١) ورد بهامش (م): حماد شيخ أبي حنيفة وإبراهيم النخعي شيخه. (٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٦). (٣) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩١ (٩٠٨٩). (٤) السابق ٢/ ٢٩١ (٩٠٩٠). (٥) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٧. (٦) ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٠ (٩٠٨٢). وقال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل: من أصبح وهو ينوي الفطر إلا أنه لم يأكل ولا يشرب ولا وطئ فله أن ينوي الصوم ما لم تغب الشمس، ويصح الصوم (١). قَالَ ابن حزم: ليس في حديث عائشة أنه لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنه أصبح مفطرًا ثم نوى الصوم بعد ذَلِكَ، ولو كان هذا في ذَلِكَ الخبر لقلنا به، لكن فيه أنه كان يصبح متطوعًا صائمًا ثم يفطر، وهذا مباح عندنا لا نكرهه، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا وكان قد صح عنه: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (٢)، ------- (١) انتهى من «المحلى» ٦/ ١٧٠ - ١٧٢. (٢) رواه أبو داود (٢٤٥٤) كتاب: الصوم، باب: النية في الصيام، والترمذي (٧٣٠) كتاب: الصوم، باب: ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، وفي «العلل الكبير» ١/ ٣٤٨،، النسائي ٤/ ٩٦ - ١٩٧، وابن ماجه (١٧٠٠) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم، وأحمد ٦/ ٢٨٧، والدارمي ٢/ ١٠٥٧، ١٠٥٨ (١٧٤٠) كتاب: الصيام، باب: من لم يجمع الصيام من الليل، وابن خزيمة ٣/ ٢١٢ (١٩٣٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٤، والدارقطني ٢/ ١٧٢، والطبراني ٢٣/ ١٩٦ - ١٩٩ (٣٣٧)، ٢٣/ ٢٠٩ - (٣٦٨)، وفي «الأوسط» ٩/ ٤٥ (٩٠٩٤)، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٢، ٢١٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٣/ ٩٢ - ٩٣، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٦٨ (١٧٤٤)، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٦٦ (١٠٥٣)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١/ ٢٥٢ من طرق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له». ورواه النسائي ٤/ ١٩٧، وفي «الكبرى» ٢/ ١١٧ (٢٦٤٣)، وابن حزم في «المحلى» ٦/ ١٦٢، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٢، وفي «فضائل الأوقات» (١٣٤) من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: «من لم يبت الصيام من الليل فلا صيام له». = ------------ = ورواه النسائي ٤/ ١٩٧، وفي «الكبرى» ٢/ ١١٧ (٢٦٤٤) من طريق معتمر، عن عبيد الله، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة قالت: من لم يجمع الصوم من الليل فلا يصم. هكذا موقوفًا. ورواه النسائي ٤/ ١٩٧، وفي «الكبرى» ٢/ ١١٧ (٢٦٤٥ - ٢٦٤٩)، والطحاوي ٢/ ٥٥، والدارقطني ٢/ ١٧٣ من طرق عن يونس ومعمر وسفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة. موقوفًا أيضًا. وهذا الحديث كما ترى روي مرفوعًا وموقوفًا، واختلف الحفاظ في أيهما أرجح، فقال ابن أبي حاتم: قال أبي: لا أدري أيهما أصح، لكن الثاني أشبه أهـ «العلل» ١/ ٢٢٥ (٦٥٤). وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي - ﷺ - خطأ، وهو حديث فيه اضطراب اهـ. «العلل الكبير» ١/ ٣٤٨ - ٣٥٠. وقال في «السنن»: لا يعرف مرفوعًا الا من هذا الوجه اهـ. وقال: النسائي في «الكبرى» ٢/ ١١٧ - ١١٨: الصواب عندنا موقوف ولم يصح رفعه، والله أعلم؛ لأن يحيى بن أيوب ليس بذاك القوي، وحديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ والله أعلم. وقال: الدارقطني: رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الثقات الرفعاء. وصحح الحاكم المرفوع فرواه في «أربعينه» كما في «البدر المنير» ٥/ ٦٥٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين، والزيادة عندهما جميعًا من الثقة مقبول. وقال ابن حزم وقد أخرج المرفوع من طريق ابن جريج: هذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له أن أوقفه معمر ويونس وسفيان، فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة، والحفظ، والزهري واسع الرواية، فمرة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرة عن حمزة، عن أبيه وكلاهما ثقة أهـ «المحلي» ٦/ ١٦٢. وقال البيهقي في «السنن»: قد اختلف في هذا الحديث في إسناده على الزهري، وفي رفعه إلى النبي - ﷺ - وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الاثبات أهـ. وقال في «خلافياته» كما في «البدر المنير»: هذا الحديث رواته ثقات -وله شاهد بإسناد صحيح عنها مرفوعًا، ورواته ثقات إلا أنه قد روي موقوفًا على حفصة ا. هـ. وقال: ابن الجوزي: إن قالوا: هذا الحديث قد رواه جماعة موقوفًا، وإنما رفعه عبد الله بن أبي بكر، قلنا: عبد الله من الثقات، والرفع زيادة فهي من الثقة مقبولة. وقال الخطابي في «معالم السنن» = لم يجز أن يترك هذا اليقين لظن، فإن قيل: روى ليث، عن مجاهد، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، فذكر حديثًا فيه: «فيفرض الصوم» (١) وعن ابن قانع -راوي كل بلية- عن موسى بن عبد الرحمن البلخي، عن عمر بن هارون، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ -: كان يصبح ولم يجمع الصوم فيبدو له فيصوم. قلنا: ليث ضعيف، ويعقوب هالك، ومَنْ دُونه ظلمات بعضَها فوقَ بعض، ووالله لو صح لقلنا به (٢). قلت: ليث وإن ضعف فقد وثق أيضًا (٣)، ---------- = ٢/ ١١٥: الرفع لا يضر؛ لأن عبد الله بن أبي بكر هو الذي رفعه، وزيادات الثقات مقبولة. وصححه عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ فقال: رواه جماعة فأوقفوه على حفصة والذي أسنده ثقة، وأورده ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٤٤٨ ونقل تصحيح عبد الحق للحديث، ولم يعقب عليه، فكأنما أقره على تصحيحه. وقال الذهبي في «التنقيح» ٥/ ٩٣: رواه جماعة عن ابن شهاب موقوفًا، وعبد الله ثقة -قلت: يقصد عبد الله بن أبي بكر الذي رفعه- وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح»: حديث حفصة الصحيح وقفه، كما نص على ذلك الحزاق من الأئمة. ا. هـ نقلًا من هامش «تنقيح التحقيق» للذهبي ٥/ ٩٤. وقال الحافظ في «الدارية» ١/ ٢٧٥: إسناده صحيح واختلف في رفعه ووقفه، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١١٨) قال: إسناده صحيح، ورجح الألباني صحة المرفوع في «الإرواء» (٩١٤) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه. (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٢ (٩١٠٥)، والدارقطني ٢/ ١٧٧. (٢) انتهى من «المحلي» ٦/ ١٧٢ - ١٧٣. (٣) ليث هو: ابن أبي سليم بن زينم القرشي، قال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس، وقال ابن معين: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه، قال أبو حاتم وأبو زرعة: مضطرب الحديث، زاد أبو زرعة: لين الحديث لا تقوم به حجة، وقال أبو داود: سألت يحيى، عن ليث، فقال: ليس به بأس، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة غير ما ذكرت، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه، وقال الدراقطني: صاحب سنة، يخرج حديثه. قال الحافظ في «التقريب» (٥٦٨٥): صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك. = ![]()
__________________
|
|
#369
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 151 الى صـــ 170 الحلقة (369) ويعقوب وثقه ابن حبان وغيره (١)، وعمر بن هارون وإن ضعفوه فقد وصف بالحفظ ووثق أيضًا (٢)، وكذا ابن قانع، فقال البرقاني لما سئل عنه فقال: البغداديون يوثقونه، وهو عندنا ضعف. قَالَ الخطيب: لا أدري لأي شيء ضعف؟! فقد كان من أهل العلم والدراية والفهم، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه (٣). وللدارقطني من حديث ابن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة: دخل النبي - ﷺ - فقال: «إني أريد الصوم» وأهدي له حيس، فقال: «إني آكل» الحديث (٤). ----------- = انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٤٦ (١٠٥١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٧٧ (١٠١٤)، «الكامل» لابن عدي ٧/ ٢٣٣ (١٦١٧)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٢٧٩ (٥٠١٧). (١) يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، قال أحمد: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه وعنده غرائب. وقال الحافظ في «التقريب» (٧٨٢٦): ضعيف. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٨ (٣٤٧٠)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢١١ (٨٨٢)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٦٣٩، «الكامل» ٨/ ٤٦٣ (٢٠٥٤)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٥٣ (٧٠٩٧). (٢) عمر بن هارون بن يزيد بن جابر بن سلمة الثقفي، قال ابن سعد: كتب الناس عنه كتابًا كبيرًا وتركوا حديثه، وقال البخاري: تكلم فيه ابن معين، وقال النسائي: متروك الحديث. قال الحافظ في «التقريب» (٤٩٧٩): متروك وكان حافظًا. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٠ (٧٦٥)، «الكامل» ٦/ ٥٨١ (١٢٠١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٢٠ (٤٣١٧). (٣) هو عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الأموي، قال الدارقطني: كان يحفظ لكنه يخطئ ويصر. وانظر: «تاريخ بغداد» ١١/ ٨٨ - ٨٩. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٧٦ - ١٧٧، وقال: هذا إسناد صحيح. وحديث سلم» بن الأكوع -وهو من ثلاثياته- عن أبي عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، وهو نص لما بوب عليه البخاري، لكن جاء ما يرجح قول الجمهور من اعتبار تبييت النية، وأن نية النهار غير معتبرة، وهو ما رواه أبو داود عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمه أن أسلم أتت رسول الله - ﷺ -: يعني يوم عاشوراء. فقال: «صمتم يومكم هذا؟» قالوا: لا. قَالَ: «فأتموا بقية يومكم واقضوه» (١). -------- (١) أبو داود (٢٤٤٧) كتاب: الصوم، باب: في فضل صومه، ورواه ابن قانع في «معجم الصحابة» ٣/ ٨٤، والبيهقي ٤/ ٢٢١ من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن مسلمة، عن عمه مرفوعًا: «صمتم يومكم هذا ..». الحديث، وفي آخره؟ «واقضوه»، وعند ابن قانع: «واقضوا». قلت: لفظه: «واقضوه»، هذِه تُكلِّم في ثبوتها وصحتها. قال ابن حزم في «المحلي» ٦/ ١٦٨ - كما سيأتي عند المصنف-: هي لفظة موضوعة بلا شك. وقال عبد الحق في «الأحكام الوسطي» ٢/ ٢٤٥: لا يصح هذا الحديث في القضاء. وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٢٥/ ١١٨: حديث القضاء ضعيف، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٦: قال صاحب «التنقيح»: روي الأمر بالقضاء في حديث غريب، أخرجه أبو داود وهو حديث مختلف في إسناده ومتنه، وفي صحته نظر. ا. هـ وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٤٠: علته الجهل بحال عبد الرحمن بن سلمة هذا. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤٢٢)، وقال في «الضعيفة» (٥١٩٩): منكر بهذا التمام. تنبيه: قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٤٢ في صدد البحث في وجوب القضاء على من لم يبيت النية، وأن قوله - ﷺ - «: فأتموا بقية يومكم» -كما في الأحاديث الصحيحة- لا ينافي الأمر بالقضاء. قال: بل ورد ذلك صريحًا في حديث أخرجه أبو داود والنسائي .. فذكره، وقال: وعلى تقدير أن لا يثبت، فلا يتعين ترك القضاء: قال الألباني في «الضعيفة» ١١/ ٣٢٤: العجب من ابن حجر كيف سكت عليه، بل أشار قبل ذلك إلى تقويته. قال: وكذلك لا يتعين إيجاب القضاء بل هذا خلاف = قَالَ البيهقي: عبد الرحمن مجهول ومُختلف في اسم أبيه، فقيل: مسلمة، وقيل: سلمة، وقيل غير ذَلِكَ، ولا يدرى من عمه (١). وقتادة مدلس وقال: (عن)، والمدلس إذا أتى بصيغة: (عن) لا يكون حجة (٢). قَالَ ابن حزم: لفظة: «واقضوه» موضوعة بلا شك (٣). قلت: عبد الرحمن ذكره ابن حبان في «ثقاته» (٤)، وعمه صحابي. وقال ابن السكن في كتابه «الحروف»: عبد الرحمن بن سلمة هو الصواب، ويقال شعبة أخطأ في اسمه، والصواب حديث ابن أبي ---------- = الأصل؛ فإنه ينافي البراءة الأصلية، فالإيجاب لا بد له من أمر خاص وهذا غير موجود إلا في هذا الحديث وهو ضعيف السند منكر المتن، فلا تغتر بموقف الحافظ منه؛ فإنه خلاف ما تقتضيه القواعد العلمية الحديثية. انتهى كلام الألباني. والحديث قد صح من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة دون قوله: «واقضوه» منها حديث سلمة بن الأكوع وهو حديث الباب، وقد استوفي الألباني تخريج هذِه الأحاديث في «الصحيحة» (٢٦٢٤) فراجعها. (١) «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٣٦١. (٢) هو قتادة بن دِعامة السدوسي، مشهور ومعروف عنه التدليس، لا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع من شيخه. (٣) «المحلى» ٦/ ١٦٨. قال ابن حزم وقد أورد الحديث -بما فيه زيادة: واقضوا- من طريق ابن قانع وابن قانع مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وقد اختلط عقله قبل موته بسنة وهو بالجملة منكر الحديث، وتركه أصحاب الحديث جملة. ا. هـ وقد تعقب الشيخ أحمد شاكر قائلًا: نسب ابن حزم الخطأ في زيادة قوله: «واقضوا» إلى ابن قانع، بل سماه واضعها وأخطأ في هذا جدًّا، فالحديث رواه أبو داود من غير هذا الطريق، وفيه الزيادة، فظهر أن ابن قانع بريء من عهدة هذِه اللفظة، وأنه لم ينفرد بها. ا. هـ انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣، «البيان» ٣/ ٤٩٥ - ٤٩٦. (٤) «ثقات ابن حبان» ٥/ ١١٥. ّعَرُوبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي. واختلف أهل العلم متى تصح النية في النفل؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجزئ بنية قبل الزوال، وهو قول أكثر العلماء؛ احتجاجًا بحديث عائشة السالف. وفي بعض طرقه: «إني إذًا صائم» (١). وهو أقوى في الدلالة عَلَى ابتداء النية، وسلف في بعض طرقه: «إني إذًا صائم» و«إني إذًا أصوم» (٢) ويفرض الصيام. وألحق أبو حنيفة الفرض به والنذر المعين أيضًا، وهو قول الأوزاعي وابن المسيب وإسحاق (وعبد الملك) (٣) وابن المعدل من المالكية. وقال الشافعي: لا يجوز الفرض إلا بنية من الليل، وهو قول مالك والليث وأحمد (٤). وقال مالك وجابر بن زيد والمزني وداود: لا يجوز النفل إلا بنية من الليل، وزعم ابن حبيب: أن حديث الباب من خصائص عاشوراء، ونقله ابن المفضل في كتابه «صوم التطوع» عن غير واحد من السلف، منهم ابن سيرين وسعيد بن جبير. والظاهر من مذاهب العلماء المشهورين أنه لا يتم صيام من أكل فيه، ويرون أن ذَلِكَ كان في ابتداء الأمر قبل وجوب رمضان عَلَى مذهب من يرى وجوبه، ثم نسخ. --------- (١) رواه مسلم (١١٥٤/ ١٧٠). (٢) تقدم. (٣) في (ج): وعبد الرحمن الملك. (٤) «عيون المجالس» ٢/ ٦٠٥، «البيان» ٣/ ٥٨٩، «المغني» ٤/ ٣٣٣. وقال الداودي: قد أمرهم بهذا قبل نزول ﴿كلوا واشربوا﴾ الآية. وقال ابن حزم: من نسي أن ينوي ليلًا ففي أي وقت نواه من النهار التالي لتلك الليلة صح صومه، سواء أكل أو شرب أو وطئ، أو جمع بينها، أو لم يفعل شيئًا من ذَلِكَ، ويجزئه صومه ذَلِكَ، ولا قضاء عليه ولو لم يبق إلا مقدار ما ينوي الصوم، فإن لم ينوه فلا صوم له ولا قضاء عليه، وكذا من جاءه خبر هلال رمضان بعدما أكل أو شرب أو جامع فنوى قبل الغروب يجزئه صومه وإلا فلا، ولا قضاء عليه، وإن لم يكن حَتَّى غربت فلا قضاء عليه، وقد فاته صوم ذَلِكَ اليوم (١). قلت: شبهته حديث عاشوراء، ولا حجة له فيه، إذ المراد التشبه لحق الوقت، يوضحه ما رواه أحمد، عن سلمة: «من كان اصطبح فليمسك، ومن كان لم يصطبح فليتم صومه» (٢) وكان عمر بن عبد العزيز يقول: إذا أصبح غير صائم فأكل وشرب أو وطئ، ثم جاءه خبر رؤية الهلال فنوى الصوم أن صومه، صحيح (٣). وعند ابن سريج والطبري وأبي زيد المروزي صحة النقل بعد هذِه الأشياء المنافية للصوم. وقال زفر: يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية منه، وهو مذهب عطاء ومجاهد، قالوا: لأنه لا يصح فيه غير صوم رمضان لتعيينه فلا يفتقر إلى النية، كما لو دفع نصاب الزكاة جميعه إلى الفقراء وإن لم ينو شيئًا. -------- (١) «المحلى» ٦/ ١٦٤. (٢) «مسند أحمد» ٤/ ٤٨. (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠ (٧٣٢١)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢١ (٩٤٧٦). قَالَ في «شرح الهداية»: أنكر أبو الحسن الكرخي أن يكون هذا مذهبًا لزفر، ويقول: مذهبه تأدية جميع رمضان بنية واحدة، وأما إلزام ابن حزم زفر بصلاة المغرب وبما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ما يصلي فيه ركعتين، فصلى ركعتين في آخر وقت الفجر، وثلاثًا في وقت المغرب، ولم ينو فيها شيئًا (١). فينبغي أن يقع المؤدي عنهما؛ لأنه موضع لفرض الفجر والمغرب دون غيرهما، فيمكن الفرق بأن وقت رمضان لا يقبل غيره، بخلاف الصلاة. وألزم الرازي زفر بأن يجعل المغمى عليه في رمضان أيامًا صائمًا إذا لم يأكل ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نية، فإن التزمه ملتزم كان مستبشعًا، وأما دليل التبييت فحديث حفصة وعائشة وغيرهما مما سلف (٢). قَالَ ابن عبد البر: والاختلاف في هذا عن التابعين اختلاف كثير، ولم يختلف عن ابن عمر ولا حفصة أنهما قالا: لا صيام إلا لمن نواه قبل الفجر (٣). خاتمة: قد أسلفنا أن غرض البخاري في هذا الباب إجازة صوم النافلة بغير تبييت، وذكر ذلك عن بعض الصحابة، وقد رُوِي عن ابن مسعود وأبي أيوب إجازته أيضًا (٤)، وذكره الطحاوي عن عثمان (٥). ------ (١) «المحلى» ٦/ ١٦٣. (٢) تقدم تخريجها باستيفاء. (٣) «الاستذكار» ١٠/ ٣٧. (٤) رواه البيهقي ٤/ ٢٠٤ عن ابن مسعود. (٥) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٦ - ٥٧. وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كلهم يجيز النية في النافلة نهارًا محتجين بحديث سلمة في الباب، وبحديث عائشة السالف (١). وجوزه الكوفيون بعد الزوال، وذهب مالك وابن أبي ذئب والليث والمزني إلى إلحاقه بالفرض، فلابد من التبييت، وهو مذهب ابن عمر وعائشة وحفصة، محتجين بحديث حفصة السالف: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٢). ولم يفرق بين فرض ونفل، لكن النص السالف وهو حديث عائشة يدفعه، وكذا قولهم: الأعمال بالنيات. وكل جزء من النهار الإمساك عنه عمل فلا يصح بغير نية تدفعه أيضًا. قالوا: وحديث سلمة نسخ صوم عاشوراء؛ فنسخت شرائطه؛ فلا يجوز رد غيره إليه. قالوا أيضًا: وحديث عائشة رواه طلحة بن يحيى واضطرب في إسناده، فرواه عنه طائفة عن مجاهد، عن عائشة، وروته طائفة عنه، عن عائشة بنت طلحة، عنها (٣). ومنهم من لا يقول فيه: «إِنِّي صَائِمٌ» وأيضًا فهو محتمل فإن قوله: «إِنِّي صَائِمٌ إذًا» أي: إني كما كنت، أو إني بمنزلة الصائم. ويحتمل أن يكون عزم عَلَى الفطر لعذر وجده، فلما قيل له: ليس عندنا شيء تيمم الصوم، وقال: «إِنِّي صَائِمٌ» كما كنت. وإذا احتمل ذَلِكَ لم تخص الظواهر به. ------- (١) «مختصر الطحاوي» ص ٥٣، «البيان» ٣/ ٤٩٥، «المغني» ٤/ ٣٤٠. (٢) تقدم تخريجه باستيفاء. (٣) مسلم (١١٥٤)، والنسائي ٤/ ١٩٤ - ١٩٦. والجواب: أن هذا الاضطراب ليس قادحًا، وظاهره إنشاء الصوم. واحتج الكوفيون بحديث سلمة -حديث الباب- وقالوا: هو حجة لنا. وألحقوا النذر المعين به أيضًا كما سلف. وأجاب المخالف بمنع وجوب صومه، وأيضًا لم يروا بالقضاء لقولنا، وسلمناه، فصومه إنما وجب في الوقت الذي أمر به، وقد زال ذَلِكَ بزواله فحصلت النية متقدمة عليه، ولا يقاس عليه. خاتمة أخرى: فعل أبي الدرداء ومن معه، قَالَ الداودي: يحتمل أن يكون ليلًا، يعارضه قوله: «يَوْمِي هذا» إلا أن يحمل عَلَى قرب اليوم، فيكون سؤالهم عن ذَلِكَ قرب الفجر، ويحتمل أن يكونوا نووه أولًا ثم سألوا عن الطعام، فلما لم يجدوه آثروا إكمال صيامهم فقالوا: إنا صيام، أي: مستديمون ما كنا عليه من الصيام. ٢٢ - باب الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا ١٩٢٥، ١٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ- بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ -أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ح. حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ. وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَىَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ. فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ. فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ. وَقَالَ هَمَّامٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْمُرُ بِالفِطْرِ. وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. الحديث ١٩٢٥ [١٩٣٠، ١٩٣١ - فتح: ٤/ ١٤٣] الحديث ١٩٢٦ [١٩٣٢ - مسلم: ١١٠٩ - فتح: ٤/ ١٤٣] ذكر فيه حديث مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) بن الحارث بن هشام قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ. وحديث شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَام، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ، أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. ---------- (١) أبو بكر أحد الفقهاء السبعة الحرثي المدني أحد الأئمة مات مكفوفًا. وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ باللهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ. وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُم قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَان لأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ. فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ. فَقَالَ: كَذَلِكَ [حَدَّثَنِي] (١) الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ. وَقَالَ هَمَّامٌ، وَابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأمُرُ بِالفِطْرِ. وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. الحديث هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبي بكر) (٢) قَالَ: سمعت أبا هريرة يقص في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم. قَالَ: فذكرت ذَلِكَ لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذَلِكَ، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حَتَّى دخلنا عَلَى عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذَلِكَ، قَالَ: فكلتاهما قَالَ: كان النبي - ﷺ - يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم، قَالَ: فانطلقنا فدخلنا عَلَى مروان، فذكر ذَلِكَ له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هما أعلم. ثم ردَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذَلِكَ إلى الفضل بن عباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذَلِكَ من الفضل، ولم أسمعه من النبي - ﷺ -، قَالَ: فرجع أبو هريرة عما كان يقول، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ --------- (١) ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيه السياق. (٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من «صحيح مسلم» (٩، ١١) وهو الصواب. قَالَ: كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم (١). وفي رواية لمسلم: في رمضان (٢). وفي أخرى: ولا يقضي (٣). وقول البخاري: والأول أسند، أي: أظهر إسنادًا وأبين في الاتصال، نقله ابن التين عن أبي الحسن، بعد أن قَالَ: إسناد الحديث رفعه إلى قائله، وهذان قد رفعاه إلى قائلهما. وقال الدارقطني: رواه معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه دخل هو وأبوه عَلَى عائشة وأم سلمة فأخبرتاهما. الحديث. ورواه ابن أخي الزهري، عن أبي بكر عنهما، ولم يذكر أباه. ورواه ابن أبي حفصة، عن الزهري، عن أبي بكر، عن عائشة وحدها، لم يذكر أم سلمة ولا الفضل. ورواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، وأبي بكر، عن عائشة، ولم يذكر أم سلمة ولا الفضل. ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قَالَ أبو الحسن: وأصحهما عندي معمر، عن الزهري؛ لأنه ضبطه وذكر فيه دخول أبي بكر وابنه عليهما. ولما ذكر أبو عمر حديث مالك قَالَ: هذا الإسناد أشبه أسانيد هذا الحديث، وهو حديث جاء من وجوه كثيرة متواترة صحاح (٤). ---------- (١) مسلم (١١٠٩/ ٧٥) كاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. (٢) مسلم (١١٠٩/ ٧٦). (٣) مسلم (١١٠٩/ ٧٧). (٤) «التمهيد» ٢٢/ ٤٠. وفي أن الجنب إذا أصابته جنابة من الليل في رمضان لم يضره أن يصبح جنبًا، ولم يفسد ذَلِكَ صومه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأصحابهم وأبي ثور وعامة أهل الفتوى. قَالَ ابن بطال: أجمع فقهاء الأمصار عَلَى الأخذ بحديث عائشة وأم سلمة فيمن أصبح جنبًا أنه يغتسل ويتم صومه (١). قَالَ أبو عمر: وقد اختلفت الآثار في هذا الباب، واختلف فيه العلماء أيضًا، وإن كان الاختلاف في ذَلِكَ كله عندي ضعيفًا شبه الشذوذ، وقد أحال أبو هريرة فيه مرة عَلَى الفضل، ومرة عَلَى أسامة بن زيد، فيما رواه عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، ومرة قَالَ: أخبرنيه مخبر، ومرة قَالَ: حَدَّثَني فلان وفلان، فيما رواه أبو حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عنه، وروي عنه أنه قَالَ: لا ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أدرك الصبح جنبًا فلا يصم، محمد - ﷺ - ورب الكعبة قاله، ثم حدثنيه الفضل. قَالَ أبو عمر: وروى عنه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان الرجوع عن ذَلِكَ (٢)، وحكاه الحازمي عن ابن المسيب (٣). قَالَ ابن بطال: وأشهر قولي أبي هريرة عند أهل العلم أنه لا صوم له (٤). وفيه قول ثالث عنه: أنه إذا علم بجنابته ثم نام حَتَّى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حَتَّى يصبح فهو صائم. --------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩. (٢) «التمهيد» ١٧/ ٤٢٠ - ٤٢١. (٣) «الاعتبار» للحازمي ص ١٠٦. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩. وروي ذَلِكَ عن طاوس وعروة بن الزبير، وحكاه أبو عمر، عن النخعي (١). وحكى هو وابن بطال عن النخعي أيضًا قولًا رابعًا أنه يجزئه في التطوع دون الفرض (٢). وروي عن الحسن وسالم، أنهما قالا: يتم صومه ذَلِكَ، ويقضيه إذا أصبح فيه جنبًا (٣). وكان الحسن بن حي يستحب لمن أصبح جنبًا في رمضان أن يقضي ذَلِكَ اليوم، وكان يرى عَلَى الحائض إذا أدركها الصبح ولم تغتسل أن تقضي ذَلِكَ اليوم، ومال عبد الملك بن الماجشون إلى هذا في الحائض. وروى الثوري عن أبي ضمرة، عن عبد الله بن مرداس، عن عبد الله: إذا أصبحت جنبًا لا تحل لك الصلاة، فإن اغتسلت حلت لك الصلاة والصوم فصم (٤). قَالَ عبد الرحمن: قَالَ أبو زرعة: قد اضطربوا فيه، والثوري أحفظهم (٥). قَالَ ابن عبد البر: قد ثبت عن النبي - ﷺ - خلاف هذا. قَالَ تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية وإذا أبيح الجماع والأكل والشرب حَتَّى يتبين الفجر، فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر (٦). -------- (١) «التمهيد» ١٧/ ٤٢٤. (٢) «التمهيد» ١٧/ ٤٢٤، «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩. (٣) روه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٠ (٩٥٧٩) عن الحسن. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٨١ (٧٤٠٢) كتاب: الصيام، باب: من أدركه الصبح جنبًا، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠ (٩٥٧١) كتاب: الصيام، باب: في الرجل يصبح وهو جنب، والطبراني ٩/ ٣١٢ (٩٥٦٥ - ٩٥٦٦)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٠: عبد الله بن مرداس لم أجد من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٢٩ (٦٦٥). (٦) «التمهيد» ١٧/ ٤٢٥. وهذا قاله ربيعة أيضًا، وهو حسن، ومن الحجة أيضًا إجماعهم عَلَى أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم، فترك الاغتسال من جنابة تكون بالليل أحرى. واحتج من أبطل، بحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قَالَ: «من أصبح جنبًا أفطر ذَلِكَ اليوم». قَالَ ابن بطال: ولم يقل أحد من فقهاء الأمصار غير الحسن (بن حي) (١)، قَالَ: وأبو هريرة الذي روى حديث الفضل قد رجع عن فتياه إلى قول عائشة وأم سلمة، ورأى ذَلِكَ أولى مما حدَّث به الفضل لحديث عائشة، عن رسول الله - ﷺ -، وروى منصور، عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أبا هريرة رجع عن ذَلِكَ لحديث عائشة (٢)، وروى محمد بن (عمر) (٣) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه نزع عن ذَلِكَ أيضًا (٤). -------- (١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩١: بن صالح. (٢) رواه أحمد ٦/ ٢٦٦، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ١٨٧ (٢٩٧٨ - ٢٩٧٩) من طريق منصور، عن مجاهد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: قال أبو هريرة .. الحديث. ورواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» ٢/ ٤٩٧ (١٠٨٢) من طريق منصور، عن مجاهد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كان أبو هريرة يقول .. الحديث. (٣) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: عمرو، ولعله الصواب. (٤) رواه النسائي في «الكبرى» ٢/ ١٩١ (٣٠٠٥ - ٣٠٠٦) وفيه عن محمد بن عمرو. وانظر: «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩ - ٥٠. تتمة: قال البيهقي: وروينا عن ابن المنذر أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله -عز وجل- الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع = قَالَ الطحاوي: والنظر في ذَلِكَ أنَّا رأيناهم قد أجمعوا أن صائمًا لو نام نهارًا فأجنب أن ذَلِكَ لا يخرجه عن صومه، فأردنا أن ننظر هل يكون حكم الجنابة إذا طرأ عَلَى الصوم خلاف حكم الصوم إذا طرأ عليها، فرأينا الأشياء التي تمنع من الدخول في الصيام من الحيض والنفاس إذا طرأ ذَلِكَ عَلَى الصوم أو طرأ عليه الصوم فهو سواء، ألا ترى أنه ليس لحائض أن تدخل في الصوم وهي حائض، وأنها لو دخلت في الصوم طاهرًا، ثم طرأ عليها الحيض في ذَلِكَ اليوم أنها بذلك خارجة من الصوم، وكان حكم الصوم إذا طرأت عَلَى الصوم لم تبطله بإجماعهم، فالنظر عَلَى ذَلِكَ أن تكون كذلك إذا طرأ عليها الصوم لم تمنع من الدخول فيه (١). واختلفوا في الحائض تطهير قبل الفجر ولا تغتسل حَتَّى يطلع الفجر، فإن مالكًا والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبا ثور يقولون: هي بمنزلة الجنب. وقال عبيد الله بن الحسن العنبري والحسن بن حي والأوزاعي: تصومه وتقضيه (٢). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت أيامها أقل من عشر صامته وقضته، وإن كانت أيامها عشرًا فإنها تصومه ولا تقضي. وشذَّ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها القضاء والكفارة، وهذا في المفرِّطة المتوانية. وقال الداودي: لعل ما رواه الفضل كان في أول الإسلام ثم نُسخ. -------- = الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه. اهـ «سنن البيهقي» ٤/ ٢١٥. (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٦٢ - ٦٣. (٢) «المغني» ٤/ ٣٩٣. وقال الطحاوي: جعل حديث أم سلمة وعائشة ناسخين لحديث أبي هريرة أخف؛ لأن النسخ إذا كان لغير عقوبة فهو رحمة، ورد الأغلظ إلى الأخف (١). وقال بعض العلماء: كان ذَلِكَ في أول الإسلام في الوقت الذي كان الحكم فيه أن الصائم إذا نام بالليل حرم عليه الأكل والشرب والجماع أن يمتد ذَلِكَ إلى طلوع الفجر، فيكون تأويل قوله: «من أصبح جنبًا» أي: من جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صوم سائره؛ لأنه لا يصبح جنبًا إلا وله أن يطأ قبل الفجر. وقال الخطابي وابن المنذر: أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ؛ لأن الجماع كان محرمًا عَلَى الصائم بعد النوم، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم (٢). وقال ابن التين: يحتمل أن يكون الفضل سمع النبي - ﷺ - يقول: «لا يفطر» فسقط عنه: «لا». وجواب آخر، وهو: يحتمل أن يريد: من أصبح مجامعًا، فعبر بالجنابة عن الجماع لما كان سببًا لها، أو يكون أنزل ولم يتم إنزاله حَتَّى طلع الفجر وهو ينزل، فهذا جنب في الحقيقة، قَالَ: وقيل: إن سنده مضطرب؛ لأنه رواه مرة أخرى عن غير الفضل. قَالَ الحازمي: أما الشافعي فذهب إلى معنى الترجيح وقال: نأخذ بحديث زوجتيه دون ما روى أبو هريرة لمعان، منها: أنهما أعلم بهذا من -------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٠٥ - ١٠٦. (٢) عن قول الخطابي انظر: «أعلام الحديث» ٢/ ٩٥٨. رجل، ومنها تقديمهما في الحفظ، ومنها أنهما اثنتان وهما أكثر من واحد، وإقسام مروان عَلَى عبد الرحمن: لتقرعن بها أبا هريرة، يريد بذلك استقصاء حكم هذِه القصة ليعلم ما عنده؛ لأنه ربما كان عنده نص يحتمل أن يكون ناسخًا أو منسوخًا أو يوجب تخصيصًا أو تأويلًا (١). وفي قصة عبد الرحمن دخول العلماء عَلَى الأمراء والمذاكرة معهم وطاعتهم له في المعروف. وفيه: أن الشيء إذا تنوزع فيه وجب رده إلى من يظن علمه عنده؛ لأن أمهات المؤمنين أعلم الناس بهذا المعنى. وفيه: أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه سنة رسول الله - ﷺ -. وفيه: اعتراف العلماء بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة، وقد ثبت أن أبا هريرة لم يسمع ذَلِكَ من رسول الله - ﷺ -، ففي رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قَالَ: حدثنيه الفضل ابن عباس. وفي رواية المقبري عن أبي هريرة قَالَ: حدثنيه ابن عباس. وفي رواية عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة قَالَ: هن أعلم برسول الله، حَدَّثَنَا حديثه أسامة بن زيد، ذكره النسائي (٢). --------- (١) «الاعتبار» ص ١٠٦. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ١٧٨ - ١٧٩ (٢٩٣١ - ٢٩٣٢). ٢٣ - باب المُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْجُهَا. ١٩٢٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَآرِبُ﴾ [طه: ١٨] حَاجَةٌ. قَالَ طَاوُسٌ: ﴿أُولِى الإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]: الأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ. وقال جَابرُ بْنُ زيد: إنْ نَظَرَ فَأمنَى يُتمُّ صَوْمَهُ. [١٩٢٨ - مسلم: ١١٠٦ - فتح: ٤/ ١٤٩] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَآرِبُ﴾ حَاجَةٌ. قَالَ طَاوُسٌ: ﴿أُولِى الإِرْبَةِ﴾ الأَحْمَقُ الذي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ. وقال جَابرُ بْنُ زيد: إنْ نَظَرَ فَأمنَى يُتمُّ صَوْمَهُ. الشرح: أثر عائشة أخرجه معمر، عن أيوب عن أبي قلابة، عن مسروق: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ فقالت: كل شيء إلا الجماع (١)، وسلف معناه في باب مباشرة الحائض، في كتاب الطهارة (٢). وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٣). قَالَ الإسماعيلي: ثنا يوسف القاضي، ثَنَا سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أن علقمة وشريح بن أرطاة النخعي ------- (١) «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ١٩٠ (١٤٣٩). (٢) برقم (٣٠٢). (٣) مسلم (١١٠٦) باب: أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته. كانا عند عائشة، فقال أحدهما لصاحبه: سلها عن القبلة، فقال: ما كنت لأرفث عند أم المؤمنين، فقالت: كان رسول الله - ﷺ - يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم .. الحديث. وقال: رواه عن شعبة غندر وابن أبي عدي وعبيد الله بن موسى، وعدد جماعات كلهم عن عبد الله، عَلَى ما ذكر سليمان بن حرب في حديثنا، وحَدَّث به البخاري، عن سليمان فقال فيه: عن الأسود. وفي ذَلِكَ نظر. قلت: وفي كتاب «الصيام» للقاضي يوسف بن يعقوب بن حماد بن زيد الذي روى عنه الإسماعيلي هذا الحديث: حَدَّثَنَا أبو الربيع، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قَالَ: روى رجل من النخع عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان يباشر وهو صائم، فقال له شريح -يعني: ابن أرطاة-: إني لأهم أن أضرب بالقدمين رأسك، قَالَ: وكان شريح قد صام سنين، فانتهوا إلى عائشة، فجعل بعضهم يقول لبعض: سلها، قَالَ: قالوا لعلقمة، فقال: لا أرفث اليوم عند أم المؤمنين، قالت: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا روى عنكِ أنك قلت: إن رسول الله - ﷺ - كان يباشر وهو صائم .. الحديث. وأخبرنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قَالَ: سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها، فقلت: بلغني أن سيدنا رسول الله - ﷺ - كان يباشر وهو صائم. فقالت: إن رسول الله - ﷺ - كان أملك لإربه من الناس أجمعين. وأخبرنا نصر بن علي، ثَنَا أبي، ثَنَا هشام، عن حماد، فذكر مثله. ورواه النسائي، عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن شعبة بمثل رواية الإسماعيلي (١). قَالَ الدارقطني: وكذا رواه أبو النضر (٢). قَالَ: ورواه أبو خالد الدالاني والحسن بن الحر، عن الحكم، عن إبراهيم، قَالَ: خرج علقمة، ومسروق في نفر من أصحاب عبد الله، فدخلوا عَلَى عائشة. ورواه ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن شريح، عن عائشة، لم يذكر إبراهيم. ورواه منصور بن زاذان، عن الحكم، عن علقمة من غير ذكر عائشة. ورواه قطبة بن عبد العزيز وجماعات عددهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال أبو معاوية: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود. ورواه يحيى بن زائدة، عن الأعمش، عن همام، عن أبي الضحى، عن مسروق ورواه قيس بن الربيع، عن الأعمش، ومنصور، عن أبي الضحى، عن شُتير بن شكل، عن عائشة وحفصة. ورواه ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قَالَ ذَلِكَ حماد بن زيد وثابت بن يزيد ومنصور، عن عكرمة. وقال ابن علية: عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق أنهما دخلا عَلَى عائشة. قَالَ الدارقطني: وكلها صحيحة إلا قول من أسقط في حديث الحكم إبراهيمَ، وإلا قول قيس، عن أبي الضحى، عن شتير، عن عائشة وحفصة؛ فإنه لم يتابع عليه. -------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٠٦ (٣٠٩٢). (٢) رواه النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٠٨ (٣٠٩٧). ![]()
__________________
|
|
#370
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 171 الى صـــ 190 الحلقة (370) قلت: ورواه القاضي أبو يوسف، عن محمد بن أبي بكر، ثَنَا يزيد بن زريع، ثَنَا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق قَالَ: أتينا عائشة. ثم روى حديث شتير بإسقاط عائشة، وهو في «صحيح مسلم» أيضًا (١). وفي «علل ابن أبي حاتم الرازي»: رواه شتير، عن علي، وقال: قَالَ أبي: هذا خطأ (٢)، ولما رواه النسائي من حديث إسرائيل، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن شتير قَال: هذا خطأ، ليس فيه مسروق (٣). وخطَّأ الرازيان رواية عبد الأعلى، عن حميد، عن أنس، عنها، به (٤). وقَالَ الطرقي لما ذكر حديث الباب: كذا رواه الأسود وعلقمة، عن عائشة جمعًا بين التقبيل والمباشرة، وإن اختلفت الروايات عنهما. ورواه مسروق، عن عائشة مقصورًا عَلَى المباشرة (٥). ورواه عنها جماعة ذوو عدد مقصورًا عَلَى التقبيل (٦). -------- (١) مسلم (١١٠٧). (٢) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٣٢. (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٠٥ (٣٠٨٢). (٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٦. ويعني المصنف بالرازيين: أبا حاتم وأبا زرعة. (٥) رواه مسلم (١١٠٦/ ٦٨)، وكذا رواه مسلم (١١٠٦/ ٦٧) عن علقمة، عن عائشة مقصورًا على المباشرة. (٦) سيأتي برقم (١٩٢٨)، وروى مسلم (١١٠٦) ٦٢ عن عروة بن الزبير عنها مقتصرًا على التقبيل. وروى مسلم (١١٠٦/ ٦٣، ٦٤، ٦٦) عن القاسم وعلقمة عنها كذلك. وقال أبو يحيى مصدع: عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها. هذِه الكلمة ليست بمحفوظة، والحمل فيها عَلَى محمد بن دينار -يعني: عن سعد بن أوس عن مصدع- وهي في كتاب أبي داود وحده. وحكى ابن الأعرابي، عن أبي داود أنه قَالَ: هذا الحديث ليس بصحيح (١). --------- (١) أبو داود (٢٣٨٦) كتاب: الصوم، باب: الصائم يبلع الريق، ورواه أيضًا بهذِه اللفظة: أحمد ٦/ ١٢٣، ٢٣٤، والبيهقي ٤/ ٢٣٤ كتاب: الصيام، باب: إباحة القبلة لمن لم تحرك شهوته أو كان يملك إربه، وابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٢٧٢، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٤١٣ في ترجمة محمد بن دينار الطاحي (١٦٧٣)، و٨/ ٢٣٠ في ترجمة مصدع (١٩٥١)، والخطيب في «تالي تلخيص المتشابه» ١/ ٣٠١ (١٧٧)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣ من طريق محمد بن دينار الطاحي، عن سعد ابن أوس العبدي، عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة به. قال ابن عدي: قوله: ويمص لسانها: لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه أهـ. وقد نقل، عن ابن معين أنه قال عن محمد بن دينار: ضعيف، وقال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢١٩: لا تصح هذِه الزيادة؛ لأنها من حديث محمد بن دينار، عن سعد بن أوس ولا يحتج بهما أهـ. وتعقب ابن القطان الفاسي، عبد الحق في تضعيفه الحديث بمحمد بن دينار وسعد بن أوس فقال: اعتل على الحديث بما ليس بعلة، فإن محمد بن دينار الطاحي صدوق، ليس به بأس، ويروى عن ابن معين استضعاف حديثه، وذلك -والله أعلم- بقياسه إلى غيره، وإلا فقد روي عنه أنه قال فيه: لا بأس به، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وسعد بن أوس، قال أبو حاتم: صالح، ويروى عن ابن معين استضعاف حديثه، ولعله أيضًا بالإضافة كما قلناه، وأما مصدع الأعرج، فضعيف، كان شيعيًا، عرقب في التشيع، قال السعدي: كان زائغًا، جائرًا عن الطريق، وفي بابه ذكره ابن عدي هذا الحديث، وعليه أنكره، فإذن علة الخبر إنما هي هذِه فاعلم ذلك. أهـ. = إذا عرفت ذَلِكَ؛ فالمباشرة والقبلة للصائم حكمهما واحد، بل قَالَ أشهب: القبلة أيسر من المباشرة، والملاعبة والجسّة والقبلة وإدامة النظر والمحادثة تنقص أجر الصائم وإن لم يفطره. واختلفوا في المباشرة، فكرهها قوم من السلف. وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب أن سفينة مولى ابن عباس حدثه أن ابن عباس كان ينهى الصائم عن القبلة والمباشرة، قَالَ: وأخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عمر مثله (١). وروى حماد بن سلمة، عن عائشة أنها كرهت ذَلِكَ (٢). وروى مثله عن ابن المسيب وعطاء والزهري (٣)، ورخص فيه آخرون. ---------- = «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ١١٠ - ١١١. قلت: في بعض ما قاله ابن القطان نظر؛ لأن ابن عدي قد أورد الحديث في ترجمة مصدع لكنه لم ينكره عليه، إنما أنكره وقال ما قال حينما رواه في ترجمة محمد بن دينار فقال -كما أسلفناه-: قوله: ويمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه. انتهى كلام ابن عدي، فتضعيف عبد الحق الحديث بمحمد بن دينار صحيح لا شيء فيه، وهو موافق لما عناه وقصده ابن عدي. وقد أعله أيضًا المنذري بابن دينار وسعد بن أوس كما في «المختصر» ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وأعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥٣ - ٥٤ (٨٩٣) بالثلاثة. وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٤/ ٢٥٣: حديث ضعيف، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٥٣: إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤١١). (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٨٦ (٧٤٢٣ - ٧٤٢٥)، ٤/ ١٨٩ - ١٩٠ (٧٤٣٨)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٦ - ٣١٨ (٩٤١٣، ٩٤٢٢، ٩٤٣٦)، والبيهقي ٤/ ٢٣٢. (٢) رواه البيهقي ٤/ ٢٣٢. (٣) رواه عن ابن المسيب: عبد الرزاق ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ (٧٤٣٣ - ٧٤٣٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٦ (٩٤١٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨٨. ورواه عن عطاء والزهري: عبد الرزاق ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ (٧٤٣٢، ٧٤٣٦ - ٧٤٣٧). روي عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأته نصف النهار وهو صائم (١). وعن سعد بن أبي وقاص مثله (٢). وروى أبو قلابة، عن مسروق أنه سأل عائشة: ما يحل للرجل من امرأته وهو صائم؟ قالت: كل شيء إلا الجماع (٣). وكان عكرمة يقول: لا بأس بالمباشرة للصائم؛ لأن الله تعالى أحل له أن يأخذ بيدها وأدنى جسدها، ولا يأخذ بأقصاه (٤). وقال ابن قدامة: اللمس بشهوة كالقبلة، فإن كان بغيرها فلا يكره بحال. وكل من رخص في المباشرة له فإنما ذَلِكَ بشرط السلامة مما يخاف عليه من دواعي اللذة والشهوة، كما نبه عليه المهلب، ألا ترى قول عائشة عن النبي - ﷺ -: وكان أملككم لإربه. ولهذا المعنى كرهها من كرهها. وروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود أنه سأل عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها (٥)، إلى آخر ما أسلفناه، وحماد، عن داود، عن شعبة، عن ابن عباس: أن رجلًا قَالَ له: إني تزوجت ابنة عم لي جميلة فبنى بها في رمضان، فهل لي إن قبلتها من سبيل؟ قَالَ: فهل تملك نفسك؟ قَالَ: نعم قَالَ: فباشر. قال: فهل لي أن أضرب على فرجها من سبيل؟ قال: فهل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال فاضرب. -------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧ (٩٤٣٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٩٠. (٢) رواه الطحاوي ٢/ ٩٥. (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٩٠ (٧٤٣٩). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٧ (٩٤٣٣). (٥) رواه البيهقي ٤/ ٢٣٢. وقال مالك في «المختصر»: لا أحب للصائم في فرض أو تطوع أن يباشر أو يقبل، فإن فعل ولم يمذ فلا شيء عليه، وإن أمذى فعليه القضاء، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأحمد. قَالَ بعض البغاددة من أصحاب مالك: القضاء في ذَلِكَ عندنا استحباب. وروى عيسى، عن ابن القاسم أنه إن أنعظ ولم يمذ فإنه يقضي وأنكره سحنون، وهو خلاف قول مالك (١). وقال أبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه إذا أمذى، وهو قول الحسن والشعبي، وحجتهم أن اسم المباشرة ليس عَلَى ظاهره، وإنما هو كناية عن الجماع، ولم يختلف العلماء أن قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن …﴾ يراد به الجماع، فكل مباشرة اختلف فيها فالواجب ردها إلى ما أجمعوا عليه منها. واختلفوا إذا باشر أو جامع دون الفرج فأمنى، فقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: يجب عليه القضاء فقط؛ لأن الكفارة إنما تجب عندهم بالجماع. وقال عطاء: يجب عليه القضاء مع الكفارة (٢)، وهو قول الحسن البصري وابن شهاب (٣). ومالك وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق، وحجتهم أنه إذا باشر أو جامع دون الفرج فأنزل فقد حصل المعنى المقصود من الجماع؛ لأن الإنزال أقصى ما يطلب من الالتذاذ، وهو من جنس الجماع التام في إفساد الصوم، فقد وجبت فيه الكفارة. ---------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٧ - ٤٨، «المغني» ٤/ ٣٦١. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٢ (٩٤٧٨). (٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٩٢ (٧٤٥٠)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٢ (٩٤٧٩). تنبيهات: أحدها: قَالَ ابن قدامة في حديث المص: يجوز أن يكون التقبيل وهو صائم والمص في حين آخر، ويجوز أن يمصه ولا يبتلعه، ولأنه لم يتحقق انفصال ما عَلَى لسانها من البلل إلى فمه، وأما ابتلاع ريق الرجل نفسه وما لا يمكن التحرز منه فلا يفطر كغبار الطريق، فلو جمعه وابتلعه قصدًا لم يضر عَلَى الأصح وفاقًا للحنفية، فإن أخرج ريقه إلى الظاهر ثم أعاده أو بلع ريق غيره أفطر (١). وفي «شرح الهداية»: إن ابتلع بصاق غيره أفسد صومه. وعن الحلواني: لو ابتلع ريق حبيبه أو صديقه عليه الكفارة؛ لأنه لا يعافه بل يتلذذ به. وقيل: لا كفارة فيه. ثانيها للنسائي: سأل عمر رسول الله - ﷺ - عن القبلة: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟» قَلت: لا بأس. قَالَ: «فمه»، ثم قال: منكر (٢). -------- (١) «المغني» ٤/ ٣٥٥. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ (٣٠٤٨). ورواه أيضًا: أبو داود (٢٣٨٥) كتاب: الصوم، باب: القبلة للصائم، وأحمد ١/ ٢١، ٥٢، والدارمي ٢/ ١٠٧٦ (١٧٦٥) كتاب: الصوم، باب: الرخصة في القبلة للصائم، والبزار في «البحر الزخار» ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (٢٣٦)، وابن خزيمة ٣/ ٢٤٥ (١٩٩٩)، وابن حبان ٨/ ٣١٣ - ٣١٤ (٣٥٤٤) كتاب: الصوم، باب: قبلة الصائم، والحاكم ١/ ٤٣١ وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي ٤/ ٢١٨ كتاب: الصيام، باب: من طلع الفجرُ وفي فيهِ شيءٌ لفَظَه وأتمَّ صومه، والضياء في «المختارة» ١/ ١٩٥ - ١٩٦ (٩٩ - ١٠٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣١٨ - ٣١٩ من طريق الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب، به. = ---------- = والحديث قال عنه النسائي: منكر، كما ذكر المصنف -رحمه الله- مع العلم بأنه ليس في مطبوع «سنن النسائي الكبرى» قول النسائي هذا، ونقله عنه المزي في «تحفة الأشراف» ٨/ ١٧ (١٠٤٢٢)، وكذا نقله عنه في «تهذيب الكمال»، فيبدو أنه سقط من المطبوع، والله أعلم، ونقله عنه أيضًا المنذري في «مختصره» ٣/ ٢٦٣ وسكت عليه فكأنما أقره على تضعيفه، وأغرب ابن الجوزي جدًّا فأورد الحديث في «التحقيق» ٢/ ٨٨ من طريق الإمام وأحمد وقال: ليث ضعيف. وذلك لأن الروايتين اللتين عند أحمد عن ليث -هكذا مهملًا- عن بكير، وهكذا جاء مهملًا عند النسائي وابن خزيمة، وجاء مصرحًا في بقية المصادر أنه الليث بن سعد، فلم يتفطن لذلك ابن الجوزي وظن أنه ليث بن أبي سليم، فهو الضعيف، والليث بن سعد متفق على إمامته وجلالته، وهو الذي يروي عن بكير بن عبد الله، أما ليث بن أبي سليم فليس له رواية عن بكير، والله أعلم. والعجب أيضًا من الذهبي حيث أورد الحديث في «التنقيح» ٥/ ١٥٢ وأورد كلام ابن الجوزي، ولم يعلق عليه!! ومما يؤيد قولنا أن الضياء قال بعد روايته الحديث الأول: رواه الإمام أحمد في «مسنده» عن حجاج، عن ليث بن سعد، وقال المزي أيضًا: رواه أبو داود عن أحمد بن يونس وعيسى بن حماد، ورواه النسائي عن قتيبة كلهم عن الليث بن سعد. والحديث بالرغم من أنه قد ضعف، إلا أنه صححه جمع من الأئمة، فصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وكذا صححه عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ٢/ ٢١٧ فأورده وسكت عليه، وهذا تصحيح منه له كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وأقره ابن القطان ولم يعقب عليه، فقال في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣١٢: وسكت عنه مصححًا له. اهـ. وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عند تضعيف الإمام أحمد والنسائي لهذا الحديث، فنقل ابن عبد اللهادي: قال شيخنا ابن تيمية: الليث بن سعد الإمام الجليل لا يختلف في فضله وعلمه وثقته وهو رواي هذا الحديث، وضعف الإمام أحمد هذا الحديث؛ لأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان ينهى عن القبلة للصائم، وأنكره أيضًا النسائي وذلك لأنهم قالوا: إنه قيل لعمر: أتكره القبلة للصائم = وقال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه (١). وقال أحمد: هذا ريح، ليس من هذا شيء (٢). وأما ابن حزم فاحتج به (٣)، وصححه الحاكم عَلَى شرط الشيخين (٤). ولابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قَالَ: رخص للكبير الصائم في المباشرة، وكره للشاب (٥). ولأبي داود من حديث أبي هريرة أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب (٦). ---------- = ورسول الله - ﷺ - كان يقبل وهو صائم؟! فقال: من ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله - ﷺ - اهـ. نقلًا عن هامش «تنقيح التحقيق» للذهبي ٥/ ١٥٢. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٦٤). (١) «البحر الزخار» ١/ ٣٥٣. (٢) انظر: «المغني» ٤/ ٣٦١. (٣) «المحلى» ٦/ ٢٠٩ وقد رواه بسنده. (٤) «المستدرك» ١/ ٤٣١. (٥) ابن ماجه (١٦٨٨) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في المباشرة للصائم قال: حدثنا محمد بن خالد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس … الحديث. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٦٨: هذا إسناد ضعيف؛ عطاء بن السائب اختلط بآخره، وخالد بن عبد الله الواسطي سمع منه بعد الاختلاط، ومحمد بن خالد ضعيف أيضًا. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٣٦٩). (٦) أبو داود (٢٣٨٧) كتاب: الصوم، باب: كراهيته للشاب، ووراه ابن عدي في «الكامل» ٢/ ١٣٣ في ترجمة إسرائيل بن يونس (٢٣٧)، والبيهقي ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢ من طريق أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن أبي العنبس، عن الأغر، عن أبي هريرة … الحديث. = ولأحمد مثله من حديث ابن عمرو وفيه ابن لهيعة (١)، وقد ردهما ابن حزم كما ستعلمه (٢). وفي «الصحيحين» عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - كان يقبلها وهو صائم (٣)، ------------ = قال ابن حزم في «المحلى» ٦/ ٢٠٨: إسرائيل ضعيف، وأبو العنبس لا يدرى من هو، فسقط الحديث. اهـ بتصرف، وقال عبد الحق ٢/ ٢١٧: أبو العنبس لم أجد أحدًا ذكره ولا سماه، ونقل ابن القيم قولي ابن حزم وعبد الحق كما في «المختصر» ٣/ ٢٦٤، ولم يعقب عليهما. قلت: قال الحافظ في «التقريب» (٨٢٨٣): أبو العنبس، الكوفي، العدوي مقبول. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٦٥) قال: إسناده حسن صحيح. (١) أحمد ٢/ ١٨٥، ٢٢٠ - ٢٢١ قال: حدثنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن قيصر التجيبي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص .. الحديث. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٦٦: فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٠٦)، وقال في «صحيح أبي داود» ٧/ ١٤٩: إسناد جيد، لولا سوء حفظ ابن لهيعة، ولكنه شاهد جيد. (٢) «المحلى» ٦/ ٢٠٨. قلت: حديث ابن عمرو الذي عند أحمد لم يرده ابن حزم كما ذكر المصنف -رحمه الله- ولم يورده أصلًا، أما الحديث الآخر الذي رده ابن حزم -كما سيأتي- هو حديث ابن لهيعة، عن قيس مولى تجيب، وهو حديث أبي هريرة. قال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢١٨: يروى بإسناد آخر إلى أبي هريرة فيه ابن لهيعة، عن قيس مولى تجيب، ولفظه أن النبي - ﷺ - أرخص في قبلة الصائم للشيخ ونهى عنها الشاب، ولا يصح أيضًا. اهـ، وهذا ما ذكره ابن حزم، لا حديث ابن عمر كما ذكر المصنف، والله أعلم. وحديث أبي هريرة الذي ذكره ابن حزم وعبد الحق، الذي فيه قيس مولى تجيب لم أقف عليه. (٣) سلف برقم (٣٢٢) كتاب: الحيض، باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها، ورواه مسلم (١١٠٨) كتاب: الصيام، باب: بيان أن القبلة في الصوم .. زاد ابن أبي حاتم: وعلى قُبُلها ثوب، وقال: قَالَ أبي: الناس يروونه عن عكرمة مرسلًا، وهو أصح (١). ولابن أبي شيبة -بإسناد جيد- عن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن القبلة للصائم فقال: لا بأس ما لم يَعْدُ ذَلِكَ (٢). ثالثها: قَالَ ابن حزم: روينا بأسانيد في غاية الصحة عن أمهات المؤمنين: أم سلمة، وأم حبيبة، وحفصة، وعمر، وابن عباس، وعمر بن أبي سلمة، وغيرهم، كلهم عن النبي - ﷺ - أن القبلة لا تبطل الصوم، قَالَ: ومن باشر امرأته فيما دون الفرج تعمدًا أمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ لا ينقض صومه (٣). ------------ (١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٥. (٢) «المصنف» ٢/ ٣١٥ (٩٣٩٥). (٣) «المحلى» ٦/ ٢٠٦ بتصرف. وحديث سلمة تقدم برقم (٣٢٢)، ورواه مسلم (١١٠٨). وحديث أم حبيبة رواه أحمد ٦/ ٣٢٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٠٥ (٣٠٨٤)، والطبراني ٢٣/ ٢٤٥ (٤٩٣) من طريق شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن شتير بن شكل، به. قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع شعبة على قوله: عن أم حبيبة، والصواب شتير عن حفصة. وسئل الدارقطني في «علله» ٣/ ٢٤١ عن حديث شتير بن شكل، عن علي، قبل رسول الله - ﷺ - وهو صائم، فقال: كذا رواه المغيرة بن سلمة، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن شتير بن شكل، عن علي، ووهم فيه، والناس يروونه عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن شتير، عن حفصة، ومنهم من قال: عن أم حبيبة، وهو أشبه بالصواب. اهـ. وحديث حفصة رواه مسلم (١١٠٧). وحديث عمر تقدم تخريجه قريبًا جدًّا. وحديث ابن عباس رواه أحمد ١/ ٢٤٩، ٣٦٠، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٨٣ (٧٤٠٧) كتاب: الصيام، باب: القبلة للصائم، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٢٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٩٠ كتاب: الصيام، = قَالَ: والقبلة لمن تحل له قربة من القرب وسنة مستحبة، ومن فرق بين الشاب والشيخ تعلق بحديثي سوء: أحدهما: فيه ابن لهيعة عن قيس مولى تجيب، وهو مجهول (١). والآخر: من حديث إسرائيل، وهو ضعيف (٢)، عن أبي العنبس، -------------- = باب: القبلة للصائم. من طريق أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يصيب من الرءوس وهو صائم -يعني: القبلة-. ورواه الطبراني ١١/ ٣١٩ (١١٨٦٨) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٢٢٦ (٦٥٨): وسألت أبي عن حديث: رواه معمر وعبد السلام بن حرب، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - كان يصيب من الرءوس وهو صائم. ووراه وهيب، عن أيوب، عن رجل، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -. قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال: الله أعلم، قلت: فهذا الرجل هو عبد الله بن شقيق؟ قال: ما ندري هو أم غيره، وقد تابع وهيبًا ابن علية. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٦٧: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وحديث عمر بن أبي سلمة رواه مسلم (١١٠٨). (١) انظر ترجمته في «لسان الميزان» ٤/ ٤٨٠ .. (٢) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي، قال ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لين، وقال في موضع آخر: ثقة صدوق، وليس بالقوي في الحديث، ولا بالساقط، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة، وجعل يعجب من حفظه، وقد ضعفه البعض كابن المديني وابن حزم، قال الذهبي: إسرائيل اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالاسطوانة، فلا يلتفت إلى تضعيف من ضعفه. وقال الحافظ في «التقريب» (٤٠١): ثقة، تكلم فيه بلا حجة. انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٧٤، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥١٥ (٤٥٢)، «ميزان الاعتدال» ١/ ٢٠٨ (٨٢٠). ولا يدرى من هو (١)، عن الأغر، عن أبي هريرة (٢). وأما منام عمر (٣) -يعني: الآتي- فالأحكام لا تؤخذ بالمنامات، لا سيما وقد أفتاه في اليقظة بالإباحة، فمن الباطل نسخ ذَلِكَ في (٤) المنام، ويكفي من هذا أن عمر بن حمزة لا شيء (٥). -------- (١) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٣٤/ ١٤٥ (٧٥٤٧)، وقال الحافظ في «التقريب» (٨٢٨٣) مقبول. وقد سلف. (٢) تقدم تخريجه قريبًا. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٨٠ (٣٠٤٩٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨٨ كتاب: الصيام، باب: القبلة للصائم، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٦ - ٣٧ في ترجمة عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر (١١٩٢)، والبيهقي ٤/ ٢٣٢ من طريق أبي أسامة، عن عمر بن حمزة عن سالم، عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله ما شأني، فالتفت إلى فقال: «ألست المقبل وأنت الصائم …» الحديث. قال البيهقي: تفرد به عمر بن حمزة، فإن صح، فعمر بن الخطاب كان قويًا ما يتوهم تحريك القبلة شهوته، والله أعلم. اهـ. وقال ابن التركماني متعقبًا البيهقي: هذا الحديث يرد من وجهين: أحدهما: أن عمر بن حمزة ضعفه ابن معين، وقال أبو أحمد والرازي: أحاديث مناكير. والثاني: أن الشرائع لا تؤخذ من المنامات لا سيما وقد أفتى النبي - ﷺ - عمر في اليقظة بإباحة القبلة ذكره أبو داود وغيره وهو في ذلك الوقت أشد وأقوى منه حين رأى هذا المنام، فمن المحال أن ينسخ - ﷺ - تلك الإباحة بعد موته حين كان عمر أسن وأضعف من ذلك الوقت، فلا حاجة إذًا إلى تأويل البيهقي هذا الحديث بهذا التأويل الضعيف إذ لو كان عمر قويًا يتوهم تحريك القبلة شهوته كما زعم البيهقي لما أباحها النبي - ﷺ - له في اليقظة بالطريق الأولى. (٤) في (ج): في. (٥) عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وضعفه ابن معين والنسائي، وقال ابن حبان في «ثقاته»: كان ممن يخطئ. قال الحافظ في «التقريب» (٤٨٨٤): ضعيف. = وحديث ميمونة بنت عتبة -مولاة رسول الله - ﷺ -- ضعيف (١)، فيه: زيد ابن جبير (٢)، وإسرائيل ضعيف (٣) عن أبي يزيد الضبي، وهو مجهول (٤)، ----------- = انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٤٨ (١٩٨٤)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ١٦٨ «الكامل في الضعفاء» ٦/ ٣٥ (١١٩٢)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣١١ (٤٢٢١). (١) رواه ابن ماجه (١٦٨٦) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في القبلة للصائم، وأحمد ٦/ ٤٦٣، وابن سعد ٨/ ٣٠٥، «إسحاق بن راهويه في»مسنده«٥/ ١٠٧ (٢٢١٢)، وابن أبي عاصم في»الآحاد والمثاني«٥/ ٢١٠ (٣٤٤٢)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«٢/ ٨٨ كتاب: الصيام، باب: القبلة للصائم، والطبراني ٢٥/ ٣٤ (٥٧)، والدارقطني ٢/ ١٨٣ - ١٨٤، وابن الجوزي في»التحقيق«٢/ ٨٩ (١٠٩١)، وفي»العلل المتناهية«٢/ ٥٣ (٨٩٢)، والمزي في»تهذيب الكمال«٣٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩. قال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في»العلل الكبير«١/ ٤٦٣ - ٣٤٧: حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول وزيد بن جبير ثقة. اهـ. وقال الدارقطني: لا يثبت هذا، وأبو يزيد ليس بمعروف. وقال البوصيري في»مصباح الزجاجة«٢/ ٦٨: فيه زيد بن جبير وشيخه وهما ضعيفان، وقال الألباني في»ضعيف ابن ماجه«(٣٧٢): ضعيف جدًّا. (٢) زيد بن جبير بن حرمل الطائي الكوفي، قال أحمد: صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس وقال الحافظ في»التقريب«(٢١٢١): ثقة. انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٣/ ٣٩٠ (١٢٩٨)،»الجرح والتعديل«٣/ ٥٥٨ (٢٥٢٧)،»تهذيب الكمال«١٠/ ٣٢ (٢٠٩٢)،»سير أعلام النبلاء«٥/ ٣٦٩. (٣) تقدمت ترجمته قريبًا. (٤) قلت: تصحف اسمه في كثير من الكتب إلى (الضبي) بالباء الموحدة كما هو الحال في»المحلى«وقد نقله المصنف منه مصحفًا والصحيح (الضني) بالنون. قال ابن ماكولا في»الإكمال" ٥/ ٢٣١ في باب: الضَّبّي والضِّتّي: أما الضِّبِّي بفتح الضاد وبالباء المعجمة بواحدة، فكثير، وأما الضِنّي بكسر الضاد والنون المشددة فهو أبو يزيد الضِّنّي، روى عن ميمونة مولاة النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - سئل عن الصائم .. الحديث، روى عنه زيد بن جبير. اهـ. = عن ميمونة (١). وقال الدارقطني: أبو يزيد: ليس بمعروف، ولا يثبت مثل هذا (٢). وسئل أبو حاتم عن حديث أنس بن مالك: سئل النبي - ﷺ - عن القبلة للصائم فقال: «وما بأس بذلك، ريحانة يشمها إذا لم يعدها ذَلِكَ إلى غيرها» فقال: حديث باطل (٣). وسئل أبو زرعة عن حديث ميمونة: كان النبي - ﷺ - يقبل وهو صائم ------- = وقال ابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» ٥/ ٤١٠: من ذلك أبو يزيد الضنِّي عن ميمونة بنت سعد، وعنه زيد بن جبير. اهـ. وانظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٣٤/ ٤٠٨ (٧٧٠٥). وقال الحافظ في «التقريب» (٨٤٥١): الضِنِّي، بكسر المعجمة، وتشديد النون، مجهول. (١) انتهى من «المحلى» ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩ بتصرف. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٨٤. (٣) «العلل» ١/ ٢٤٦ (٧٢٣) والحديث رواه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٤ في ترجمة عبد الله بن بشر (١٠٧٤) من طريق معمر، عن عبد الله بن بشر، عن أبان وحميد، عن أنس .. الحديث. وقال أبو زرعة: أما من حديث حميد فمنكر، وأما أبان فقد رووي عنه. اهـ. «العلل» ١/ ٢٦١ - ٢٦٢ (٧٧٢). قلت: رواه الطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣٦٧ (٤٤٥٢)، وفي «الصغير» ١/ ٣٦٧ (٦١٤)، والضياء في «المختارة» ٦/ ١٦٢ - ١٦٣ (٢١٦٣) من طريق محمد بن عبد الله الأرزي عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس بن مالك به. أورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٦٧ وسكت عليه! ورواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٤/ ١١٢ - ١١٣، والذهبي في «السير» ٦/ ١٧٥ من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن محمد بن جحادة، عن أنس به. وجاء في هامش «السير»: هذا الحديث بهذا الإسناد موضوع آفته يحيى بن عقبة، قال أبو حاتم: يفتعل الحديث، وقال ابن معين: كذاب خبيث عدو الله، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: وكان ممن يروي الموضوعات عن أقوام أثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال من الأحوال. اهـ. قَالَ: هو خطأ (١). رابعها: قَالَ الترمذي: قَالَ بعض أهل العلم: القبلة تنقص الأجر ولا تفطر الصائم، وزاد: أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل، وإذا لم يأمن ترك؛ ليأمن له صومه (٢)، وقد سلف. خامسها: أثر ابن عباس: مأرب: حاجة، ذكره ابن أبي زياد في «تفسيره» وبخط الدمياطي في حاشية أصله: الصواب: حاجات أو حاج أو أرب وإربة ومأربة كلها الحاجة تقول منه أرب الرجل يأرب إربًا والإرب أيضًا العضو والدهاء وهو من العقل تقول: هو ذو مأرب وقد أرب يأرب إربًا والأريب العاقل. وقوله: (لإِرْبِهِ)، هو بكسر الهمزة، والإرب العضو، وقيل: الحاجة. وقال النحاس: أخطأ من كسرها هنا وإنما هو بفتحها والأربة العضو؛ لأنه يقال: قطعه إربًا إربًا، أي: عضوًا عضوًا والأرب بالفتح الحاجة، وهو كناية عما يريده الرجل من امرأته. سادسها: ما ذكره في تفسير الإربة عن طاوس، خالفه عطاء؛ فقال: هو من يتبعك وهمته بطنه، وعن ابن عباس: المقعد (٣). وقال ابن جبير: المعتوه (٤). وقال عكرمة: العنين (٥). --------- (١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٦٢ (٧٧٣)، والحديث رواه مسلم (١١٠٦) من غير الطريق الذي ضعفه أبو زرعة. (٢) «سنن الترمذي» ٣/ ٩٧ بعد حديث (٧٢٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في القبلة للصائم. (٣) ذكره الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٥١ وقال: رأيت بخط مغلطاي في «شرحه» هنا قال: وقال ابن عباس: أي في تفسير أولي الإربة المقعد. (٤) رواه الطبري ٩/ ٣٠٩ (٢٦٠٠١). (٥) رواه الطبري ٩/ ٣٠٩ (٢٦٠٠٧)، وابن أبي حاتم ٨/ ٣٥٧٩ (١٤٤٢٩) بمعناه. وقول ابن عباس: رواه ابن أبي زياد في «تفسيره» عنه كما سبق، وجويبر عن الضحاك عنه، وقيل: الطفل. وأثر جابر بن زيد رواه ابن أبي شيبة (١)، عن يزيد بن هارون، عن حبيب، عن عمرو بن هرم: سُئلَ جابر بن زيد عن رجل نظر لامرأته في رمضان فأمنى من شهوتها، هل يفطر؟ قَالَ: لا، ويتم صومه (٢). وهذا الأثر في هذا الباب في بعض النسخ (٣)، وفي بعضها في الباب بعده، وذكره ابن بطال فيهما (٤). سابعها: بوَّب مالك في «موطئه» عَلَى حديث عائشة باب: التشديد في القبلة للصائم (٥). وهو دليل عَلَى أن القبلة لا تمنع صحة الصوم، وهو إجماع، واحتج به الشافعي عَلَى الجواز عند الأمن، وذكر ابن المنذر أنه كرهها للشاب والشيخ. وقال ابن حبيب عن مالك: يشدد فيها في الفريضة، ويرخص فيها في التطوع، وتركها أحب إليَّ من غير ضيق، ويشدد فيها عَلَى الشاب في الفريضة ما لم يشدد عَلَى الشيخ، وفي «المجموعة» عنه: كراهتها في الفرض والتطوع (٦). قَالَ محمد بن سحنون: أجمع العلماء عَلَى أن القبلة والمباشرة إذا لم تحركها شهوة أن صومه تام ولا قضاء عليه. ---------- (١) «المصنف» ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٠) كتاب: الصيام، باب: ما قالوا في الصائم يفطر حين يمني. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٠). (٣) في نسخة أبي ذر الهروي، انظر: اليونينية ٣/ ٣٠. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١، ٥٤. (٥) «الموطأ» ١/ ٣٠٦. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٨. ٢٤ - باب القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ. ١٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ ضَحِكَتْ. [انظر: ١٩٢٧ - مسلم: ١١٠٦ - فتح: ٤/ ١٥٢] ١٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا رضي الله عنهما قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. [٢٩٨ - مسلم: ٢٩٦، ٣٢٤، ١١٠٨ - فتح ٤/ ١٥٢] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ ضَحِكَتْ. وحديث أم سلمة قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَأخَذْتُ ثيَابَ حِيضَتِي .. الحديث. وسلف في الحيض (١). زاد هنا: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وحديث عائشة أخرجه مسلم، وفي رواية له: كان يقبلني وهو صائم. وأيكم يملك إربه كما كان يملك إربه؟ وانفرد بإخراجه من -------- (١) برقم (٢٩٨). طريق حفصة (١). قَالَ ابن المنذر: اختلف العلماء في القبلة للصائم، فرخص فيها جماعة، وروي ذَلِكَ عن عمر وأبي هريرة وابن عباس وعائشة (٢). وبه قَالَ عطاء والشعبي والحسن (٣)، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال القاضي عياض: أباحها جماعة من الصحابة والتابعين (٤). وهو قول أبي ثور وداود والصحيح عن أحمد، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص (٥)، زاد ابن أبي شيبة: وعلى بن أبي طالب وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومسروق بن الأجدع (٦). وقال ابن قدامة: إن قَبَّل فأمنى أفطر بلا خلاف، فإن أمذى فطر عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، روي ذَلِكَ عن الحسن والشعبي والأوزاعي (٧). --------- (١) مسلم (١١٠٧) كتاب: الصيام، باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته. (٢) رواه عن عمر: مالك في «الموطأ» ص ١٩٥، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٨٥ (٧٤٢٠)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥ - ٣٦ (٩٤٠٨). ورواه عن أبي هريرة: مالك ص ١٩٦، وعبد الرزاق ٤ - ١٨٥ - ١٨٦ (٧٤٢١ - ٧٤٢٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥ (٩٣٩٨). ورواه عن ابن عباس عبد الرزاق ٤/ ١٨٤ - ١٨٥ (٧٤١٣ - ٧٤١٦)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥ (٩٤٠٠ - ٩٤٠١). ورواه عن عائشة: مالك ص ١٩٦، وعبد الرزاق ٤/ ١٨٣ (٧٤١١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٩٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٥ (٩٤٠٢) عن عكرمة والشعبي. (٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٣. (٥) رواه عنه مالك ص ١٩٦، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٤ (٩٣٩٤). (٦) «المصنف» ٢/ ٣١٤ - ٣١٦ (٩٣٩٣، ٩٤٠٢، ٩٤٠٩). (٧) «المغني» ٤/ ٣٦١. قَالَ ابن مسعود: إن قَبَّل وهو صائم صام يومًا مكانه (١). وقال الثوري: هذا لا يؤخذ به. وكرهها ابن عمر للصائم ونهى عنها (٢)، وقال عروة: لم أرها للصائم تدعو إلى خير (٣). وذكر الطحاوي، عن شعبة، عن عمران بن مسلم عن زاذان عن ابن عمر، مثله. وذكر عن سعيد بن المسيب قَالَ: الذي يقبِّل امرأته وهو صائم ينقض صومه (٤). وكرهها مالك للشيخ والشاب، كما سلف، وأخذ بقول ابن عمر، وأباحها فرقة للشيخ، وحظرها للشاب، رُوِي ذَلِكَ عن ابن عباس، ورواه مورق عن ابن عمر (٥)، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي. قلت: المرجح عندنا: أنها محرمة عَلَى من حركت شهوته، والأولى لغيره تركها. وفي «شرح الهداية»: لا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن عَلَى نفسه، أو كان شيخًا كبيرًا. ويكره له مس فرجها، وعن أبي حنيفة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الفاحشة بلا ثوب، ويمس ظاهر فرجه ---------- (١) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٨٦ (٧٤٢٦)، والطبراني ٩/ ٣١٤ (٩٥٧٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٦٦: رجاله ثقات. (٢) رواه مالك ص ١٩٦، وعبد الرزاق ٤/ ١٨٦ (٧٤٢٣ - ٧٤٢٥)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٦ - ٣١٧ (٩٤١٣، ٩٤٢٢)، والبيهقي ٤/ ٢٣٢. (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٩٦ كتاب: الصيام، باب: التشديد في القبلة، والبيهقي ٤/ ٢٣٣. (٤) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨٨. (٥) رواه الطحاوي ٢/ ٨٩، ٩٥. ظاهر فرجها، والتقبيل الفاحش مكروه، وهو أن (يمضغ) (١) شفتها، وكذا قَالَه محمد (٢). قَالَ الطحاوي: فأما ما روي عن ابن مسعود فقد رُوِي عنه خلافه، وروى إسرائيل، عن طارق، عن حكيم، عن جابر، عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأته وهو صائم، وما ذكروه من قول سعيد أنه ينقض صومه، فإن ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقبل وهو صائم أولى من قول سعيد (٣). فإن ادعى أنه من خصائص نبينا لملكه إربه، فإنما قالته عائشة؛ لانتفاء الأمن علينا، بخلافه؛ لِأنه محفوظ، والدليل عَلَى أن القبلة عندها لا تفطر ما قد رويناه عنها أنها قالت: ربما قبلني رسول الله - ﷺ - وباشرني وهو صائم، وأما أنتم، فلا بأس للشيخ الكبير الضعيف. أرادت به أنه لايخاف من إربه، فدل ذَلِكَ أن من لم يخف من القبلة شيئًا وأمن عَلَى نفسه أنها له مباحة. وقالت مرة أخرى حين سئلت عنها للصائم جوابًا لذلك: كان - ﷺ - يقبل وهو صائم، فلو كان حكمه عندها خاصًّا به لما كان ما علمته من فعله جوابًا لما سئلت عنه من فعل غيره، يبين ذَلِكَ ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلًا قَبَّل امرأته وهو صائم فوجد من ذَلِكَ وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذَلِكَ، فدخلت عَلَى أم سلمة -أم المؤمنين- فذكرت ذَلِكَ لها فأخبرتها أنه - ﷺ - كان يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرته فزاده شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ - يحل الله لرسوله ----------- (١) في (جـ): يمص. (٢) انظر: «العناية» ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٩٠. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 15 ( الأعضاء 0 والزوار 15) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |