من هدايات السنة النبوية (23) ذكر يسير.. وثواب كثير - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         فإنهم يألمون كما تألمون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          قال يا بني إِني أرى في المنام أني أذبحك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          غزوة مؤتة... دروس وعِبر في عصرنا الحاضر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          دلالة السنة العملية على حكم من آذى النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          من مائدة الحديث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 18 - عددالزوار : 14108 )           »          الحديث: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          مع أسماء الله تبارك وتعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-01-2026, 07:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,858
الدولة : Egypt
افتراضي من هدايات السنة النبوية (23) ذكر يسير.. وثواب كثير

من هدايات السنة النبوية (23)

ذكر يسير.. وثواب كثير

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، الْجَوَادِ الرَّحِيمِ؛ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَيْرَاتِ، وَيُضَاعِفُ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتِ، وَيُكَفِّرُ بِهَا السَّيِّئَاتِ، وَيَسْتَوْجِبُ لَهُمْ بِهَا الْجَنَّاتِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَكَفَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا وَأَعْطَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَا أَحَدَ يَرْحَمُ كَرَحْمَتِهِ، وَلَا يُعْطِي كَعَطَائِهِ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِالْعِبَادِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا، وَيُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا تَنْقُصُ خَزَائِنُهُ، وَكُلُّ عَطَاءٍ مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ مِنْ عَطَائِهِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ سَخَّرَهُمْ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَعَادَ الْعَطَاءُ كُلُّهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَدَقَ فِي نُصْحِهِ لَنَا، وَرَأْفَتِهِ بِنَا، وَحِرْصِهِ عَلَيْنَا، فَدَلَّنَا عَلَى مَا يَنْفَعُنَا، وَحَذَّرَنَا مِمَّا يَضُرُّنَا؛ فَالسَّعِيدُ مَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ، وَعَمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَتَمَسَّكَ بِهَدْيِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاذْكُرُوهُ كَثِيرًا؛ فَإِنَّ فِي ذِكْرِهِ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَخُشُوعَهَا، وَصَلَاحَ النُّفُوسِ وَاسْتِقَامَتَهَا، وَطَرْدَ الشَّيَاطِينِ وَخُنُوسَهَا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 41-42].

أَيُّهَا النَّاسُ: السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ هِدَايَةٌ لِلْمُهْتَدِينَ، وَدَلِيلٌ لِلْمُقْتَفِينَ، وَبُرْهَانٌ لِلْمُتَّبِعِينَ، وَفِيهَا أَخْبَارٌ عَنْ أُجُورٍ عَظِيمَةٍ عَلَى أَعْمَالٍ قَلِيلَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَنْ يُوَاظِبَ عَلَى الذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الذِّكْرِ مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ؛ وَلِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنَ الْأُجُورِ الْعَظِيمَةِ.

وَالذِّكْرُ فَضْلُهُ عَظِيمٌ، وَمَقَامُهُ مِنَ الدِّينِ مَكِينٌ، وَثَوَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى جَزِيلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [الْعَنْكَبُوتِ: 45]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 152]، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى فَضْلِ الذِّكْرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مَنْزِلَةَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدِّينِ، فَكَيْفَ بِأَفْضَلِ صِيَغِ الذِّكْرِ وَأَبْلَغِهَا وَأَعْلَاهَا؛ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) الْمُتَضَمِّنَةُ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِقَصْدِ حَصْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ مَا سِوَاهُ، ثُمَّ كَيْفَ وَقَدْ أُكِّدَتْ بِمُؤَكِّدَيْنِ مُتَتَالِيَيْنِ هُمَا (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)، فَهُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْعُبُودِيَّةِ كَمَا تَفَرَّدَ بِالْخَلْقِ وَالْمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَا يُشْرِكُهُ أَحَدٌ فِي خَلْقِهِ وَلَا مُلْكِهِ وَلَا تَدْبِيرِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي عِبَادَتِهِ.

وَفِي هَذَا الذِّكْرِ الْعَظِيمِ إِفْرَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْمُلْكِ وَالْحَمْدِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الذِّكْرِ مِنْ مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ، فَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ الذِّكْرِ، وَرُتِّبَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ الْأَجْرِ. فَمَنْ قَالَ هَذَا الذِّكْرَ مِئَةَ مَرَّةٍ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِخَمْسِ جَوَائِزَ:
أَوَّلُهَا: «كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ» يَعْنِي: أَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِمَنْزِلَةِ ثَوَابِ مَنْ أَعْتَقَ عَشْرَ رِقَابٍ. وَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ عِتْقَ الرِّقَابِ مَبْدُوءٌ بِهِ فِي الْكَفَّارَاتِ الثَّقِيلَةِ: كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ عَلِمَ أَنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ عَمَلٌ عَظِيمٌ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؛ لِأَنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهَا فِي الْكَفَّارَاتِ. ثُمَّ إِذَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهُ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ يَوْمِيًّا يَحْصُلُ عَلَى أَجْرِ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ؛ عَلِمَ أَهَمِّيَّةَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ. وَعِتْقُ الرِّقَابِ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ مِنَ النَّارِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

وَثَانِيهَا: «كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ» وَالْحَسَنَاتُ تَتَفَاوَتُ فِي فَضْلِهَا، وَالْحَسَنَةُ النَّاتِجَةُ عَنْ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَبَوَّابَةِ الْإِيمَانِ، وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ، وَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُعَبَ الْإِيمَانِ قَالَ: «فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَمَا الظَّنُّ بِمِئَةِ حَسَنَةٍ نَتَجَتْ عَنْ أَعْلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ؟! ثُمَّ كَيْفَ بِتَضْعِيفِهَا إِلَى عَشْرٍ، ثُمَّ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، ثُمَّ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[الْأَنْعَامِ: 160]، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ...» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

وَثَالِثُهَا: «مُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ» وَالْعَبْدُ كَثِيرُ السَّيِّئَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَطَّاءٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مُكَفِّرَاتٍ تَمْحُو سَيِّئَاتِهِ، وَهَذَا الذِّكْرُ الْعَظِيمُ يَمْحُو اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنِ الْعَبْدِ مِئَةَ سَيِّئَةٍ، وَذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ.

وَرَابِعُهَا: «كَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ»، فَهَذَا الذِّكْرُ حِصْنٌ حَصِينٌ، وَسِيَاجٌ مَنِيعٌ، يُحْفَظُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ تَسَلُّطِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبٌ لِطَرْدِ الشَّيَاطِينِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ... الْحَدِيثَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَخَامِسُهَا: «لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الذِّكْرِ بِهَذَا الْعَدَدِ، وَأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَزِيدُونَ فِي أَذْكَارِهِمْ عَلَى الْمِئَةِ، وَمَنْ زَادَ عَلَى الْمِئَةِ فِي هَذَا الذِّكْرِ كَانَ عَمَلُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُؤْجَرُ عَلَى مَا زَادَ. وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الذِّكْرِ الْيَوْمِيِّ الْمُؤَقَّتِ عَلَى الْمِئَةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ وُقِّتَ بِوَقْتٍ، وَحُدِّدَ بِعَدَدٍ لَا يُزَادُ عَلَى عَدَدِهِ، خِلَافًا لِلذِّكْرِ الْمُطْلَقِ؛ فَلَا وَقْتَ لَهُ وَلَا عَدَدَ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَالثَّنَاءِ عَلَى الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمَنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُكْثِرِينَ مِنْ ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ، «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»؛ لِيَحْظَى بِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنْ أُجُورٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي فَهْمِ مَعَانِيهِ الْعَظِيمَةِ، وَاسْتِحْضَارِهَا حَالَ قَوْلِهِ، وَأَنْ يُوَاطِئَ قَلْبُهُ لِسَانَهُ؛ لِيَكُونَ أَفْضَلَ فِي ذِكْرِهِ، وَأَكْثَرَ أَجْرًا، وَأَعْظَمَ أَثَرًا، وَأَنْ يَفْتَتِحَ بِهِ يَوْمَهُ؛ لِيَتَحَصَّنَ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ، سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ».

وَلَا يَتْرُكُ هَذَا الذِّكْرَ الْعَظِيمَ إِلَّا مَنْ حَرَمَ نَفْسَهُ خَيْرًا كَثِيرًا؛ فَإِنَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي لَا مَشَقَّةَ فِيهَا، وَيَأْتِي بِهِ الْعَبْدُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجَعًا، وَمَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي أَيِّ مَكَانٍ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ، وَلَا اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَلَا الذَّهَابِ إِلَى الْمَسْجِدِ. بَلْ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ، وَيَعُدُّ بِهِ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِئَةَ، وَإِنْ زَادَ فَخَيْرٌ عَلَى خَيْرٍ، وَيَجْتَهِدُ فِي تَحْرِيكِ قَلْبِهِ بِهِ وَهُوَ يَقُولُهُ، بِتَدَبُّرِ مَعَانِيهِ، وَفَهْمِ مَرَامِيهِ.

فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ ذِكْرٍ، وَمَا أَيْسَرَ أَدَاءَهُ عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا أَعْسَرَهُ عَلَى مَنْ حُرِمَهُ. وَهَكَذَا كُلُّ ذِكْرٍ كَذَلِكَ، وَالْمَحْظُوظُ مَنْ جَرَى ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ، وَوَعَاهُ قَلْبُهُ؛ حَتَّى كَانَ الذِّكْرُ دَأْبَهُ؛ فَذَلِكَ الَّذِي يَجِدُ فِي صَحَائِفِهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: 8-9].

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.47 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.88%)]