الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الإسلام... حضارة العدل المشرق وسمو التعامل مع الإنسان أيا كان دينه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الملامح التربوية والدعوية في سيرة عثمان وعلي رضي الله عنهما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          علو الله على خلقه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          تحريم القول بأن القرآن أساطير الأولين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الفقه والقانون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فضل العلم والعلماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          شعبان يا أهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          (حصائد اللسان) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الغافلون عن الموت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-02-2026, 04:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة







الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة


هذا بحث مختصر في حرمة الربا، وصوره القديمة والمعاصرة، والفرق بينه وبين البيع ، وآثاره الاقتصادية وأضراره على المجتمعات والدول.
ولا شك أن الربا آفة من الآفات، إذا أصابت الاقتصاد فإنها تنتشر فيه كانتشار السرطان في جسم الإنسان ، وكما يعجز الأطباء عن علاج السرطان أحيانا؛ فإن رجال الاقتصاد والمفكرين والساسة، عجزوا عن علاج بلايا الربا وتدميره للدول .
والربا من المحرمات في الشريعة الإسلامية، التي أجمع المسلمون على تحريمها، بل الربا محرم في جميع الأديان السماوية، وجاء تحريمه في الإسلام بأدلة قاطعة من القرآن والسنة والإجماع ، وإنْ اختلف الفقهاء في بعض فروعه.
ولقد جاء التحذير والترهيب من الربا في كتاب الله -عز وجل- وسُنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع ومناسبة، بل لا تكاد تقف على معصية وكبيرة من الكبائر في كتاب الله كالربا؛ فهي الحرب المعلنة ، من الله ورسوله على صاحبها، -عياذاً بالله تعالى- من ذلك .
والنصوص في تحريم هذه المُوبقة الخبيثة، كثيرة جداً ومشهورة :
فأما ما ورد في القرآن الكريم:
1- فقد قال الله -تعالى-: {الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(البقرة: 275-276).
فيقول تعالى: {الذين يأكلون الربا}، أي يتعاملون به ، وإنما خصَّ الأكل؛ لأنه معظم المقصود من المال {لا يقومون}، يعني يوم القيامة من قبورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان}. أي: يصرعه الشيطان، وأصل الخبط: الضرب والوطء، وهو ضربٌ على غير استواء، يقال: ناقةٌ خبوط، للتي تطأ الناس وتضرب الأرض بقوائمها {من المسّ} أي: الجنون، ومس الشيطان، يقال: مُسّ الرجل فهو ممسوس، إذا كان مجنونا. (تفسير البغوي).
ومنه قول الله -عز وجل-: {إنَّ الذين اتقوا إذا مَسّهم طَائفٌ من الشيطان تذكروا} (الأعراف : 201).
ومعنى الآية: أنْ آكل الربا يُبعث يوم القيامة ، وهو كمثل المصروع المجنون. وعن سعيد بن جبير قال: يُبعث آكلُ الربا يوم القيامة، مجنوناً يُخنق . أي: هذه علامة آكل الربا يوم القيامة في ساحات المحشر . وقوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا}. أي: لا فرقَ، إنْ زِدْنا الثمن أولَ البيع، أو عند حلول الأجل! فكذبهم الله تعالى!
وذلك الذي نزل بهم، لقولهم هذا، وهو استحلالهم الربا، وذلك أنّ أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حلّ ماله على غريمه، فطالبه به، فيقول الغريم - المدين - لصاحب الحق: زدْني في الأجل، حتى أزيدك في المال ، فيفعلان ذلك، ويقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند المحل لأجل التأخير!
قال تعالى: {وأحلّ اللهُ البيعَ وحرّم الربا} تكذيبٌ من الله -تعالى- لهم، يعني جل ثناؤه: قد أحل الأرباح في التجارة والشراء والبيع, وحرم الربا، يعني الزيادة التي يزيدها ربُّ المال بسبب زيادته غريمه في الأجل, وتأخيره دينه عليه، يقول -عز وجل-: وليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع, والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء!
وقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه} تذكيرٌ وتخويف، وهو التذكير والتخويف الذي ذكّرهم وخوفهم به في آيات القرآن, وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب (فانتهى) عن أكل الربا وتاب منه, وارتدع عن العمل به وانزجر. (فله ما سلف) أي: ما مضى من ذنبه، وما أكلَ وأخذ قبل النهي. مغفورٌ له. وقيل: (فله ما سلف) ما كسب من المال فلا يجب ردّه، قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربّه في ذلك، أي: قبل العلم والتوبة .
(وأمرُه إلى الله) أمره بعد النهي إلى الله -تعالى- إنْ شاءَ عصمه حيث يثبت على الانتهاء ، وإنْ شاء خذله، فيعود لأكل الربا (ومن عاد) بعد التحريم إلى أكل الربا، مستحلاً له {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
وأما من أكل الربا وهو غير مستحلٍّ له، فلا يُخلد في النار إذا كان مسلماً مؤمنا، كما هي القاعدة في الذنوب والكبائر عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة.
2- وقال تعالى في تمام الآيات السابقة: {يَمْحقُ الله الرَّبا ويربي الصّدقات والله لا يُحب كل كفارٍ أثيم}(البقرة : 276).
فيخبر الله -تعالى- أنه يَمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأنْ يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يَحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يُعذبه به في الدنيا ، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى : {قل لا يَستوي الخَبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث }(المائدة : 100).
وقال تعالى: {ويجعل الخبيثَ بعضَه على بعض فيَرْكُمَه جميعاً فيجعلَه في جهنم}(الأنفال : 37). وقال : {وما آتيتم مِنْ ربا ليَربُو في أموالِ الناسِ فلا يَربُو عند الله}(الروم : 39). (من تفسير ابن كثير ) . وقال ابن جرير : في قوله : {يَمحق الله الربا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الربا وإنْ كَثُر ، فإلى قُلٍّ».
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في بلفظ : «إنَّ الربا وإنْ كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُل».
وقد رواه ابن ماجة: عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما أحدٌ أكثرَ من الربا، إلا كان عاقبةُ أمرِه إلى قِلَّة». وصححه الألباني .
وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود ، والجزاء من جنس العمل .
وقوله: «ويربي الصدقات» قرئ بضم الياء والتخفيف ، من : ربا الشيء يربو، وأرباه يربيه، أي: كثَّره ونماه ينميه. وقرئ: «ويُربِّي» بالضم والتشديد، من التربية، كما روى البخاري : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تصدّق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب ، وإنّ الله ليقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه ، حتى يكون مثل الجبل».
وقوله: {والله لا يُحب كل كفار أثيم}، أي: لا يحب كفور القلب ، أثيم القول والفعل، ولابد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قَسَم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح؛ فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة؛ فهو جحود؛ لما عليه من النِّعمة، ظلومٌ آثمٌ بأكل أموال الناس بالباطل .
ثم قال -تعالى-مادحاً للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدّين شكره، المحسنين إلى خَلْقه في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعد لهم من الكرامة ، وأنهم يوم القيامة من التبعات والعقوبات آمنون ، فقال: {إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ وأقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }(البقرة : 277).
3- ثم قال تعالى في تمام الآيات السابقة أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة 278-279).
قال الإمام أبو جعفر الطبري: «وذُكر أنّ هذه الآية نـزلت في قومٍ أسلموا، ولهم على قوم أموالٌ من رباً كانوا أرْبوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضَه منهم، وبقي بعضٌ، فعفا الله -جل ثناؤه- لهم عما كانوا قد قبضوه، قبل نـزول هذه الآية، وحرّم عليهم اقتضاءَ ما بقي منه».
وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج قال ابن عباس: (فأذْنوا بحربٍ ) أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله .
وروى بعد ذلك : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا : خُذْ سلاحك للحرب! وقرأ : {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ}، قال: ذلك حين يبعث من قبره .
وروى: عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : {فإنْ لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله}، فمن كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، فحقٌ على إمام المسلمين أنْ يَستتيبه، فإنْ نزع وإلا ضَرب عنقه .
3- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران :130).
هذا النهي عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وهو كما قال مجاهد : كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الثمن على أنْ يؤخروا .
وقرئ «مضعفة» ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدَّين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ كما تقدم في (البقرة).
وقوله (مضاعفة) إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، كما كانوا يصنعون; فدلت هذه العبارة المؤكدة على شناعة فعلهم وقبحه؛ لذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة .
وقوله تعالى: (واتقوا الله ) أي : في أموال الربا فلا تأكلوها، ثم خوّفهم فقال: {واتقوا النار التي أُعدَّت للكافرين}. قال كثير من المفسرين: وهذا الوعيد لمن استحلّ الربا ، ومن استحل الربا فإنه يكفر، وقيل: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان، فتستوجبون النار; لأنَّ من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان، ويخاف عليه منه، من ذلك عقوق الوالدين .
وفي هذه الآية: دليل على أنَّ النار مخلوقة ، ردّاً على الجهمية ; لأن المعدوم لا يكون مُعداً كما هو معلوم .
ثم قال : (وأطيعوا الله) يعني : أطيعوا الله في الفرائض (والرسول) في السنن، وقيل: أطيعوا الله في تحريم الربا، والرسول فيما بلغكم من التحريم. (لعلكم ترحمون). أي: كي يرحمكم الله سبحانه .
4- ومن الآيات في حُرمة الربا: قول الله -سبحانه وتعالى- في شأن اليهود؛ حينما نهاهم عن الربا، وحرَّمه عليهم، فسلكوا طريق الحيل لإبطال ما أمرهم به، واستباحة المحرّم، فقال سبحانه في ذلك: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}(النساء: 161).
فقوله: «وأخذهم الربا وقد نهوا عنه» أي: في التوراة «وأكلهم أموال الناس بالباطل» من الرشا في الحُكم ، والمآكل التي يصيبونها من عوامّهم؛ فبسبب ذلك عاقبناهم بأنْ حرَّمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة، حرَّم عليهم شيئاً من الطيبات التي كانت حلالا لهم، قال الله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون}(الأنعام : 146).
{وأعْتدنا للكافرين منهم عذاباً أليما}. أي : ينتظرهم في الآخرة .
الشيخ محمد الحمود النجدى







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-02-2026, 02:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة

الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة (2)


ذكرنا في الحلقة السابقة حرمة الربا والإجماع على ذلك، والأدلة من القرآن الكريم. وها هي ذي الأدلة من الأحاديث النبوية:
وأما ما جاء في السُّنة المشرفة:
1- فعن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجْتَنبوا السّبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النفسِ التي حَرّم الله إلا بالحق، وأكلُ الرّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتولّي يومَ الزَّحف، وقَذفُ المُحْصناتِ المؤمنات الغافلات». أخرجه البخاري.
قوله «اجْتَنبوا» ﺍلاﺟﺘﻨﺎﺏ: ﻫﻮ ﺍلاﺑﺘﻌﺎﺩ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﺑﺔ. وﺍﻟﻤﻮﺑﻘﺎﺕ: ﻗﺎﻝ الإﻣﺎﻡ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ وغيره: ﻫﻲ ﺍﻟﻤﻬﻠﻜﺎﺕ. وأعظمها: الشرك بالله -تعالى- وهو المهلك الذي ليس معه رجاء، إذا مات عليه الإنسان فله النار، خالداً مخلداً فيها أبد الآباد، قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: 72). فلذا بدأ به.
ثم ذكر من الموبقات المهلكات: أكل الرّبا، بعد الشرك والسحر وقتل النفس وكفى بذلك تنفيراً وتحذيراً، وبياناً لخطره وفحشه.
2- وعن جابر رضي الله عنه قال: «لَعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا ومُوكله، وكاتبه وشاهديه». رواه مسلم.
وزاد أحمد وأصحاب السنن الأربعة: وقال: «هم سَواءٌ».
فلعْنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، يعني: الطرد من رحمة الله. وإنما لعنَ الرسول صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله؛ لأنه طريقٌ ووسيلة للظلم، والإثراء غير المباح؛ لأنه استغلال لضرورة الإنسان وحاجته، وفيه مخالفة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم : «المسلمُ أخُو المسلم، لا يَظلمه ولا يُسلمه، ومَنْ كان في حاجة أخيه، كان اللهُ في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كُربة، فرَّج اللهُ عنه كُربة مِن كُرَب يَوْم القيامة». رواه مسلم.
وآكل الربا، أي: آخذه وإنْ لم يأكل به، وإنما خصّ بالأكل؛ لأنه أعظم أنواع الانتفاع، كما قال تعالى: {إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}.
(ومؤكله): بهمز أو بواو، أي: مُعطيه لمن يأخذه. قال الخطابي: سوَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين آكل الربا وموكله؛ إذْ كلٌ لا يتوصل إلى أكله إلا بمعاونته ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم، كما كانا شريكين في الفعل، وإنْ كان أحدهما مغتبطا بفعله لم يستفضله من البيع، والآخر منهضماً لما يلحقه من النقص، ولله -عز وجل- حدودٌ فلا تتجاوز وقت الوجود من الربح والعدم، وعند العسر واليسر، والضرورة لا تلحقه بوجه في أنْ يوكله الربا؛ لأنه قد يجد السبيل إلى أن يتوصل إلى حاجة بوجه من وجوه المعاملة، والمبايعة ونحوها.
وقوله «وكاتبه وشاهديه» قال النووي: فيه تصريح بتحريم كتابة المترابيَّيْن، والشهادة عليهما، وبتحريم الإعانة على الباطل» وقال -أي: النبي صلى الله عليه وسلم : «هم سواء» أي: في أصل الإثم، وإنْ كانوا مختلفين في قدره.
3- وعن سَمُرَةَ بْن جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: كَان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا صَلَّى صلاةً، أَقْبَلَ علينا بِوَجْهه فقال: «مَنْ رَأَى منكُم اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟» قال: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّها، فيقُولُ ما شاءَ اللَّهُ، فسأَلَنَا يوما فقال: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» قُلْنَا: لا، قال: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، ... وفيه: قال: فَانْطَلَقْنَا حتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فيه رَجُلٌ قَائِمٌ علَى شَاطِئِ النَّهَرِ، ورجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذي فِي النَّهَرِ فَأَرادَ أَنْ يَخْرُجَ؛ فَرَمَى الرَّجُلَ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حيثُ كَان، فَجَعَلَ كُلَّما أَرادَ أَنْ يَخْرُجَ؛ رَمَى فِي فِيه بِحَجَر،ٍ فَيَرْجِعُ كما كَان، فَقُلْتُ: مَا هذا؟ قالا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا... قال: والَّذِي رأَيْتَهُ في النَّهَرِ: آكِلُوا الرِّبَا..». رواهُ الْبُخَارِيُّ في الصَّحِيحِ.
فهذه الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقصَّها على أصحابه -رضي الله عنهم- فيها موعظة بليغة، وتذكرة جليلة، ورؤيا الأنبياء وحيٌ كما هو معلوم؛ إذْ الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، كما صحّ في الحديث عند البخاري.
فهذا الرجل يسبح في نهرٍ من الدم الخبيث، ويريد الخروج والخلاص من هذا النهر الدموي، لكنه كلما أراد الخروج، تلقاه ذلك الرجل فيرميه بحجر في فمه فيرجع إلى سباحته فيه.
فالنهر الخبيث إشارة إلى المكسب الخبيث - الربا - الذي كان يتعاطاه في الدنيا.
وأيضاً: إنما أُلقم آكل الربا في عذابه بالبرزخ حَجراً، والحجر لا فائدة فيه لبدنه؛ بل هو مما يضره ويؤذيه، كما كان في الدنيا يزيد ماله بشيءٍ أخبر الله -تعالى- أنه لا بركة فيه، بل مما يضره ويؤذيه؛ فالجزاء من جنس العمل.
فهذه بعض الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، الدالة على حُرمة الربا، وأنه من الكبائر الشنيعة، فلا بد من أنْ نُعرف الربا لغة واصطلاحا:
أ- تعريف الربا في اللغة:
أصل الربا في اللغة: هو الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو، إذا زاد، وهو إما في الشيء نفسه، كقول الله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} (الحج: 5).
وقال تعالى: {َنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} (النحل: 92). أي: أكثر عدداً يقال: أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه.
وإما في مقابلة، كدرهم بدرهمين.
وإنما قيل للمرابي ذلك، لزيادته المال الذي له على غريمه؛ بسبب الأجل الذي يُؤخره إليه.
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (11/8) وفتح الباري لابن حجر (4/313).
ب: تعريف الربا شرعاً:
أما الربا في الشرع: فهو الزيادة في أشياءَ مخصوصة، والزيادة على الدَّيْن مُقَابل الأجل مطلقاً. وقيل: هو الزيادة في بيع شيئين يجري فيهما الربا. وهو يطلق على شيئين: يطلق على ربا الفضل، وربا النسيئة.
أنواع الربا:
هو أنواع كثيرة، وأشهرها: ربا الفَضْل، ربا النَّسيئة، وقد أجمعت الأمة على تحريمهما.
أولاً: ربا الفضل:
هو الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنساً.
مثاله: أنْ يشتري شخص من آخر ألف صاع من القمح، بألفٍ ومائتي صاعٍ من القمح، ويتقابض المتعاقدان العوضين في مجلس العقد.
فهذه الزيادة - وهي مائتا صاع من القمح - لا مقابل لها، وإنما هي فضل.
حكمه: حرَّمت الشريعة الإسلامية ربا الفضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
فإذا بيع واحدٌ من هذه الأشياء الستة بجنسه، حَرُمت الزيادة والتفاضل بينهما؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء».
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكُلُّ تمرِ خيبر هكذا؟» فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا، بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تفعلْ، بِع الجَمعَ بالدَّراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنِيباً».
فالرجل الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على خبير، فجاء بتمر جَنِيب، وهو نوع من أعلى التمر، وقيل: الذي خرج منه حشفه، وقيل: الذي لا يخلط بغيره.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكل تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا - أي الجنيب - بالصاعين - أي من الجمع، والصاعين - من الجنيب - بالثلاثة من الجمع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل بع الجَمع «وهو التمر الرديء المجموع من أنواع مختلفة» بالدراهم ثم ابتع - أي: اشتر بالدراهم تمراً جنيباً، ليكون صفقتين، فلا يدخله الربا، فليس هذا حيلة في بيع الربوي بجنسه متفاضلاً؛ لأنه حرام، بل توصل إلى تحصيل تملكه ببيع جائز.
وفي رواية فقال: «لا تفعلوا، ولكنْ مِثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا».
ويقاس على هذه الأشياء الستة، ما شاركها في العلة، فيَحرم فيه التفاضل. فَعِلَّة الربا في هذه الأشياء: الكيل والوزن، فيحرم التفاضل في كل مكيل وموزون. فيقاس على الذهب والفضة: الحديد والنحاس والرصاص ونحوها من المعادن.
ويقاس على المكيلات كل المطعومات المكيلة: كالزبيب والأرز والذرة والدخن ونحوها.
ثانياً: ربا النَّسيئة:
وهو الأشهر عند أهل الجاهلية، من الأميين والكتابيين، فمن بعدهم ممن هو على طريقهم وشاكلتهم في زمننا هذا من الجاهليين العصريين.
وذلك أنّ أهل الجاهلية كان أحدُهم إذا حلّ سداد دينه على غريمه، فطالبه به، فيقول الغريم - المَدين - له: زدْني في الأجل، وأزيدك في المال، فيفعلان ذلك، ويقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند حلول الأجل لأجل التأخير.
وأيضا منه: تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علّة ربا الفضل، ليس أحدهما نقداً.
مثاله: أن يبيع شخصٌ ألف صاع من القمح، بألف ومائتي صاع من القمح لمدة سنة، فتكون الزيادة مقابل امتداد الأجل، أو يبيع كيلو شعير بكيلو بر، ولا يتقابضان.
حكمه: التحريم، فإنّ النصوص الواردة في القرآن والسنة، المحرمة للربا والمُحذِّرة من التعامل به، يدخل فيها هذا النوع من الربا دخولاً أولياً، وهذا هو الذي كان معروفاً في الجاهلية، وهو الذي تتعامل به البنوك الربوية في هذا العصر.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الذهب والفضة: «ولا تبيعوا منها غائباً بناجز». والناجز: الحاضر. وفي لفظٍ: «ما كان يداً بيد، فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا». ولقد كان الربا منتشراً في عصر الجاهلية انتشاراً كبيراً، وقد عدوه من الأرباح العظيمة - في زعمهم - التي تعود عليهم بالأموال الطائلة، فقد روى الإمام الطبري - رحمه الله - بسنده في تفسيره عن مجاهد أنه قال: «كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه». (جامع البيان في تفسير آي القرآن: 3/67).
وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلّ أجل الدين، قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تُربي؟ فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه، وأخّر له الأجل إلى حين، وقد كان الربا في الجاهلية في التضعيف أيضاً.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-02-2026, 02:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة

الربا في العصر الحديث (3)


أما في العصر الحديث: فنجد الربا الخبيث في كثير من المعاملات المعاصرة، المدنية والتجارية والمصرفية وغيرها، وقد انتشر في المعاملات مثل انتشار مرض السرطان في الجسد، وأصبح الناس يأكلون الربا أو يوكلونه، إلا مَنْ رحم الله -تعالى- فمن لم يأكله ناله غباره, مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناسِ زمانٌ يأكلونَ فيه الربا». قيل: الناس كلُّهم يا رسول الله؟ فقالصلى الله عليه وسلم : «مَنْ لم يأكله، ناله مِنْ غُباره» رواه أحمد (2/492) وأبو داود (3/626) والنسائي (7/243) وابن ماجة ( 2/765) وأبو يعلى ( 11/6233).
الفَرْق بين البيع والربا:
حاول المرابون قديمًا وحديثًا أنْ يوهموا غيرهم - وربما أنفسهم - بأن البيع مثل الربا! فكان ردُّ القرآن الكريم عليهم حاسماً وجازماً، فقال -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(البقرة: 275)، فالفرق بينهما شاسع.
1- الفرق بين الحلال الطيب الذي يُؤجر صاحبه عليه، وبين الحرام الخبيث الذي يؤزر صاحبه عليه.
2- البيع مبادلةُ عينٍ وسلعة بثمن، أما الربا فهو الزيادة على الثمن عند حلول الأجل، وتعذر التسديد.
3- البيع تبادل المنافع برضا الطرفين، أما الربا فهو استغلال الغني لحاجة الفقير، أو عجزه عن الوفاء والسداد.
4- الربح في البيع مقابل الجهد والتعب في التجارة، وتداول السلع وجلبها، أما في الربا فهو مقابل الزمن والأجل فقط أو مقابل الإقراض للمال؛ فليس له حينئذ عوض معتبر شرعًا، ولا تعب ولا جهد.
5- البائع والتاجر قد يربح وقد يخسر، أما المرابي فربحه مؤكد مضمون، وقد يزيد مع الزمن!
6- البيع عام يتناول السلع الزراعية والصناعية وغيرها، أما الربا فهو في هذا الزمان يتعلق أساسًا بالنقود فقط، ويقوم على توليد النقد من النقد، وهذا خلاف المقصود من النقود، وأنها ثمن للمبيعات.
7- البيع يسد حاجات الناس، ويوفّر لهم السلع الحاجية والضرورية، ويسهل لهم حياتهم، وأما نظام الربا فإنه يستغلهم ويظلمهم ؛ بل إن المرابين قد يرتبون ويخططون لاحتياج الناس، ثم يستغلونهم بذلك!.
8- إن عمليات البيع والشراء تؤدي إلى الإثراء والإنعاش الاقتصادي للأفراد والمجتمعات والدول، بينما يؤدي الربا إلى تخريب الاقتصاد، ودماره وإتلافه، وفقر الناس ووقوعهم في شباك القروض الصعبة.
9- الربا يُؤدي إلى النزاع بين الناس والشقاق، والحقد والحسد، والكراهية والتباغض، وليس شيء من ذلك في البيع؛ لأن الأصل في البيع التبادل بين الناس بالتراضي والقبول، وحصول المساواة والعدل بين القيمة والسلعة في الغالب.
وغير ذلك من الفروق الواضحة الجلية، بين البيع والربا، التي ذكرها أهل العلم قديما وحديثاً، التي تدل على أنّ الأول حلالُ طيب، مفيد لعباد الله -تعالى- وأن الثاني خبيث ومحرم، ضارٌ بالناس، ومفسدٌ لمعايشهم.


الحِكمة في تحريم الربا:
في تحريم الربا حِكمٌ ربانية جليلة وعظيمة:
1- أولاً الربا قبل كل شيء، معصية عظيمة لله -تعالى- وكبيرة من الكبائر، يجب الانتهاء عنها، سواءً علمنا الحكمة من تحريمه، أم لم نعلم، وهذا واجب المؤمنين والمؤمنات، وهو السمع والطاعة، والرضا بحكم الله -عز وجل- وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما قال -تعالى- مثنياً على أصحاب نبيهصلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: «سَمعنا وأطعنا غُفرانك ربَّنا وإليك المصير» (البقرة: 285).
وقال تعالى أيضا: {إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعوا إلى اللهِ ورسولهِ ليَحكم بينهم أنْ يقولوا سَمعنا وأطعنا وأولئك هُم المُفلحون}(النور:51).
أي: هذا قول المؤمنين الصادقين في إيمانهم، لا كقول الذين أعرضوا عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم حين قالوا: «آمنَّا بالله وبالرسول وأطعنا» فلما دعوا إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا فريقٌ منهم مُعرضون» أي: عصوا أمره، وأرادوا حُكم الجاهلية. فإن إعراضهم نقيض الطاعة التي أعلنوا بها.
وجيء بصيغة الحصر بـ (إنما) لدفع أنْ يكون مخالف هذه الحالة في شيء من الإيمان، وإنْ قال بلسانه إنه: مؤمن.
وأخبر -تعالى- في الآية قبلها: أن الذين يُعرِضون عندما يُدعوْن إلى التحاكم إلى القرآن والسُّنة، فيُعرضون عن ذلك، بأنهم ليسوا بالمؤمنين؟! ولو أنهم يظهرون الإيمان؛ فالفاصل الذي يميز بين المؤمن الحق، وبين الذي يدعي الإيمان، أو يُرائي بإيمانه، أنه حين يُدْعى إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقضي في القضية، أن المؤمن يُسلّم ويرضى، والمنافق يعرض ويأبى!.
وهذا يبين الفرق بين الحالين، فلا يلتبس من عنده الإيمان المزوّر، بمن عنده الإيمان الصادق، وعلّل الله -تعالى- ذلك، بأنّ المؤمن لا يرتاب في عدل الله -تعالى- والرسول صلى الله عليه وسلم ، وحكمة الشرع، وعدم مصانعته أو محاباته لأحدٍ على حساب أحد.
2- التعامل بالربا ظلمٌ للعباد، وتعد على أموالهم بغير حق، فإنَّ فيه أخذاً لأموال الآخرين بغير عِوض؛ إذْ المرابي يأكل أموال الناس دون أنْ يستفيدوا شيئاً بمقابله.
3- الربا يَحمل على حبِّ الذات، والتكالب على جمع الأموال وتحصيلها من غير الطرائق المشروعة.
4- تحريم الربا رحمة بالعباد؛ إذ أنه يؤدي إلى تضخم الأموال وزيادتها على حساب سلب أموال الفقراء، ويعوّد المُرابي الكسل والخمول، والابتعاد عن الاشتغال بالمكاسب المباحة النافعة، كالتجارة والصناعة والزراعة ونحوها من المكاسب الحلال.
5- الربا فيه قطعٌ للمعروف بين الناس، وسدٌ لباب القرض الحسن، الذي فيه اجر الصدقة، فعن ابنِ مَسعودٍ: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: «إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ».
وجاء بلفظ: «ما مِنْ مسلمٍ يُقرض مسلماً قرضاً مرتين، إلا كان كصدقتها». رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني.
وفيه بيان فضيلة القرض، وأنّ مَن أقرض مسلماً مرتين، كمن تصدَّق بمبلغ القرض مرة واحدة.
6- الربا فيه تحكُّم طبقةٍ من التجار المرابين بأموال الأمة، واقتصاد البلاد.
7- الربا يأتي بكوارث اقتصادية، وخسائر مالية، وهو وإن زاد مال المرابي أولا؛ فإن الله -تعالى- يمحق بركته، ولا يبارك فيه، ولا يلبث أن يضمحل، قال -تعالى-: {يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}(البقرة: 276).
وقد روى الإمام أحمد : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الربا وإنْ كثر؛ فإنّ عاقبته تصير إلى قُل».
الشيخ محمد الحمود النجدى



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 84.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 81.97 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (3.07%)]