|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#111
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 547 الى صـــ 566 الحلقة (111) التفصيل السابق عن مالك، وادعى أبو ثور وأهل الظاهر وجوب هذا الوضوء، وأوجبه بعض أصحابنا إذا كان محدثًا مع الجنابة (١). أما الوضوء بعد الغسل: فعنه: مشروع إذا لم يحصل منه حدث، وقد كان - ﷺ - لا يتوضأ بعده كما رواه الترمذي والحاكم وصححاه (٢)، وما روي عن أبي البحتري عن علي: أنه كان يتوضأ بعد الغسل (٣)؛ فمنقطع، ومحمول على أنه عرض عارض يوجبه. وأما حديث عائشة: أنه - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة. فالمراد -والله أعلم- كان إذا أراد الاغتسال. وأما ابن شاهين، فقال: حديث غريب صحيح. ثم زعم أنه منسوخ (٤)، ولا حاجة إلى ادعاء ذَلِكَ، ونقل ابن بطال في باب من توضأ من الجنابة الإجماع على عدم وجوب الوضوء في الغسل (٥). وقولها: (كَمَا كان يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ). لعله احتراز من الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يمسح رأسه في هذا الوضوء. والصحيح يمسحها، كما قَالَ في «المبسوط» (٦)؛ لأنه أتم للغسل. وقولها: (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشعر). فيه -------------------- (١) انظر: «المجموع» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦. (٢) رواه الترمذي (١٠٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم ١/ ١٥٣. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن عائشة رضي الله عنها، وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (٩٣): صحيح. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٦٩. (٤) «ناسخ الحديث ومنسوخه» لابن شاهين ص ٦٥. (٥) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٨. (٦) «المبسوط» ١/ ٤٤. استحباب ذَلِكَ وحكمته سهولة إدخال الماء إلى أصل الشعر أو الاستئناس به حتى لا يجد من صب الماء الكثير نفرة، ثم هذا التخليل عام لشعر الرأس واللحية، فقيل: واجب. وقيل: سنة. وقيل: واجب في الرأس، وفي اللحية قولان للمالكية: روى ابن القاسم عدم الوجوب، وروى أشهب الوجوب، وأوجب ذَلِكَ أبو حنيفة في الغسل دون الوضوء (١)، وقد ورد في عدة أحاديث أن «تحت كل شعرة جنابة (٢) فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر» (٣)؛ وفيها مقال. ونقل ابن بطال في باب: تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس، وقاسوا اللحية عليها (٤). وقولها: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ). فيه استحباب ذَلِكَ في الرأس، وباقي الجسد مثله، وخالف الماوردي من أصحابنا (٥)، والقرطبي من المالكية فقالا: لا يستحب التثليث في الغسل. قَالَ القرطبي: لا يفهم من هذِه الثلاث، أنه غسل رأسه ثلاث ------------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٥، «المبسوط» ١/ ٤٤، «المنتقى» ١/ ٩٤. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: تحت كل شعرة جنابة في الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، وهو ضعيف. (٣) رواه أبوداود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧). من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. وعلة ضعفه الحارث بن وجيه كما قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وضعفه النووي في «المجموع» ٢/ ٢١٣، «الخلاصة» ١/ ١٩٧، وكذا الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٧). (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٦. (٥) «الحاوي» ١/ ٢٢١. مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذَلِكَ من المشقة، وإنما كان ذَلِكَ العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة (١). وقولها: (ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جسده كُلِّهِ). هذا بقية الغسل ولم يذكر فيه الدلك، وهو مستحب عندنا وعند أحمد وبعض المالكية وأهل الكوفة، وخالف مالك والمزني فذهبا إلى وجوبه (٢). وقولها: (وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذى). فيه مشروعية ذَلِكَ قبل الغسل، والواو هنا للجمع لا للترتيب، إذ المراد غسل فرجه ثم توضأ، كما جاء مبينًا في بعض الطرق (٣). وقولها: (ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا عن الجنابة). فعل ذَلِكَ ليقع الاختتام بأعضاء الوضوء، كما وقع الابتداء بها، واستدل به من يرى التفريق بغير عذر. ----------------- (١) «المفهم» ١/ ٥٧٦ - ٥٧٧. (٢) انظر: «المبسوط» ١/ ٤٤ - ٤٥، «المدونة» ١/ ٣٠، «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٧، «المغني» ١/ ٢٩٠. (٣) منها ما سيأتي برقم (٢٦٠). ٢ - باب: غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ ٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَالُ لَة: الفَرَقُ [٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٦٣] حَدَّثنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). و(ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. وهذا الإناء كان من شبه، وهو ضرب من النحاس، كما نبه عليه ابن التين. والفرَق: بفتح الراء أفصح من سكونها، وادعى الباجي أنه الصواب. وقال ابن الأثير: هو بالفتح مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مُدًا وثلاثة آصع، عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق: خمسة أقساط، وكل قسط نصف صاع. وأما بالسكون فمائة وعشرون رطلًا (٢). وأما فقه الباب فقد سلف في باب وضوء الرجل مع امرأته (٣) مع الجواب عما عارضه، والإجماع قائم على تطهر الرجل والمرأة من ---------------- (١) مسلم (٣١٩) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة وغسل أحدهما بفضل الآخر. (٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ٤٣٧. (٣) سبق برقم (١٩٣) كتاب: الوضوء. إناء واحد، وعلى تطهر المرأة بفضل الرجل، والخلاف في عكسه، كما سلف هناك. وذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد (١)، وغاب عنه هذا الحديث، والسنة قاضية عليه. وفيه أيضًا طهارة فضل الجنب والحائض. قَالَ الداودي: وفيه جواز نظرهما إلى عُريةِ بعض. ------------------- (١) «المصنف» ١/ ٤١ (٣٨٤). ٣ - باب الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ ٢٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلهَا أَخُوهَا عَنْ غَسْلِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَدَعَتْ بِإنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ يَزِيد بْنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ وَالْجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. [مسلم: ٣٢٠ - فتح: ١/ ٣٦٤] ٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ، ثمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. [٢٥٥، ٢٥٦ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٥] ٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْز وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابن عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخِيرًا عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوى أَبُو نُعَيْمٍ. [مسلم: ٣٢٢ - فتح: ١/ ٣٦٦] ذكر فيهرحمه الله- ثلاثة أحاديث: أحدهَا: عن عائشة: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثنا شعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَألَهَا أَخُوهَا عَنْ غَسْلِ النِّبيَّ - ﷺ -، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ. قَالَ يَزيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ وَالْجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا هنا. واسم أبي بكر: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، مدني ثقة (٢). وأبو سلمة (٣): هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأئمة، وهو ابن أختها من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم بنت الصديق. ثانيها: أخو عائشة هو أخوها من الرضاعة، كما جاء مصرحًا به في «صحيح مسلم»، واسمه فيما قيل: عبد الله بن يزيد، أفاده النووي (٤). وقال مسلم في «الطبقات»: عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، وقال الداودي في «شرحه» فيما رأيته إنه أخوها عبد الرحمن. وهذا وهم منه. ثالثها: اسم الجُدي عبد الملك (خ قرنه، د، ت، س) بن إبراهيم، حجازي ---------- (١) مسلم (٣٢٠) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر. (٢) مشهور بكنيته، مجمع على ثقته، فقد وثقه النسائي وابن حبان، والعجلي وقال ابن عبد البر قيل: كان اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٧٦ (٢٠٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٦ (١٥٧)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ١٢ «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٢٣ (٣٢٢٨)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٢٢. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: (…) الفقهاء السبعة على قول (…) كما قاله الحاكم. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ٤. ثقة، وهو بضم الجيم نسبة إلى جُدة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وأبو داود والترمذي والنسائي. مات سنة أربع أو خمس ومائتين (١). وطريق يزيد رواها أبو نعيم، عن أبي بكر بن خلاد، عن الحارث بن محمد عنه. وطريق بهز رواها الإسماعيلي، عن المنيعي، عن يعقوب وأحمد بن إبراهيم قالا: ثنا بهز بن أسد به. وقوله: (بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ). ظاهره كما قَالَ القاضي: أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل لذوي المحارم النظر إليه من ذات المحرم، ولولا أنهما شاهدا ذَلِكَ ورأياه، لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى، إذ لو فعلت ذَلِكَ كله في سترة عنهما لاكتفت تعليمهما بالقول، وإنما فعلت الستر ليستر أسافل البدن، وما لا يحل للمحرم نظره (٢). الحديث الثاني (٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ. ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. ------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠٦ (١٣١٣)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٤٢ (١٦١٧)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٣٨٧، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٨٠ (٣٥١٣). (٢) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٦٣. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن والأربعين كتبه مؤلفه، غفر الله له. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وأبو جعفر: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي. مدنى تابعي جليل، ويعرف بالباقر؛ لأنه بقر العلم -أي: شقه- فَعَرِفَ أصله، أمه بنت السيد الحسن. وعنه ابنه جعفر الصادق وغيره. مات سنة أربع عشرة ومائة، على أحد الأقوال (٢). وكان مولده سنة ست وخمسين. ووالده: هو علي بن الحسين زين العابدين التابعي الثقة (٣). ثانيها: الرجل الذي قَالَ: (ما يكفيني) (٤). هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (٥)، أبوه ابن الحنفية. مات سنة مائة أو نحوها (٦). والحنفية اسمها: خولة بنت جعفر (٧). ------------------- (١) مسلم (٣٢٩) كتاب: الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: صحح الذهبي في «الكاشف» أنه توفي ١١٨ هـ، ولم يذكر غيره. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٨٣ (٥٦٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٦ (١١٧)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٣٦ - ١٣٩ (٥٤٧٨). (٤) ورد بهامش الأصل: الرجل المبهم كما قال المصنف، وابنه مسمى في «جامع النووي». (٥) سيأتي برقم (٢٥٦). (٦) ورد في (س) بين السطور في «الكاشف» سنة ٩٥، ولم يذكر غيره، وكذا أرخه في «التذهيب» .. قال: وقيل بعد ذلك وفي «تهذيب النووي» سنة مائة أو تسع وتسعين. (٧) انظر ترجمتها في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٢/ ٣٠٥ (٢٥٦٠). ثالثها: (يَكفي) بفتح أوله فقط. و(أوفي) يحتمل أن تكون بمعنى أطول، فيرجع إلى الصفة. ويحتمل أن تكون بمعنى أكثر، فيرجع إلى الكمية، ويقال: إن هذا الرجل كان تامًا عظيم الخلق كثير الشعر. وقوله: (وخيرًا منك) هو بالنصب عطفًا على (١) مفعول (مَنْ) الذي هو مفعول يكفي. ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمراد به رسول الله - ﷺ -. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِيِني) ظاهره أنه غير السائل؛ إذ لو كان هو لقال: ما يكفيني (٢). وقوله: (وَعِنْدَهُ قَوْمٌ). جاء في أخرى: وعنده قومه، وهي ما ذكرها عبد الحق في «جمعه»، وصاحب «العمدة» (٣). فقوله: (يَكْفِيكَ صَاعٌ) هو بلفظ الخطاب للواحد، فيحتمل أنهم سألوه عن أشياء وأنواع الغسل وأحكامه، فسأله بعضهم عن صفته وبعضهم في أحكام مائه، فاشتركوا في السؤال فأضيف إليهم، فنقل الراوي جواب مقدار الماء فقط، ويحتمل أنهم اشتركوا في السؤال عن مقدار الماء، فأجابهم بلفظ الواحد كأنه قَالَ: يكفي أحدكم صاع. وقوله: (ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ). لا خلاف في مقتضاه فإن الصلاة فيه جائزة وإن كان إمامًا. --------------------- (١) ورد بهامش (س): كذا، صوابه: عطفًا على (من) الذي هو مفعول يكفي. (٢) أي: دون أن يقول: فقال رجل. (٣) «العمدة» كما في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٩٤. الحديث الثالث: حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبيِّ - ﷺ - وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْزُ وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ: قَدْرِ صَاعٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابن عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخِيرًا عَن ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوى أَبُو نُعَيْمٍ. هكذا هو في أكثر النسخ عقب هذا، وسقط في بعضها. وقد رواه مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه من مسند ميمونة (١)، ورجح الدارقطني إسقاطها وقال: إنه أشبه. ووجه إدخال البخاري هذا الحديث هنا، أنه - ﷺ - كان يغتسل هو وعائشة من الفرق، وقد سلف أنه ثلاثة آصع، وإذا كان كذلك فنصفه صاع ونصف، وذلك ثمانية أرطال، وذلك زائد على الصاع بقليل. وأما فقه هذِه الأحاديث، فقد سلف في باب الوضوء بالمد (٢)، والاختلاف في قدره وقدر الصاع، فراجعه منه. وفيه أيضًا: عدم الإسراف في الماء. وفيه أيضًا: صفة النبي - ﷺ - أنه كان كثير الشعر. ----------------------- (١) مسلم (٣٢٢/ ٤٧)، والترمذي (٦٢)، والنسائي ١/ ١٢٩، وابن ماجه (٣٧٧). (٢) إلى هنا انتهى السقط من (ج) وهو من حديث (٢٣٣ - ٢٥٤). ٤ - باب مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ٢٥٤ - حَدَّثَنَا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ ابْن صُرَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا أنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيهِمَا. [مسلم: ٣٢٧ - فتح: ١/ ٣٦٧] ٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا. [انظر: ٢٥٢ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٧] ٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بن يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي ابو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ: وَأَتَانيِ ابن عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالَحْسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابن الَحنَفِيَّةِ، قَالَ: كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا على رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. فَقَالَ لِي الَحسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ. فَفلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا. [انظر: ٢٥٢ - مسلم: ٣٢٩ - فتح: ١/ ٣٦٨] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث سليمان بن صُرد، عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ مرفوعًا: «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كلتاهما. وقد أخرجه مسلم (١) أيضًا. وسليمان بن صرد صحابي أيضًا، قتل سنة خمس وستين، وهو من الأفراد (٢)، وكان أحد العباد (٣). ------------------ (١) مسلم (٣٢٧) في الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا. (٢) كذا في الأصل، وسليمان بن صرد روى له الجماعة، كما في «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٥٤، والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كما في «تحفة الأشراف» (٣١٨٦). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٤/ ١٥ (١٧٥٢)، «أسد الغابة» = وقوله: (كلتاهما). كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: كلتيهما، ووجه الأول على من يراهما تثنية، ويرى أن التثنية لا تتغير؛ كقوله: إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (١) ثانيها: حديث جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُفْرغُ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا. ثالثها: حديثه أيضًا: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأُخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفِّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. وفي آخره: كان - ﷺ - أَكْثَرَ شَعَرًا مِنْكَ. وقد سلف في الباب قبله (٢)، وفي إسناد الأول مخول (٣) بن راشد، وهو النهدي مولاهم. وفي الثاني مَعْمَر بن يحيى بن سام، وهو بالتشديد وقيل: بالتخفيف، وليس له في الصحيح غير هذا الحديث، وهو عزيز، وانفرد به البخاري. وقال أبو زرعة في حقه: ثقة. وقال البخاري: روى عنه وكيع مراسيل (٤). وأما فقه الباب: ففيه إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا، واستحبابه متفق عليه، وألحق به أصحابنا سائر الجسد؛ قياسًا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبني على التخفيف مع تكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. -------------------- = ٢/ ٤٤٩، «السير» ٣/ ٣٩٤ (٦١)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٥٤ (٢٥٣١). (١) ورد أعلاها في الأصل: كلمة: الشاهد. (٢) سلف برقم (٢٥٢) كتاب: الغسل، باب: بصاع أو نحوه. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: مخول بتشديد الواو المفتوحة وضم الميم وفتح الخاء المعجمة، كذا ضبطه الكافة، وذكره (…) والحاكم، وضبطه الأصيلي بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة. معنى كلام (…). (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٧/ ٣٧٧ (١٦٢٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٥٨ (١١٦٧)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٦١٠٩). قَالَ النووي: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي، حيث قَالَ: لا يستحب التكرار في الغسل، وهو شاذ متروك (١). قُلْتُ: قد قاله أيضًا الشيخ أبو علي السِّنجي (٢) في «شرح الفروع» فلم يتفرد به. ونقل ابن التين عن العلماء أنه يحتمل أن يكون هذا على ما شرع في الطهارة من التكرار، وأن يكون لتمام الطهارة؛ ولأن الغسلة الواحدة لا تجزئ في استيعاب غسل الرأس، قَالَ: وقيل: ذَلِكَ مستحب، وما أسبغ أجزأ، وكذا قَالَ ابن بطال: العدد في ذَلِكَ مستحب عند العلماء، وما عم وأسبغ أجزأ. قَالَ: وليس في أحاديث الباب الوضوء في الغسل، ولذلك قَالَ جماعة الفقهاء: إنه من سننه (٣). وفيه: أن الغرفة باليدين جميعًا، وعليه يحمل ما في حديث جابر: يأخذ ثلاثة أكف. وقوله - ﷺ -: («أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلًاثا»). الظاهر أنه رد به على قوم يفعلون أكثر من ذَلِكَ، ولنا فيه أسوة حسنة. ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٤/ ٩. (٢) هو الحسين بن شعيب بن محمد، أبو علي السنجي، من قرية سنج، فقيه العصر، وعالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وهو والقاضي حسين أنجب تلامذة القفال. من تصانيفه: «شرح المختصر»، «شرح تلخيص ابن القاص»، «شرح فروع ابن الحداد». توفي سنة ثلاثين وأربعمائة. انظر ترجمته في «طبقات الشافعيه الكبرى» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٨. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٣. ٥ - باب: الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً ٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بنِ أَبِى الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبيِّ - ﷺ - مَاءً لِلْغسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن -أَوْ ثَلَاثًا- ثمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأرضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيدَيْهِ، ثُمَّ أفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٦٨] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ لي مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. وهو حديث صحيح، أخرجه مع البخاري مسلم وباقي الستة (١)، وقد سلف أول الغسل (٢). والمذاكير: جمع ذكر، على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو، فجمعوا الذكر الفحل على ذكور وذكران وذكارة مثل: حجارة. وقال الأخفش: مذاكير من الجمع الذي ليس له واحد، مثل: الأبابيل، حكاه ابن التين، وموضع الترجمة من الباب قوله: ثم أفاض على جسده ولم يذكر مرة ولا مرتين، فحمل على أقل ما يسمى غسلًا وهو مرة واحدة، والعلماء مجمعون على أنه الشرط فيه التعميم لا العدد. --------------------- (١) مسلم (٣١٧، ٣٣٧)، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وابن ماجه (٥٧٣). (٢) سبق برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. وفيه: الوضوء في الغسل من الجنابة ولم يذكر فيه مسح الرأس، وقد أسلفنا أنه رواية الحسن عن أبي حنيفة. وفيه: أن الدلك سنة وليس بواجب عملًا بقولها: (ثم أفاض على جسده). ٦ - باب: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ (١) عِنْدَ الغُسْلِ ٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنُّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عن حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الِحلَابِ، فَأَخَذ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأيسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ. [مسلم: ٣١٨ - فتح: ١/ ٣٦٩] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثنَّى، ثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَئءٍ نَحْوَ الحِلَاب، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِق رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأَسِهِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وأبو داود والنسائي عن محمد بن المثنى أيضًا (٢). والقاسم: هو ابن محمد الفقيه، وعائشة عمته، مات سنة سبع ومائة (٣). وحنظلة الراوي عنه: هو ابن أبي سفيان ثبت. مات سنة إحدى وخمسين ومائة (٤). ----------------------- (١) بهامش الأصل إشارة إلى أنه في نسخة: التطيب. (٢) مسلم (٣١٨) كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٠)، والنسائي ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٧/ ١٥٧ (٧٠٥)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١١٨ (٦٧٥)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٢٧ - ٤٣٢ (٤٨١٩). (٤) سبق في حديث (٨). ثانيها: الحِلاب -بكسر الحاء المهملة- وهو: إناء يسع حلبة ناقة، وهو: المِحلب -بكسر الميم. فأما المَحلب بفتح الميم، فهو: الحب الطيب الرائحة. والبخاري جعل الحلاب في هذِه الترجمة ضربًا من الطيب، وصرح به الداودي في «شرحه»، وليس كما فعلا، وإنما هو الإناء الذي كان فيه طيبه - ﷺ - الذي كان يستعمله عند الغسل، وقد نص غير واحد على وهم البخاري في ذَلِكَ. قَالَ الحميدي: جمع مسلم هذا الحديث مع حديث الفَرَق وحديث قدر الصاع في موضع واحد، وتأولها على الإناء، وفي البخاري ما ربما ظن ظان أنه قد تأوله على أنه نوع من الطيب، يكون قبل الغسل، لأنه ترجم الباب بذلك الحلاب أو الطيب، وفي بعضها والطيب، ولم يذكر غيره، وقد ذكر الهروي في باب الحاء المهملة الحِلاب والمحلب: الإناء الذي تُحْلب فيه ذوات الألبان. وقال الخطابي (١): إنه إناء، وذكره البخاري في كتابه، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنه أُريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا من الباب (٢) في شيء، وإنما هو ما فسرت لك (٣). وعند الإسماعيلي دعا بشيء نحو الحلاب. وفي رواية: كان يغتسل من حِلاب (٤)، وهو إشارة إلى إناء لا إلى طيب. --------------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٣٠٢. (٢) كذا في الأصل، وفي «الجمع بين الصحيحين»: الطيب. (٣) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٣٧ - ٣٨. (٤) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ١٢٢. وفي حديث مكي، عن القاسم أنه سئل: كم يكفي من غسل الجنابة؟ فأشار إلى القدح أو الحلاب، ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب (أو) (١) التطيب. وقال ابن الجوزي: غلط جماعة في تفسير الحلاب، منهم البخاري، فإنه ظن أن الحلاب شيء من الطيب، وكأنه توهم أن الحلاب المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، وليس هذا مكانه (٢). وصحف آخرون لفظه منهم الأزهري، فإنه ضبطه بالجيم وتشديد اللام، ثم فسره بأنه ماء الورد، فارسي معرب (٣)، حكاه عنه الحميدي، وقرأناه على شيخنا أبي منصور اللغوي، وقال أراد بالجلاب ماء الورد فارسي معرب، وكذا ذكره أبو عبيد الهروي في باب الجيم، إلا أنه لم ينصره. وهؤلاء عن معرفة الحديث بمعزل، إنما البخاري أعجب حالًا؛ لأن لفظ الحديث: دعا بشيء نحو الحلاب. فلو كان دعا بالحلاب كان ربما يشكل، ونحو الشيء: غيره. على أن في بعض الألفاظ: دعا بإناء مثل الحلاب. وقال ابن قرقول: الحلاب إناء وهو المحلب، وترجم البخاري عليه باب: الطيب عند الغسل، يدل على أنه عنده ضرب من الطيب، وهذا لا يعرف، وإنما المعروف حب المحلب نوع يقع في الطيب. وقال ابن الأثير في «نهايته»: لما ذكر الحلاب بالحاء، قَالَ: وقد رويت بالجيم، ويحتمل أن البخاري أراده؛ ولهذا ترجم به وبالطيب، لكن الذي يروى في كتابه، إنما هو بالحاء، وهو بها أشبه؛ لأن --------------------- (١) في (ج): و. (٢) «غريب الحديث» ١/ ٢٣٣. (٣) «تهذيب اللغة» ١/ ٦٢٦ مادة: (جلب). الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق به من قبله وأولى؛ لأنه إذا بدأ به، ثم اغتسل أذهبه الماء (١). وقال ابن بطال: أظن البخاري جعله ضربًا من الطيب، فإن كان ظن ذَلِكَ، فهو وهم ثم قال: وفي الحديث الحض على استعمال الطيب عند الغسل تأسيًا بالشارع (٢). قُلْتُ: وفي كتاب «التطيب» للفضل بن سلمة أنه يقال: اغتسلت المرأة بالطيب. ثالثها: (وَسَط رأسه). هو بالفتح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه اسم. قَالَ الجوهري: كل موضع صلح فيه (بَيْنَ) فهو ساكن، وعكسه محرك وربما سُكِّنَ، وليس بالوجه (٣). رابعها: إنما بدأ بشق رأسه الأيمن؛ لأنه كان يحب التيامن في طُهوره. وقوله: (فقال بهما على وسط رأسه). يعني: بيديه. ------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٢٢ مادة (حلب). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥. (٣) «الصحاح» ٣/ ١١٦٨. ![]()
__________________
|
|
#112
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 567 الى صـــ 586 الحلقة (112) ٧ - باب المَضمَضَةِ وَالاِسْتِنشَاقِ فيِ الجَنَابَةِ ٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِىِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَة، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأرضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتَيِ بِمِنْدِيل، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح:١/ ٣١٧]. ساق فيه حديث ميمونة قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَد الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُرَاب، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأَسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. وقد سلف الحديث قريبًا (١)، ثم ها هنا أمور: أحدها: عند أبي حنيفة أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل دون الوضوء، وعند الشافعي أنهما سنتان عنهما (٢). وقال ابن بطال: وقام الإجماع (٣) على سقوط الوضوء في غسل الجنابة (٤)، وهما سنتان في الوضوء، فإذا سقط فرض الوضوء فيه سقطت توابعه، فدل على أن ما روته ميمونة في غسله سنة؛ لأنه - ﷺ - --------------- (١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٣٥، «الأم» ١/ ٢١. (٣) ورد بهامش الأصل: ما ادعاه ابن بطال من الإجماع فيه نظر إذ قد أخذ بوجوب الوضوء في الغسل أبو ثور وأهل الظاهر، وقال بعض أصحابه به إذا كان عليه حدث أصغر، ولا ينقض عليه في دعوى الإجماع إلا أبو ثور، هذا إن كان لا يعد أهل الظاهر خارقين، فإن عدهم فيردون عليه. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٧. كان يلتزم الكمال، والأفضل في جميع عباداته. ثانيها: الغُسل -بضم العين- هو ما يغتسل به، وهو بالفتح المصدر كما سلف. ثالثها: قوله: (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ إلى الأَرْضَ). سمي الفعل قولًا، كما سمي القول فعلًا في حديث «لا حسد إلا في اثنتين» (١) وفي قوله في الذي يتلو القرآن: «لو أتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل». وفيه: أن الإشارة باليد، والعمل قد يسمى قولًا تقول العرب: قل لي برأسك، أي: أمله، وقالت الناقة، وقال البعير، وقال الحائط وكله مجاز. رابعها: مسحها بالتراب؛ لعله -والله أعلم-. [(٢) لأذى كان فيها، وإلا لكان يكفي بالماء وحده. خامسها: تركه للمنديل، أراد به -والله أعلم- إبقاء بركة الماء، والتواضع بذلك؛ لأن فعله عادة المترفين، وإن كان يحتمل أن يكون لشيء رآه به، أو لاستعجاله إلى الصلاة. قَالَ ابن المنذر: أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا، وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية، وعن ابن عباس كراهته ----------------- (١) سيأتي برقم (٥٠٢٦) كتاب: فضائل القرآن، باب: اغتباط صاحب القرآن. من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (٢) بداية سقط من (ج) وهو من حديث (٢٥٩ - ٢٩٢). في الوضوء دون الغسل من الجنابة، ورخص فيهما آخرون (١). قَالَ الترمذي: إنما كرهه من كرهه من قِبَلِ أنه قيل: إن الوضوء يوزن، روي ذَلِكَ عن ابن المسيب والزهري (٢). ولأصحابنا فيه أوجه: أشهرها: المستحب تركه، و(لا يقَال) (٣): فعله مكروه. ثانيها: كراهته. ثالثها: إباحته سواء فعله وتركه، وهو المختار. رابعها: استحبابه لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. خامسها: يكره في الصيف دون الشتاء (٤)، وسيأتي في حديث ميمونة أنه نفض يديه (٥)، وهو دال على أن النفض مباح، فالتنشيف مثله وأولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء، وفعل التنشيف قد رواه جماعة من الصحابة من أوجه، لكن أسانيدها ضعيفة. قَالَ الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - ﷺ - (٦). فائدة: المِنديل-بكسر الميم، قَالَ ابن فارس: لعله من النَّدْل وهو النقل (٧). وقال غيره: مأخوذ من الندل وهو: الوسخ؛ لأنه يندل به. ---------------- (١) «الأوسط» ١/ ٤١٥ - ٤١٩. (٢) الترمذي عقب الرواية رقم (٥٤) كتاب: الطهارة، باب: المنديل بعد الوضوء. (٣) في الأصل: إلا قال، والمثبت «شرح مسلم» للنووي. (٤) انظر: «شرح مسلم للنووي ٣/ ٢٣١. (٥) سيأتي برقم (٢٧٤) باب: من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده. (٦)»سنن الترمذي«١/ ٧٤ عقب حديث عائشة (٥٣). (٧)»المجمل" ٤/ ٨٦٢ مادة: (ندل). ٨ - باب مَسْحِ اليَدِين بِالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى ٢٦٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِي الَجعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الَحائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْليْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٢] ساق فيه حديث ميمونة: أنه - عليه السلام - اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. وقد سلف شرحه. ٩ - باب هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَن يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ؟ وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. [فتح: ١/ ٣٧٢] ٢٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩، ٣٢١ - فتح: ١/ ٣٧٣] ٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. [انظر: ٢٤٨ - مسلم: ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٧٤] ٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثلَهُ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٧٤] ٢٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَالَمْرْأَةَ مِنْ نِسَائِه يَغتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عن شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ. [فتح: ١/ ٣٧٤] مراده: إذا كانت يده طاهرة من النجاسات وهو جنب، فجائز له إدخال يده في الإناء قبل غسلها، فليس شيء من أعضائه نجسًا بسببها فالمؤمن لا ينجس. قَالَ البخاري: وَأَدْخَلَ ابن عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا. قُلْتُ: وكذا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعطاء وسالم، وقال الشعبي: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب، وكذلك النساء، ولا يفسد ذَلِكَ بعضهم على بعض، ذكره كله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق (١). وأما ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عمر قَالَ: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي منه نجس (٢)، فمحمول على أنه كان في يده قذر غير الجنابة، وإلا فهو معارض لما رواه البخاري عن ابن عمر. ونقل ابن التين، عن الحسن أنه قَالَ: إن كانت جنابته من وطءٍ ويده نظيفة فلا بأس بها، وإن كانت من احتلام هراقه ليلًا، فإنه لا يدري أين باتت يده فيصيبه. وقال ابن حبيب: من أدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ساهيًا أو عامدًا فلا شيء عليه، إلا أن يكون بات جنبًا، فلا يدري ما أصاب يده من جنابته، فإنه إن أدخلها قبل الغسل نجس الماء (٣). قَالَ البخاري: وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. يريد بالماء: الذي يغتسل به. أما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن حفص، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس في الرجل يغتسل ----------------- (١) ابن أبي شيبة ١/ ٨١ (٨٩٣ - ٨٩٦)، وعبد الرزاق ١/ ٩١ - ٩٢ (٣١٠). (٢) «المصنف» ١/ ٨١ (٨٩٢). (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ١٦. من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله، فقال: لا بأس به (١)، وهو منقطع فيما بين إبراهيم، وابن عباس، ورُوي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن (٢)، فيما حكاه ابن بطال (٣) وابن التين عنهم. وقال الحسن: ومن يملك انتشار الماء، فإنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا (٤). ثم ذكر البخاري أربعة أحاديث: أحدها: حديث أفْلَحَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. وأخرجه مسلم أيضًا عن شيخ البخاري، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن أفلح (٥). ورواه عن أفلح أيضًا جماعة منهم: عبد الله بن وهب، وفيه: تختلف أيدينا فيه وتلتقي (٦). وفي رواية: يعني: حتى تلتقي وفي بعض طرقه أنه سمع القاسم قَالَ: سمعت عائشة (٧). وأفلح (خ. م. د. س. ق) هذا: هو ابن حميد الأنصاري الصدوق، ليس في البخاري غيره، وأخرج له النسائي وأبو داود وابن ماجه (٨)، وفي ------------------- (١) «المصنف» ١/ ٧٢ (٧٨٤). (٢) روى هذا كله ابن أبي شيبة ١/ ٧٣ (٧٨٥ - ٧٨٧). (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٧٢ (٧٩١) والمقطع الأخير (فإنا لنرجو). وما بعده -من كلام ابن سيرين وليس الحسن. (٥) مسلم (٣٢١/ ٤٥) في الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. (٦) رواه أبو عوانة (١/ ٢٣٩) (٨١٢)، وابن حبان ٣/ ٣٩٥ (١١١١). (٧) المصدر السابق. (٨) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال أحمد بن حنبل وابن عدي: صالح وقال النسائي: = مسلم أفلح بن سعيد (١)، .. وأفلح عن مولاه أبي أيوب (٢)، وفي النسائي أفلح الهمداني، عن ابن زرير والأصح: أبو أفلح (٣)، وأفلح (م. س) بن سعيد السابق، وليس في هذِه الكتب سواهم. الحديث الثاني: حديثها أيضًا من طريق هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. ------------------- = لا بأس به، وفي رواية عن أحمد أنه أنكر عليه حديثين، ولم يخرج له البخاري له شيئًا منهما. وقال الواقدي: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال غيره: سنة ست وخمسين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٢/ ٥٣ (١٦٥٥)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٢١ (٥٤٧)، «هدي الساري» ص ٣٩١. (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٤٢٨، «التاريخ الكبير» (٢/ ٥٢ (١٦٥٤)، و«تهذيب الكمال» ٣/ ٣٢٣ (٥٤٨)، و«ميزان الاعتدال» (١/ ٢٧٤) (١٠٢٣). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (٢/ ٥٢ (١٦٥٣)، و«تهذيب الكمال» (٣/ ٣٢٥) (٥٤٩)، و«الثقات» لابن حبان (٤/ ٥٨). (٣) قالوا: صوابه أبو أفلح وذكره المزي في «تهذيب الكمال» (٣/ ٣٢٦) (٥٥٠) تحت اسم (أفلح) وقال: والمحفوظ: أبو أفلح. ثم ترجم له تحت اسم -أبو أفلح ٣٣/ ٤٧ (٧٢١٢). وترجم له الذهبي في موضعين، موضع: أفلح، والثاني: أبو أفلح «الميزان» ١/ ٢٧٥ (١٠٢٤)، ٦/ ١٦٧ (٩٩٧٢) وقال في الموضع الأول: لا يدري من هو. وفي الثاني: قال ابن القطان: مجهول. وذكره العجلي في «معرفة الثقات» (٢/ ٣٨٤) وعنده: أبو أفلح، وقال: بصري ثقة. وحديثه عند النسائي (٨/ ١٦٠) في تحريم الذهب على الرجال من حديث علي - رضي الله عنه -، ورواه النسائي في عدة طرق وقع فيها: أبو أفلح إلا طريق ابن المبارك وقع: أفلح، وقال النسائي بعده: وحديث ابن المبارك أولى بالصواب إلا قوله: أفلح، فإن أبا أفلح أشبه. ورواه أبو داود (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) وغيرهم، ووقع عندهم: أبو أفلح، مما يؤكد أن أبا أفلح هو الصواب والله أعلم. هذا الحديث أخرجه هكذا مختصرًا، وأخرجه أبو داود مطولًا (١)، وعزاه أبو مسعود الدمشقي إلى البخاري بإسناده المذكور فيه بلفظ: كنت اغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد. والذي فيه ما قدمناه، وقد نبه عليه الحميدي أيضًا (٢). الحديث الثالث: حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. ذكر أصحاب الأطراف أن حديث عبد الرحمن هذا رواه البخاري، عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الرحمن (٣)، ورواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عبد الرحمن (٤). ورواه أبو نعيم من طريق أبي خليفة، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن به، بمثل حديث أبي بكر بن حفص، ثم قَالَ: رواه البخاري، عن أبي الوليد حديث عبد الرحمن، وأبي بكر جميعًا، وصرح بذلك أبو مسعود أيضًا. --------------------- (١) «سنن أبي داود» (٢٤٢). (٢) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٤١ - ٤٢. (٣) قلت: يقصدون هذا الموضع. فإن البخاري يقصد: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر … وعن عبد الرحمن … قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٧٤: قوله (وعن عبد الرحمن بن القاسم). هو معطوف على قوله (شعبة عن أبي بكر بن حفص) فلشعبة فيه إسنادان عن عائشة … وقد وهم من زعم أن رواية عبد الرحمن معلقة. (٤) النسائي ١/ ١٢٨ - ١٢٩. الحديث الرابع: حَدَّثنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جَبْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءً وَاحِدٍ. قال: وزَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ. هذا الحديث من أفراده، ولم يخرج مسلم عن أنس في هذا شيئًا، ومسلم: هو ابن إبراهيم الأزدي، الحافظ الثقة المأمون. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (١)، وأسقطه أبو مسعود وخلف في أطرافهما، واقتصرا على وهب وحده. ثم هذِه الزيادة التي زادها وهب (٢) وهي: من الجنابة، لم يذكرها الإسماعيلي من طريقه، فإنه قَالَ: أخبرني ابن ناجية، حَدَّثَني زيد بن أخزم، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، وقال: لم يذكر من الجنابة، وذلك بعد أن أخرجه بغير هذِه الزيادة أيضًا من طريق ابن مهدي وبهز. إذا تقرر ذَلِكَ فأين موضع الترجمة التي ذكرها البخاري، وأكثرها لا ذكر فيه لغسل اليد، وإنما جاء ذكر اليد في حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة؟ والجواب من وجوه: أحدها: وهو ما اقتصر عليه ابن بطال أن حديث هشام مفسر لمعنى الباب، وذلك أنه حمل غسل اليد قبل إدخالها الإناء، الذي رواه هشام إذا خشي أن يكون قد [علق] (٣) بها شيء من أذى الجنابة أو غيرها، وما لا ذكر فيه لغسلها من الأحاديث حملها على حال يقين طهارة -------------------- (١) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» للبخاري ٨/ ١٨٠ - ١٨١ (٧٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: مسلم أيضًا زادها. (٣) في الأصل: علم، والمثبت من «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٧. اليد، فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع بهما بين معانيها وانتفي بذلك التعارض عنها، وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عمر كما سلف (١). ثانيها: جواب أبي العباس ابن المنير، وهو أنه لما علم أن الغسل إما لحدث حكمي، أو لحادث عيني، (وقد فرض الكلام فيمن ليس على يده حادث بقي الحدث المانع من إدخالها الإناء) (٢)، لكن الحدث ليس بمانع؛ لأن الجنابة لو كانت تتصل بالماء حكمًا لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء حتى يكمل طهارته ويزول حدث الجنابة عنه، فلما تحقق جواز إدخالها في الإناء في أثناء الغسل، علم أن الجنابة ليست مؤثرة في منع مباشرة الماء باليد، فلا مانع إذًا من إدخالها أولًا كإدخالها وسطًا، وحقق ذلك أن الذي ينتضح من بدن الجنب طاهر لا تضر مخالطته لماء الغسل. قَالَ: والشارح -يعني: ابن بطال- أبعد عن مقصوده (٣). الثالث: أن الحديث الثاني ظاهر فيه، وأما الحديث الأول فقولها: (تختلف أيدينا فيه). إذ لو غسلا أيديهما قبل إدخالها في الإناء لقالت: (تختلف أيدينا منه)، أو بينت أن في البعض: (تختلف أيدينا فيه). وفي البعض: (تختلف أيدينا منه). وباقي الباب مستطرد لبقية أسانيد الحديث. ---------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨. (٢) تصرف المصنف في النقل من «المتواري» فأغمض المعنى، وننقل عبارة ابن المنير فهي أوضح قال: «وقد فرض الكلام فيمن ليس على يده حادث نجاسة ولا قذر، بقي أن يكون بيده حدث حكمي يمنع إدخالها الإناء». وباقي النقل تام. (٣) «المتواري» ص ٧٦. الرابع: أنه يحتمل أنه لما ذكر جل الأحاديث بدون غسل اليد علم أن تركه كاف في الغسل، إذ لو لم يكن كافيًا لذكره في كلها. وتحتمل خامسًا: وهو أن البخاري لما ذكر في بعض طرق حديث عائشة غسل اليد، ولم يذكرها في الباقي جريًا على عادته في الأصل، ذكر الحديث وترك اللفظ المستنبط منه المعنى المحتاج إليه منه، ويكون مراده تبحر المستنبط من طرق الحديث، واستخراج المقصود منه، وقد روى مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلهما .. وفي آخره: (وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد) (١). ---------------------- (١) مسلم (٣٢١/ ٤٣) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة. ١٠ - باب مَنْ أَفرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ ٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن سَالِمِ بْنِ أَبِى الَجعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الَحارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسْلًا وَسَتَزتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -قَالَ سُلَيمَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا -ثُمَ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأْرْضِ -أَوْ بِالَحْائِطِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٥] ثم ساق حديث ميمونة: قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ -قَالَ سُلَيْمَانُ يعني الأعمش أحد رواته: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا -ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ -أَوْ بِالْحَائِطِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. وهو ظاهر فيما ترجم له، والحديث محمول على أنه كان في يده أو في فرجه جنابة أو أذى، فلذلك دَلَك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها في وَضُوئه، على ما سلف في الباب قبله. وفيه إباحة النفض وعدم التنشيف على ما سلف. وفيه غير ذَلِكَ مما سلف. وقولها: (غُسلًا) هو: [بالضم: ماءٌ] (١) يغتسل به كما صرح به في الرواية الآتية في الباب بعده. ------------------- (١) مطموسة في الأصل، ولعل الصواب ما أثبتناه. ١١ - باب تَفْرِيقِ الغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ. ٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أبِي الَجعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَاءً يَغْتَسِل بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأرضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٧٥] هذا الباب يقع في بعض النسخ قبل الباب الذي قبله، وفي بعضها بعده، والشراح أيضًا اختلفوا كذلك على حسب النسخ. قَالَ البخاري: وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُه. وهذا رواه بنحوه الشافعي، عن مالك، عن نافع، عنه أنه توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها (١). قَالَ الشافعي: وأحب أن يتابع الوضوء ولا يفرقه، وإن قطعه فأحب أن يستأنف وضوءه. ولا يتبين لي أن يكون عليه استئناف وضوء (٢). قَالَ البيهقي: وقد روينا في حديث ابن عمر جواز التفريق (٣)، وهو --------------------- (١) «الأم» ١/ ٣٢ ورواه مالك في «الموطأ» ص ٤٨. (٢) «الأم» ١/ ٢٦. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٣١٢. مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو قول ابن عمر وابن المسيب وعطاء وطاوس والنخعي والحسن وسفيان بن سعيد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وعن الشافعي: لا يجزئه ناسيًا كان أو عامدًا، وهو قول عمر بن الخطاب، وبه قَالَ قتادة وربيعة والأوزاعي والليث وابن وهب، وذلك إذا فرقه حتى جف، وهو ظاهر مذهب مالك، وإن فرقه يسيرًا جاز. وإن كان ناسيًا، فقال ابن القاسم: يجزئه. وقال ابن حبيب عن مالك: يجزئه في الممسوح دون المغسول. وعن ابن أبي زيد: يجزئه في الرأس خاصة. وقال ابن مسلمة في «المبسوط»: يجزئه في الممسوح رأسًا كان أو خفًّا (١). ثم ذكر البخاري حديث ميمونة: عن مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبٍ، ثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مَيْمُونَة: وَضَعْتُ للنبي - ﷺ - مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- .. الحديث. وقد سلف أيضًا (٢). ومحمد (خ. د. س) هذا: بصري ثقة من أفراد البخاري (٣). مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٤). -------------------- (١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٥٣. (٢) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني عن مسلم وإلا فقد اشترك في الأخذ عنه أبو داود مع البخاري، وأخرج له النسائي، فاعلمه. (٤) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» للبخاري ١/ ٢٤٥ (٧٧٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٢ (٤٤٠)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٧٠ (٥٥٨٢). وعبد الواحد: هو ابن زياد العبدي، مولاهم البصري. مات سنة ست وسبعين ومائة، قَالَ النسائي: ليس به بأس (١). وجه الدلالة لما ذكره البخاري أنه - ﷺ - تنحى عن مقامه فغسل قدميه. فدل على عدم وجوبه، وكذا فعل ابن عمر، واحتج غيره بأن الله تبارك وتعالى أمر المتوضى بغسل الأعضاء، فمن أتى ما أمر به متفرقًا، فقد أدى ما أمر به، وجفوف الوضوء ليس بحدث، فكذا جفوف أعضائه. وأجاب من أوجبه: بأن التنحي في حديث ميمونة كان قريبًا، وهذا وإن قرب في حديث ميمونة، فيبعد في فعل ابن عمر. ومحل بسط المسألة كتب الخلاف. ---------------------- (١) أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة البصري، وثقه ابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر ترجمته في «الطبقات» ٧/ ٢٨٩. و«التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩ (١٧٠٦). و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠ - ٢١ (١٠٨). و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٤ (٣٥٨٥). ١٢ - باب من جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِىٍّ، وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الُمنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. [٢٧٠ - مسلم: ١١٩٢ - فتح: ١/ ٣٧٦] ٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. [٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥ - مسلم: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٣٧٧] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، ثنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ. قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِن أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. سعيد هذا: هو ابن أبي عَرُوبة (١)، وقد ذكر البخاري حديثه في باب ------------------ (١) واسم أبي عروبة: مهران العدوي، أبو النضر البصري، مولى بني عدي بن يشكر، أحد الأئمة الحفاظ، وكان أحد أحفظ أهل زمانه، كما قال أبو عوانة، أثبت الناس في قتادة كما قال ابن معين والطيالسي وثقه يحيى بن معين والنسائي وأبو زرعة وزاد: مأمون. ومات سنة ست وخمسين ومائة، وقيل: سنة سبع وخمسين. وروى له الجماعة. «الطبقات» ٧/ ٢٧٣. «التاريخ الكبير» للبخاري ٣/ ٥٠٤ (١٦٧٩). و«تهذيب الكمال» ١١/ ٥ (٢٣٢٧) الجنب يخرج ويمشي في السوق (١)، وكذا في النكاح (٢)، وزعم الجياني أن في نسخة الأصيلي (شعبة) بدل (سعيد) قَالَ الأصيلي: وفي عرضنا على أبي زيد بمكة: سعيد، وكذا رواه ابن السكن وغيره، قَالَ أبو علي: وهو الصواب (٣). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ، وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. أما حديث أنس فالكلام عليه من وجوه: أحدها: نسخ البخاري مختلفة في تقديم حديث أنس على حديث عائشة وعكسه، وتقديم حديث عائشة هو ما مشى عليه الشراح: الداودي، وابن بطال، وبعض شيوخنا في شرحه. وحديث أنس أخرجه مسلم من حديث هشام بن زيد، عنه أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد (٤). وهو مطابق لتبويب البخاري دون ما ذكره، وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث حميد عنه (٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» من ---------------- (١) سيأتي برقم (٢٨٤). (٢) سيأتي برقم (٥٠٦٨) باب: كثرة النساء. (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٧٩. (٤) مسلم (٣٠٩) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع. (٥) أبو داود (٢١٨)، والنسائي ١/ ١٤٣، وأحمد ٣/ ١٨٩. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٢): إسناده صحيح على شرط البخاري. حديث ثابت عنه، وقال: غريب والمشهور عن قتادة عنه (١). ولما خرجه الترمذي من حديث قتادة عنه، قال: وفي الباب عن أبي رافع (٢). كذا قال، وحديث أبي رافع معارض لهذا، أخرجه أبو داود بلفظ: أن النبي - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذِه وعند هذِه، فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قَالَ: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤)، قَالَ أبو داود: حديث أنس أصح من هذا، وضعفه ابن القطان (٥)، وأما ابن حزم فصححه (٦). ----------------- (١) ابن خزيمة ١/ ١١٥ (٢٢٩). (٢) الترمذي (١٤٠). (٣) أبو داود (٢١٩)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٦). (٤) رواه النسائي في «الكبرى» ٥/ ٣٢٩ (٩٠٣٥)، وابن ماجه (٥٩٠). (٥) قال في كتاب: «الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٤/ ١٢٦ (١٥٧٠) معقبًا على هذا الحديث قائلًا: وسكت عنه، وهو لا يصح، فإنه عند النسائي من رواية حبان عن حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن فلان بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع ويختلف في عبد الرحمن هذا، فمنهم من يقول ما ذكرناه، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن أبي رافع، كذلك ذكره أبو داود من رواية موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، وموسى أصحب الناس لحماد وأعرفهم بحديثه وأقعدهم به، وهكذا ذكره البخاري في «تاريخه» قال: عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع: طاف النبي - ﷺ - على نسائه في ليلة. قاله شهاب عن حماد بن سلمة. (٦) «المحلى» ١٠/ ٦٨ - ٦٩ وساقه بسنده، ثم قال: ولو لم يأت هذا الخبر لكان الغسل بين كل اثنتين منهن حسنًا؛ لأنه لم يأت عن ذلك نهي. ثانيها: قوله: (يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وفي رواية سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة: في الليلة الواحدة، كما سيأتي في بابه (١). ثالثها: دورانه - ﷺ - عليهن في ذَلِكَ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذَلِكَ عند إقبالهِ من سفره: حيث لا قَسم ملزم؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها سافر بها، فإذا انصرف استأنف القسم بعد ذَلِكَ، ولم تكن واحدة منهن أولى من صاحبتها بالبداءة، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن في وقت، ثم استانف القسم بعد ذَلِكَ. ثانيها: أن ذَلِكَ كان بإذنهن ورضاهن، أو بإذن صاحبة النوبة ورضاها. كنحو استئنذانه لهن أن يُمرَّض في بيت عائشة، قاله أبو عبيد. ثالثها: للمهلب أن ذَلِكَ كان في يوم فراغه من القسم منهن، فيفرغ في هذا اليوم لهن أجمع، ثم يستأنف بعد ذَلِكَ (٢)، وهذِه التأويل إنما يحتاج إليها من يقول بوجوب القسم عليه - ﷺ - في الدوام كما يجب علينا، وهم الأكثرون. وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل، وهو رأي الإصطخري من أصحابنا. وذكر ابن العربي المالكي أن الله خص نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بأشياء في النكاح منها: أنه أعطاه ساعة لا تكون لأزواجه ------------------ (١) سيأتي برقم (٥٠٦٨) كتاب: النكاح، باب: كثرة النساء. (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٢. ![]()
__________________
|
|
#113
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 587 الى صـــ 606 الحلقة (113) فيها حق، يدخل فيها على جميع أزواجه فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها. وفي كتاب مسلم عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر، فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب أو غيره؛ فلذلك قَالَ في الحديث: في الساعة الواحدة من ليل أو نهار (١). رابعها: فيه أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند القيام إلى الصلاة، وهو إجماع، نعم، هل وجب بالتقاء الختانين وإنزال المني أو بالقيام إلى الصلاة أو بالمجموع؟ فيه أوجه لأصحابنا، محل إيضاحها كتب الفروع. خامسها: فيه طهارة بدن الجنب وعرقه. سادسها: قوله: (وَهُنَّ إِحْدى عَشْرَةَ). قَالَ ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة إحدى عشرة، إلا معاذ بن هشام، عن أبيه (٢). وقد ذكر البخاري الرواية الأخرى عن أنس تسع نسوة. وجُمع بينهما بأن أزواجه كن تسعًا في هذا الوقت، كما في رواية سعيد، وسريتاه مارية وريحانة، على رواية من روى أن ريحانة كانت أمة، وروى بعضهم أنها كانت زوجة، وروى أبو عبيد أنه كان مع ريحانة فاطمة بنت شريح. ---------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٣١. (٢) ابن خزيمة ١/ ١١٥ - ١١٦ (٢٣١) ولم أقف على كلامه المشار إليه. قَالَ ابن حبان: حكى أنس هذا الفعل منه في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأن هذا الفعل كان منه مرارًا لا مرة واحدة (١). ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره، حيث اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان، ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة، أولهن خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. ووقع في «شرح ابن بطال» أنه - ﷺ - لا يحل له من الحرائر غير تسع (٢). والأصح عندنا أنه يحل له ما شاء من غير حصر. سابعها: قول أنس: (كُنَّا نتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ). كذا جاء هنا، وفي «صحيح الإسماعيلي» من حديث أبي يعلى، عن أبي موسى، عن معاذ: قوة أربعين. وفي «الحلية» لأبي نعيم، عن مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلًا كل رجل من رجال أهل الجنة (٣). وذكر ابن العربي أنه كان لرسول الله - ﷺ - القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، كما في هذا الحديث، وكان له في الأكل القناعة؛ ليجمع الله -------------------- (١) ذكره ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ١٠ - ١١. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٢. (٣) لم أقف عليه في «الحلية» عن مجاهد، غير أن الحافظ عزاه في «الفتح» ١/ ٣٧٨ لأبي نعيم في «صفة الجنة». وهو في «الطبقات» ١/ ٣٧٤، والذي في «الحلية» ٨/ ٣٧٦ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاني جبريل بقدر يقال له الكفيت، فأكلت منها أكلة فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع». وقال أبو نعيم: غريب، وقال الألباني عنه في «الضعيفة»: باطل. له الفضلين في الأمور الاعتيادية، كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية حتى يكون حاله كاملًا في الدارين (١). ثامنها: فيه جواز الجمع بين الزوجات والسراري -كما قررناه- بغسل واحد، لكن الغسل بعد كل وطء أكمل، وهو حجة لمالك في قوله (٢): إن من ظاهر من أمته لزمه الظهار؛ لأنها من نسائه، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وخالف أبو حنيفة والشافعي في ذَلِكَ (٣). تاسعها: ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٤) وفي رواية لابن خزيمة «وضوءه للصلاة» وفي أخرى له: «فهو أنشط للعود» (٥). ولما خرج الحاكم لفظة «وضوءه للصلاة» وصححها قال: هذِه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما (٦). وفي رواية لابن حزم: «فلا يعود حتى يتوضأ» وصححها، ثم قَالَ: لم نجد لهذا الخبر ما يخصصه ولا ما يخرجه إلى الندب إلا خبرًا ضعيفًا، رواه يحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، -------------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ٢٣١. (٢) «المدونة»٢/ ٣٢٥. (٣) انظر «المبسوط» ٧/ ٣١، و«الأم» ٥/ ٢٦٢. (٤) مسلم (٣٠٨) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع. (٥) ابن خزيمة ١/ ١٠٩ - ١١٠ (٢٢٠، ٢٢١). (٦) «المستدرك» ١/ ١٥٢. عن الأسود، عن عائشة: كان النبي - ﷺ - يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل. وقال بإيجاب الوضوء بقول عطاء وإبراهيم وعكرمة وابن سيرين والحسن (١). قُلْتُ: وفي «المصنف» عن ابن عمر: إذا أردت أن تعود توضأ. وروي بإسناده عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يجامع ثم يعود قبل أن يتوضأ، قَالَ: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا، إنما قيل ذَلِكَ؛ لأنه أحرى قبل أن يعود (٢)، وهذ خلاف ما نقله ابن حزم عنهما (٣). وقال أبو عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه، إلا طائفة من أهل الظاهر. وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه خلاف الحائض (٤). قُلْتُ: ونقل النووي عن ابن حبيب المالكي وجوبه (٥). وقال أبو عوانة في «صحيحه»: يعارض هذا الخبر حديث ابن عباس مرفوعًا: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (٦) إن كان صحيحًا عند أهل الحديث. وقال الطحاوي: حديث الأسود السالف هو المعمول به. وقال الضياء المقدسي والثقفي في «نصرة الصحاح»: هذا كله مشروع جائز، من شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ بالآخر. ----------------- (١) «المحلى» ١/ ٨٨. (٢) ابن أبي شيبة ١/ ٧٩ (٨٧٢، ٨٧٣). (٣) «المحلى» ١/ ٨٨. (٤) «التمهيد» ١٧/ ٣٤. (٥) «شرح مسلم» ١/ ٢١٧. (٦) قاله في «مسنده» ١/ ٢٣٦ عقب رواية أنس: أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد، وأما حديث ابن عباس فقد رواه أبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي = قُلْتُ: ولا يمكن حمل حديث أبي سعيد على غَسْلِ الفرج، وإن كان روي «إذا أتى أحدكم أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه» قَالَ الترمذي، عن البخاري: الصحيح موقوف على عمر (١)، ولا شك في تأكد غسل الفرج، لاسيما إذا أراد جماع من لم يجامعها. وأما حديث عائشة (٢): فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه قريبًا أيضًا كما ستعلمه (٣)، وأخرجه مسلم في المناسك (٤). ------------------- = (١٨٤٧)، والنسائي ١/ ٨٥ - ٨٦، وأحمد ١/ ٢٨٢، وابن خزيمة ١/ ٢٣ (٣٥)، وأبو عوانة ١/ ٢٣٦ (٧٩٩)، والطبراني ١١/ ١٢٢ (١١٢٤١)، والبيهقي ١/ ٣٤٨ (١٦٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» ١١/ ٢٨٣ (٢٨٣٠). وصححه الألباني في «صحيح الجامع»: (٢٣٣٧)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح). (١) رواه الترمذي (١٤١) من طريق عاصم الأحول عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ وضوءًا». قال: وفي الباب عن عمر، ثم قال: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب. أما حديث عمر فقد رواه مرفوعًا في «العلل» ١/ ١٩٦ - ١٩٧ (٤٤). من طريق أبي المستهل عن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعود فليغسل فرجه». ثم قال سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو خطأ، لا أدري من أبو المستهل، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان عن سليمان بن ربيعة عن عمر قوله وهو الصحيح، وروى عاصم عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ أخرجه النسائي أيضًا. (٣) سيأتي برقم (٢٧٠) باب: من تطيب، ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. (٤) مسلم (١١٩٢) كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، راويه: همداني ثقة قلت: ثقة نبيل. ووالده (ع): تابعي ثقة (١). وابن أبي عدي (ع): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري ثقة. مات سنة أربع وتسعين ومائة (٢). ثانيها: في بعض طرق الحديث عن محمد بن المنتشر قَالَ: سألت ابن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا. فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا؛ لأن أطَّلِيَ بقطران أحبُّ إليَّ من أن أفعل ذَلِكَ. فدخلت على عائشة فأخبرتها بما قَالَ ابن عمر، فقالت عائشة الحديث (٣). وهو مبين لرواية البخاري هنا، وقد ذكر بعد ذَلِكَ قريبًا منها (٤). ثالثها: قولها: (ينضخ طيبًا) هو بالخاء المعجمة، أي: يفور. ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء بالمهملة، قَالَ الإسماعيلي: وكذا ضبطه عامة ------------------- (١) روى عن أنس، وابيه، وعنه أبو حنيفة النعمان وأبو عوانة. وثقه النسائي، وقال أحمد وأبو حاتم: ثقة صدوق. وزاد أبو حاتم: صالح. روى له الجماعة كلهم. «التاريخ الكبير» ١/ ٣٢٠ (١٠٠٢)، و«الجرح والتعديل» ٢/ ١٢٤ (٣٨٣)، و«الثقات» لابن حبان ٦/ ١٤، و«تهذيب الكمال» ٢/ ١٨٣ (٢٣٥). (٢) أبو عمرو البصري، السلمي مولاهم، ويقال له: القسملي؛ لأنه نزل في القساملة، وثقه أبو حاتم والنسائي وابن سعد. روى له الجماعة انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٢، و«الجرح والتعديل» ٧/ ١٨٦ (١٠٥٨)، و«تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٢١ (٥٠٢٩) (٣) روى هذا الطريق مسلم (١١٩٢) في الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٤) سيأتي برقم (٢٧٠) باب: من تطيب، ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. من حدثنا، وهما متقاربان في المعنى. قَالَ ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: المعجمة: الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه، وقيل: بالمعجمة: ما فعل متعمدًا وبالمهملة: من غير تعمد (١). وذكر صاحب «المطالع» عن ابن كيسان أنه بالمهملة لما رَقَّ كالماء، وبالمعجمة: لما ثخن كالطيب، وقال النووي: هو بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل عكسه (٢). وقال ابن بطال: من رواه بالخاء، فالنضخ عند العرب كاللطخ، يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل. وفي كتاب «الأفعال»: نضخت العين بالماء نضخًا إذا فارت، واحتج بقوله تعالى: ﴿عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، ومن رواه بالحاء فقال صاحب «العين»: نضحت العين بالماء إذا رأيتها تفور (٣). وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها تغرورق (٤). رابعها: قولها (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)، فيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهذا مذهب الشافعي (٥). -------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٧٠. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١٠٣. (٣) «العين» ٣/ ١٠٦ مادة: نضح. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٣. (٥) «الأم» ٢/ ١٢٩. وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء منهم: سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة (١) وأبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم (٢). وقال آخرون بمنعه، منهم: الزهري ومالك ومحمد بن الحسن، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وادعى بعضهم أن هذا التطيب كان للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذِه الرواية تقديمًا وتأخيرًا، التقدير: فيطوف على نسائه ينضخ طيبًا ثم يصبح محرمًا، وجاء ذَلِكَ في بعض الروايات. والطيب يزول بالغسل لاسيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن، وكان هذا الطيب ذريرةً، كما أخرجه البخاري في اللباس (٣)، ومسلم أيضًا (٤)، وهو مما يذهبه الغسل. ويرد هذا رواية البخاري الآتية قريبًا: طيبت رسول الله - ﷺ -، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا (٥). وروايته الآتية: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه وهو محرم (٦)، وفي بعض الروايات: بعد ثلاث. ----------------- (١) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ١٩٨ - ٢٠٠ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٠ - ١٣٢. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ١٢٣. (٣) سيأتي برقم (٥٩٣٠) كتاب: اللباس، باب: الذريرة. (٤) مسلم (١١٨٩) كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٥) ستأتي رقم (٢٧٠) باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. (٦) ستأتي رقم (٢٧١) باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب. وقال القرطبي: هذا الطيب كان دهنًا له أثر فيه مسك، فزال وبقيت رائحته (١). ورواية الوبيص ترد ما ذكره، وادعى بعضهم خصوصية ذَلِكَ بالشارع، فإنه، أمر صاحب الجُبَّة بغسله. وقَالَ المهلب: السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان - ﷺ - أملك لإربه من سائر أمته؛ ولذلك - كان لا يتجنب الطيب في الإحرام، ونهانا عنه؛ لضعفنا عن ملك الشهوات، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع يفسد الحج، فمنع فيه الطيب لسد الذريعة (٢). خامسها: قولها: (فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ)، هو كناية عن الجماع، وإن كان يحتمل أن يكون لتفقد حالهن، لاسيما وكان في أهبة الخروج للسفر، وظاهره أنه كان في ليلة واحدة، ويحمل على رضاهن، أو على أنه لم يكن القسم واجب عليه. كما سلف. سادسها: قد يجتج به من لا يوجب الدلك في الغسل؟؛ لأنه لو تدلك لم ينضخ منه الطيب، ويجوز أن يكون دلكه لكنه بقي وبيصه، والطيب إذا كان كثيرًا ربما غسله فذهب وبقي وبيصه. ----------------- (١) «المفهم» ٣/ ٢٧٤. (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٥. ١٣ - باب غَسْلِ المَذْيِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمِكَانِ ابنتِهِ، فَسَأَلَ، فَقَالَ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ». [انظر: ١٣٢ - مسلم ٣٠٣ - فتح: ١/ ٣٧٩] ذكر فيه حديث علي، وقد سلف في كتاب العلم بفوائده (١)، فراجعه منه. وأبو حَصين (ع) المذكور في إسناده بفتح الحاء، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي، ثقة ثبت، صاحب سنة (٢). وأبو عبد الرحمن (ع) راويه عن علي: هو عبد الله بن حبيب السلمي مقرئ الكوفة، مات مع ابن الزبير (٣). ---------------- (١) سبق رقم (١٣٢) باب: من استحيا فأمر غيره بالسؤال. (٢) ويقال: عثمان بن عاصم بن زيد بن كثير بن زيد بن مرة، أبو حصين الأسدي الكوفي، من أثبت أهل الكوفة، قال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم منهم: أبو حصين الأسدي. ووثقه العجلي، وابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خراش، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين، وقيل: اثنين وثلاثين ومائة. «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٧). و«معرفة الثقات» ٢/ ١٢٩ (١٢١٣). و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٦٠ (٨٨٣). و«تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٠١ - ٤٠٥ (٣٨٢٨). (٣) هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة -بالتصغير- أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة. كان يقرأ القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج. قال العجلي: وأبو عبد الرحمن السلمي الضرير المقرئ كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى، وقال النسائي: ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٧٢ (١٨٨)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٢٦ (٨٧٠)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٧ (١٦٤)، و«الثقات» ٥/ ٩، و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٠٨ - ٤١٠ (٣٢٢٢). ١٤ - باب مَنْ تَطَيَّبَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ ٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الُمنْتَشِرِ عن أَبِيهِ قَالَ: سَألتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابن عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، ثمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. [انظر: ٢٦٧ - مسلم: ١١٩٢ - فتح: ١/ ٣٨١] ٢٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قال: حدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حدَّثَنَا الَحكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبيِّ - ﷺ - وَهوَ مُحْرِمٌ. [١٥٣٨، ٥٩١٨، ٥٩٢٣ - مسلم: ١١٩٠ - فتح: ١/ ٣٨١] حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ المُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابن عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. هذا الحديث سلف قريبًا من حديث شعبة، عن إبراهيم واضحًا (١). ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبيِّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس (٢)، وأخرجه مسلم في الحج (٣). والوبيص -بالصاد المهملة -: البريق واللمعان (٤)، وقال الإسماعيلي: ------------------ (١) سلف برقم (٢٦٧) كتاب: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد. (٢) سيأتي برقم (٥٩١٨) باب: الفرق. (٣) مسلم (١١٩٠) باب: الطيب للمحرم عند الإحرام. (٤) «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ١٤٦. وبيصه: تلألؤه، وذلك لعين قائمة لا لريح فقط، وقال ابن التين: هو مصدر وبص يبص وبيصًا. قَالَ: وقال أبو سليمان -يعني الخطابي- في «أعلامه»: وبض (١) مثله (٢)، ولم يذكره أحد غيره فيما علمت بالضاد المعجمة، والحديثان ظاهران فيما ترجم لهما. -------------- (١) ورد بهامش الأصل: كذا رأيته في أصل المؤلف شيخنا وكذا قرأته عليه، والظاهر أنه بمهملة، ورأيته بغير نقطة في «الأعلام» للخطابي. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣٠٥. ١٥ - باب تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ ٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثمَّ اغْتَسَلَ، ثُّمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوى بَشَرَتَهُ، أفَاضَ عَلَيْهِ الَماءَ ثَلَاثَ مَرَّاتِ، ثمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. [انظر: ٢٤٨ - مسلم: ٣١٦ - فتح: ١/ ٣٨٢] ٢٧٣ - وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٣٨٢] ثم ساق حديث عائشة فيه. وقد سلف من حديث مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة في أول الغسل بفوائده فراجعه (١). ---------------- (١) سبق برقم (٢٤٨) باب: الوضوء قبل الغسل. ١٦ - باب مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرى ٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَضُوءًا لِجَنَابَةِ، فَأكفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الَحائِطِ مَرَّتَيْنِ -أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الَماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَتَيتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧ - فتح: ١/ ٣٨٢] ثم ساق حديث ميمونة قَالَتْ: وُضِعَ لرسول اللهِ - ﷺ - وضوءه للجنابة. الحديث. وقد سلف أيضًا (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: الفضل (ع) بن موسى المذكور في إسناده هو السيناني. مات سنة اثنتين وتسعين ومائة (٢). ------------------- (١) سلف برقم (٢٤٩) كتاب: الغسل، باب: الوضوء قبل الغسل. (٢) أبو عبد الله المروزي، مولى بني قطيعة من بني زبيد من مذحج، وسينان قرية من قرى مرو، قال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو عبد الله الديناري عن أبي نعيم: هو أثبت من ابن المبارك، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١١٧ (٥٢٣)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٦٨ (٣٩٠)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٣١٩، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٢٥٤ - ٢٥٨ (٤٧٥٠). وشيخ البخاري فيه يوسف (خ. م. ت. س) بن عيسى هو الزهري المروزي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين (١). ثانيها: قَالَ الإسماعيلي: بيّن زائدة أن قوله: (للجنابة) من قول سالم الراوي عن كريب، لا من قول ابن عباس، ولا من قول ميمونة. وفي حديث زائدة زيادة ذكر: سترته حتى اغتسل. ثالثها: كيف تستفاد الترجمة من الحديث، وإنما قالت بعد غسل وجهه وذراعيه: (ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده). فدخل في قولها: (ثم غسل جسده)، الأعضاء التي تقدم عليها؛ لأنها من جملة الجسد. ووجه استفادتها مع بعده لغة واحتماله عرفًا أنه لم يذكر إعادة غسلها، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقيته لا جملة، وظن الشارح -أعني: ابن بطال- أن لفظ الحديث في الطريق المتقدمة على الترجمة أبعد بهذِه الترجمة، فإنها قالت فيه: ثم غسل سائر جسده. أي: باقيه. إلا أن يؤول سائر بمعنى: جميع (٢). رابعها: لما نقل ابن بطال الإجماع على سنية الوضوء في غسل الجنابة، شرع يستنبط منه، فقال: لما ناب غسل مواضع الوضوء وهي سنة في الجنابة عن غسلها في الجنابة، وغسل الجنابة فريضة، صح بذلك ----------------- (١) أبو يعقوب المروزي. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٢٧ (٩٥٤)، و«الثقات» ٩/ ٢٨١، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠ (٧١٤٨) (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٩. قول أشهب وجماعة عن مالك أن غسل الجمعة يجزئه عن الجنابة، وهو خلاف رواية ابن القاسم (١). ووجهه المهلب: بأن الشارع لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء عن أن يغسلها مرة أخرى عن الجنابة دل أن الطهارة إذا نُوي بها رفع الحدث أجزأت عن كل معنى يراد به الاستباحة. ولهذا الحديث -والله أعلم- قَالَ عطاء: إذا غسلت كفيَّ قبل إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين في الوضوء. قَالَ: وفي هذا الحديث أيضًا حجة لأحد قولي مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، وأراد أن يجدد الوضوء للعصر، فلما صلاها تذكر أن الوضوء الأول قد انتقض، فقال مالك: تجزئه صلاته. وهو الصواب؛ لأن الوضوء عنده للسنن يجزئ به صلوات الفرائض، وقال مرة: لا يجزئه. ومثل هذِه المسألة اختلاف ابن القاسم وابن الماجشون فيمن صلى في بيته، ثم صلى تلك الصلاة في المسجد، فذكر أنه كان في الأولى على غير وضوء، فقال ابن القاسم: يجزئه. وقال ابن الماجشون: لا يجزئه. والصواب الأول (٢)، بدليل هذا الحديث؛ لأنه وإن كان صلاها على طريق الفضيلة فإنه نوى بها تلك الصلاة بعينها، والقربة إلى الله تعالى بتأديتها، كما نوى بغسل مواضع الوضوء القربة إلى الله تعالى، ولم يحتج إلى إعادتها في الغسل من الجنابة. ----------------- (١) «المنتقى» ١/ ٥٠. (٢) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ٣٢٧. وقد قَالَ ابن عمر للذي سأله عن الذي يصلي في بيته، ثم يصليها في المسجد، أيهما أجعل صلاتي؟ قَالَ: أو ذاك إليك؟! ذاك إلى الله تعالى يجعل أيتهما شاء (١) (٢). --------------- (١) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٠٢. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٨٧ - ٣٨٩. ١٧ - باب إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمُّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَينَا وَرَأسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّينَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأوزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [٦٣٩، ٦٤٠ - مسلم: ٦٠٥ - فتح: ١/ ٣٨٣] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شهاب، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُهْرِيِّ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة (١)، وأما حديث معمر فأخرجه أبو داود، عن (مخلد بن خالد) (٢)، عن إبراهيم بن خالد -إمام مسجد صنعاء- عن رباح بن زيد، عنه (٣). ------------------- (١) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟ (٢) وقع في الأصل: خالد بن مخلد، والصواب ما أثبتناه كما في «سنن أبي داود» (٢٣٥). (٣) أبو داود (٢٣٥). وأما حديث الأوزاعي فذكره مسندًا في الصلاة في باب إذا قَالَ الإمام: مكانكم. عن إسحاق، عن محمد بن يوسف، عنه (١). وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب (٢). وأبو داود عن المؤمل بن الفضل، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عنه (٣). قلتُ: وتابعه الزُبيدي، وصالح بن كيسان، وابن عيينة كلهم عن الزهري. رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي (٤). ورواه البخاري في الصلاة، في باب: هل يخرج من المسجد لعلة، من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح (٥). ومتابعة ابن عيينة ذكرها الإسماعيلي. ثانيها: عبد الله (خ. ت) بن محمد: هو: المسنَدِي الحافظ، مات بعد المائتين (٦). وعثمان (ع) بن عمر: هو العبدي البصري صالح ثقة. مات سنة تسع ومائتين (٧). -------------- (١) سيأتي برقم (٦٤٠) كتاب: الأذان. (٢) مسلم (٦٠٥) كتاب: المساجد، باب: متى يقوم الناس للصلاة؟ (٣) أبو داود (٢٣٥). (٤) أبو داود (٢٣٥) والنسائي ٢/ ٨١. (٥) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الآذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟ (٦) سبق ترجمته في حديث (٩). (٧) هو عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي، أبو محمد، وقيل: أبو عدي، وقيل: أبو عبد الله، البصري. يقال: أصله من بخارى. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: رجل صالح ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: أصله بخارىٌّ. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٤٠ (٢٢٧٤)، و«معرفة الثقات» ٢/ ١٣٠ = ويونس: هو ابن يزيد سلف، وكذا باقي الإسناد. ثالثها: قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ). وفي رواية: فعدِّلت الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله - ﷺ - (١). فيه تعديل الصفوف، وهو إجماع، وقال ابن حزم: فرض على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراص فيها (٢)، والمحاذاة بالمناكب والأرجل. رابعها: قوله: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) هو موافق لرواية: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج. وأما حديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٣). فوجهه أن بلالًا كان يراقب خروجه من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، فلا يقوم الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدل الصفوف، وأخذ المصاف قبل الخروج لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر. ولعل قوله: «فلا تقوموا حتى تروني» بعد ذلك، والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه. ------------------- = (١٢١٦)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ١٥٩ (٨٧٧)، و«الثقات» ٨/ ٤٥١، و«تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٦١ - ٤٦٣ (٣٨٤٨). (١) رواها النسائي ٢/ ٨٩. (٢) «المحلى» ٤/ ٥٢. (٣) سيأتي برقم (٦٣٧) كتاب: الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ ![]()
__________________
|
|
#114
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 607 الى صـــ 626 الحلقة (114) وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قَالَ المؤذن: قد قامت الصلاةُ. وبه قَالَ أحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يقومون في الصف إذا قَالَ: حي على الصلاة، فإذا قَالَ: قد قامت الصلاة. كبر الإمام (١)، وحكاه ابن أبي شيبة، عن سويد بن غفلة، وقيس بن أبي سلمة، وحماد (٢)، وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. خامسها: قوله: (فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ). وفي رواية: قبل أن يكبر (٣). وفي رواية أخرى في البخاري: وانتظرنا تكبيره (٤). ولابن ماجه: قام إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قَالَ: «إنِّي خرجت إليكم جنبًا، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة» (٥). وفي رواية للدارقطني من حديث أنس: دخل في صلاة فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم. «كما أنتم» (٦). وفي رواية لأحمد من حديث -------------------- (١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٩٦ - ١٩٧، «المجموع» ٣/ ٢٣٣، «المغني» ٢/ ١٢٣. (٢) «المصنف» ٣٥٥/ ١ (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٨). (٣) رواه مسلم برقم (٦٠٥) كتاب: المساجد، متى يقوم الناس للصلاة؟ (٤) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟ (٥) ابن ماجه (١٢٢٠). (٦) الدارقطني ١/ ٣٦٢. علي: كان قائمًا يصلي بهم، إذ انصرف (١). وفي رواية لأبي داود من حديث أبي بكرة: دخل في صلاةِ الفجر، فأومأ بيده أن: مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم (٢)، وفي أخرى له مرسلة: فكبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. وفي مرسل ابن سيرين وعطاء والربيع بن أنس: كبر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا. واختلف في الجمع بين هذِه الروايات، فقيل: أراد بقوله: (كبر): أراد أن يكبر، عملًا بالرواية السالفة: وانتظرنا تكبيره. وقيل: إنهما قضيتا، أبداه القرطبي احتمالًا (٣)، وقال النووي: إنه الأظهر (٤). وأبداه ابن حبان في «صحيحه» فقال بعد أن أخرج الروايتين من حديث أبي هريرة وحديث أبي بكرة: هذان فعلان في موضعين متباينين، خرج - ﷺ - مرة فكبر، ثم ذكر أنه جنب، فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنف بهم الصلاة، وجاء مرة أخرى: فلما وقف ليكبر ذى أنه جنب قبل أن يكبر، فذهب فاغتسل، ثم رجع فأقام بهم الصلاة، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر (٥) قَالَ: وقول أبي بكرة: فصلى بهم، أراد بدأ بتكبير محدث، لا أنه رجع فبنى على صلاته، إذ محالٌ أن يذهب - ﷺ - ليغتسل ويبقى الناس كلهم قيامًا على حالتهم من غير إمام إلى أن يرجع (٦). ------------------- (١) «المسند» ١/ ٨٨، ٩٩. (٢) أبو داود (٢٣٣). (٣) «المفهم» ٢/ ٢٢٨. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٥/ ١٠٣. (٥) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٨ عقب الرواية (٢٢٣٦). (٦) المصدر السابق ٦/ ٦ عقب الرواية (٢٢٣٥). سادسها: يستفاد من رواية الإيماء والإشارة؛ أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب مالك، كما حكاه القرطبي، وجواز البنَاء في الحدث، وهو قول أبي حنيفة، لكن إنما يتم ذلك إذا ثبت فعلًا أنه لم يكبر حين رجوعه، بل الذي في الصحيحين أنه كبر بعدما اغتسل عند رجوعه. قَالَ القرطبي: والمشكل على هذِه الرواية إنما هو وقوع العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا. قَالَ: وإنما قلنا: إنهم كبّروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأموم يقع عقب تكبير إمامه، ولا يؤخر عن ذلك إلا القليل من أهل الغلو والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قَالَ: إنه خاص بالنبي - ﷺ -. قَالَ: وروى عنه بعض أصحابنا أن هذا العمل من قبل اليسير، فيجوز مثله. وقال ابن نافع: إن المأموم إذا كان في الصلاة فأشار إليه إمامه بالمكث، فإنه يجب عليه انتظاره حتى يأتي فيتم بهم أخذًا بهذا الحدث (١). قَالَ: والصحيح من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه - ﷺ - ذكر قبل أن يكبر وقبل أن يدخل في الصلاة، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وأقصى ما فيه أن يقال: لم أشار إليهم ولم يتكلم؟ ولم انتظروه قيامًا؟ والجواب أنه لا نسلم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذِه الرواية أنه ------------------ (١) «المفهم» ٢/ ٢٣٠. قَالَ لهم: «مكانكم» وفي أخرى: أنه أومأ إليهم. فيجمع بينهما بأنه جمع بين القول والإشارة؛ تأكيدًا لملازمة القيام، أو روى الراوي أحدهما بالمعنى. وملازمتهم القيام امتثال لأمره، وأمرهم بذلك ليشعر بسرعة رجوعه؛ حتى لا يتفرقوا ولا يزيلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة، ولما رجع بَنَى على الإقامة الأولى، أو استأنف إقامة أخرى لم يصح فيه نقل. والظاهر أنه لو وقعت إقامة أخرى لنقلت، وحينئذ يحتج به من يرى أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال (١). سابعها: فيه جواز النسيان في العبادات على الأنبياء، وقد روي عنه - ﷺ -: «إني لأنسى-أو أنسَّى- لأسُنَّ» (٢). ثامنها: فيه -كما قَالَ ابن بطال- حجة لمالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء (٣). قَالَ: والشافعي أجاز تكبير المأموم قبل إمامه، أي: فيما إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الاقتداء في أثناء صلاة؛ لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار ----------------- (١) انظر: «المفهم» ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠. (٢) ذكره مالك في «الموطأ» ص ٨٣. قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٣٧٥ أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي - ﷺ - بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه -والله أعلم- وهو أحد الأحاديث الأربعة في «الموطأ» التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة -والله أعلم- ومعناه صحيح في الأصول. (٣) «المدونة» ١/ ٦٧. أنه - ﷺ - كبر في صلاةٍ من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا، فلما قدم كبر (١). والشافعي لا يقول بالمرسل، ومالك الذي رواه لم يعمل به؛ لأنه صح عنده أنه لم يكبر (٢). وزعم ابن حبيب أن هذا خاص به - ﷺ -، ولعله أمرهم بنقض إحرامهم الأول، وابتدأ الإحرام بعد إحرامه الثاني، وهكذا فسره مطّرِف وابن الماجشون وغيرهما، وهو قول مالك أيضًا. تاسعها: زعم بعض التابعين أن الجنب إذا نسي فدخل المسجد وذكر أنه جنب يتيمم ثم يخرج، وهو قول الثوري وإسحاق (٣). والحديث يرد عليهما، وكذا قول أبي حنيفة (٤) في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد فيستقي، ثم يخرج الماء من المسجد، والحديث يدل على خلاف قوله؛ لأنه لما لم يلزمه التيمم للخروج. وكذا من اضطر إلى المرور فيه جنبًا لا يحتاج إلى التيمم؛ لأن الحديث فيه الخروج لا الدخول، وفي «نوادر ابن دريد» عن بعض أصحابه فيما حكاه ابن التين: من نام في المسجد ثم احتلم ينبغي أن يتيمم لخروجه، وهذا الحديث يرد عليه. ---------------- (١) «الموطأ» ص ٥٥، ونصه: كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء. (٢) «شرح ابن بطال» ٢٦٦/ ٢. (٣) «المغني» ١/ ٢٠٠. (٤) «المبسوط» ١/ ١١٨. وقد اختلف العلماء في مرور الجنب في المسجد، فرخص فيه جماعة من الصحابة: علي (١) وابن مسعود وابن عباس، وقال جابر: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب (٢). وممن روي عنه إجازة دخوله عابر سبيل ابن المسيب وعطاء والحسن (٣) وسعيد بن جبير، وهو قول الشافعي (٤)، ورخصت طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، قَالَ زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يحتبون في المسجد وهم جنب (٥). وروى سعيد بن منصور في «سننه» بسند جيد عن عطاء: رأيت رجالًا من الصحابة يجلسون في المسجد وعليهم الجنابة إذا توضئوا للصلاة (٦). وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر، وقال مالك والكوفيون: لا يدخل فيه الجنب [إلا] (٧) عابر سبيل (٨). وروي عن ابن مسعود أيضًا أنه كره ذلك للجنب، وقال المزني وداود: يجوز له المكث فيه مطلقًا، فالمسلم لا ينجس، واعتبروه بالمشرك. ---------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٣٥ (١٥٥١). (٢) رواه ابن خزيمة ٢/ ٢٨٦ (١٣٣١)، والبيهقي ٢/ ٤٤٣. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ١٣٥ (١٥٥٥، ١٥٥٨، ١٥٦٠). (٤) «الأم» ١/ ٤٦. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٣٥ (١٥٥٧)، ولفظه: كان الرجل منهم يجنب ثم يدخل المسجد فيحدث فيه. (٦) «سنن سعيد بن منصور» ٤/ ١٢٧٥ (٦٤٦). (٧) في الأصل: ولا، والمثبت من «الأوسط». (٨) «الأوسط» ٢/ ١٠٧. وفي الصحيح «إن حيضتك ليست في يدك» (١) وحديث الوليدة التي كان لها حِفشٌ في المسجد (٢)، وحديث تمريض سعد فيه، وسيلان دمه فيه (٣). وحديث وفد ثقيف من «صحيح ابن خزيمة»، وإنزالهم المسجد (٤)، وكان أهل المسجد وغيرهم يبيتون في المسجد. واحتج من أباح العبور بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] أي: لا تقربوا مواضعها. ووردت أحاديث تمنع الجنب منه، وكلها متكلم فيها. وأجاب من منع: بأن المراد بالآية نفس الصلاة، وحملها على مكانها مجازًا، وحملها على عمومها، أي: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذِه الحال، إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلّوا. وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس أن المراد بعابر السبيل: المسافر يعدم الماء، يتيمم ويصلي، والتيمم لا يرفع الجنابة، فأبيح لهم الصلاة به تخفيفًا. قَالَ ابن بطال: ويمكن أن يستدل من هذِه الآية لقول الثوري ------------------ (١) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجليه، وأبو داود (٢٦١). والترمذي (١٣٤)، والنسائي ١/ ١٤٦، وأحمد ٦/ ٤٥. (٢) سيأتي برقم (٤٣٩) كتاب: الصلاة، باب: نوم المرأة في المسجد. (٣) سيأتي برقم (٤٦٣) كتاب: الصلاة، باب: الخمية في المسجد للمرضى وغيرهم. (٤) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ٢٨٥ (١٣٢٨) عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله - ﷺ - فأنزلهم المسجد حتى يكون أرق لقلوبهم. قال الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة»: إسناده ضعيف، فيه عنعنه الحسن. ورواه أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٤/ ٢١٨. وإسحاق السالف، وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد والصلاة فيه، إلا بالتيمم، وذلك لضرورة وأنه لا يقدر على ماء، فكذلك الذي يجنب في المسجد لا يخرج إلا بعد التيمم؛ لأنه مضطر لا ماء معه، فأشبه المسافر العابر سبيل المذكور في الآية لولا ما يعارضه من حديث أبي هريرة المفسر لمعنى الآية لجواز خروجه من المسجد دون تيمم، ولا قياس لأحد مع مجيء السنن، وإنما يفزع إلى القياس عند عدمها (١). عاشرها: فيه طهارة الماء المستعمل؛ لأنه خرج ورأسه يقطر. وفي روايةٍ أخرى: ينطف (٢)، وهي بمعناها (٣). ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٠ - ٣٩١. (٢) سيأتي برقم (٦٣٩) كتاب: الأذان، باب: هل يخرج من المسجد؟ (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ٩ من ٢ من تجزئة المصنف. ١٨ - باب نَفْضِ اليَدِ مِن غسلِ الجَنَابَةِ ٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأخُذهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنَا أَبُو حَمْزَةَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فذكر حديث ميمونة. وفي آخره: فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأُخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. وقد سلف واضحًا بالكلام عليه. وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون السكري (١). ومقصوده بالترجمة ألا يتخيل أن مثل هذا الفعل لإطراح العبادة ونقض له، فنبه أن هذا جائز، ونبه أيضًا على بطلان قول من زعم أن تركه المنديل من قبل إبقاء أثر العبادة عليه وأن لا يمسحها. وقد ظن المهلب هذا احتمالًا، والترجمة تأباه وتبين أن هذا ليس مغزاه، وإنما ترك المنديل -والله أعلم- خوفًا من فعل المترفين (٢). --------------------- (١) روى عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، وثقه عباس الدُّوري والنَّسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات»، مات سنة ثمان وستين ومائةٍ، وهو من أهل مرو، يقال: سُمي بالسكري؛ لحلاوة كلامِه. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٧١، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٣٤ (٧٣٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٨١ (٣٣٨)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٤٢٠، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥٤٤ (٥٦٥٢). (٢) انظر «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. ١٩ - باب مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رأسِهِ الأَيْمَنِ فيِ الغُسْلِ ٢٧٧ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبرَاهِيمُ بن نَافِعٍ، عَنِ الَحسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. [فتح: ١/ ٣٨٤] حَدَّثنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، ثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. هذا الحديث من أفراد البخاري بهذا اللفظ، وقد سلف فقهه (١)، وأن البداءة بالأيمن في الغسل مطلوبة. وصفية (ع) هذِه: بنت شيبة حاجب البيت ابن عثمان بن أبي طلحة العبدري، يقال: لها رؤية، وحديثها عن النبي - ﷺ - في السنن خلا الترمذي. وذكرها ابن عبد البر وابن السكن في الصحابة، وخرج لها البخاري في «صحيحه» (٢) في الجنائز عن النبي - ﷺ - (٣). ماتت في خلافة الوليد (٤). ------------------- (١) سلف في الحديث رقم (٢٥٨) باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل. (٢) ورد بهامش الأصل: وقال: أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي - ﷺ - مثله. (٣) سيأتي حديثها بعد حديث رقم (١٣٤٩) باب: الإذخر والحشيش في القبر. تعليقًا. (٤) انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٢٧ (٣٤٤١)، «أسد الغابة» ٧/ ١٧٢ (٧٠٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٣٤٨ (٦٥٣). والحسن (خ، م، د، س، ق) بن مسلم هو ابن ينَّاق، ثقة. مات قبل طاوس (١). وإبراهيم بن نافع: هو المكي المخزومي ثقة ثبت (٢). وخلاد سلمي كوفي ثقة. مات سنة سبع عشرة ومائتين (٣) (٤). ------------------- (١) المكيُّ الثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في «الطبقات» ٥/ ٤٧٩، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٠٦ (٢٥٦٥)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٦ (١٥٥)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٣٢٥ (١٢٧٥). (٢) أبو إسحاق المكيُّ، قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ بمكة ووثَّقه ابن معين. روى له الجماعة. «التاريخ الكبير» ١/ ٣٣٢ (١٠٤٧)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٥، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٢٧ (٢٦٠). (٣) أبو محمد الكوفيُّ، سكن مكة، وثَّقه أحمد بن حنبل، ولكن كان يرى شيئًا من الإرجاء، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: صدوق إلا أن في حديثه غَلَطًا قليلًا، وقال أبو حاتم: ليس بذاك المعروف، محلُّه الصِّدق، وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال ابن حجر في «التقريب»: نزيل مكة، صدوق رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة، وقيل سنة سبع عشرة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٨٩ (٦٣٨)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٦٨ (١٦٧٥)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٣٥٩ (١٧٤١)، «التقريب» ص ١٩٦ (١٧٦٦) (٤) بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. ٢٠ - باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». ٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالَحْجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَربًا بِالَحْجَرِ. [٣٤٠٤، ٤٧٩٩ - مسلم: ٣٣٩ - فتح: ١/ ٣٨٥] ٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا». [٣٣٩١، ٧٤٩٣ - فتح:١/ ٣٨٧] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث بهز، وذكره معلقًا فقال: وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». ثانيها وثالثها: حديث أبي هريرة أن موسى وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما كانا يغتسلان عراة، لكن كانا يستتران عن أعين الناس. وهما دليلان لقوله: (مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانَا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ)، ولا خلاف أن التستر أفضل كما قاله. وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة قَالَ مالك والشافعي وجمهور العلماء (١) ومنعه ابن أبي ليلى (٢)، وحكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا، فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مئزر، واحتج بحديث ضعيف لم يصح عن النبي - ﷺ -: «لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرًا» (٣). وروى ابن وهب عن ابن مهدي، عن خالد بن حميد عن بعض أهل الشام أن ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا سئل عن ذلك قَالَ: إنَّ له عامرًا، وروى برد عن مكحول، عن عطية مرفوعًا: «من اغتسل بليل في فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك، فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه» (٤). -------------------- (١) انظر «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥، «المجموع» ٢/ ٢٢٧، «المغني» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧. (٢) انظر «المجموع» ٢/ ٢٢٨. (٣) من حديث جابر رواه ابن خزيمة ١/ ١٢٤ (٢٤٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٣٤٣ (١٨٠٧)، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٣١٢ وقال بعد أن رواه من طريق حماد بن شعيب: ولا يتابعه عليه إلا من هو دونه ومثله، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٦، ١٦٣، والحاكم ١/ ١٦٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأنه على شرط مسلم. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٠٤): بل هو ضعيف الإسناد، لأن الهمداني هذا لم يخرج له مسلم، وهو مختلف فيه، قال الحافظ: صدوق يخطئ. وأبو الزبير -وإن أخرج له مسلم- فهو مدلس، وقد عنعنه. (٤) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول». انظر: «ضعيف الجامع» (١٥٦٥). وفي مرسلات الزهري فيما رواه أبو داود في: «مراسيله» عنه عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لا تغتسلوا في الصحراء إلا أن تجدوا متوارى، فإن لم تجدوا متوارى، فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمي الله تعالى ويغتسل فيها» (١). وفي «سنن أبي داود» من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَراز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» وأخرجه النسائي (٢)، ونص أحمد فيما حكاه ابن تيمية على كراهة دخول الماء بغير إزار (٣). وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد قيل لهما وقد دخلا الماء عليهما بُردان، فقالا: إن للماء سكانًا. قال إسحاق: ولو تجردا رجونا ألا يكون إثمًا، واحتج بتجرد موسى - عليه السلام -. فأما حديث بهز فهو بعض حديث طويل أخرجه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود في الحمام، والترمذي في الاستئذان في موضعين، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح من حديث بهز، عن أبيه، عن جده. وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري له صحبة، قلتُ: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قَالَ: ------------------ (١) «المراسيل» ص ٣٢٩ (٤٧٢). (٢) أبو داود (٤٠١٢)، والنسائي ١/ ٢٠٠، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٥٦). (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٣٣٩. «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض قَالَ: «إن استطعت أن لا تريها أحد فلا تريها» قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا، قَالَ: «فالله أحق أن يستحيى منه من الناس» (١). قَالَ الترمذي: حسن. قَالَ أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: يريد بقوله: «فالله أحق أن يستحيى منه من الناس». أن لا يغتسل أحد في الفلاة، وهذا حرج. وحديث أيوب أسمح وأثبت وأحسن، ولعله يريد بقوله: «أحق أن يستحيى منه» بمعنى: أن لا يعصى حياء منه. وقال ابن بطال: الحديث محمول عند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر في الخلوة لا على الإيجاب (٢). فرع: حكى الماوردي خلافًا للناس في أن ستر العورة واجب بالعقل أم بالشرع؟ وعلى الأول: المعتزلة، وعلى الثاني: أهل السنة، ولا شك أن جبلة الشخص كارهة لذلك، لكن الشرع هو الحاكم. فائدة: بهز هذا قد عرفت والده وجده مما ذكرته لك، وقد وثقه جماعة، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا (٣). ------------------- (١) رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، (٢٧٩٤)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٣١٣ (٨٩٧٢)، وابن ماجه (١٩٢٠). (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٥. (٣) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٢/ ٢٥٤. ووالده حكيم، قَالَ النسائي: ليس به بأس (١). وجده معاوية له صحبة كما سلف. وأما حديث أبي هريرة الأول فقال البخارج: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: والله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْبًا». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والله إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (٢)، ------------------- (١) بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، روى عن أبيه عن جده، وعن زرارة بن أوفي، روى عنه إسماعيل ابن علية وأصبغ وغيره. وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي، وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذة لا متابع له فيها، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٢ (١٩٨٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٣٠ (١٧١٤)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٢٥٩ (٧٧٥). (٢) مسلم (٣٣٩/ ٧٥) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، وبرقم (٣٣٩/ ١٥٥) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -. وأخرجه البخاري بمعناه في أحاديث الأنبياء والتفسير (١)، ويأتي -إن شاء الله- من طريق محمد بن سيرين والحسن، وخلاس بن عمرو، عن أبي هريرة (٢). وكذلك مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة (٣). ثانيها: إسحاق هذا: هو ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، نسبه البخاري إلى جده. مات بعد المائتين (٤)، كان ينزل ببني سعد، وقيل: كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد (٥)، وعن المنذري أنه ضبطه بضم السين والغين المعجمة، ونقله عن بعض علماء (…) (٦). ثالثها: قوله: («كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ») أي: جماعتهم، وكذلك أدخل عليهم التأنيث مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]. رابعها: قوله: («يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ») يحتمل أن هذا --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. وبرقم (٤٧٩٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٤) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٣) «صحيح مسلم» (٣٣٩/ ١٥٦) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة اثنتين وثلاثين. (٥) قال عنه ابن حجر: صدوق من الحادية عثرة. وانظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٨٠ (١٢١٢)، و«تهذيب الكمال» ٢/ ٣٨٨ (٣٣٣)، و«تقريب التهذيب» (٣٣٣). (٦) طمس في الأصل. كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى يتركه تنزهًا واستحبابًا وحياء ومروءة. ويحتمل أنه كان حرامًا في شرعهم، كما هو حرام في شرعنا، وكانوا يتساهلون فيه، كما يتساهل فيه كثير من أهل شرعنا. وجزم الشارح -أعني ابن بطال-: بهذا، فقال: هذا يدل على أنهم عصاة له، وسالكون غير سنته، إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد، ويطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء، ولو كان اغتسالهم عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزم فعله (١)؛ لأن شرعنا يخالفه ولو كانوا أهلَ توفيق اتبعوه. ثم لم تكفهم المخالفة حتى أذوه، فنسبوا إليه ما نسبوا، فأظهر الله براءته من ذلك بطريق خارق للعادة، زيادة في دلالة صدقه ومبالغة في قيام الحجة عليهم. خامسها: «آدَر» -بهمزة مفتوحة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء- عظيم الخُصْيتين، وهي: الأُدْرة بضم الهمزة وفتحها مع إسكان الدال بفتحها (٢)، ولا يقال: امرأة أدراء. سادسها: قوله: («فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ») وضعه - عليه السلام - ثوبه ودخوله الماء عريانًا دليل على جواز ذلك. ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٤. (٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٧٧، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣١. وجاء في «صحيح مسلم»: «أنه اغتسل عند مُوَيْه» (١) بضم الميم وفتح الواو وإسكان الياء، تصغير ماء، وأصله: موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، هكذا هو في معظم نسخ مسلم، روى ذلك العذري والباجي. وفي بعض نسخ مسلم «مَشْربة» -بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة، ثم راء- وهي: حفرة في أصل النخلة، يجمع الماء فيها ليسقيها. قَالَ القاضي عياض: وأظن الأول تصحيفًا (٢). سابعها: قوله: («فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ») هذِه آية ومعجزة لموسى عليه أفضل الصلاة والسلام، لمشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل. ثامنها: قوله: («فجمح موسى») أي: أسرع إسراعًا في مشيه خلف الحجر، ليأخذ ثوبه لا يرده شيء، وكل شيء مضى لوجهه على أمر فقد جمح، قَالَ تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]. قَالَ ابن سيده: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا: ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى لشيء على وجهه فقد جمح (٣). وقال الأزهري في «تهذيبه»: فرس جموح: إذا ركب رأسه فلم يرده اللجام، وهذا ذم، وفرس جموح، أي: سريع، وهذا مدح (٤). ---------------- (١) مسلم (٣٣٩/ ١٥٦) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى. (٢) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٥٠. (٣) «المخصص» ٢/ ١٠٠. (٤) «تهذيب اللغة» (١/ ٦٤٥) مادة: جمح. تاسعها: قوله: («فِي إِثْرِهِ») هو بتثليث الهمزة وإسكان الثاء، ورابعة فتحهما بمعنى، حكاهن كراع، وذكر الثلاث الأول في: «المنتخب»، وفي «المثلث» لابن السيد: الأثر -بالضم- أثر الجرح (١). وفي «الواعي» الأثر: -محرك- ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض. عاشرها: قوله: («ثَوْبِي يَا حَجَرُ») هو منصوب بفعل مضمر تقديره: أعطني ثوبي يا حجر، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي «مسلم»: «ثوبي حجر» مرتين (٢) بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل، وقال ذلك استعظامًا لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ليبرئه مما قالوا. الحادي عشر: قوله: («حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى») إنما مشى - عليه السلام - بينهم مكشوف العورة، لأنه إنما نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر، والمئزر مبتل بالماء علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأن الأدرة تتبين تحت الثوب المبلول بالماء، وهذا هو ما أجاب به الحسن بن أبي بكر النيسابوري فيما حكاه ابن الجوزي عنه سماعًا (٣). ------------------ (١) «المثلث» ١/ ٣٢١. (٢) مسلم (٣٣٩) كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا. و(٢٣٧١) كتاب: الفضائل، باب: فضائل موسى - عليه السلام -. (٣) انظر «كشف المشكل» ٣/ ٤٩٦، وذكره ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٨٦ عن ابن الجوزي وقال: وفيه نظر. اهـ. ![]()
__________________
|
|
#115
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 627 الى صـــ 646 الحلقة (115) وفي «مسند أحمد» من حديث علي بن زيد، عن أنس مرفوعًا: «أن موسى - عليه السلام - كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبَهْ حتى يواري عورته في الماء» (١) وأجاب -أعني ابن الجوزي (٢) - بجواب آخر، وهو أن موسى كان في خلوة كما بين في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد، فاتفق أنه جاز على قوم فرأوه، وجوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها فنسي موسى الأمر على ألَّا يراه أحد على ما رأى من خلاء المكان فاتفق من رآه. وأما الشارح -يعني ابن بطال- فقال: إن في الحديث دليلًا على النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التي يتحاكم الناس فيها مما لابد فيها من رؤية أهل النظر بها، فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة (٣). الثاني عشر: فيه ما يدل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خَلْقًا وخُلُقا، ونزههم عن المعايب والنقائص والسلامة من العاهات والمعايب، وعورض ما وقع ليعقوب وأيوب صلوات الله وسلامه عليهما، فللتأسي بهما ورفع درجاتهما، وقد زال عنهما. ------------ (١) أحمد ٣/ ٢٦٢. (٢) المرجع السابق. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤. الثالث عشر: قوله: («فَطَفِقَ») هو بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل وأقبل وصار ملتزمًا لذلك، وهي من أفعال المقاربة. والنَدَب -بفتح النون والدال- أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر، وقال الأصمعي: هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه. ونقل ابن بطال عن صاحب «العين»، أنه أثر الجرح (١)، واقتصر عليه، وهذِه معجزة لموسى، وتمييز الجمادات. وفيه: ما غلب على موسى من البشرية من ضرب الحجر، وهذا الضرب من موسى - عليه السلام -، يجوز أن يكون أراد به إظهار معجزته لقومه بأثر الضرب في الحجر، ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك لإظهار معجزته. وفيه أيضًا: إجراء خلق الإنسان عند الضجر على (من) (٢) لا يعقل أيضًا، فإذا كان الحجر أعطاه الله قوة مشى بها أمكن أن يحس به أيضًا، ألا ترى قول أبي هريرة: (والله إنه لندب بالحجر). يعني: أثار ضربه بقيت فيه آية له. ويؤخذ من ذلك جواز الحلف على الإخبار. وفيه: وفي حديث أيوب الآتي دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين الناس، لأنهما من الذين أمرنا أن نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله تعالى عاتب أيوب على جمع الجراد كما سيأتي ولم يعاتبه على اغتساله عُريانًا، ولو كلفنا بالاستتار في ------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٤. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الأكثر استعمال ما لما لا يعقل. الخلوة لحصل لنا الحرج والضيق؛ إذ لا نجد بدًا منه، والباري تعالى لا يغيب عنه شيء من خلقه عراة كانوا أو مكتسين، وسيأتي شيء من هذا المعنى في باب كراهية التعري في الصلاة (١) وغيرها إن شاء الله. نعم، الاستتار من حسن الأدب. خاتمة: إن قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩] نزلت في ذلك. قَالَ الطحاوي فيما روي عن أبي هريرة في هذِه الآية ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إن موسى كان رجلًا حيِيًّا سِتيرًا لا يكاد أن يرى من جلده -يعني: استحياء منه- فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أذرة هكذا قَالَ لنا بعض رواة الحديث. وأهل اللغة يقولون: أدرة، لأنها آدر بمعنى: آدم، وإن الله -عز وجل- أراد أن يبرئه مما قالوا، وأنه خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ من غسله أقبل إلى ثوبه ليأخذه، وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى - عليه السلام - عصاه وطلب الحجر (٢). الحديث بطوله. قَالَ: ومما روي عن علي بن أبي طالب في الآية مما نعلم أنه ليس من رأيه؛ لأنه إخبار عن مراد الله، قَالَ: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حياء. فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته، حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره ---------------- (١) برقم (٣٦٤). (٢) رواه الطحاوي في»مشكل الآثار«كما في»تحفة الأخيار" ٨/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٦١٥٧). إلا الرخم (١)، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض بينهما، فإنه يجوز أن يكون آذوه بكل ذلك، فبرأه الله منهما (٢). وأما حديث أبي هريرة الآخر، فقال البخاري: وقال أبو هريرة (٣): إن النبي - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فجَعَل أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثوْبِهِ، فنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، ألَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، ولكن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكتِكَ». وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بن طهمان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا». والكلام عليه من أوجه: أحدها: حديث أبي هريرة هذا معطوف على سند حديث أبي هريرة الأول، وقد صرح به أبو مسعود وخلف، فقالا في أطرافهما: إن البخاري رواه هنا عن إسحاق بن نصر، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد الجعفي كلاهما عن عبد الرزاق (٤). ورواه أبو نعيم الأصبهاني، عن أبي أحمد بن شبرويه، ثنا إسحاق، ثنا عبد الرزاق فذكره، وذكر أن البخاري رواه عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق. وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرع منه، ------------ (١) الرخم: طائر غزير الريش، أبيض اللون، يشبه النسر في الخلقة. (٢) انظر المصدر السابق ٨/ ٤٨١ - ٤٨٢ (٦١٥٨). (٣) كذا في الأصل، وجاء في الهامش: في نسخة: عن أبي هريرة. (٤) سيأتي برقم (٢٣٩١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾. وقال: عن أبي هريرة قَالَ: عن رسول الله - ﷺ -: «بينا أيوب يغتسل ..» الحديث. وأما قوله: (رواه إبراهيم .. إلى آخره)، قَالَ الحُميدي لما ذكرها قَالَ عطاء تعليقًا عن أبي هريرة فذكره، ثم قَالَ: لم يرد -يعني: البخاري- على هذا من رواية عطاء، وقد أخرجه بطوله بالإسناد من حديث همام، عن أبي هريرة (١). وكذا ساقه أبو نعيم الأصبهاني، عن البخاري كما سلف. ثم قَالَ: لم يذكر البخاري اسم شيخه وأرسله، ورواه الإسماعيلي، فقال: حدثناه أبو بكر بن عبيدة الشعراني وأبو عمرو أحمد بن محمد الحيري، قالا: ثنا أحمد بن حفص، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني إبراهيم، عن موسى بن عقبة. وأخرجه النسائي في الطهارة عن أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان (٢). ثانيها: أيوب - ﷺ - هو من ذرية عيصو بن إسحاق، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة، وكان ببلاد حوران (٣)، وقبره مشهور عندهم بقرية بقرب نوى (٤) عليه مشهد (٥)، وهناك قدم في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها ويزعم أنها المذكورة في القرآن العظيم، وكانت شريعته ---------------- (١) انظر: «الجمع بين الصحيحين» (٣/ ٢٤٢) رقم (٢٥١٥). (٢) «سنن النسائي» ١/ ٢٠٠ - ٢٠١. (٣) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١٨٠. (٤) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٠٦. (٥) لا يجوز البناء على القبور أو رفعها، وما ذكره المؤلف من الروايات فلعله لا يعتبر مدحًا وإنما إخبار عن حقيقة الواقع. التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة خر له ساجدًا ثم طلب، وكان أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالًا، وكان لا يشبع حَتَّى يشبع الجائع، ولا يلبس حَتَّى يلبس العاري. وأمه بنت لوط - عليه السلام -. ثالثها: عطاء بن يسار سلف حاله فيما مضى. وصفوان (ع): هو ابن سليم الزُهري مولاهم المدني التابعي الإمام القدوة، ممن يستسقى بذكره، يقال: إنه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة، وأن جبهته نَقِبَتْ من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان، ومناقبه جمة. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومولده سنة ستين (١). وموسى (ع) بن عقبة الثقة المفتي. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة (٢). وإبراهيم (ع) بن طهمان أحد أئمة الإسلام الثقات، فيه إرجاء، مات سنة بضع وستين ومائة (٣). ------------ (١) صفوان بن سليم المدني، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث، القرشي، الزهري، الفقيه، وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة من خيار عباد الله الصالحين. وقال أحمد بن عبد الله العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. ووثقه يعقوب بن شيبة، وزاد: ثبتًا مشهورًا بالعبادة. وروى له الجماعة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠٧ (٢٩٣٠)، و«معرفة الثقات» ١/ ٤٦٧ (٧٦٢)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٤٢٣ (١٨٥٨)، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ١٨٤ (٢٨٨٢). (٢) سبق ترجمته في حديث (٣). (٣) إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخرساني، أبو سعيد الهروي، ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن مكة حتى مات بها. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٩٤ (٩٤٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٢١١ (٤٧)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٠٧ (٣٠٧)، «تهذيب الكمال» ٢/ ١٠٨ (١٨٦). رابعها: («بينا») سلف الكلام عليها في الحديث الرابع من باب بدء الوحي. وقوله: («عريانًا») هو مصروف؛ لأنه فُعلان بالضم بخلاف فَعلان إذا كانت الألف والنون زائدتين مثل حمران وسكران. («والجراد») جمع جرادة، والجرادة تقع على الذكر والأنثى، قاله الجوهري (١). وليس الجراد تذكيرًا للجرادة، إنما هو اسم جنس كالبقر والبقرة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، حكاه ابن سيده (٢). سميّ جرادًا؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها، وله قبل أسماء أن يصير جرادًا، ذكرها ابن سيده (٣) وغيره. وفي رواية للبخاري في كتاب التوحيد «رجل جراد» (٤)، أي: جماعة من جراد. والرِّجل -بالكسر- الجراد الكثير، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، يقال: رِجل من جرادٍ، وسرب من ظباء، وخبط من نعام، وعانة من الحمير. وقوله: («فَجَعَلَ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ») ذكر أهل اللغة أن الحثية باليدين جميعًا، قَالَ ابن سيده: الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى (٥)، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا. ----------- (١) «الصحاح» ٢/ ٤٥٦. (٢) «المحكم» ٧/ ٢٢٣ مادة: جرد. (٣) «المخصص» ٢/ ٣٥١. (٤) سيأتي برقم (٧٤٩٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾. (٥) «المحكم» ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، ٣٨٤. وقوله: («فَنَادَاهُ رَبُّهُ») يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكًا فسمي منادى بذلك، وقد حكاهما على وجه الاحتمال الداودي في «شرحه»، وكذا ابن التين. والغنى -مقصور- اليسار، وبالمد الصوت. خامسها: في فوائده: الأولى: جواز الاغتسال عُريانًا في الخلوة وقد سلف. الثانية: جواز الحرص على الحلال وفضل الغنى؛ لأنه سماه بركة. الثالثة: جواز اليمين بصفة من صفات الله تعالى. ٢١ - باب التَّسَتّر فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ ٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النُّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: «مَنْ هذِه؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. [٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ١/ ٣٨٧] ٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخبَرَنَا عَبدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ قَالَت: سَتَرْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الَحائِطِ -أَوِ الأرَضِ- ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الَماءَ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلِ فِي السَّتْرِ. [انظر: ٢٤٩ - مسلم: ٣١٧، ٣٣٧ - فتح: ١/ ٣٨٧] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: «مَنْ هذِه؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. الكلام عليه من وجهين: أحدهما: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع أخر في صلاة التطوع في السفر (١)، وفي الأدب (٢)، والجزية (٣)، والمغازي (٤)، ----------------- (١) سيأتي برقم (١١٠٣) كتاب: الصلاة، باب: من تطوع في السفر. (٢) سيأتي برقم (٦١٥٨) باب: ما جاء في زعموا. (٣) سيأتي برقم (٣١٧١) باب: أمان النساء وجوارهن. (٤) سيأتي برقم (٤٢٩٢) باب: منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح. واختصره هنا وطوَّله في غيره. وأخرجه مسلم في الطهارة (١) والصلاة (٢)، وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي في الصلاة والاستئذان وصححه (٤). ثانيها: (أم) (٥) هانئ بالهمز في آخره، واسمها فاختة أو هند أو فاطمة أو عاتكة أو جمانة أو رملة، أقوال أشهرها أولها، أسلمت عام الفتح (٦). وأبو مرة (ع) مولاها اسمه يزيد (٧). وأبو النضر (ع) اسمه سالم بن أمية مدني مشهور (٨)، وباقي الإسناد سلف. ------------ (١) مسلم (٣٣٦) كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه. (٢) المصدر السابق (٣٣٦) كتاب صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان. (٣) أبو داود (١٢٩١). (٤) الترمذي (٤٧٤، ٢٧٣٤). (٥) ساقطة من الأصل. (٦) انظر ترجمتها في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٥٧٤ (٤١٩٧)، «الاستيعاب» ٤/ ٥١٧ (٣٦٥٦)، «الإصابة» ٤/ ٥٠٣ (١٥٣٣). (٧) هو يزيد، أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخت أم هانئ بنت أبي طالب، حجازي مشهور بكنيته، رأى الزبير بن العوام. قال الواقدي: وكان شيخًا قديمًا. روى له الجماعة. وقال ابن حجر: مدني مشهور بكنيته، ثقة. وقال محمد بن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ١٧٧، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩٩ (١٢٧٧)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٩٠ (٧٠٦٨)، «تقريب التهذيب» ٦٠٦ (٧٧٩٧). (٨) سالم بن أبي أمية القرشي، التيمي، أبو النضر المدني، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، والد بردان بن أبي النضر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله العجلي، والنسائي: = ثم قَالَ البخاري: حَدَّثنَا عَبْدَانُ. وساق حديث ميمونة، وفيه: سَتَرْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ .. الحديث. ثم قَالَ: تَابَعَهُ (١) أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ. وقد سلف كل ذلك أول الغسل (٢). والإجماع قائم على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وأصل هذين الحديثين ومصداقهما في كتاب الله تعالى، قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] الآية، ثم قَالَ تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاح﴾ [النور: ٥٨] فالجناح إذًا غير مرفوع عنهن. وقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: إن هذِه الأوقات أكثر ما يخلو فيها الرجل بأهله للجماع، وتحظير ذلك على الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا جرت عليهم الأقلام، يدل على أنه أوجب على غيرهم من الرجال والنساء التستر الذي أراده الله تعالى، وقد قَالَ تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] فعد علينا نعمته في ذلك. ------------- = ثقة. وزاد العجلي: رجل صالح. وقال أبو حاتم: صالح، ثقة، حسن الحديث. مات سنة تسع وعشرين ومائة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ١١ (٢١٣٩)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٤ (٥٤٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٧٩ (٧٧٩)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ١٢٧ (٢١٤١) (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: الضمير في (تابعه) يعود على سفيان، قال المزي في «الأطراف»: تابعه أبو عوانة وابن فضيل يعني عن الأعمش في السَّتْرِ. (٢) انظر الأحاديث (٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] فقرن غض الأبصار عن العورات بحفظ الفروج. وقال - ﷺ -: «لا يطوف بالبيت عريان» (١). فكما لا يحل لأحد أن يبدي عن فرجه لأحد من غير ضرورة مضطرة له إلى ذلك، فكذلك لا يجوز له أن ينظر إلى فرج أحد من غير ضرورة، واتفق أئمة الفتوى -كما نقله ابن بطال- على أن من دخل الحمام بغير مئزر أنه تسقط شهادته بذلك، وهذا قول مالك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي. واختلفوا إذا نزع مئزره ودخل الحوض، وبدت عورته عند دخوله، فقال مالك والشافعي: تسقط شهادته بذلك أيضًا (٢). وقال أبو حنيفة والثوري: لا تسقط شهادته بذلك، وهذا يعذر به؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، قَالَ: وأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته (٣). ------------- (١) سيأتي برقم (٣٦٩) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة. ورواه مسلم (١٣٤٧) كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: المعروف عن الشافعية أن كشف العورة في الحمام صغيرة، وإذا كان كذلك فلا تُرد بها الشهادة، إلا إذا تكررت ثلاثا على قاعدتهم .. الاتفاق. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٦. ٢٢ - باب: إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ ٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الُمؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيمٍ -امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الَحقِّ، هَلْ عَلَى الَمرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ». [انظر: ١٣٠ - مسلم: ٣١٣ - فتح: ١/ ٣٨٨] ذكر فيه حديث أم سلمة، وقد سلف في باب الحياء في العلم (١)، فراجعه منه. والإجماع قائم على أن النساء إذا احتلمن ورأين المني عليهن الغسل، وحكمهن حكم الرجال في ذلك، وكذا هو قائم على أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا لا غسل عليه. واختلفوا فيمن رأى بللًا ولم يذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل. روي عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي (٢)، وقال أحمد: أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به إِبْرِدَة (٣). وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بلة نطفة. وعن الحسن أنه قَالَ: إذا كان انتشر إلى أهله من أول الليل فوجد من ذلك بلة (٤) فلا غسل عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل (٥). ------------ (١) سلف برقم (١٣٠) كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٧٧ - ٧٨ (٨٤٩، ٨٥١، ٨٥٣، ٨٥٧). (٣) انظر «المغني» ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وورد بهامش الأصل: الإبردة بالكسر: برد في الجوف. (٤) بهامش الأصل: البلة بالكسر: الندوة. (٥) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ٢٥٣ (٩٧٢) ونصه: عن الحسن في الرجل يستيقظ فيجد البلة قالا: يغسل فرجه ويتوضأ. وفيه قول ثالث: وهو أنه لا يغتسل حَتَّى يوقن بالماء الدافق، هكذا قَالَ مجاهد، وهو قول قتادة (١)، وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يغتسل إذا علم بالماء الدافق (٢). وقال الخطابي: ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البِلَّة، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين. وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه حَتَّى يعلم أنه بلل الماء الدافق (٣). --------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٨٧ (٨٥٦)، (٨٦٠). (٢) انظر «الهداية» ١/ ١٧، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٩، «المجموع» ١/ ١٥٨. (٣) «معالم السنن» ١/ ٦٨. ٢٣ - باب: عَرَقِ الجُنُبِ، وَأَنَّ المُسْلِم لَا يَنْجُسُ ٢٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حمَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ في بَعْضِ طَرِيقِ الَمدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْة، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟». قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: «سُبحَانَ اللهِ! إِنَّ المؤمن لَا يَنْجُسُ». [٢٨٥ - مسلم: ٣٧١ - فتح: ١/ ٣٩٠] حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنَا يَحْييَ، ثَنَا حُمَيْدٌ، ثَنَا بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟». قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ المؤمن لَا يَنْجُسُ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا والأربعة (٢)، وأسقط مسلم في أكثر نسخه بَكْرًا، وعزاه أبو مسعود وخلف إليه بإثباته، وكذا البغوي في «شرح السنة» (٣)، واعلم أنه وقع لحذيفة رضي الله عنه كما وقع لأبي هريرة أخرجه مسلم منفردًا به (٤)، وكذا لابن مسعود كما سيأتي، وأغفله أصحاب الأطراف. ------------- (١) مسلم (٣٧١) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس. (٢) أبو داود (٢٣١)، الترمذي (١٢١)، والنسائي ١/ ١٤٥ - ١٤٦، وابن ماجه (٥٣٤). (٣) «شرح السنة» ٢/ ٣٠ (٢٦١). (٤) مسلم (٣٧٢) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس. وورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ، وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ثانيها: أبو رافع (ع) اسمه نفيع الصائغ مدني بصري ثقة نبيل أدرك الجاهلية (١). وبكر (ع): هو ابن عبد الله المزني تابعي ثقة إمام. مات سنة ثمان ومائة (٢). وحميد: هو الطويل. ويحيى: هو ابن سعيد القطان (٣). ثالثها: قوله: (وَهْوَ جُنُبٌ). أي: مبعد؛ لأن الجنابة دال على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وعن الشافعي: إنما سمي جنبًا من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته (٤)، أي: فمخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد. --------------- (١) نفيع أبو رافع، نزيل البصرة، مولى ابنة عمر بن الخطاب، وقيل: مولى ليلى بنت العجماء، لم ير النبي - ﷺ -. قال العجلي: بصري، تابعي، ثقة من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. روى له الجماعة. انظر: «الطبقات» ٧/ ١٢٢. و«معرفة الثقات» ٢/ ٣١٩ (١٨٦٦). و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٨٩ (٢٢٤٢). و«تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٤ (٦٤٦٧). (٢) أبو عبد الله البصري. قال يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وزاد أبو زرعة: مأمون. وقال العجلي: بصري ثقة تابعي. روى له الجماعة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٩٠ (١٧٩٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٢٥١ (١٧٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٨٨ (١٥٠٧)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٢١٦ (٧٤٧). (٣) سبق ترجمته في حديث (١٣). (٤) انظر «الأم» ١/ ٣١. رابعها: (انْخَنَسْتُ) -هو بالخاء المعجمة ثم نون ثم سين مهملة- أي: تأخرت ورجعت وانقبضت، وهو لازم ومتعد، وفيه سبع روايات أخر: انبجستُ، انْتجسْتُ، انْبَخَسْتُ، اختسنت، انبجشت، انتجشت، احتلست. وكلها راجعة إلى الانفصال والمزايلة على وجه التعظيم له، وقد أوضحتها بشواهدها في «شرح العمدة» فليراجع منه (١)، وذكر المنذري أن الثانية لفظ البخاري والترمذي (٢). وقال ابن بطال: الواقع فيه انبخست -بالخاء- ولا معنى له، ولابن السكن: انبجست. قَالَ: والأشبه: فانخنستُ (٣). فائدة: سبب انخناس أبي هريرة عنه أنه كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، كما أخرجه ابن حبان من حديث حذيفة (٤)، وفي النسائي من حديث أبي وائل، عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- قَالَ: لقيني النبي - ﷺ - وأنا جنب، فأهوى إليّ، فقلت: إني جنب. فقال: «إن المؤمن لا ينجس» (٥). -------------- (١) «الإعلام» ٢/ ٩ - ١٢. (٢) «مختصر سنن أبي داود» (١/ ١٥٧). والذي فيه: (وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ البخاري والترمذي: «فانسللت» وفي لفظ للبخاري: «فانخنست» وفي لفظ: «فانسللت». وفي لفظ مسلم والنسائي وابن ماجه: «فانسل». اهـ. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٣٩٨. (٤) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٠٥ (١٣٧٠). (٥) النسائي ١/ ١٤٥، وهو من حديث حذيفة أيضًا وليس عبد الله بن مسعود. خامسها: قوله: (كُنْتُ جُنُبًا). أي: ذا جنابة، يقال: جنب الرجل وأجنب إذا أصابته الجنابة. سادسها: قوله - ﷺ -: (»سُبْحَانَ اللهِ! «) المراد بها التعجب من أن أبا هريرة اعتقد نجاسة نفسه؛ بسبب الجنابة، وهذِه اللفظة من المصادر اللازمة للنصب. ومعناه: تنزيه الله وبراءته عن النقصان الذي لا يليق بجلاله. سابعها: قوله: (»إِنَّ المؤمن لَا يَنْجُسُ«) هو بفتح الجيم وضمها بناءً على أن ماضيه نجس بالفتح أو بالضم. ثامنها: في أحكامه: الأول: استحباب الطهارة عند مجالسة العلماء وأهل الفضل؛ ليكون على أكمل الحالات. الثاني: أن العالم إذا رأى مِنْ تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه وبين له حكمه. الثالث: جواز التعجب بسبحان الله. الرابع: تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وجواز انصرافه في حوائجه قبله. الخامس: طهارة المسلم حيًّا وميتًا، أما الحيُّ فإجماع، وأما الميت فهو الأصح من قول الشافعي (١)، وصححه القاضي عياض أيضًا (٢)، --------------- (١) انظر»المجموع«٥/ ١٤٣. (٢)»إكمال المعلم" ٢/ ٢٢٦. وسيأتي تعليق البخاري عن ابن عباس: المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا (١). والحاكم صححه على شرط الشيخين (٢). وسواء في جريان الخلاف المسلم والكافر، وخص المؤمن بالذكر؛ لشرفه، وذهب بعض أهل الظاهر إلى نجاسته في حياته أخذًا بقوله تعالى: ﴿إِنَمَا اَلُمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وعزاه القرطبي في «الجنائز» إلى الشافعي فأغرب. ونقل ابن العربي (٣) الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أحياء في قبورهم، فاعلمه. وأجيب عن الآية السالفة بأنهم نجسوا الأفعال والاعتقاد لا الأعضاء، أو أن الغالب عليهم النجاسة، فإنهم لا يتحفظون منها غالبًا. السادس: طهارة بدن الجنب وعرقه، وهو إجماع كما حكاه ابن المنذر، قَالَ: وعرق الذمي عندي طاهر (٤)، وخالف ابن حزم فجعله نجسًا من المشرك (٥)، لكن الباري تعالى أباح نكاح أهل الكتاب منهن، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، والإجماع قائم على أن لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة. وفي «المدونة» على ما نقله ابن التين أن المريض إذا صلى لا يستند ------------- (١) سيأتي قبل الرواية (١٢٥٣) كتاب: الجنائز، باب: غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر. (٢) «المستدرك» (١/ ٣٨٥) وسيأتي الكلام عليه في موضعه في الجنائز إن شاء الله. (٣) «عارضة الأحوذي» ١/ ١٨٦. (٤) «الأوسط» ٢/ ١٧٧ - ١٧٨. (٥) «المحلى» ١/ ١٢٩. بحائض ولا جنب (١). وأجازه أشهب، قَالَ الشيخ أبو محمد: لأن ثيابهما لا تكاد تسلم من النجاسة. وقال غيره: لأجل أعينهما لا لثيابهما. وفي «صحيح ابن خزيمة»: عن القاسم بن محمد، قَالَ: سألت عائشة عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس الثوب فيعرق فيه، أنجسًا ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تُعِد خرقة أو خرقًا، فإذا كان ذلك مسح الرجل بها الأذى عنه، ولم ير أن ذلك ينجسه. وفي لفظ: ثم صليا في ثوبيهما (٢). وفي الدارقطني من حديث عائشة: كان - ﷺ - لا يرى على البدن جنابة، ولا على الأرض جنابة، ولا يجنب الرجلُ الرجلَ (٣). وقال البغوي: معنى قول ابن عباس: أربع لا يجنبن: الإنسان والثوب والماء والأرض. يريد: الإنسان لا يجنب بنجاسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه (٤). السابع: أن النجاسة إذا لم تكن عينًا في الأجسام لا يضر ما يطرأ عليها في وصفها، فإن المؤمن طاهر الأعضاء فإنه يحافظ على الطهارة والنظافة بخلاف الكافر كما سلف، فحملت كل طائفة على عادتها، فابن آدم ليس بنجس في ذاته ما لم تعرض له نجاسة تحل به. الثامن: فيه أيضًا مواساة الفقراء، وائتلاف قلوب المؤمنين، والتواضع لله، واتباع أمر الله، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ ------------------ (١) «المدونة» ١/ ٧٨. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١٤٢ (٢٧٩، ٢٨٠). (٣) «سنن الدارقطني» ١/ ١٢٥. (٤) «شرح السنة» ٢/ ٣١. ![]()
__________________
|
|
#116
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 647 الى صـــ 666 الحلقة (116) رَبَّهُم بِاَلَغَدَوةِ وَاَلْعَشِيِّ يُرِيدونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] وملازمة أبي هريرة رسول الله - ﷺ -، وسؤاله عمن غاب من أصحابه، وأنه كما وصفه الله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وطهارة المؤمن حيًّا وميتًا كما سلف. وأما الغسل في حق الميت فهو كالوضوء في حق الحي؛ للتأهب عند القيام واللقاء، فالباري أحق من تُجُمِّل له، وفيه غير ذلك مما سيأتي في حديثه بعد، إن شاء الله تعالى. ٢٤ - باب الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيرْهِ وَقَالَ عَطَاءٌ: يَحْتَجِمُ الجُنُبُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيحْلِقُ رَأسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ. ٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. [انظر: ٢٦٨ - مسلم: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٣٩١] ٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعَلَى، حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». [انظر: ٢٨٣ - مسلم: ٣٧١ - فتح: ١/ ٣٩١] ثم ذكر حديث أنس في طوافه على نسائه، وقد سلف. ثم ذكر حديث أبي هريرة: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». أراد البخاري -رحمه الله - مما ذكره أن الجنب لا ينجس بالسنة الصريحة فيه، وأنه يجوز له التصرف في أموره كلها قبل الغسل، ويرد قول طائفة من السلف أوجبت [عليه] (١) الوضوء. روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان إذا أجنب لا يخرج لحاجته حَتَّى يتوضأ وضوءه ------------------- (١) طمسٌ بالأصل ولعل المثبت المناسب للسياق. للصلاة (١)، وعن ابن عباس مثله، وبه قَالَ عطاء والحسن (٢). وقال علي وابن عمر وابن عمرو: لا يأكل ولا يشرب حَتَّى يتوضأ، وحكاه ابن أبي شيبة أيضًا عن عائشة وشداد بن أوس وسعيد بن المسيب ومجاهد وابن سيرين والزهري ومحمد بن علي والنخعي (٣) واستدل لهم بحديث عائشة: كان - ﷺ - إذا أراد أن ينام أو يأكل توضأ وضوءه، أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (٤). وفي أبي داود من حديث عمار بن ياسر أنه - ﷺ - رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ (٥)، والذي عليه الناس في ذلك ما روي عن أبي الضحى أنه سئل أيأكل الجنب؟ قَالَ: نعم، ويمشي في الأسواق (٦). ولم يذكر الوضوء قبله، وهو قول مالك وأكثر الفقهاء: أن الوضوء ليس بواجب عليه إذا أراد الخروج في حاجاته، وليس في حديث أنس السالف أنه - ﷺ - كان يتوضأ حين كان يطوف على كل امرأة من نسائه، ولا في حديث أبي هريرة. وممن قَالَ: لا وضوء عليه إذا أراد أن يطعم. مالك والكوفيون والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٧). وفي حديث أبي هريرة جواز أخذ الإمام والعالم بيد تلميذه ومن هو دونه، ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به. ------------------- (١) رواه عبد الرزاق ١/ ٢٨ (١٠٩٠). وابن أبي شيبة ١/ ٧٥ (٨٢٣). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٧٥ (٨٢٠ - ٨٢٢). (٣) «المصنف» ١/ ٦٢ - ٦٣ (٦٥٩ - ٦٧٥). (٤) «صحيح مسلم» (٣٠٥) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب، والنسائي ١/ ١٣٨، وابن ماجه (٥٨٤)، وفي النسائي وابن ماجه بدون لفظة: أو يأكل. (٥) «سنن أبي داود» (٢٢٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٩). (٦) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٦٢ (٦٦٢). (٧) «المدونة» ١/ ٣٤. وفيه: أن من حسن الأدب لمن مشى مع معلمه أو رئيسه ألا ينصرف عنه ولا يفارقه حَتَّى يعلمه بذلك، ألا ترى قوله - ﷺ - لأبي هريرة حين انصرف إليه:»أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ «فدل ذلك على أنه - ﷺ - استحب له ألا يفارقه حَتَّى ينصرف معه، وأخذُه - ﷺ - بيد أبي هريرة دال على طهارة بدن الجنب. فائدة: الرحل المذكور في حديث أبي هريرة: المنزل والمأوى، مأخوذ من رحل البعير الذي يقعد عليه على الدابة. فائدة أخرى: قوله: (»يَا أَبَا هِرٍّ؟ «) هو ترخيم هريرة. فائدة ثالثة: عياش شيخ البخاري في حديث أبي هريرة -هو بالمثناة تحت وشين معجمة في آخره - هو ابن الوليد أبو الوليد البصري (١). ----------------- (١) أبو الوليد عياش بن الوليد الرَّقّام القطان، البصري. قال أبو حاتم: هو من الثقات. وقال أبو داود: صدوق. وذكره ابن حبان في كتاب»الثقات«. مات سنة ست وعشرين ومائتين. انظر:»التاريخ الكبير«٧/ ٤٨ (٢١٦)،»الجرح والتعديل«٧/ ٦ (٣٠)،»الثقات«٨/ ٥٠٩،»تهذيب الكمال" ٢٢/ ٥٦٢ (٤٦٠٣). ٢٥ - باب: كيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ ٢٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشَيبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَهً قَالَ: سَألتُ عَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - يرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَت: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ. [٢٨٨ - مسلم: ٣٠٥ - فتح: ١/ ٣٩٢] حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا هِشَامٌ وَشَيْبَانُ، عَنْ يَحْييَ، عَنْ أِبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نعَمْ، ويتَوَضَّأ. ٢٦ - باب: نَوْمِ الجُنُبِ ٢٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيَرْقدُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ». [٢٨٩، ٢٩٠ - مسلم: ٣٠٦ - فتح: ١/ ٣٩٢] حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ». ٢٧ - باب: الجُنُبِ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَنَامُ ٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ. [انظر: ٢٨٦ - مسلم: ٣٠٥ - فتح: ١/ ٣٩٣] ٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرَيةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِىُّ - ﷺ -: أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ». [انظر: ٢٨٧ - مسلم: ٣٠٦ - فتح: ١/ ٣٩٣] ٢٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بن الَخطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ». [انظر: ٢٨٧ - مسلم: ٣٠٦ - فتح: ١/ ٣٩٣] حَدَّثنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ». حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ». الكلام على ذلك من وجوه: أحدها: شيبان في السند الأول: هو ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب صاحب حروف وقراءات. مات سنة أربع وستين ومائة (١). ويحيى: هو ابن أبي كثير، سلف. وعبيد الله (ع) بن أبي جعفر في السند الثاني: هو المصري الفقيه أحد الأعلام، مات سنة ست وثلاثين ومائة (٢). ومحمد (ع) بن عبد الرحمن: هو الأسدي، يتيم عروة، وثقه أبو حاتم، ومات بعد الثلاثين ومائة (٣). وموسى بن إسماعيل: هو التبوذكي، سلف. وجويرية: هو -بالجيم- ابن أسماء ثقة، وباقيهم سلف. ثانيها: هذِه الأحاديث أخرجها مسلم أيضًا، أعني: حديث عمر (٤) وعائشة (٥)، وزاد في حديث عائشة الأكل مع النوم أيضًا. ----------- (١) سبق ترجمته في حديث (١٠). (٢) هو أبو بكر مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أمية. قال أحمد بن حنبل: كان يتفقه، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا. وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٥١٤، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣١٠ (١٤٧٨)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٨ (٣٦٢٥). (٣) هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود، أبو الأسود، قال أبو حاتم: ثقة. ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٢١ (١٧٣٥)، «الثقات» ٧/ ٣٦٤، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٤٥ (٥٤١١). (٤) مسلم (٣٠٦) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب. (٥) مسلم (٣٠٥) كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب. ثالثها: قوله: («تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ») هو من باب التقديم والتأخير، وقوله: («ثم نم») أمر إباحة. رابعها: هذِه الأحاديث دالة لمن يقول بوجوب الوضوء للجنب عند النوم، وهو قول كثير من أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وأغرب ابن العربي فحكاه عن الشافعي، والجمهور على الندب (١)، إذ في السنن الأربعة من حديث عائشة: أنه - ﷺ - كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء (٢). نعم، قَالَ البيهقي: طعن فيه الحفاظ. وأجاب هو وقبله ابن سريج بأن المراد: لا يمس ماء للغسل (٣)، وقال الداودي: تركه لعدم وجدانه أو تيمم لفقده. قلتُ: ولم لا يقال: تركه لبيان الجواز لا جرم قَالَ الشيخ تقي الدين القشيري: هذا الأمر ليس للوجوب ولا للاستحباب، فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، وإنما هو للإباحة، فتتوقف الإباحة على ---------------- (١) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ١٨٢ - ١٨٣، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٨ - ٤٩، «المغني» ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٤ - ١٧٦، «فتح الباري» لابن حجر ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥. (٢) رواه أبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٣٣٢ (٩٠٥٢ - ٩٠٥٣)، وابن ماجه (٥٨١). قال الترمذي: روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. وقال البيهقي (١/ ٢٠٢): صحيح من جهة الرواية. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٢٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٣) انظر: «السنن الكبرى» ١/ ٢٠٢. الوضوء، وذلك هو المطلوب (١). واختلف في علة هذا الوضوء، فقيل: تعبد. وقيل: لعله ينشط للغسل. وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام (٢). فعلى هذا تتوضأ الحائض، ولا تتوضأ على الأول، وهذا الخلاف عند المالكية (٣)، وأما أصحابنا فاستحبوه لها عند انقطاع دمها، وعند المالكية خلاف: هل يترك في وضوئه هذا غسل الرجلين أم لا؟ فذهب عمر بن الخطاب إلى جواز ذلك، ولم يره مالك، ووسع فيه ابن حبيب، وظاهر (قولها) (٤) (وتوضأ للصلاة) أنه أكمله. واختلفوا هل ينقض وضوء الجنب بالحدث الأصغر؟ فعن مالك: لا. وقال اللخمي: نعم (٥). واختلفوا في الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب، هل يؤمر بالوضوء أم لا؟ فقال ابن عمر: نعم. وهو ظاهر رواية مسلم السالفة، وقال مالك: إنما يؤمر بغسل يده فقط (٦). خامسها: فيه السؤال عن المهمات وعدم الحياء منه. -------------------- (١) انظر: «إحكام الأحكام» ص ١٤١. (٢) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ١٨٣، «إحكام الأحكام» ص ١٤١، «فتح الباري» لابن حجر ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥. (٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ١٤١، «الذخيرة» ١/ ٣٠٠. (٤) في الأصل: قوله. وما أثبتناه يقتضيه السياق، حيث القائل السيدة عائشة. (٥) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٠٠. (٦) «المدونة» ١/ ٣٤. ٢٨ - باب: إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ ٢٩١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الَحسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُريرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَخْبَرَنَا الَحسَنُ مِثْلَهُ. [مسلم: ٣٤٨ - فتح: ١/ ٣٩٥] حَدَّثنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، ثنَا هِشَامٌ ح. وثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسَى: ثنَا أَبَانُ، ثنَا قَتَادَةُ، أَنَا الحَسَنُ مِثْلَهُ الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (١) وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٢) أيضًا، ومتابعة عمرو أخرجها مسلم (٣). ------------------ (١) مسلم (٣٤٨) كتاب: الحيض، باب: نسخ «الماء من الماء». (٢) أبو داود (٢١٦)، وابن ماجه (٦١٠) ولم أجده في الترمذي وإنما وجدته عند النسائي (١/ ١١٠ - ١١١). (٣) لم أقف على هذِه المتابعة في مسلم. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٩٦: وقرأت بخط الشيخ مغلطاي أن رواية عمرو بن مرزوق هذِه عند مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة عن وهب بن جرير وابن أبي عدي، كلاهما عن عمرو بن مرزوق عن شعبة وتبعه بعض الشراح على ذلك وهو غلط، فإن ذكر عمرو بن مرزوق في إسناد مسلم زيادة، بل لم يخرج مسلم لعمرو بن مرزوق شيئا. اهـ ومتابعة موسى أخرجها البيهقي من حديث عفان بن مسلم وهمام بن يحيى عنه به بلفظ: «ثم أجهد نفسه فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل» (١). وذكر الدارقطني اختلافًا في إسناده، ثم قَالَ: والصواب عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة (٢)، أي كما ذكره البخاري. ثانيها: الضمير المستتر في («جلس»)، والضمير البارز والمستتر في («جهدها») للرجل والمرأة، وإن لم يجر لهما ذكر فهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] وكذا قوله: («بين شعبها») من هذا الباب أيضًا. ثالثها: الشعب جمع شعبة، ورواية النسائي «أشعبها» هو جمع شعبة، وفي المراد بها خمسة أقوال ذكرتها في «شرح العمدة» (٣). ------------------ (١) «السنن الكبرى» ١/ ١٦٣، وليس كما قال المصنف، وإنما هو من رواية عفان عن أبان بن يزيد العطار وهمام بن يحيى جميعًا عن قتادة عن الحسن. وليس فيه موسى. قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٩٦: قرأت بخط مغلطاي أيضًا أن رواية موسى هذِه عند البيهقي أخرجها من طريق عفان وهمام، كلاهما عن موسى عن أبان، وهو تخليط تبعه عليه أيضًا بعض الشراح، وإنما أخرجها البيهقي من طريق عفان عن همام وأبان جميعًا عن قتادة، فهمام شيخ عفان لا رفيقه وأبان رفيق همام لاشيخ شيخه، ولا ذكر لموسى فيه أصلا، بل عفان رواه عن أبان كما رواه عنه موسى فهو رفيقه لا شيخه، والله الهادي إلى الصواب. اهـ. (٢) «العلل» ٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠. (٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٨٥. والمختار منها أن المراد: نواحي الفرج الأربع، والشعب: النواحي، والأقرب عند الشيخ تقي الدين أن المراد: اليدين والرجلين، أو الرجلين والفخذين، فيكون الجماع مكنيا عنه بذلك، واكتفي بما ذكر عن التصريح (١). رابعها: قوله: («ثُمَّ جَهَدَهَا») هو: بفتح الجيم والهاء، أي: بلغ جهده منها، وقيل: حفزها أي: كدها بحركته. وقيل: بلغ مشقتها. خامسها: في حكمه: وهو أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في رواية أخرى في الصحيح: «وإن لم ينزل» (٢). فيكون قوله: «جلس ..» إلى آخره خرج مخرج الغالب، لا أن الجلوس بين شعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة: كعثمان وأُبي ومن بعدهم كالأعمش وداود، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا، وخالف بعض الظاهرية داود ووافق الجماعة (٣)، ومستند داود هو حديث: «إنما الماء من الماء» (٤). --------------- 0(١) «إحكام الأحكام» ص ١٤٧. (٢) مسلم (٣٤٨). (٣) انظر: «المحلى» ٢/ ٢ - ٤. (٤) رواه مسلم برقم (٣٤٣) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء، وأبو داود (٢١٧)، وأحمد ٣/ ٢٩، ٣٦. وأبو يعلى ٢/ ٤٣٢ (١٢٣٦)، وابن خزيمة ١/ ١١٧ (٢٣٣)، وأبو عوانة في «مسنده» ١/ ٢٤٠ (٨١٥)، والطحاوي في "شرح معاني = وقد جاء في الحديث: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نسخ. رواه الترمذي وصححه (١)؛ فزال ما استندوا إليه، وذهب ابن عباس وغيره أنه ليس بمنسوخ، بل المراد به: نفي وجوب الغسل بالرؤية] (٢) في النوم إذا لم ينزل. وحديث أُبي الآتي في الباب بعده (٣) عنه جوابان: أحدهما: نسخه. ثانيهما: أنه محمول على ما إذا باشرها فيما سوى الفرج. وقال ابن العربي: قد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا، حَتَّى روي عن عمر أنه قَالَ: من خالف في ذلك جعلته نكالًا (٤). وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يعبأ بخلاف داود في ذلك، فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل (أحوط) (٥)، أي: كما سيأتي عنه وهو أحد علماء الدين، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان وأُبي في نفيه إلا بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف، ثم أعله بعلل ستعرفها في الباب بعده مع الجواب عنها. ------------------ = الآثار«١/ ٥٤، وابن حبان ٣/ ٤٤٣ (١١٦٨)، والبيهقي ١/ ١٦٧. جميعهم عن أبي سعيد الخدري. (١) الترمذي (١١٠)، (١١١)، وصححه الألباني في»صحيح الترمذي«(٩٦). (٢) هنا انتهى سقط (ج). (٣) سيأتي برقم (٢٩٣) كتاب: الغسل، باب: غسل ما يصيب من فرج المرأة. (٤) بمعناه رواه ابن أبي شيبة عن عمر في»مصنفه«١/ ٨٥ (٩٤٧). (٥) في»العارضة": مستحب. قَالَ: وحديث أُبي يصعب التعلق به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما كان أقوى منه. ويحتمل قول البخاري الغسل أحوط -يعني في الدين- وهو باب مشهور في الأصول وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه (١). ----------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ١٦٩ - ١٧٠. ٢٩ - باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَة ٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الُحسَيْنِ، قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أنَهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِى طَالِبِ، وَالزُّبَيرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبِ رضي الله عنهم، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا أيُّوبَ أَخْبَرَهُ، أنَهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [: ١٧٩ - مسلم: ٣٤٧ - فتح: ١/ ٣٩٦] ٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الَمرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّيَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لاِختِلَافِهِم. [مسلم: ٣٤٦ - فتح: ١/ ٣٩٨] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ يَحْييَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِىَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّاُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبِ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامٍ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنهم، فَأَمَرُوهُ بِذلِكَ. قَالَ يَحْييَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَلتَ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا يَحْييَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْب أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الغَسْلُ أَحْوَطُ، وذلك الآخِرُ، إِنَّمَا بَيَّنَّا اختلافهم. الكلام عليهما من أوجه: أحدها: الحديث الأول أخرجه مسلم أيضًا دون قوله: فسألتُ عن ذلك عليًّا … إلى آخره (١). والظاهر أنه منهم فتوى لا رواية، لكن رواه الإسماعيلي مرة بما ظاهره أنه رواية، وصرح به أخرى ولم يذكر عليًّا ثم ذكر بعد ذلك روايات، وقال: لم يقل أحد منهم عن النبي - ﷺ - غير الحماني، إنما قالوا مثل ذلك، وليس الحماني من شرط هذا الكتاب. وقوله: (عن الحسين): هو ابن ذكوان، قَالَ يحيى: كذا وقع هنا، ووقع في مسلم بدل (قَالَ) (عن). وقال أبو مسعود، وخلف في أطرافهما: روياه من طريق حسين عن يحيى. وقوله: (قَالَ يحيى)، و(أخبرني) إلى آخره هو معطوف على الإسناد الأول، وقال الدارقطني: فيه وهم؛ لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله - ﷺ -، وإنما سمعه من أبي بن كعب عن رسول الله - ﷺ -، قَالَ ذلك هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أبي (٢). وأعله ابن العربي فقال: حديث ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم، والحسين لم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له يحيى، ---------------- (١) مسلم (٣٤٧) كتاب: الحيض، باب: «إنما الماء من الماء». (٢) «العلل» ٣/ ٣٣. وكذلك أدخله البخاري عنه بصيغة المقطوع، قَالَ: وهذِه علة، وقد خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان، ولم يذكر فيه رسول الله - ﷺ -، وهذِه علة ثانية. وقد خولف فيه أيضا أبو سلمة فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من الصحابة فأمروه بذلك ولم يرفعه، وهذِه ثالثة، وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذِه العلل الثلاث، فكيف بحديث اجتمعت فيه؟! (١). هذا كلامه. وقد أخرج البخاري حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان، رواه عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن زيد، كما سلف في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين (٢). وقال الدارقطني: حدث به عن يحيى حسين المعلم وشيبان، وهو صحيح عنهما (٣). ورواه ابن شاهين من حديث معاوية بن سلام عن يحيى به. وقد تابعه اثنان، ثم الحسين بن ذكوان ثقة مشهور، أخرج له الستة، وأما العقيلي فضعفه (٤) بلا حجة. وقوله: إن البخاري رواه بصيغة المقطوع. لا يُسلَّم له، وقد أسلفنا أن مسلمًا أتى بـ (عَنْ) موضع (قَالَ). وقال ابن طاهر: سمع الحسين من يحيى (٥). وقد رواه مصرحًا بالسماع منه ابن خزيمة في «صحيحه»، ----------------- (١) «عارضة الأحوذي» ١/ ١٧٠. (٢) سبق رقم (١٧٩) كتاب: الطهارة، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. (٣) «العلل» ٣/ ٣١. (٤) «ضعفاء العقيلي» ١/ ٢٥٠ (٢٩٩). (٥) «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٦. والبيهقي في «سننه» وغيرهما (١). وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم. لا يضره لأن أبا سلمة إمام حافظ، وقد زاد فيقبل؛ ولأن الراوي قد ينشط فيرفع. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث عطاء بن يسار عن زيد بن خالد قَالَ: سألتُ خمسة من أصحاب رسول الله - ﷺ -: عثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير، وأبي بن كعب، فقالوا: الماء من الماء. فيه علة؟ قَالَ: نعم، ما يروى من خلافه عنهم (٢). وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن المديني وسئل عن هذا الحديث، فقال: إسناد حسن، ولكنه شاذ (٣). ثانيها: الحديث الثاني أخرجه مسلم أيضًا هنا عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، وعن أبي غريب عن أبي معاوية، وعن أبي موسى، عن غندر، وعن شعبة ثلاثتهم عن هشام (٤). وفي حديث شعبة، عن هشام، عن أبيه، عن المليء -يعني أبا أيوب- عن أبي. رواه أبو سلمة، عن عروة، عن أبي أيوب مرفوعًا. ثالثها: قوله: (وَذَلكَ الآخر) -بفتح الخاء كما قال ابن التين- رويناه به، وقَالَ: وضبط في بعض الكتب بكسرها، كأنه يقول: هذا الآخر من فعله - ﷺ - فهو ناسخ لما قبله. ---------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ١١٢ (٢٢٤)، و«السنن الكبرى» ١/ ١٦٤. (٢) انظر: «التمهيد» ٢٣/ ١١١. (٣) انظر: «التمهيد» ٢٣/ ١١٠. (٤) مسلم (٣٤٦) كتاب: الحيض، باب: إنما الماء من الماء. رابعها: قوله: (فلم يُمْنِ) -هو بضم الياء وإسكان الميم- هذا أفصح اللغات. ثانيها: فتح الياء. ثالثها: ضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون، يقال: أمنى الرجل يمني: إذا أنزل المني، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ [الواقعة: ٥٨]. خامسها: في حكمه: وقد سلف في الباب الذي قبله، وقد نقل ابن حزم عن خلق من الصحابة أن لا وجوب إلا بالإنزال، فقال: وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن أنزل عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصار رضي الله عنهم، وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، وبعض أصحاب الظاهر (١)، وما نقله عنهم قد روي عن بعضهم ما يخالفه، وقد سلف بعضه. وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل (٢). وفي كتاب ابن بطال أنه روي عن عثمان وعلي وأُبي بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه (٣). ------------------ (١) انظر: «المحلى» ٢/ ٤. (٢) «الموطأ» ص ٥٣. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٠٤. ![]()
__________________
|
|
#117
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 7 الى صـــ 26 الحلقة (117) وقال ابن رشد في «قواعده»: لما وقع الإجماع أن مجاوزة الختانين يوجب الحد، وجب أن يكون هو الموجب للطهر (١). وحكوا أن هذا القياس مأخوذ من الخلفاء الأربعة. وروى البيهقي بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه كان يقول: ما أوجب الحد أوجب الغسل (٢). وروى ابن بطال عن أُبي رجوعه عنه قبل موته (٣). ---------------- (١) «بداية المجتهد» ١/ ٩٨. (٢) «السنن الكبرى» ١/ ١٦٦. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٠٥. انتهى المجلد الرابع بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٦ - كِتابُ الحَيْضِ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]. الحيض: أصله السيلان. يقال: حاض الوادي: إذا سال. وقال ثعلب: من الحوض لاجتماعه، فأبدلت واوه ياء؛ كقولهم في حثوة: حثية، وله عدة أسماء ذكرتها في شرح كتب الفروع، واستفتحه البخاري -رحمه الله- بهذِه الآية. والمحيض الأول: هو الحيض بإجماع العلماء. والثاني: دم الحيض. وقيل: زمانه. وقيل: مكانه وهو الفرج. وهذا قول أزواج النبي - ﷺ - وجمهور المفسرين، ويؤيده ما في «صحيح مسلم» من حديث أنس - رضي الله عنه - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. (فسأل) (١) أصحاب ------------------ (١) كذا في (س)، وفي (ج): قال. رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، فقال النبي - ﷺ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١) وهذا السائل هو أبو الدحداح، قاله الواحدي (٢). وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر قالا بعد ذلك: أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، الحديث (٣). وهذا بيان للأذي المذكور في الآية، وهو اعتزال الفرج دون سائر البدن، وإن كان الأصح عند أصحابنا أنه يعتزل ما بين السرة والركبة؛ لأنه (حرم) (٤) الفرج (٥)، و«من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه» (٦). والإجماع قائم على جواز مؤاكلتها ومضاجعتها وقبلتها، إلا ما شذ به عبيدة السلماني فيما حكاه ابن جرير، وقال به بعض أصحابنا وهو واهٍ جدًّا. واختلف العلماء في جواز وطئها إذا انقطع حيضها قبل أن تغتسل، فحرمه مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشعبي، ومجاهد، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة (٧). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن انقطع دمها بعد عشرة أيام -الذي هو عنده أكثر الحيض- جاز له أن يطأها قبل الغسل، فإن انقطع دمها قبل ------------------- (١) مسلم (٣٠٢) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله. (٢) «أسباب النزول» ص ٧٧. (٣) «صحيح مسلم» (٣٠٢). (٤) كذا في (س)، وفي (ج): حريم. (٥) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١٣٦. (٦) قطعة من حديث مر برقم (٥٢). (٧) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٧٧، «البيان» ١/ ٣٤٣، «المغني» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠. العشر لم يجز حتى تغتسل أوْ يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب عنده بآخر الوقت، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها الصلاة عُلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا صلاة عليها (١). وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإلا فلا. وبه قالت طائفة من أهل الحديث (٢). ورُوي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، ووجه هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع دمهن. فجعل ذلك غاية لمنع قربانها. وأجاب عنه الأولون فقالوا: المراد بالآية: التطهر بالماء، فإنه قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرنَ﴾ فأضاف الفعل إليهن، وانقطاع الدم لا فعل لهن فيه، فالتقدير: فلا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن، فعلقه بوجودهما فلا يحل إلا بهما وقد يقع التحريم بشيء، فلا يزول بزواله لعلة أخرى، كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: وتنقضي عدتها. قال ابن بطال: وقول أبي حنيفة لا وجه له، وقد حكم أبو حنيفة وأصحابه للحائض بعد الانقطاع بحكم الحائض في العدة، وقالوا: لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. فقياسه هنا يوقف الحِلَّ على الغسل. قال إسماعيل بن اسحاق: ولا أعلم أحدًا ممن رُوي عنهم العلمُ من التابعين ذكر في ذلك وقت صلاة (٣). --------------------- (١) انظر: «الهداية» ١/ ٣٣. (٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٢٥٤. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٠. ١ - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ؟ وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هذا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ». وقًالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَكْثَرُ. [فتح: ١/ ٤٠٠] أي: فإنه عام في جميع بنات آدم، فهذِه المقالة عن بعضهم مردودة بذلك. قال المهلب: الحديث يدل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهن من البنات، وهو من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن، قال تعالى في زكريا - ﷺ -: ﴿وَأَصْلَحْنَا لهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال أهل التأويل يعني: رد الله إليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة الباري تعالى الذي جعله سببًا للنسل (الإنسي) (١) أن المرأة إذا ارتفع حيضها لم تحمل عادة. قال ابن بطال: وقال غيره ليس فيما أتى به حجة؛ لأن زكريا من أولاد بني إسرائيل، والحجة القاطعة في ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] في قصة إبراهيم. قال قتادة: يعني: حاضت (٢). وهذا معروف في اللغة يقال: ضحكت المرأة: إذا حاضت، وكذلك الأرنب والضبع والخفاش. وإبراهيم - ﷺ - هو جد إسرائيل؛ لأن اسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن --------------- (١) كذا في (س) وفي (ج): الأبوي. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٧٢ (١٨٣٣٤) عن مجاهد، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٦١٦. ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ٢٠٥٥ (١١٠٢١) عن ابن عباس، وكذا عزاه أيضًا السيوطي ٣/ ٦١٦. وأورده السيوطي أيضًا ٣/ ٦١٦ عن عكرمة، وعزاه لأبي الشيخ. إبراهيم، ولم ينزل على بني إسرائيل كتاب إلا على موسى، فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بني إسرائيل، وحديث النبي - ﷺ - يشهد لهذا التأويل وصحته (١). ------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١١ - ٤١٢. [باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ] ٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرى إِلَّا الَحجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». قَالَتْ: وَضَحَّى رسول اللهِ - ﷺ - عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٠٠] ثم ساق البخاري الحديث الأول الذي ذكره معلقًا فقال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ -وهو ابن المديني- ثَنَا سُفْيَانُ، هو ابن عيينة، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فقَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج والأضاحي (١)، --------------------- (١) سيأتي برقم (١٥٦٠) كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، = وأخرجه مسلم أيضًا في الحج (١) (٢). ثانيها: قوله: (لَا نَرى إِلَّا الحَجَّ). أي: لا نعتقد أنا نحرم إلا به، لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها، أو عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع، أما هي فقد قالت أفها لم تحرم إلا بعمرة. ثالثها: سَرِف -بفتح السين المهملة وكسر الراء ثم فاء-: موضع قريب من مكة على أميال منها، قيل: ستة، أو سبعة، أو تسعة، أو عشرة، أو اثنا عشر (٣). رابعها: قوله: (»أَنَفِسْتِ؟ «). يصح بكسر الفاء، وفتح النون، وضمها لغتان مشهورتان: أفصحهما: الفتح أي: حضت، ويقال في النفاس الذي هو الولادة: نفست بضم النون وفتحها أيضًا، ونفي الثاني النووي فقال: إنه بالضم لاغير (٤). -------------------- = وبرقم (٥٥٤٨) كتاب: الأضاحي، باب: الأضحية للمسافر والنساء، وبرقم (٥٥٥٩) كتاب: الأضاحى، باب: من ذبح ضحية غيره. (١)»صحيح مسلم«(١٢١١/ ١١٩ - ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٢) جاء في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: وابن ماجه في الحج، وأبو داود فيه، والنسائي فيه والطهارة. (٣) انظر:»معجم ما استعجم«: ٣/ ٧٣٥،»معجم البلدان«: ٣/ ٢١٢. (٤)»صحيح مسلم بشرح النووي" ٨/ ١٤٦. وليس كما قال فقد حكاهما فيه صاحب «الأفعال» (١). واقتصر الخطابي على الفتح في الحيض، والضم في النفاس (٢). وهو المشهور فيهما، وقيل بالوجهين في النفاس، وفي الحيض: بالفتح لا غير. ومشى عليه ابن الأثير (٣). خامسها: قوله: («إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ») أي: قضى به عليهن، وهذا تسلية وتأنيس لها وتخفيف لهمِّها، ومعناه: إنكِ لست مختصة به. سادسها: قوله: («فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»). معنى «اقضي»: افعلي، وهو دال على أن الحائض ومثلها النفساء، والجنب، والمحدث يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف، فإنه يشترط فيه الطهارة، وهذا مذهب الجمهور (٤) وصححه أبو حنيفة (٥)، وداود، واختلف عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه عدم الصحة، والصحة مع لزوم دم (٦). كقول أبي حنيفة، حكاه ابن الجوزي. ------------------- (١) «الأفعال» لابن القوطية ص ١١٤. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣١٣. (٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٩٥. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٩. (٥) أي صحة طواف المحدث وغيره، وفيه نظر، لأن الطهارة في الطواف عند الأحناف ليست بشرط ولا ركن بل واجبة على الصحيح، وقيل: سنة. فعليه: إن طاف طواف القدوم محدثًا فعليه صدقة، وهي نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر، وإن طاف طواف الزيارة محدثًا فعليه شاة، لأن طواف الزيارة ركن. انظر: «الهداية» ١/ ١٧٨ - ١٧٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٩. (٦) انظر: «الكافي» ٢/ ٤١٢. واعتذروا عن الحديث بأن أمره لها باجتناب الطواف؛ لأجل المسجد واللبث فيه، وجوابه أنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي المسجد، ولما قال لها: «لا تطوفي» كان ذلك دليلًا على المنع في حق الطواف نفسه، كيف وقد قال - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة» (١)؟! والصلاة الطهارة شرط فيها بدليل قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٢). سابعها: قولها: (وَضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ). هو محمول على استئذانه لهن في ذلك، فإن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، وفي رواية أخرى: وأهدى عن نسائه البقر (٣). وهي دالة على أن البقر مما يهدى، وأنه يجوز إهداء الرجل عن غيره، وإن لم يعلمه، ولا أذن له، وكان هذا الهدي -والله أعلم- تطوعًا. واستدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من البدن (٤)، ------------------ (١) رواه الدارمي ٢/ ١١٦٥ (١٨٨٩)، وأبو يعلى ٤/ ٤٦٧ (٢٥٩٩)، وا بن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٨٧ - ٨٨ (٤٦١)، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢ (٢٧٣٩)، وابن حبان ٩/ ١٤٣ - ١٤٤ (٣٨٣٦)، والحاكم ١/ ٤٥٩، والبيهقي ٥/ ٨٥ من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال النووي في «المجموع» ٢/ ٧٧: إسناده ضعيف، والصحيح عندهم أنه موقوف على ابن عباس. قال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٤٥٩: صحيح وقفه جماعة، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢١). (٢) رواه مسلم (٢٢٤) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، من حديث ابن عمر. (٣) رواه مسلم (١٢١١/ ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ٤٣٥. ولا دلالة فيه؛ لأنها قضية عين محتملة، ولا حجة فيها، فالشافعي والأكثرون ذهبوا إلى أن التضحية بالبدن أفضل من البقر (١)؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة (٢). ------------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٠١، «روضة الطالبين» ٣/ ١٩٧. (٢) سيأتي برقم (٨٨١) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة، ورواه مسلم (٨٥٠) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة. ٢ - باب غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ ٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا حَائِضٌ. [٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١] ٢٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْن يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْذمُنِي الَحائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الَمرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَة: كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَكلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ ترَجِّلُ -تَعْنِي:- رَأْسَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُول اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الَمسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١] أي: تسريح شعر رأسه، والترجيل: التسريح. ذكر فيه حديث عائشة من طريق هشام (١) عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا حَائِضٌ. وهو مطابق لما ترجم له، ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا شيء رُوي عن ابن عباس في ذلك. قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن ميمون، عن أمه قالت: دخل ابن عباس على ميمونة فقالت: أي بني ما لي أراك شعثًا رأسُك؟ قال: إن أم عمار مرجلتي وهي الآن حائض، فقالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله - ﷺ - رأسه في حجر إحدانا ----------------- (١) جاء في هامش (س): بخط الشيخ: أخرجه من حديث هشام الجماعة إلا مسلم، وأخرجه الأربعة، والبخاري، ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، وغيره عنها. ويأتي في الاعتكاف. وهي حائض (١). ثم ذكر البخاري أيضًا حديثًا ثانيًا فقال: حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ أَخْبَرَنِي هِشَامٌ بن عروة، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يومئذٍ فِي المَسْجِدِ مُجَاوِرٌ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ. وهشام هذا هو الصنعاني قاضيها مات نحو المائتين (٢) (٣). وإبراهيم هو الرازي الفراء الحافظ شيخ (البخاري ومسلم وأبي داود)، ومن بقي بواسطة (٤). --------------------- (١) «المصنف» ١/ ١٨٤ (١٢١٢) ووقع فيه: عن منبوذ، عن أمه، بدل ميمون، وكذا وقع أيضًا في «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٢، «عمدة القاري» ١/ ١٥٧ منبوذ، وهو الصواب، ففي «تهذيب الكمال» ١١/ ١٧٧ - ١٨٢ أن سفيان بن عيينة يروي عن منبوذ بن أبي سليمان المكي، وليس له رواية عن راوٍ يسمى ميمون، وفي ترجمة منبوذ هذا في «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٤٨٨. قال المزي: روى عن أمه عن ميمونة. ورواه مسلم (٢٩٧/ ١٠) عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. (٢) قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة متقن. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٥٤٨، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٤ (٢٦٧٥)، «ثقات العجلي» ٢/ ٣٣٣ (١٩١١)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٧٠ (٢٧١)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٦٥ (٦٥٩٢). (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: في «الكاشف» سنة ١٩٧ هـ. (٤) يقصد المصنف أن البخاري ومسلم وأبا داود يروون عن إبراهيم بن موسى مباشرة بدون واسطة، كما هو حديث الباب، ومن بقي، أي من أصحاب الكتب الستة، وهم الترمذي والنسائي وابن ماجه، يروون عنه بواسطة. قال أبو زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث، وهو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة (١). واستدلال عروة في ذلك حسن كاستدلال ميمونة السالف، وَهو حجة في طهارة بدن الحائض سوى موضع الأذى وعرقها، وجواز مباشرتها. وفيه دليل على أن المباشرة المنهي عنها للمعتكف لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم لمس، وإنما أراد بها تعالى الجماع وما دونه من المقدمات، ألا ترى أنه - ﷺ - كان معتكفًا في المسجد ويدني رأسه ترجله. والجوار: هو الاعتكاف. فقولها: (مجاور). أي: معتكف. وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما في معناه للزينة. وفيه: خدمة الحائض زوجها وتنظيفها له، وقد قال - ﷺ - حين طلب منها الخُمرة: «إن حيضتك ليست في يدك» (٢). قال ابن بطال: وفيه حجة على الشافعي في أن المباشرة الحقيقية مثل ما في الحديث لا تنقض الوضوء (٣). قلت: إنما يرد عليه ذلك بمقدمات حتى يثبت. ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٢٧ (١٠٢٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٣٧ (٤٣٦)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢١٢ (٢٥٤)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ١٤٠ (٥١)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٤٤٩. (٢) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٣. وفيه: استخدام الزوجة برضاها، وعليه تظاهر دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة، أما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط. وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد؛ تنزيهًا له وتعظيمًا، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، وعن ابن مسلمة: أنها تدخل هي والجنب (١). وروي عنه الفرق (لأنه) (٢) لا يأمن أن يخرج منها ما ينزه المسجد عنه بخلاف الجنب. وفيه: دلالة على أنه إذا خرج بعض بدن المعتكف من المسجد كيده ورأسه ورجله لا يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث. فائدة: روُي أن امرأة وقفت على قوم منهم: يحيى بن معين، وأبو حنيفة (٣)، وخلف بن سالم وجماعة يتدارسون الحديث، فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى، وكانت غاسلة، فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور فقالوا لها: عليك بهذا المقبل. فسألته، فقال: يجوز لها ذلك لحديث عائشة: «إن حيضتك ليست في يدك»، فإذا غسلت رأس الحي فالميت أولى. ---------------- (١) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٧٩. (٢) في (ج): فإنه. (٣) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وأين أبو حنيفة وهؤلاء ولا دليل، وذكر أبي حنيفة هنا خطأ إذ قد توفي أبو حنيفة ١٥٠ هـ، ويحيى بن معين، ولد في آخر سنة ١٩٨ هـ. وخلف بن سالم، وإن لم أقف على مولده، لكنه توفي سنة ٢٢١ هـ ويبعد أن يكون عالمًا في زمن أبي حنيفة يذاكر، وأما أبو ثور، فإنه توفي في صفر سنة ٢٤٠ هـ، وأبو ثور كان من أصحاب أصحاب أبي حنيفة. فقالوا: هذا حديث رواه فلان عن فلان وحدث به فلان فتحدثوا في إسناده. فقال لهم: أين كنتم إلى الآن (١). ------------------ (١) روى هذِه القصة بسنده الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (١٥٧)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٦/ ٦٦ - ٦٧، وفي «نصيحة أهل الحديث» (١٦) عن أحمد بن محمد بن سهيل قال: حدثني رجل -ذكره- من أهل العلم، وأنسيت أنا اسمه وأحسبه يوسف بن الصاد قال: وقفت امرأة … وعند الخطيب رواه عن أحمد بن محمد بن سهيل، ابن خلاد، وهو الذي قال: وأنسيت أنا اسمه. وتعليق الناسخ صحيح فإنه ليس أبا حنيفة، بل هو أبو خيثمة، زهير بن حرب النسائي ثقة، ثبت، محدث بغداد في عصره، روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، توفي سنة ٢٣٤ هـ. انظر: «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٠٢ (٢٠١٠). والحكاية منكرة جدًّا؛ فيها ذلك المجهول شيخ شيخ الرامهرمزي، وابن معين وأبو خيثمة أجل في العلم من أن لا يعرفا جواب مثل هذِه المسألة. ٣ - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَضرِ امْرَأَتِهِ وَفيَ حَائِضٌ وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهْيَ حَائِضٌ إلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأتِيهِ بِالْمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ. ٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورٍ ابن صَفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ. [٧٥٤٩ - مسلم: ٣٠١ - فتح: ١/ ٤٠١] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورٍ ابن صفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ. والكلام على ذلك من أوجه: أحدها: ما ذكره أولا معلقًا ذكره ابن أبى شيبة فقال: حدثنا جرير عن مغيرة: كان أبو وائل، فذكره (١). ثانيها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (وأبو داود والنسائي وابن ماجه) (٣). ----------------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٤٢ (٧٤٢١) كتاب: الصلوات، في الرجل على غير وضوء والحائض يمسّان المصحف. (٢) سيأتي برقم (٧٥٤٩) كتاب: التوحيد، باب: قول النبي «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة». (٣) رواه مسلم (٣٠١/ ١٥) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وأبو داود (٢٦٠)، والنسائي ١/ ١٤٧، وابن ماجه (٦٣٤). ثالثها: أبو وائل اسمه: شقيق بن سلمة الأسدي تابعي سلف (١)، وفي أبي داود آخر كنيته كذلك واسمه: عبد الله بن بحير الصنعاني (٢) ولا ثالث لهما في الكتب الستة. وأبو رزين اسمه: مسعود (م. الأربعة) بن مالك هو مولى أبي وائل تابعي أيضًا (٣). ومنصور بن صفية هو ابن عبد الرحمن بن طلحة العبدري الحجبي المكي الخاشع البكاء، صالح الحديث، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائة (٤)، ووالدته لها رؤية، سلفت (٥)، ووالدها شيبة العبدري حاجب البيت. ---------------------- (١) سلفت ترجمته في حديث (٤٨). (٢) هو عبد الله بن بحير بن ريسان المرادي، أبو وائل القاص اليماني الصنعاني، قال ابن المديني: سمعت هشام بن يوسف، وسئل عن عبد الله بن بحير، فقال: كان يتقن ما سمع. انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٩ (١٠٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٥ (٦٩)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ (٣١٧٤)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٠٥. (٣) قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: ثقة. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ١٨٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٣ (١٨٥٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٨٢ (١٢٩٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٧٧ (٥٩١٢). (٤) قال أبو حاتم: صالح. ووثقه النسائي، وقال الحميدي: عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٤ (١٤٨٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٤ (٧٧١)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٣٨ (٦١٩٧). (٥) سلفت ترجمتها عند حديث (٢٧٧). رابعها: قولها: (في حجري). هو بفتح الحاء وكسرها، ووقع للعذري في مسلم (حجرتي) بمثناة فوق قبل الياء، وهو وهم، ووقع لبعض رواة مسلم (وأنا حائضة)، والأفصح: حائض. وللنحاة في الأولى وجهان: أحدهما: أن حائض وطالق مما لا شركة فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة. وأصحهما: أن ذلك على طريق النسب إلى ذات حيض وذات طلاق. ومعنى (يتكئ): يميل بإحدى شقيه كما سلف. خامسها: وجه مناسبة (١) [ذكر البخاري ما ذكر عن أبي وائل في هذا الباب، أنه لما ذكر جواز حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف نظرها بمن يحفظ القرآن، فهو حامله؛ لأنه في جوفه لما روي عن ابن المسيب وابن جبير (٢)، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده وهو جنب (٣)، فقال: في جوفي أكثر من ذلك. ووجه مناسبته إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في جوفه وحامله، إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها القرآن، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، وها هو - ﷺ - أفضل -------------------- (١) من هنا بدأ سقط طويل في (ج). (٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٩٨ - ٩٩. (٣) رواه ابن المنذر ٢/ ٩٨ (٦٢٤). المؤمنين؛ لعموم رسالته، وحرمة ما أودع من طيب كلامه -في حجر حائض تاليا للقرآن .. إلخ قولها: (فيقرأ القرآن) قد يقال: فيه إشارة إلى المنع؛ لأنه إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثم ما يوهم منعه، ولو كانت جائزة لكان هذا الوهم منطقيا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمن رخص للحائض والجنب في حمل المصحف بعلاقته: الحكم بن عتيبة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، والحسن، ومجاهد، وطاوس، وأبو وائل، وأبو رزين (١)، وهو قول أهل الظاهر. وقال جمهور العلماء: لا يمسه حائض ولا جنب، ولا يحمله إلا طاهر غير محدث وروي ذلك عن ابن عمر (٢)، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشعبي، القاسم بن محمد وأجاز محمد بن سيرين والشعبي مسَّه من غير وضوء (٣). ومنع الحكم مسه بباطن الكف خاصة كذا نقل عنه، وفيه مخالفة لما مضى، حجة من أجاز الحديث السالف: «إن المؤمن لا ينجس» (٤)، وكتب - ﷺ - إلى هرقل آية من القرآن (٥)، ولو كان حرامًا ما كتبها إليه؛ ---------------------- (١) روى بعضها ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢١ - ٧٤٢٤). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٧)، وابن المنذر ٢/ ١٠١ (٦٢٩). (٣) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٥، ٧٤٢٩). (٤) سلف برقم (٢٨٣) كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، ورواه مسلم (٣٧١) كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس. (٥) كتب له قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤] وهو حديث سلف مطولًا برقم (٧) كتاب: بدء الوحي بابٌ، ورواه مسلم (١٧٧٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام. لأنه يمسونه بأيديهم، وذكر ابن أبي شيبة أن سعيد بن جبير دفع المصحف بعلاقته إلى غلام له مجوسي (١). واحتج الجمهور بقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] وبحديث عمرو بن حزم مرفوعًا: «لا يمس القرآن إلا طاهر» وهو حديث جيد (٢). وبأن عائشة رضي الله عنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي. والجواب عن بعثه هرقل أنه رخص في ذلك لمصلحة الإبلاغ والإنذار، ولم يقصد به التلاوة […] (٣) البسملة والحمدلة على قطعة […] (٤). اعترض الأولون بأن المراد بالمطهرين الملائكة، كما قاله قتادة، والربيع بن أنس، وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر وغيرهم (٥). ------------------ (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٣). (٢) سيأتي تخريجه مفصلًا. (٣) ما بين المعقوفتين ملحق غير واضح بهامش (س). (٤) ما بين المعقوفتين ملحق غير واضح بهامش (س). (٥) رواه عن قتادة الطبري ١١/ ٦١١ (٣٣٥٤٨ - ٣٣٥٤٩)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٢ لعبد بن حميد والطبري. ورواه عن الربيع بن أنس، عبد بن حميد وابن المنذر كما عزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢. ورواه عن أنس بن مالك سعيد بن منصور وابن المنذر كما عزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢. ورواه عن مجاهد بن جبر الطبري ١١/ ٦٦٠ (٣٣٥٤٣)، وعزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢ لآدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد والطبري وابن المنذر والبيهقي في «المعرفة». وهو أيضًا قول ابن عباس وسعيد بن جبير -كما سيذكره المصنف- وجابر بن زيد وأبي نهيك وعكرمة وأبي العالية، رواه عنهم الطبري ١١/ ٦٥٩ - ٦٦٠ (٣٣٥٣٧ - ٣٣٥٤٢ - ٣٣٥٤٤). وانظر: «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣. ونقله السهيلي عن مالك قال: ويؤكده أنه تعالى لم يقل: المتطهرين، وفرق ما بين المتطهر والمطهر، وذلك أن المتطهر من فعل الطهور، وأدخل نفسه فيه كالمنفعة، كذلك المنفصل في أكثر الكلام واستبعده بعضهم؛ لأنهم كلهم مطهرون، ومسه والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم؛ ولأن تخصيص الملائكة من بين سائر المتطهرين على خلاف الأصل. وقال أبو محمد ابن حزم: قراءة القرآن والسجود به، ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبلا وضوء للجنب والحائض، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب، وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا. قال: والآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فلا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة، وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه: و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، فهذا الشارع قد بعث كتابًا فيه قرآن إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسونه (١). وقد أسلفنا الجواب عن هذا، قال: فإن ذكروا حديث ابن عمر: نهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٢). قلنا: هذا حق يلزم اتباعه، وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط. فإن قالوا: إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة. -------------------- (١) «المحلى» ١/ ٧٧ - ٨٣. (٢) رواه مسلم (١٨٦٩) كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم. ![]()
__________________
|
|
#118
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 27 الى صـــ 46 الحلقة (118) قيل لهم: ولا يمنع من غيرها وأنتم أهل قياس فقيسوا، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها، فلا تقيسوا على هذِه الآية غيرها، فإن ذكروا قوله -عز وجل-: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه ليس أمرًا، وإنما هو خبر، والرب تعالى لا يقول إلا حقًّا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جليٍّ أو إجماع متيقن، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغيره علمنا أنه لم يعن المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر عنده كما جاء، عن سعيد بن جبير في هذِه الآية، هم الملائكة الذين في السماء (١)، وعن سلمان أنه الذكر في السماء لا يمسه إلا الملائكة (٢). وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفًا أمر نصرانيًّا فنسخه له (٣). ثم نقل عن أبي حنيفة أنه لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته، وغير المتوضئ عنده كذلك (٤)، وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خرج أو تابوت، فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني (٥). --------------------- (١) رواه الطبري ١١/ ٦٥٩ (٣٣٥٣٨ - ٣٣٥٤٠)، وابن أبي داود في «المصاحف» ص ٢١٥، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٢ لعبد بن حميد وابن أبي داود في «المصاحف» وابن المنذر. (٢) عزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢ لعبد الرزاق وابن المنذر. (٣) رواه ابن حزم ١/ ٨٤. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٣٤، «تبيين الحقائق» ١/ ٥٧، «الهداية» ١/ ٣٣. (٥) انظر: «التفريع» ١/ ٢١٢، «الاستذكار» ٨/ ١١ (١٠٣٣٣ - ١٠٣٣٤)، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٥٠. قال ابن عبد البر: يريد أن يكون المصحف في وعاء قد جمع أشياء منها المصحف فلم يقصد حامل ذلك الوعاء إلى حمل المصحف خاصة، وأما إذا كان المصحف وحده في أي شيء كان وقصد إليه حامله وهو غير طاهر لم يجز. قال: وهذِه تفاريق لا دليل على صحتها. هذا آخر كلامه (١) وفيه نظر، فقد صح فيها حديث عمرو بن حزم السالف صححه ابن حبان، والحاكم (٢). ------------------- (١) «المحلى ١/ ٨٣ - ٨٤. (٢) ابن حبان ١٤/ ٥٠١ - ٥١٥ (٦٥٥٩)، والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧، وهو جزء من حديث روياه مطولًا. ورواه أيضًا الدارمي ٣/ ١٤٥٥ (٢٣١٢)، والطبراني في»الأحاديث الطوال«(٥٦)، والدارقطني ١/ ١٢٢، و٢/ ٢٨٥، واللالكائي في»اعتقاد أهل السنة«(٥٧١ - ٥٧٢)، والبيهقي في»سننه«١/ ٨٧ - ٨٨، و١/ ٣٠٩، و٤/ ٨٩ - ٩٠، وفي»الشعب«٢/ ٣٨٠ (٢١١١)، وابن عبد البر في»التمهيد«١٧/ ٣٩٧، وابن عساكر في»تاريخ دمشق«٢٢/ ٣٠٥ - ٣٠٨، و٤٥/ ٤٨١ - ٤٨٣، وابن الجوزي في»التحقيق«١/ ١٦٥ (١٦٠)، والمزي في»تهذيب الكمال«١١/ ٤١٩ - ٤٢٢ جميعًا من طريق يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، مرفوعًا به. واختلف في ام سليمان هذا، هل هو ابن داود أم غيره؟ قال الدارمي: أحسبه كاتبًا من كتاب عمر بن عبد العزيز، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، قلت له: من سليمان هذا؟ قال أبي: من الناس من يقول: سليمان بن أرقم، وقد كان قدم يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم لقب، وأن الاسم داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي، شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به، فلا أدري أيهما هو، وما أظن أنه هذا الدمشقي، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم. اهـ.»العلل«١/ ٢٢٢ (٦٤٤) بتصرف. والحديث رواه النسائي ٨/ ٥٩ عن محمد بن بكار بن بلال، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سليمان بن أرقم. قال: حدثني الزهري … به. لكن ليس فيه قوله:»لا يمس القرآن إلا طاهر«، ثم قال: وهذا أشبه بالصواب والله أعلم. وسليمان بن أرقم متروك الحديث. قلت: فهذا تصريح بأنه سليمان بن أرقم. وأغرب ابن حبان فقال: سليمان بن داود هذا هو الخولاني، من أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي لا شيء، وجميعًا يرويان عن الزهري. وترجم ابن عدي لسليمان بن داود الخولاني هذا في»الكامل" ٤/ ٢٦٨ - ٢٧٠ (٧٤٧). وروى عن ابن معين أنه سئل عن حديث = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= سليمان بن داود هذا، فقال: سليمان بن داود ليس يعرف ولا يصح هذا الحديث. ثم روى عن أبي زرعة الدمشقي قال: عرضت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يحيى بن حمزة الطويل، فقال: هذا رجل من أهل الجزيرة، يقال له: سليمان بن أبي داود ليس بشيء، فحدثت أنه وجد في أصل يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، ولكن الحكم بن موسى لم يضبط. ثم اعترض ابن عدي على هذا الكلام وأنكره، وقال إنه سليمان بن داود. قال أبو داود: رواه يحيى بن حمزة، عن سيلمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. حدثنا أبو هبيرة. قال: قرأته في أصل يحيى بن حمزة: حدثني سليمان بن أرقم، والذي قال: سليمان بن داود، وهم فيه. اهـ. «مراسيل أبي داود» ص ٢١٣ بتصرف. وانظر: «تهذيب الكمال» ١١/ ٤١٦ - ٤١٩، «تحفة الأشراف» ٨/ ١٤٧. والحديث روي مرسلًا. رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٩٠ (٢٣٤) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر». ومن طريقه أبو داود في «المراسيل» (٩٣)، والبغوي في «معالم التنزيل» ٨/ ٢٣. ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ٣٤١ - ٣٤٢ (١٣٢٨) عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال: … الحديث. ومن طريقه الدارقطني ١/ ١٢١، والبيهقي ١/ ٧٨، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧. ورواه أيضًا عبد الرزاق في «تفسيره» ٢/ ٢٢١ (٣١٥٠)، عن معمر، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن حزم، عن أبيهما … الحديث. ومن طريقه الدارقطني ١/ ١٢١ - ١٢٢. ورواه إسحاق بن راهويه كما في «المطالب العالية» ٢/ ٢٨٣ (٨٩)، وأبو داود في «المراسيل» (٩٢)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ١٠٧ (٢٩١٧) من طريق محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، به. والحديث ضعف بعضهم المسند منه، وبعضهم ضعفه جملة، وبعضهم أطلق تصحيحه. قال أبو داود في «مراسيله» ص ١٢٢: روي الحديث مسندًا ولا يصح، = وحديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يمس القرآن إلا طاهر» رواه الدارقطني بإسناد جيد (١)، فقالت أخت عمر له: إنك رجس ولا يمسه --------------------- = وقال النووي في «المجموع» ٢/ ٧٨: إسناده ضعيف، رواه مالك في «الموطأ» مرسلًا، وأطلق القول بضعفه في «الخلاصة» ١/ ٢٠٨ (٥٣٦)، وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ١٥٨: حديث عمرو بن حزم، هو ضعيف؛ فيه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف جدًّا، وقد أخطأ بعض الرواة فسماه سليمان بن داود، وهو الخولاني، وهو ثقة، وبناء عليه توهم بعض العلماء صحته، والصواب فيه أنه من رواية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلًا، وهو ضعيف أيضًا لإرساله. وقال ابن عدي ٤/ ٢٦٩: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن هذا الحديث: أصحيح هو؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحًا. اهـ. بتصرف يسير. وأشار ابن عبد البر أيضًا لصحته انظر: «التمهيد» ١٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وانتصر المصنف لصحته في «البدر المنير» ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١، وكذا في كتابنا هذا قبل قليل، فقال: هو حديث جيد. (١) الدارقطني ١/ ١٢١ من طريق أبي عاصم، ثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه. قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يمس القرآن إلا طاهرًا». ومن هذا الطريق رواه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٣٢١٧)، و«الصغير» ٢/ ٢٧٧ (١١٦٢)، واللالكائي (٥٧٣)، والبيهقي ١/ ٥٨٨، والجورقاني في «الأباطيل» ١/ ٣٧١ - ٣٧٢ (٣٦١)، وقال: هذا حديث مشهور، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦: رجاله موثقون، ونقل المصنف في «البدر» ٢/ ٥٠٣ عن عبد الحق الإشبيلي قال: صحيح، رجاله ثقات، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣١: إسناده لا بأس به. وأطلق القول بضعف الحديث النووي في «الخلاصة» ١/ ٢٠٩ (٥٣٧)، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ١٩٨: سليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه، فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. قلت: قال عنه الحافظ في «التقريب» (٢٦١٦): صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل. وكلام الألباني في «الإرواء» ١/ ١٥٩ - ١٦٠ يشعر بتضعيف الحديث. إلا المطهرون، وهو مروي في السير وقد أسنده الدارقطني والبيهقي في «دلائله» (١). ورواه الدارقطني أيضًا من حديث حكيم بن حزام (٢)، وأمر به سعد بن أبي وقاص كما رواه مالك (٣). وقاله سلمان أيضًا (٤). -------------------- (١) الدارقطني ١/ ١٢٣، «دلائل البيهقي» ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠ من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: حدثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك به. وهو عند البيهقي مطولًا. ورواه من هذا الطريق ابن سعد ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٩، والحاكم ٤/ ٥٩، والبيهقي في «سننه» ١/ ٨٨، وابن عساكر ٤٤/ ٣٤. قال الطبراني: القاسم بن عثمان ليس بالقوي، وترجم العقيلي للقاسم ٣/ ٤٨٠ (١٥٣٨). وقال: عن أنس، لا يتابع على حديثه، حدث عنه إسحاق الأزرق أحاديث لا يتابع منها على شيء، وترجم له الذهبي في «الميزان» ٤/ ٢٩٥ (٦٨٢٥) وقال: حدث عنه إسحاق الأزرق، بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جدًّا، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣٢: في إسناده مقال. (٢) الدارقطني ١/ ١٢٢ من طريق مطر الوراق، عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام مرفوعًا: «لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر» ومن هذا الطريق رواه الطبراني ٣/ ٢٠٥ (٣١٣٥)، والحاكم ٣/ ٤٨٥، واللالكائي (٥٧٤). قال الدارقطني: قال لنا ابن مخلد: سمعت جعفرًا يقول: سمع حسان بن بلال من عائشة، وعمار قيل له: سمع مطر من حسان؟ فقال: نعم. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه: وقال المصنف في «البدر» ٢/ ٤٩٩: عن الدارقطني أنه قال: هذا الحديث رواته كلهم ثقات. وأطلق النووي القول بضعفه في «الخلاصة» ١/ ٢٠٩ (٥٣٨)، ورد عليه المصنف في «البدر» ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١ بما يوجب تصحيح الحديث، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» ١/ ١٥٩. (٣) «الموطأ» ص ٥١ عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت. فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: فقلت: نعم. فقال: قم فتوضأ. فقمت فتوضأت ثم رجعت. وبنحوه رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٠ (١٧٣١)، والطحاوي في «شرح المعاني» ١/ ٧٦، والبيهقي ١/ ٨٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٩٨ (١١٠٠)، والدارقطني ١/ ١٢٣ - ١٢٤، والحاكم ١/ ١٨٣ = وله شاهد من حديث عثمان بن أبي العاص (١)، ومعاذ (٢)، وثوبان ------------------- = و٢/ ٤٧٧، واللالكائي (٥٧٥)، وابن حزم ١/ ٨٣ - ٨٤، والبيهقي ١/ ٨٨ و٩٠ من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن يزيد، به. قال الدارقطني: رواته ثقات، وكلها صحاح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (١) رواه الطبراني ٩/ ٤٤ (٨٣٣٦) من طريق عن المغيرة بن شعبة قال: قال عثمان بن أبي العاص … الحديث. ورواه ابن أبي داود في «المصاحف» ص ٢١٢ من طريق عن القاسم بن أبي بزة عنه. وأورد الهيثمي حديث الطبراني وقال: فيه إسماعيل بن رافع، ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث. «المجمع» ١/ ٢٧٧. وأورده المصنف في «البدر» ٢/ ٥٠٤ حديث ابن أبي داود. وقال: هو منقطع؛ لأن القاسم لم يدرك عثمان، وضعيف؛ لأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وقد ضعفوه وتركه جماعة. وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣١: في إسناد ابن أبي داود انقطاع، وفي رواية الطبري من لا يعرف. (٢) أورده السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٣، والشوكاني في «فتح القدير» ٥/ ٢٣١ وعزواه لابن مردويه. ووقفت على حديث آخر رواه ابن عدي في «الكامل» ١/ ٥١١، والجورقاني في «الأباطيل» ١/ ٣٦٩ (٣٥٨)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٣٦٢ (٩٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن نور، عن خالد بن معدان، عن معاذ قال: قلنا: يا رسول الله، أنمس القرآن على غير وضوء؟ قال: «نعم، إلا أن نكون على الجنابة». قال: قلنا: يا رسول الله، فقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: «يعني: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون». قال: قلنا فقوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ قال: «مكنون من الشرك ومن الشياطين». وهذا الحديث ضعيف جدًّا، بل موضوع. قال ابن عدي: إسماعيل بن أبي زياد هذا، عامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه إما إسنادًا وإما متنًا. وقال الجورقاني: حديث موضوع باطل لا أصل له، لم يروه عند نور غير إسماعيل بن أبي زياد وهو متروك الحديث. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله - ﷺ - فلا بارك الله فيمن وضعه، فما أقبح هذا الوضع. فاعتضد وقوي (١). قال ابن حزم: وقد جاءت أحاديث في نهي الجنب ومن ليس على طهر من أن يقرأ القرآن، ولا يصح منها شيء (٢). قلت: قد روي في ذلك أحاديث منها: حديث عبد الله بن رواحة: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب (٣). قال ابن عبد البر: رويناه من وجوه صحاح. ومنها: حديث علي مرفوعًا: «لا يحجبه عن القرآن إلا الجنابة» صححه الترمذي وغيره (٤). ------------------ (١) رواه علي بن عبد العزيز في «منتخبه» كما في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٦٥ (١٢٢٧) عن إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مرفوعًا: «لا يمس القرآن إلا طاهر …» الحديث. قال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٣١٥: إسناده ضعيف، وقال ابن القطان ٣/ ٤٦٦: إسناده في غاية الضعف، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣٢: في إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك، وقال في «الدراية» ١/ ٨٧: إسناده ضعيف. والحديث في الجملة صححه البعض، قال ابن المنذر: قال إسحاق: لما صح قول النبي - ﷺ -: «لا يمس القرآن إلا طاهر». «الأوسط» ٢/ ١٠٢، وصححه الألباني -رحمه الله- بمجموع طرق في «الإرواء» (١٢٢). (٢) «المحلى» ١/ ٧٨. (٣) رواه الدارقطني ١/ ١٢٠ - ١٢١ من طرق عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس عنه، وعن عكرمة عنه. قال الدارقطني بعد حديث ابن عباس عنه: إسناده صالح، وغيره لا يذكر: عن ابن عباس. وقال البيهقي في «خلافياته» ٢/ ٣٨: وروى عن إسماعيل بن عياش عن زمعة كذلك موصولًا وليس بالقوي. وقال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٢٠٥: لا يروى من وجه صحيح؛ لأنه منقطع وضعيف، وأقره ابن القطان في «بيانه» ٣/ ١٠. (٤) الترمذي (١٤٦) من طريق عبد الله بن سلمة، عن علي، به. وكذا رواه أبو داود (٢٢٩)، والنسائي ١/ ١٤٤، وابن ماجه (٥٩٤)، وأحمد ١/ ٨٤ و١٠٧ و١٢٤، وابن الجارود (٩٤)، وأبو يعلى ١/ ٢٤٧ (٢٨٧) و١/ ٣٢٦ - = ومنها: حديث عائشة مرفوعًا: «لا يقرأ الجنب والحائض شيئًا من القرآن». رواه الحاكم في «تاريخ نيسابور». ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا مثله، رواه الدارقطني والبيهقي، ولم ينفرد به إسماعيل بن عياش بل توبع (١). ---------------- = ٣٢٧ (٤٠٦ - ٤٠٧)، وابن خزيمة ١/ ١٠٤ (٢٠٨)، وابن حبان ٣/ ٧٩ - ٨٠ (٧٩٩ - ٨٠٠)، والدارقطني ١/ ١١٩، والحاكم ١/ ١٥٢ و٤/ ١٠٧، والبيهقي في «سننه» ١/ ٨٩ - ٩٠، وفي «المعرفة» ١/ ٣٢٢ (٧٧٤)، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٨/ ١٦ (١٠٣٥٠)، والبغوي في «شرح السنة» ٢/ ٤١ (٢٧٣) من طرق عن الأعمش وابن أبي ليلى وشعبة ومسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة. والحديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح: وكذا صححه عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٢٠٤، وقال الحاكم في الموضع الأول: حديث صحيح الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة، فمدار الحديث عليه، وعبد الله بن سلمة غير مطعون فيه. وقال في الموضع الثاني: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال المصنف في «البدر المنير» ٢/ ٥٥١: حديث جيد، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٠٨: ضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة، وأشار الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على الترمذي» ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥ إلى تصحيح الحديث. وأما من ضعف الحديث، فقال الخطابي: كان أحمد بن حنبل يوهن حديث علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة. اهـ. «معالم السنن» ١/ ٦٦. وقال البيهقي في «المعرفة» ١/ ٣٢٣: قال الشافعي: لم يكن أهل الحديث يثبتون هذا الحديث. ثم قال: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة. وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر، قاله شعبة. اهـ. والحديث ضعفه أيضًا الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣١) وله فيه تفصيل رائع ورد على من صححه فليراجع لزامًا. (١) الدارقطني ١/ ١١٧، البيهقي ١/ ٨٩. ورواه أيضًا الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥)، وعبد الله بن أحمد في «العلل» = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ٣/ ٣٨١، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٩٠، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٤٨٣ و٥/ ١١٢، والبيهقي أيضًا في «المعرفة» ١/ ٣٢٥ (٧٨٦)، وفي «الشعب» ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٢١١٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ١٤٥، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ١٦٦ (١٦١)، وابن دقيق العيد في «الإمام» ٣/ ٦٩، وشيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ١٠٩ - ١١٠، والذهبي في «السير» ٦/ ١١٧ - ١١٨ و٨/ ٣٢٢، وفي «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٩٥ من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر به. وزاد بعضهم عبيد الله بن عمر مع موسى بن عقبة في روايته عن نافع، قال ابن عدي ١/ ٤٨٤: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله ا. هـ. والحديث مداره على إسماعيل بن عياش، وإنما أتى الحديث من قبله، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني: أنه وهم من إسماعيل بن عياش. وقال الترمذي: حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. ثم قال: وسمعت البخاري يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكيره كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام. اهـ. وقال ابن عدي ١/ ٤٨٣: هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش! وقال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٢٠٥: هذا يرويه إسماعيل بن عياش من حديث أهل الحجاز، ولا يؤخذ من حديثه إلا ما كان عن أهل الشام، ذكر ذلك ابن معين وغيره. وقال الذهبي ٦/ ١١٨: هذا حديث لين الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته عن الحجازين مضعفة، وضعفه الحافظ في «الدراية» ١/ ٨٠ - ٨٦. وقول البخاري الذي نقله الترمذي، أنه تفرد به إسماعيل بن عياش. وهو أيضًا قول البزار كما نقله عنه المصنف في «البدر المنير» ٢/ ٥٤٤، وهذا القول فيه نظر، فإن إسماعيل بن عياش قد تابعه على رواية هذا الحديث اثنان. الأول: المغيرة بن عبد الرحمن، رواه الدارقطني ١/ ١١٧ من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة به. = ومنها: حديث جابر مرفوعًا مثله رواه الدارقطني أيضًا (١). وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب، كما قال البيهقي (٢) وفي لفظ كذلك والحائض (٣) ورفعه ضعيف. ------------------ = قال الدارقطني: عبد الملك هذا كان بمصر، وهذا غريب عن مغيرة بن عبد الرحمن وهو ثقة. الثاني: أبو معشر، رواه الدارقطني ١/ ١١٨ عن رجل عن أبي معشر، عن موسى بن عقة به. وهما أيضًا ضعيفان، كذا قال البيهقي في «سننه» وفي «المعرفة» وعبد الحق وابن الجوزي وابن دقيق العيد. والحديث في الجملة ضعيف، قال المصنف في «البدر» ٢/ ٥٤٣: حديث فيه مقال، وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٩٢). فائدة: للمصنف -رحمه الله- «تخريج أحاديث المهذب»، كذا ذكره في تخريج الحديث السابق في «البدر المنير» وذكر أنه قد روى فيه حديث ابن عمر هذا بسنده، يسر الله العثور على هذا الكتاب وطبعه. (١) الدارقطني ٢/ ٨٧، ورواه أيضًا ابن عدي ٧/ ٣٥٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٢. وهو حديث ضعيف أيضًا، قال: عبد الحق ١/ ٢٠٦: هذا يرويه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك عند الجميع، وصف بالكذب. وقال المصنف في «البدر» ٢/ ٥٥٠: محمد هذا متروك ونسب إلى الوضع. ووالده ثقة. وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٨٦: فيه محمد بن الفضل وهو ضعيف. ووراه الدارقطني ١/ ١٢١ عن جابر موقوفًا. وفيه يحيى بن أنيسة، قال الدارقطني: ضعيف، وقال البيهقي ١/ ٨٩: هذا الأثر ليس بالقوي. والحديث ضعفه مرفوعًا وموقوفًا الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٣٨، والألباني في «الإرواء» (١٩٢). (٢) رواه البيهقي في «الخلافيات» ٢/ ٣٨ (٣٢٥). (٣) رواه البيهقي ١/ ٨٩، وفي «الخلافيات» ٢/ ٣٩ (٣٢٦) من طريق عن الحكم، عن إبراهيم أن عمر كان يكره أن يقرأ الجنب. قال شعبة: وجدت في صحيفتي: والحائض. قال البيهقي في «السنن» ١/ ٨٩: وهذا مرسل، وقال ابن دقيق العيد في «الإمام» ٣/ ٧٦: إبراهيم، عن عمر منقطع. ومنها: حديث علي مرفوعًا: «يا على لا تقرأ القرآن وأنت جنب» رواه الدارقطني (١). وقال ابن مسعود: وكان يُقرئ رجلًا فكف عنه. قال له: مَالَكَ؟ قال: إنك بلت. أي: لست بجنب (٢). وبه قال الشعبي، والأسود، وإبراهيم، وأبو وائل، وروي عن عمر، وعلي، والحسن، وقتادة (٣). وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم كما نقله البغوي في «شرح السنة» (٤). وبه قال أبو حنيفة (٥)، والشافعي (٦) وأحمد (٧)، وأجاز مالك للحائض القراءة القليلة استحسانًا لطول مقامها (٨) وعنه الإباحة مطلقًا (٩)، وأباحَهُ قوم، وكان ابن عباس لا يرى بالقراءة للجنب بأسًا كما سيأتي عن البخاري (١٠). ----------------- (١) الدارقطني ١/ ١١٨ - ١١٩. قال الزبيدي في «إتحاف السادة» ٣/ ٩٧: فيه أبو نعيم النخعي وهو كذاب. ترجمه الحافظ في «التقريب» (٤٠٣٢) فقال: صدوق له أغلاط، أفرط ابن معين فكذبه، وقال البخاري: هو في الأصل صدوق. وشيخه أيضًا أبو مالك النخعي ضعيف، قال الحافظ في «التقريب» (٨٣٣٧): متروك. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ١٩٧ (١٠٨١). (٣) انظر هذِه الآثار في «المصنف» ١/ ٩٧ (١٠٨٠، ١٠٨٢، ١٠٨٧). (٤) «شرح السنة» ٢/ ٤٣. (٥) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٢، «البناية» ١/ ٦٤٦ - ٦٤٧. (٦) «الشرح الكبير» ١/ ٢٩٣، «المجموع» ٢/ ١٨٧. (٧) «المغني» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠. (٨) «التفريع» ١/ ٢١٢ - ٢١٣، «المنتقى» ١/ ٣٤٥، «بداية المجتهد» ١/ ١٠١ - ١٠٢. (٩) «النوادر والزيادات» ١/ ١٢٣، «المنتقى» ١/ ٣٤٥. (١٠) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٩٩. وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض الآية ونحوها (١) وأجاز عكرمة للجنب أن يقرأ، وليس له أن يتم سورة كاملة (٢) ذكره الطبري، وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب وآية النزول (٣). فروع غريبة: المتيمم يمس المصحف خلافًا للأوزاعي (٤)، وقال أبو يوسف: لا يمسه الكافر. وخالف محمد، فقال: لا بأس به إذا اغتسل (٥). ولا بأس بتعليم المعلم الصبيان حرفًا حرفًا للحاجة، كما قال بعض الحنفية. قال: ولا تكره قراءة المُبْدَل من التوراة والإنجيل والزبور، ولا تكره قراءة القنوت في ظاهر الرواية، وكرهها محمد لشبه القرآن؛ لأن أُبيًّا كتبه في مصحفه بثلثين، ولا فرق بين الآية فما دونها في رواية الكرخي، وفي رواية الطحاوي مباح لهما ما دون الآية (٦)، وهو عن أحمد (٧). ونقل ابن حزم عن مالك أن الجنب يقرأ الآيتين ونحوهما، وأن الحائض تقرأ ما شاءت (٨). ------------------ (١) يأتي معلقًا في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. ورواه الحافظ بسنده في «التغليق» ٢/ ١٧١. (٢) سيأتي معلقًا في الباب السالف، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٩٨ (١٠٩٧)، ورواه الحافظ في «التغليق» ٢/ ١٧١. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٩٧ (١٠٨٩)، والحافظ في «التغليق» ٢/ ١٧١. (٤) انظر: «المجموع» ٢/ ٨٤، «المغني» ١/ ٣٥١. (٥) «بدائع الصنائع» ١/ ٣٧. (٦) «تبيين الحقائق» ١/ ٥٧. (٧) «المغني» ١/ ٢٠٠. (٨) «المحلى» ١/ ٧٨. ٤ - باب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا ٢٩٨ - حَدَّثَنَا الَمكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ ابنةَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُضْطَجِعَةً فِي خَميصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي قَالَ: «أَنُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانى فَاضْطَجَعْتُ مَعَة في الَخمِيلَةِ. [٣٢٢، ٣٢٣، ١٩٢٩ - مسلم:٢٩٦ - فتح:١/ ٤٠٢] حَدَّثنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْييَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ زينَبَ بنت أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فقَالَ: «نفسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: وجه مطابقة الحديث ما ترجم له، فإن فيه تسمية الحيض نفاسًا لا عكسه لما قال لها - ﷺ -: «أنفست؟» أجابت بنعم، وكانت حائضًا، فقد جعلت النفاس حيضًا، وفي ابن ماجه: فقال: «أنفست؟» قلت: وجدت ما تجد النساء من الحيضة .. الحديث (١). أو أنه نبَّه على إلحاق النفاس بالحيض في منافاة الصلاة ونحوها؛ لأنه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، فاستنبط من الحديث أن حكمهما واحد، وإن كان في الباب حديث أم سلمة: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - ﷺ - أربعين يومًا. وثق البخاري بعض(١) ابن ماجه (٦٣٧). رجاله كما نقله الترمذي (١) وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٢). --------------------- (١) «سنن الترمذي» ١/ ٢٥٦، «العلل الكبير» ١/ ١٩٣ - ١٩٤. (٢) «المستدرك» ١/ ١٧٥. والحديث رواه أبوداود (٣١١)، والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأحمد ٦/ ٣٠٠ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٩ - ٣١٠، والدارمي ١/ ٦٦٦ (٩٩٥)، وأبو يعلى ١٢/ ٤٥٢ (٧٠٢٣)، وابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥، والدارقطني ١/ ٢٢١ - ٢٢٢، والبيهقي ١/ ٣٤١، والبغوي في «شرح السنة» ٢/ ١٣٦ (٣٢٢)، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٢٦٨ (٣٠٨)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٠٥ - ٣٠٧ جميعًا من طريق أبي سهيل- كثير بن زياد البرساني عن مسة الأزدية، عن أم سلمة وهذا الحديث أعل بعلتين: أحدهما: بالطعن في أبي سهل، قال البيهقي في «خلافياته» ٣/ ٤٠٧: كثير بن زياد -أبو سهل- ليس له ذكر في الصحيحين، وكذا ذكره ابن حبان في «المجروحين» وقد سبق. وجواب ذلك أن أبا سهل هذا وثقه من هو أعلم وأجل ممن ضعفه، فوثقه البخاري وابن معين وأبو حاتم الرازي والنسائي. انظر: «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١١٢ - ١١٣. ثانيها: الطعن في مُسَّة، قال ابن حزم في «المحلى» ٢/ ٢٠٤: مجهولة، وقال ابن القطان في «بيانه» ٣/ ٣٢٩: مسة المذكورة، لا يعرف حالها ولا عينها، فخبرها هذا ضعيف الإسناد ومنكر المتن. اهـ. بتصرف. وجواب ذلك، قال المصنف في «البدر المنير» ٣/ ١٤١: لا نسلم لابن حزم وابن القطان دعوى جهالة عينها، فإنه قد روى عنها جماعات: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، والحسن، فهؤلاء أربعة رووا عنها فارتفعت جهالة عينها. وأما جهالة حالها، فهي مرتفعة ببناء البخاري على حديثها وتصحيح الحاكم لإسناده، فأقل أحواله أن يكون حسنًا. قلت: وقد أطلق القول بصحة الحديث أيضًا غير واحد. فحسنه عبد الحق في «أحكام» ١/ ٢١٨، وكذا حسنه النووي في «المجموع» ٢/ ٥٤١، وقال في «الخلاصة» ١/ ٢٤١: أما قول جماعة من مصنفي الفقهاء إنه حديث ضعيف فمردود عليهم. وقال المصنف في «البدر» ٣/ ١٣٧: حديث جيد، وقال في «خلاصة البدر» ١/ ٣ = وظن المهلب ومن معه أنه يلزم من تسمية الحيض نفاسًا تسمية النفاس حيضًا، وليس كذلك؛ لجواز أن يكون بينهما عموم كالإنسان والحيوان، وإنما أخذه البخاري من غير هذا، وهو أن الموجب لتسمية الحيض نفاسًا أنه دم، والنفس الدم، فلما اشتركا في المعنى الذي لأجله سمي النفاس نفاسًا، وجب جواز تسمية الحيض نفاسًا، وفهم أنه دم واحد، وهو الحق، فإن الحمل يمنع خروج الدم المعتاد، فإذا وضعت خرج دفعة، وهذا ينبني على أن تسمية النفاس لم يكن لخروج النفس التي هي النسمة، وإنما هو لخروج الدم. ثانيها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في النوم مع الحائض وهي في ثيابها، وممن أخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر، كما سيمر بك قريبًا (١)، وأخرجه في الصوم أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم في الطهارة (٣). ثالثها: الخميصة -بفتح الخاء المعجمة- كساء مربع له علمان، وقيل: من خز ثخين أسود وأحمر له أعلام ثخان، قاله ابن سيده (٤). ----------------- = (٢٥٦): صححه ابن السكن، وخالف ابن حزم وابن القطان وضعفاه، والحق صحته. وحسنه الألباني في «الإرواء» (٢٠١)، وقال في «صحيح أبي داود» (٣٣٠): إسناده حسن صحيح، وقال في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٦: للحديث شواهد كثيرة لا ينزل بها عن مرتبة الحسن لغيره. (١) سيأتي برقم (٣٢٢ - ٣٢٣) كتاب الحيض، باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها وباب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثباب الطهر. (٢) سيأتي برقم (١٩٢٩) باب: القبلة للصائم. (٣) مسلم (٢٩٦) كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد. (٤) «المحكم» ٥/ ٤٣. وقال الجوهري: كساء أسود مربع، وإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة (١). رابعها: الخميلة -بالخاء المعجمة- ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: الخميل: الأسود من كل الثياب، ثم قيل: هي القطيفة، وقيل: هي هي، وبه جزم ابن منده. والخمل: هُدْب القطيفة ونحوها مما ينسج وتفضل له فضول، وفي «الصحاح»: هي الطنفسة (٢). خامسها: قولها: (فَانْسَلَلْتُ)، أي: ذهبت في خفية خوفًا من وصول شيء من دمها إليه، أو قذرت نفسها ولم ترتضها لمضاجعته، أو خافت نزول الوحي فانسلت؛ لئلا يشغله حركتها عما هو من الوحي أو غيره. سادسها: قولها: (فَأخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء، أي: التي أحيض فيها، وقوله: («أنفست») أي: حضت، وهو بفتح النون على الأصح كما سلف أول الحيض. سابعها: فيه جواز النوم مع الحائض والاضطجاع معها وهو إجماع. ----------------- (١) «الصحاح» ٣/ ١٠٣٨. (٢) «الصحاح» ٤/ ١٦٨٩. ٥ - باب مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ ٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ. [انظر: ٢٥٠ - مسلم: ٣١٩ - فتح: ١/ ٤٠٣] ٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِى فَأتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ [٣٠٢، ٢٠٣٠ - مسلم ٢٩٣ - فتح: ١/ ٤٠٣] ٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠٣] ٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَليُّ بْن مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -هُوَ الشَّيْبَانُّي- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ [انظر: ٣٠٠ - مسلم: ٢٩٣ - فتح: ١/ ٤٠٣]. تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِّىِ. ٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأة مِنْ نِسَائِهِ أمَرَهَا، فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنِ الشَّيْبَانِّي. [مسلم: ٢٩٤ - فتح: ١/ ٤٠٥] حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ. وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. وهذا الحديث أخرجه مسلم (١) (٢)، وسلف في باب: هل يدخل الجنب يده في الإناء من حديث القاسم عنها بدون الزيادة الأخيرة (٣). وسفيان: هو الثوري. ثم قال البخاري: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، وأَرَادَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ تَابَعَهُ (٤) خَالِدٌ وَجَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِّي. أما حديث علي بن مُسْهر فأخرجه مسلم أيضًا (٥). وأما متابعة جرير بن عبد الحميد فأخرجها أبو داود عن عثمان عنه، وأخرجها ابن ماجه (٦) أيضًا (٧)، وتابعه أيضًا محمد بن إسحاق أخرجها ابن ماجه (٨). والشيباني: هو سليمان بن فيروز، كوفي (٩)، وإسماعيل شيخ ------------------ (١) ورد بهامش (س) ما نصه من خط الشيخ: أبو داود والنسائي. (٢) مسلم (٣١٩) كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة … (٣) سلف برقم (٢٦١) كتاب: الغسل. (٤) ورد بهامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: يعني: تابع علي بن مسهر. (٥) مسلم (٢٩٣/ ٢) كتاب الحيض باب: مباشرة الحائض فوق الإزار. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه من خط الشيخ: لم يخرجها ابن ماجه. (٧) أبو داود (٢٧٣)، وابن ماجه (٦٣٦). (٨) ابن ماجه (٦٣٥). (٩) هو سليمان بن أبي سليمان -واسمه فيروز، ويقال: خاقان، ويقال: عمرو- أبو إسحاق الشيباني الكوفي، مولى بني شيبان، وقيل: مولى عبد الله بن عباس، والصحيح الأول. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. = البخاري ومسلم خزاز ثقة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين (١). ثم قال البخاري: حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ ثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ ثنَا الشَّيْبَانِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا، فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. أما حديث عبد الواحد فأخرجه مسلم (٢). وتابع ميمونة مولاتها ندبة أو بدية، رواه ابن ماجه (٣). ومتابعة سفيان في أبي داود نحوها، فإن لفظه: أنه - ﷺ - صلى وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض (٤). إذا عرفت ذلك فالكلام على هذِه الأحاديث في ألفاظها، ثم حكمها. فـ (فَوْرِ حَيْضَتِهَا): بالفاء وهو غليانه، وقيل: ابتداء أمره، ويقويه حديث أم حبيبة: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها، ثم تضطجع معه - ﷺ -. أخرجه ابن ماجه بسند جيد (٥). ------------------ = انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٤٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٦ (١٨٠٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٣٥ (٥٩٢)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٤٤ (٢٥٢٥). (١) هو إسماعيل بن الخليل الخزاز، أبو عبد الله الكوفي. وثقه أبو حاتم ومحمد بن عبد الله الحضرمي. انظر تمام ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣/ ٨٣ (٤٤١). (٢) مسلم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار. (٣) لم أجده عند ابن ماجه، وإنما رواه أبو داود (٢٦٧)، والنسائي ١/ ١٥١ - ١٥٢ و١٨٩ - ١٩٠، وأحمد ٦/ ٣٣٢ و٣٣٦. (٤) أبو داود (٣٦٩). (٥) ابن ماجه (٦٣٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢١٤): إسناده ضعيف، = والإرب: الحاجة، قال الخطابي: أكثر الرواة يكسرون الهمز فيه، أي: عضوه، وإنما هو مفتوح الراء، وهو الوطر وحاجة النفس، وقد يكون الإرب: الحاجة أيضًا، والأول أبين (١) رأيًا، حكاه صاحب «الواعي». وأما ابن سيده، فقال: الإرب -بكسر الهمزة- جمع إربة، وهي الحاجة (٢) وكذا قال أبو جعفر النحاس: أخطأ من رواه بكسر الهمز، وإنما هو بفتحها، وقال عبد الغافر في «مجمع الغرائب»: الأرب والإربة بمعنى الحاجة. وأما حكمها فهو صريح في جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجماعات قبلهم، وقال أحمد وإسحاق وداود وبعض الشافعية والحنفية والمالكية: يستمتع بها ما دون الفرج (٣). وهو قول على وابن عباس وأبي طلحة وخلق، وفيه قوة للحديث السالف أول الباب: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» لكن أشار الشافعي إلى تضعيفه، وزعم أهل الظاهر أن وطأها فيما دون الفرج حرام خشية الوطء، وعن بعض الشافعية: أن من ضبط نفسه عن الوطء لقوة ورع أو ضعف شهوة جاز له المباشرة، أو غيره فلا. ---------------- = فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة فيتوقف فيه. اهـ وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» فوافق المصنف. (١) «إصلاح خطأ المحدثين» ص ٥٥. (٢) «المحكم» ١١/ ٢٥٤ مادة: (أرب). (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٣، «التمهيد» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠، «المجموع» ٢/ ٣٩٦ - ٤٠٠، «المغني» ١/ ٤١٤ - ٤١٥، «المحلى» ٢/ ١٧٦. ![]()
__________________
|
|
#119
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 47 الى صـــ 66 الحلقة (119) فرع: الوطء في الحيض حرام بالإجماع (١)، ونص الشافعي على أنه كبيرة (٢). قال الماوردي: ويكفر مستحله ويندب أن يتصدق بدينار إن وطئ أول الدم، وهو قوته، وبنصفه إن وطئ الحرة، وقيل: يجب (٣)، وفيه حديث له طرق، صحح الحاكم إسناده (٤). والجمهور على الأول، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، وفي قول قديم أنه يجب عتق رقبة؛ لأثرٍ فيه عن عمر، وبه قال الحسن وسعيد، ونقل عن الحسن: يعتق رقبة أو عشرين صاعًا لأربعين مسكينًا، وعن قتادة: إن كان واحدًا فدينار، وإن لم يجد فنصف دينار على الزوج دون الزوجة (٥). -------------------- (١) انظر: «مراتب الإجماع» ص ٤٥. (٢) «الأم» ١/ ٥٠ - ٥١. (٣) «الحاوي» ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦. (٤) رواه أبو داود (٢٦٤)، والترمذي (١٣٦)، والنسائي ١/ ١٥٣، وابن ماجه (٦٤٠)، وأحمد ١/ ٢٧٢، والحاكم ١/ ٢٧٢ كلهم عن ابن عباس. وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار وربما لم يرفعه شعبة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، فقد احتجا جميعًا بمقسم بن نجدة، فأما عبد الحميد بن عبد الرحمن، فإنه أبو الحسن عبد الحميد بن عبد الرحمن الجزري: ثقة مأمون. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٧). (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٧٣ - ١٧٤، «التمهيد» ٣/ ١٧٥ - ١٧٦، «المجموع» ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠، «المغني» ١/ ٤١٦ - ٤١٧. ٦ - باب تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ ٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابن أَسْلَمَ- عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أَضْحَى-أَوْ فِطْرٍ- إِلَى الُمصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ». فلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أليْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟». قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا». [١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨ - مسلم ٨٠ - فتح: ١/ ٤٠٥] حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابن أَسْلَمَ- عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أَضْحَى -أوْ فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمٍ مِنْ إِحْدَاكُنَّ». قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِنَا ودِينِنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟». قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في العيدين (١)، والزكاة (٢)، والصوم (٣) مقطَّعًا. وأخرجه مسلم في الإيمان (٤)، ورواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، عن بن عجلان، عن عياض. ثانيها: عياض هذا عامري تابعي ثقة، مات بمكة. ومحمد بن جعفر: مدني ثقة (٥). ثالثها: فيه الخروج إلى المصلى، وعليه عمل الناس في معظم الأمصار. وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول، وألحق جماعة من أصحابنا مسجد الأقصى به، وأما غيرهم فالأصح عندنا أن --------------- (١) سيأتي برقم (٩٥٦) باب: الخروج إلى المصلى بغير منبر. (٢) سيأتي برقم (١٤٦٢) باب: الزكاة على الأقارب. (٣) سيأتي برقم (١٩٥١) باب: الحائض تترك الصوم والصلاة. (٤) «صحيح مسلم» (١٧٩/ ٣٢). (٥) هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح ابن الحارث بن حبيب القرشي العامري. روى عن: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وروى عنه: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وإسماعيل بن أمية، وبكير بن عبد الله بن الأشج وغيرهم. روى له الجماعة وثقه ابن معين، والنسائي، وابن حبَّان مات بمكة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٤٢، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢١ (٩٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٩٨ (١٤٥٧)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩ (٤٦٠٧)، «الكاشف» ٢/ ١٠٧ (٤٣٥٨). المسجد أفضل إلا أن يضيق على الناس، وخروج الشارع للمصلى لضيق مسجده. رابعها: المعشر: الجماعة أمرهم واحد، لا واحد له من لفظه، وفي «التهذيب» عن أحمد بن يحيى أنه للرجال دون النساء، ثم قال: وعن الليث: المعشر: كل جماعة أمرهم واحد (١). قلت: وهو المناسب للحديث، ونقله النووي عن أهل اللغة والجمع معاشر (٢). خامسها: فيه تخصيص النساء بالموعظة والتذكير في مجلس غير مجلس الرجال إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهو حق على الإمام أن يفعله كما قاله عطاء (٣)، وهو السنة، وإن أنكره عليه القاضي (٤). سادسها: فيه أيضًا حضور النساء في صلاة العيد، وكان هذا في زمنه - ﷺ - سواء المخبأة وغيرها، وأما اليوم فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: لو رأى رسول الله - ﷺ - ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (٥). ---------------- (١) «التهذيب» ٣/ ٢٤٤٧ مادة: عشر. (٢) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٦٦. (٣) سيأتي برقم (٩٧٨) كتاب: العيدين، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد، ورواه مسلم (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين. (٤) «إكمال المعلم» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. (٥) سلف برقم (٨٦٩) كتاب: الأذان، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم، ومسلم = واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر (١)، وغيرهم (٢). ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم (٣)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٤)، ومالك (٥)، وأبو يوسف (٦)، وأجازه أبو حنيفة مرة (٧)، ومنعهُ أخرى، ومنع بعضهم في الشابة دون غيرها، وهو مذهب مالك (٨)، وأبي يوسف (٩). قال الطحاوي: كان الأمر بخروجهن أول الإسلام، لتكثير المسلمين في أعين العدو (١٠). سابعها: فيه الأمر بالصدقة لأهل المعاصي والمخالفات، فإنها من دوافع عذاب جهنم. ------------------ = (٤٤٥) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة. (١) انظر: «المصنف» ٢/ ٣ (٥٧٨٤، ٥٧٨٥، ٥٧٨٦). (٢) وممن روى عنهم ذلك أيضًا ابن عباس، وعائشة، وأم عطية، وإبراهيم. انظر: «المصنف» ٢/ ٣ (٥٧٨٣، ٥٧٨٧، ٥٧٩١، ٥٧٩٢). (٣) انظر: «المصنف» ٢/ ٤ (٥٧٩٥، ٥٧٩٦). (٤) انظر: «الأوسط» ٤/ ٢٦٣. (٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٥٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٥٧٨، ٥٧٩. (٦) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٥، «الفتاوى التتارخانية» ٢/ ٩٠. (٧) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٢٢٩. (٨) انظر: «مواهب الجليل» ٢/ ٥٧٨، ٥٧٩. (٩) انظر: «بدائع الصنائع» ١/ ٢٧٥. (١٠) أورده ابن الملقن في «الإعلام» ٤/ ٢٢٩. ثامنها: فيه إشارة إلى الإغلاظ في النصح بالعلة التي تبعث على إزالة العيب أو الذنب الذي يتصف بهما الإنسان، والعناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه للمخاطبين، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها، والسعي إليه فيها، ولا يخاطب بها واحدًا بعينه، فإن في الشمول تسلية وتسهيلًا. تاسعها: جواز الشفاعة للمساكين وأن يسأل لهم، وهو حجة على من كره السؤال لغيره. عاشرها: فيه أن اللعن من المعاصي، فإن داوم عليه صار كبيرة، وفي رواية أخرى في «الصحيح»: «تكثرن الشكاة» (١). الحادي عشر: العشير هنا: الزوج، وقيل: كل مخالط، ومعنى الكفر هنا جحد الإحسان، فإنه قوام عليها فتجحده؛ لضعف عقلها وقلة معرفتها. ففيه: أن الكفر يطلق على كفر النعمة، وقد سلف في الإيمان. الثاني عشر: «أكثر»، هو بنصب الراء، على أن أريت يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال إذا قلنا أن أفعل لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره. وقيل: إنه بدل من الكاف في (أُريتكن) قيل: ولعلهن أكثر قبل الشفاعة، فإن لكل رجل زوجتان (٢) من الآدميين. ------------------- (١) «مسند أحمد» ٣/ ٣١٨ من حديث جابر وبلفظه رواه مسلم (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين. (٢) كذا في (س) ولعله أتى بها لغة من يلزم المثنى الألف. الثالث عشر: اللب: العقل، والحازم المحترز في الأمور المستظهر فيها (١). الرابع عشر: نبه - ﷺ - بقوله: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» على ما نبه عليه -عز وجل- في كتابه بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: إنهن قليلات الضبط، كان كان بعض أفرادهن يخرجن عن ذلك، فإنه نادر قليل كما صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم» (٢) وفي رواية أخرى: «أربع» (٣). الخامس عشر: العقل: أصله المنع، وهو صفة يميز بها بين من الحسن والقبيح، ومحله عند الأكثرين في القلب، وقيل: في الرأس، وقيل: مشترك، وأغرب بعضهم، فقال: نقص العقل أي: في الدية فإنها على النصف من دية الرجل حكاه ابن التين، وظاهر الحديث يأباه. السادس عشر: وصف نقصان دينهن لتركهن الصوم والصلاة، ووجهه ظاهر، فإن ------------------- (١) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٧٩ مادة: حزم. (٢) سيأتي برقم (٣٤١١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١١ - ١٢]، ومسلم (٢٤٣٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. (٣) «الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين» لابن عساكر ١/ ٥٧، وعزاه إلى ابن رزين في «مجموع الصحاح». من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، لكنها مأمورة بالترك فهي معذورة إذن، ولا يلزم من هذا ثوابها (…) (١) الترك. نعم عدم الأهلية بخلاف المسافر والمريض، فإن نيتهما الفعل لولا العذر، وليس نقصان ذلك في حقهن ذمًّا لهن، قال ذلك على معنى التعجب، بأنهن على هذِه الحالة، وهن يفعلن بالحازم ما ذكره، كما نبه عليه القرطبي. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض، وعلى عدم وجوب القضاء عليها (٢) إلا من شذ، وكذا النفساء بخلاف الصوم، فإن عليها قضاءه، ولا يجوز صومها في حال حيضها، وهذا ما ترجم عليه البخاري. السابع عشر: فيه: ترك العنت على الرجل إن تغلب محبة أهله عليه؛ لأنه - ﷺ - عذره، فإذا كن يغلبن الحازم فغيره أولى. -------------------- (١) كلمة غير واضحة بالأصل ولعلها: (وعليها). (٢) «الإجماع» ص ٤٠ (٦٧). ٧ - باب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ [انظر: ٣٢٤] وَلَمْ يَرَ ابن عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا. وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَاب النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَرَأ، فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾». الآيَةَ [آل عمران: ٦٤]. [انظر: ٧] وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ: حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَا تُصَلِّي [انظر: ١٥٥٧] وَقَالَ الحَكَمُ: إِنِّي لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ. وَقَالَ اللهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الَحجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟». قُلْتُ: لَوَدِدْتُ والله أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ. قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِىُّ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟». قُلْتُ: لَوَدِدْتُ والله أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ. قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كتَبَهُ اللهُ على بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». الشرح: مقصود البخاري -رحمه الله- بما اشتملت عليه جميع هذا المذكور في الترجمة أن هذا الحدث الأكبر وما في معناه من الجنابة لا ينافي كل عبادة، بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وتلاوة وغيرهما، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيه الحدث الأكبر إلا الطواف فقط، وقد سلف -في باب: قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض- اختلاف العلماء في جواز قراءة القرآن للحائض والجنب واضحًا فراجعه منه. قال المهلب: في شهود الحائض المناسك كلها وتكبيرها في العيدين دليل على جواز قراءتها القرآن؛ لأن من السنة ذكر الله في المناسك، وفي كتابه إلى هرقل بآية دليل على ذلك وعلى جواز حمل الحائض والجنب القرآن؛ لأنه لو كان حرامًا لم يكتبه إليهم. وهو يعلم أنهم يمسونه بأيديهم. لكن القرآن وإن كان لا يلحقه أذى، ولا تناله نجاسة فالواجب تنزيهه، وترفيعه عن من لم يكن على أكمل أحوال الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] وقد سلف الجواب عن ذلك في الباب المشار إليه، وما حكاه البخاري عن إبراهيم -وهو النخعي- لا بأس أن تقرأ الآية، روى عنه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن مغيرة عنه قال: تقرأ ما دون الآية، ولا تقرأ آية تامة (١). ------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٩٨ (١٠٩٧). وروي عن أبي خالد الأحمر، عن حجاج، عن عطاء، وعن حماد عنه، وعن سعيد بن جبير: في الحائض والجنب يستفتحون رأس الآية ولا يتمون آخرها (١). قال: وحدثنا وكيع عن شعبة، عن حماد أن سعيد بن المسيب قال: يقرأ الجُنب القرآن. قال: فذكرته لإبراهيم فكرهه (٢). وحدثنا وكيع [عن سفيان] (٣)، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان يقال: أقرأ القرآن ما لم تكن جنبًا (٤). وحدثنا وكيع، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر، قال: لا تقرأ الحائض القرآن (٥). وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة، عن الثقفي، عن خالد، عن عكرمة، عنه: أنه كان لا يرى بأسًا أن يقرأ الجنب الآية أو الآيتين (٦). وأما حديث: (يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) فأخرجه مسلم (٧) من حديث عائشة (٨). قال الطبري في «تهذيبه»: الصواب أن ما روي عنه - ﷺ - من ذكر الله على كل أحيانه، وأنه كان يقرأ ما لم يكن جنبًا، أن قراءته طاهرًا اختيارًا --------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٩٧ (١٠٩٠). (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٩٨ (١٠٩٤). (٣) سقط من الأصل، والمثبت من «مصنف ابن أبى شيبة» ١/ ٩٩ (١١١٥). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف»١/ ٩٩ (١١١٥). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٩٨ (١٠٩٨). (٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٩٧ (١٠٨٩) عن عكرمة بنفس الإسناد. (٧) ورد بهامش (س) تعليق نصه: من خط الشيخ: أبو داود والترمذي والنسائي، ورواه الأخير في الجزء التاسع بلفظ: أحواله. (٨) مسلم (٣٧٣) كتاب: الحيض، باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها. منه لأفضل الحالتين، والحالة الأخرى، أراد تعليم الأمة وإن ذلك جائز لهم غير محظور عليهم الذكر وقراءة القرآن. وقال غيره: هو أصل في جواز الذكر بالتسبيح والتهليل وشبههما من الأذكار، وكأنه إجماع، إنما الخلاف في القراءة، فيكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذِه الأحوال. وحديث أم عطية سيأتي مسندًا قريبًا (١)، وفي الصلاة (٢)، وحديث أبى سفيان سبق مسندًا (٣). وحديث جابر سيأتي مسندًا في المناسك (٤) غير قوله: (ولا يصلي)، فإنه يحتمل أن يكون من كلام عطاء، أو من كلام البخاري، وحديث عائشة سلف في أول الحيض واضحًا. -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٢٤) كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين. (٢) سيأتي برقم (٣٥١) كتاب: الصلاة، باب: وجوب الصلاة في الثياب. (٣) سبق برقم (٧) كتاب: بدء الوحي. (٤) سيأتي برقم (١٦٥١) كتاب: الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كُلها. ٨ - باب الاسْتِحَاضَةِ ٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَة بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي». [انظر: ٢٢٨ - مسلم: ٣٣٣ - فتح: ١/ ٤٠٩] ذكر فيه حديث عائشة. وقد سلف في باب: غسل الدم - واضحًا (١)، ولفظه هنا: «فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وهو بإسكان الدال المهملة، أي: قدر وقتها، وصحَّف من قرأه بالذال المعجمة المفتوحة، وترده الرواية الأخرى الثابتة في «الصحيح»: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها» (٢). ----------------- (١) سلف برقم (٢٢٨) كتاب: الوضوء. (٢) سيأتي برقم (٣٢٥) باب: إذا حاضت في شهر ثلاث حيض. ٩ - باب غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ ٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الُمنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأه رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الَحيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ». [انظر: ٢٢٧ - مسلم: ٢٩١ - فتح: ١/ ٤١٠] ٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الَحارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ. [فتح: ١/ ٤١٠] ذكر فيه حديث أسماء. وقد سلف في باب غسل الدم (١). ثم ذكر حديثًا آخر فقال: حَدَّثنَا أَصْبَغُ، أنا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ. وهذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه ابن ماجه، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب (٢) فساوى فيه البخاري. وقال ابن عساكر في «أطرافه»: موقوف. وأصبغ: هو ابن الفرج المصري الفقيه (٣)، وابن وهب هو --------------- (١) سلف برقم (٢٢٧) كتاب: الوضوء. (٢) «سنن ابن ماجه» (٦٣٠). (٣) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٥٥). الإمام (١)، وعمرو بن الحارث أحد الأعلام مصري، له غرائب، مات سنة ثمان وأربعين ومائة (٢). وسلف معنى القرص هناك، ونضحت ما لا دم فيه؛ دفعًا للوسوسة، فإنه طهور لما يشك فيه، وأردف الشيخ هذا الحديث بحديث أسماء؛ لأن في حديث أسماء: «ثم لتنضحه بماء» فتبين بحديث عائشة أن المراد به الغسل، وكل ذلك دال على أنه ليس على الحائض غسل ثوبها كله، وإنما تغسل ما تحققت نجاسته منه. --------------- (١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٧١). (٢) عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، أبو أمية المصري مدني الأصل. مولى قيس بن عبادة. كان قارئًا فقيهًا مفتيًا، روى عن: إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري المصري، وأيوب بن موسى القرشي، وبكر بن سوادة الجذامي، وبكير بن عبد الله الأشج وغيرهم. وروى عنه: أسامة بن زيد الليثي، وبكر بن مضر، وبكير الأشج وهو من شيوخه، ورشدين بن سعد، وصالح بن كيسان وهو أكبر منه، وعبد الله بن وهب وهو راويته، وغيرهم كثير، وثقه ابن سعد، وأبو داود، ويحيى بن معين، وأبو زرعة والعجلي والنسائي. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٥، «طبقات خليفة» ص ٢٩٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٠ - ٣٢١ (٢٥٢١)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٣ (١٣٧١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٧٠ - ٥٧٨ (٤٣٤١). ١٠ - باب الاعْتِكَافِ لِلمُسْتَحَاضَةِ ٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاق قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هذا شَيء كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ. [٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧ - فتح: ١/ ٤١١] ٣١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيد بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهْيَ تُصَلِّي. [انظر: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٤١١] ٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الُمؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ. [انظر: ٣٠٩ - فتح: ١/ ٤١١] حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هذا شَيءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ. خالد الأول هو الطحان (١). ------------------ (١) خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد، المزني -مولاهم- الواسطي. يقال: إنه مولى النعمان بن مقرن المزني. روى عن: إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وأفلح بن حميد المدني، وأبي بشر بيان بن بشر وغيرهم. وعنه: إبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق بن شاهين الواسطي، وأبو عمر حفص بن عمر الحوضي، وخلف بن هشام البزَّار وغيرهم. وثقه محمد بن سعد وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. = والثاني هو الحذاء (١). وإسحاق: هو ابن شاهين صدوق، جاوز المائة، روى له مع البخاري النسائي (٢). ثم قال البخاري: حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ خَالِدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهْيَ تُصَلَّي. وأخرجه في الاعتكاف أيضًا (٣)، وذكر الدارقطني اختلافًا في إسناده، ووِهم مَن رواه عن عكرمة، عن ابن عباس. ثم قال البخاري: حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وخالد هذا: هو الحذاء، وكذا في الإسناد قبله، ومداره عليه، فتارة رواه عنه خالد الطحان، وتارة رواه يزيد بن زريع، وتارة رواه معتمر. -------------------- = انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣١٣، «طبقات خليفة» ص ٣٢٦، «التاريخ الكبير» ٣/ ١٦٠ (٥٥٠)، «أسماء الدارقطني» (٢٧٦)، «تاريخ بغداد» ٨/ ٢٩٥، «تهذيب الكمال» ٨/ ٩٩ - ١٠٤ (١٦٢٥). (١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٧٥). (٢) إسحاق بن شاهين بن الحارث الواسطي، أبو بشر بن أبي عمران. روى عن: بشر بن مبشر، وحسَّان بن إبراهيم الكرماني، والحكم بن ظهير، وخالد بن عبد الله الواسطي، وسفيان بن عيينة، وعبد الحكم بن منصور وغيرهم. روى عنه: البخاري، والنسائي، وأحمد بن الخليل القطيعي البِّيعُ، وغيرهم. قال النسائي: لا بأس به، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق. مات بعد الخمسين وقد جاز المائة. انظر ترجمته في «الثقات» ٨/ ١١٧، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥ (٣٥٨)، «التقريب» (٣٥٩). (٣) سيأتي برقم (٢٠٣٧) باب: اعتكاف المستحاضة. وفقه الباب: أن حال المستحاضة حال الطاهر، وأنها تعتكف، وأنها تضع الطست لئلا يصيب ثيابها أو المسجد، وأنها لا تترك الاعتكاف كالصلاة، وأن دم الاستحاضة دقيق ليس كدم الحيضة. ونقل ابن بطال وابن التين الإجماع على أن الحائض لا تدخل المسجد (١)، ولعله لم ير ما ذكر عن ابن مسلمة أنها تدخله. ولا ينبغي لها ذلك خشية أن يخرج منها ما ينزه المسجد عنه، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها من سلس البول، والمذي، والودي، ومن به جرح يسيل في جواز الاعتكاف. ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٣٧. ١١ - باب هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟ ٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. [فتح: ١/ ٤١٢] حَدَّثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَىْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. هذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه أبو داود بلفظ: بلته بريقها، ثم قصعته بريقها (١). واختلف على ابن نافع هذا فرواه أبو نعيم وغيره كما ساقه البخاري (٢)، ورواه أبو داود عن محمد بن كثير، عنه، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن مجاهد به، ورواه الإسماعيلي كذلك، ويحتمل أن يكون سمعه منهما، فإنه حافظ ثقة. ثم اعلم بعد ذلك أنه اختلف في سماع مجاهد من عائشة، فقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة، وأحمد، والبرديجي: لم يسمع منها (٣). ---------------- (١) «سنن أبي داود» (٣٥٨). وصحح إسناده الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٠). (٢) «سنن البيهقي» ١/ ١٤ وسنده: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، ثنا محمد بن غالب، ثنا موسى بن مسعود، ثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم بن يناق به. (٣) انظر: «المراسيل» (٧٥٢)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٥١، «جامع التحصيل» ص ٢٧٣ (٧٣٦). وسيأتي في كتاب الحج (١) والمغازي (٢) من «الصحيح» ما يدل على سماعه منها، وفي الصحيحين عن مجاهد عنها عدة أحاديث (٣) وهو رأي ابن المديني وابن حبان (٤). ومصعته بالصاد والعين المهملتين، أي: حركته وفركته بظفرها، وأصل المصع التحريك وقال أبو سليمان: أصله الضرب الشديد، فيكون المعنى المبالغة في حكه، وهو بمعنى رواية أبي داود قصعته، والقصع: الدلك والمعالجة. واقتصارها على ذلك يجوز أن يكون لقلته والعفو عنه، ويجوز أن تكون غسلته بعد ذلك، ولم تنص عليه للعلم به عندهم، وقد نصت عليه في الحديث السالف في قولها: (فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ على سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ). وقولها: (مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ) لا يعارضه الحديث السالف من حديث أم سلمة. (فأخذت ثياب حيضتي). إذ يجوز أن يكون هذا في أول الحال، والآخر بعد فتح الفتوح واتساع الحال. ----------------- (١) سيأتي برقم (١٧٧٥، ١٧٧٦)، باب: كم اعتمر النبي - ﷺ -. (٢) سيأتي برقم (٤٢٥٣) باب: غزوة زيد بن حارثة. (٣) ستأتي برقم (١٣٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من سب الأموات، و(٦٥١٦) كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت وسلف بعضها. وفي «صحيح مسلم» (١٢١١/ ١٣٣) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، (١٢٥٥) كتاب: الحج، باب: بيان عدد عمر النبي - ﷺ - وزمانهن. (٤) انظر: «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٥١. ![]()
__________________
|
|
#120
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (5) من صـــ 67 الى صـــ 86 الحلقة (120) واعلم أن البخاري لم يذكر في الحديث أنها كانت تصلي فيه ليطابق ما ترجم له، والجواب أن من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه فمن المعلوم أنها تصلي فيه عند الانقطاع وتطهيره أو يكون، أحال البخاري على أصل حديثها؛ إذ في حديثها السالف: «ثم تصلي فيه». ١٢ - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ (١) ٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدِ اللهِ بْن عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ -قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ- عَن أُمّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخَّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اَتِّبَاعِ الَجنَائِزِ. قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح: ١/ ٤١٣] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّاب، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ -قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَوْ هِشَامَ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ- عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتبَاعِ الجَنَائِزِ. قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هدا الحديث أخرجه البخاري هنا مطولًا، وفي الجنائز (٢)، والطلاق مختصرًا (٣)، وأخرجه مسلم (٤)، وأبو داود والنسائي وابن ------------------- (١) ورد بهامش (س) تعليق: ثم بلغ في الحادي بعد الستين له مؤلفه سامحه الله. (٢) سيأتي برقم (١٢٧٨) باب: اتباع النساء الجنائز. (٣) سيأتي برقم (٥٣٤٠) باب: الكحل للحادة. (٤) مسلم (٩٣٨) كتاب: الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز. ماجه أيضًا (١). ثانيها: وقع في بعض النسخ حديث هشام أولًا، وفي بعضها تأخيره كما سقناه، وقال في كتاب الطلاق: وقال الأنصاري: حدثنا هشام به، وقال مسلم: حدثنا حسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، نا هشام عن حفصة به. والفائدة فيه: أن أم عطية أسندته إلى رسول الله - ﷺ - صريحًا، وكذا هو في كتاب أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث هشام مسندًا (٢). وساقه البخاري في الجنائز من حديث ابن سيرين، قال: توفي ابن لأم عطية، فلما كان يوم الثالث دعت بصفرة، فتمسحت به، وقالت: (نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج) (٣). ثالثها: نحد بضم أوله، وكسر ثانيه، وبفتح أوله وضم ثانيه، رباعيًّا وثلاثيًّا يقال: أحدَّت وحدَّت، حدادًا، وإحدادًا، فهي حادٌّ، ومحدٌّ، والثاني أكثر في كلام العرب، والأول كان الأولون من النحويين يؤثرونه. قال الفراء في «مصادره»: وأبى الأصمعي إلا أحدَّت ولم يعرف حدَّت، حكاه في «المحكم»، وهو المنع من الزينة، وأصل هذِه الكلمة المنع، ومنه قيل للبواب: حدَّادًا؛ لأنه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم فحكاه بالجيم من جددت الشيء إذا ------------------- (١) أبو داود (١١٣٩)، وابن ماجه (١٥٧٧)، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣ (١٧٥٧ - ١٧٥٩). (٢) سبق تخريجه. (٣) سيأتي برقم (١٢٧٩) باب: حد المرأة على غير زوجها. قطعته، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، وعما كانت عليه قبل ذلك (١). رابعها: ظاهر الحديث، وجوب الإحداد على كل من هي ذات زوج، سواء فيه المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والحرة والأمة، وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة (٢). وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها، ولا على الرجعية (٣). وفي المطلقة ثلاثًا قولان. وقال الحكم، وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد (٤). وهو قول ضعيف للشافعي، وقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر بالمنع، وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفي عنها، وهو شاذ (٥). خامسها: ظاهر الحديث عدم وجوبه على الكتابية المتوفي عنها زوجها المسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور، والكوفيون، وابن كنانة وابن نافع وأشهب، وقال الشافعي وعامة أصحاب مالك: عليها الإحداد. واختلف عند المالكية في امرأة -------------------- (١) انظر: «لسان العرب» ٢/ ٧٩٩ - ٨٠٢، «المحكم» ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٦ مادة حدَّ. (٢) انظر: «بداية المبتدئ» ١/ ٨٦. (٣) انظر: «التمهيد» ١٧/ ٣٢١. (٤) انظر: «عون المعبود» ٦/ ٢٨٦، «التمهيد» ١٧/ ٣٢١. (٥) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠. المفقود، والتي تتزوج في المرض والنكاح الفاسد (١). سادسها: قولها: (فَوْقَ ثَلَاثٍ)، تعني به: الليالي مع أيامها؛ ولذلك أنثت العدد، ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاثة أيام متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألقتها وحسبت من الليلة المستقبلة المستأنفة. سابعها: قولها: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، أربعة منصوب على الظرف، والعامل فيه تحد، وعشرًا معطوف عليه، وخص بأربعة أشهر وعشر؛ لأن الغالب تبين حركة الحمل في تلك المدة، (وأنث العشر) (٢)؛ لأنه أراد الأيام بلياليها، كما سلف. وهو مذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليالٍ، وأنها تحل في اليوم العاشر. وعند الجمهور: لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على الغالب في المعتدات أنها تعتد بالأشهر. أما إذا كانت حاملًا فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواءً قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع الحمل. -------------------- (١) انظر: «التمهيد» ١٧/ ٣١٦ - ٣١٧، «الإشراف» لابن المنذر ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠. (٢) كذا في (س) وفي متن الحديث مذكرة ولعله وقع وهم في إعرابها. ثامنها: قولها: (وَلَا نَكْتَحِلَ)، فيه دلالة على تحريم الكحل على الحاد (١) سواء احتاجت إليه أم لا. وجاء في «الموطأ» وغيره من حديث أم سلمة: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار» (٢) فهو محمول على الحاجة إليه، والأولى تركه؛ لحديث: أن ابنتي اشتكت عينها، أفنكحلها؟ قال: «لا» (٣). ولعله محمول على ما إذا لم تبلغ الحاجة، وجوزه مالك فيما حكاه الخطابي: تكتحل بغير تطيب (٤)، وعمم غيره، فإن دعت حاجة إلى استعماله نهارًا أجاز، والمراد بالكحل: الأسود والأصفر، أما الأبيض كالتوتيا ونحوه فلا تحريم فيه عند أصحابنا؛ إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على الشعثاء البيضاء حيث تتزين به (٥). تاسعها: قولها: (وَلَا نَتَطَيَّبَ)، فيه صراحة بتحريمه عليها، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام وسواء ثوبها وبدنها. فرع: يحرم عليها أكل طعام فيه طيب. ------------------- (١) في الأصل: الحادة، وفي هامشه: الصواب الحاد بغير التاء، ومنه صححنا. والله أعلم. (٢) رواه مالك ص ٣٧١ برواية يحيى، والبيهقي ٧/ ٤٤٠. (٣) سيأتي برقم (٥٣٣٦) كتاب: الطلاق، باب: تحد المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ومسلم (١٤٨٨) كتاب: الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة، وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام. (٤) «معالم السنن» ٣/ ٢٤٨. (٥) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٨/ ٤٠٥. عاشرها: قولها: (وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) هو بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، وهي برود اليمن يعصب غزله، أي: يجمع ويشد، ثم ينسج، فيأتي موشيًّا؛ لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، وقيل: هي برود مخططة. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لُبْس الثياب المعصفرة والمصبغة إلا ما صبغ بسواد، فرخص فيه عروة ومالك والشافعي، وكرهه الزهري، وكره عروة العصب، وأجازه الزهري، وأجاز مالك تخليطه، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقًا (١). وهذا الحديث حجة لمن أجازه، نعم أجازوا ما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبة، واحتمال الوسخ كالأسود والكحلي بل هو أبلغ في الحداد، بل حكى الماوردي وجهًا أنه يلزمها لبسه في الحداد، أعني: السواد، وروي عن عمر أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: نبئت أنه يصبغ بالبول، ثم قال: نهينا عن التعمق (٢). الحادي عشر (٣): النبذة بضم النون: القطعة والشيء اليسير، والكُسْت: بضم الكاف وتاء مثناة فوق في آخره، وروي بالطاء أيضًا، كما حكاه ابن الأثير (٤). ------------------ (١) «الإجماع» ص ٨٨ (٤٥٨)، «الإشراف على مذاهب العلماء» ٤/ ٢٩٥. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٨٣ (١٤٩٤). (٣) في (س) (الحادي عشرة)، والصحيح (الحادي عشر) بدون التاء؛ لأن الجزأين يوافقان المعدود. (٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٤/ ١٧٢. وفي مسلم: (قسط) (١)، بالقاف والطاء، وحكاها الفضل بن سلمة في «كتاب الطيب» ثلاث لغات، قال: وهو من طيب الأعراب، وحكاها ابن الجوزي في «غريبه» ومن خطه نقلت؛ لكنه قال بدل: (كست) (كسط) وأعجم السين، وصحح على الطاء، وذكر في باب الكاف أما الكست: القسط الهندي، فتحصل فيه إذن أربع لغات (٢) وأما [ما] (٣) رواه البخاري قسط ظفار، فقال ابن بطال وابن التين: كذا وقع فيه، وصوابه: كست ظفار، نسبة إلى ظفار، ساحل من سواحل عدن (٤). وقال القرطبي: ظفار: مدينة باليمن (٥). وعلى هذا ينبغي أن لا تصرف للتعريب والتأنيث، والذي في مسلم: «قسط أو أظفار» (٦) وهو أحسن فإنهما نوعان، قيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع فيه أثر الدم. وقال البكري: ظفار بفتح أوله وكسر آخره، مبني على الكسر: مدينة باليمن، وبها قصر المملكة، ويقال: إن الجن بنتها (٧). ------------------- (١) سبق تخريجه. (٢) في هامش (س) أي: أربع كست، وقست، وقسط، وكشط. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٣٨. وقد وقع في مطبوعه التصويب لقوله: كست أظفار بالسابق، أما الذي هنا فبالقاف والسين والطاء كما ترى، ولعل مقصد المؤلف تصويب قوله: أظفار، ولكنك كذلك تجدها هنا بدون الهمز!! (٥) «المفهم» ٤/ ٢٩٠. (٦) سبق تخريجه. (٧) «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٠٤ - ٩٠٥. وعن الصغاني: ظفار في اليمن أربعة مواضع: مدينتان وحصنان، أما المدينتان: فظفار الحقل، كان ينزلها التبابعة، وهي على مرحلتين من صنعاء، وإليها ينسب الجزع. وظفار الساحل قرب مرباط، وإليها نسب القسط يجلب إليها من الهند. والحصنان: أحدهما: في مباني صنعاء، على مرحلتين، ويسمى ظفار الواديين. والثاني: من بلاد همدان، ويسمى ظفار الظاهر. وقال ابن سيده: الظفر ضرب من العطر أسود مغلف، من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في الدخنة، والجمع أظفار وأظافير، وقال صاحب «العين»: لا واحد له، وظفَّر ثوبه طيبه بالظفر (١). وفي «الجامع»: الأظفار: شيء من العطر، يشبه الأظفار يتخذ منها مع أخلاط، ولا يفرد واحدها، وإن أفرد فهو إظفارة، وفي كتاب أبي موسى المديني عن الأزهري: واحده ظفر (٢). الثاني عشر: قولها (وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّباعِ الجَنَائِزِ) سيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله. ووجه مناسبة الحديث لما ترجم له ظاهر. قال المهلب: أبيح للحائض محدًّا كانت أو غير محد عند غسلها من المحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط ونحوه، لما هي مستقبلة من الصلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم. ------------------- (١) «المحكم» ١١/ ٢٠ مادة: ظفر. (٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٢٤١ - ٢٢٤٢ مادة: ظفر. ١٣ - باب دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ، وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُد فِرْصَةً مُمَسَّكةً فَتَتَّبِعُ [بِهَا] أَثَرَ الدَّمِ ٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ ابن صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أمْرَأَةً سَأَلتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الَمحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! تَطَهَّرِي». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أثَرَ الدَّمِ. [٣١٥، ٧٣٥٣ - مسلم: ٣٣٢ - فتح: ١/ ٤١٤] حَدَّثنَا يَحْييَ، ثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ ابن صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَن امْرَأَةَ سَألَتِ النَّبيَّ - ﷺ - عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! تَطَهَّرِي». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه عقب ذلك وبوب عليه: ١٤ - باب غَسْلِ المَحيضِ ٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الَمحِيضِ؟ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئي ثَلًاثا». ثُمُّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: «تَوَضَّئي بِهَا». فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ٣١٤ - مسلم: ٣٣٢ - فتح:١/ ٤١٦] قال: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، ثنَا وُهَيْبٌ، ثنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةَ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِىِّ - ﷺ -: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا». ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: «تَوَضَّئِي بِهَا». فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِىِّ - ﷺ -. وأخرجه في كتاب الاعتصام، عن يحيى أيضًا، ومن تراجمه عليه باب: الأحكام التي تعرف بالدلائل، وأخرجه مسلم (١) أيضًا. وتابع منصورًا إبراهيم بن مهاجر في مسلم (٢)، وتابع ابن عيينة وهيب. كما سلف. وفضيل بن سلمان، وتابع يحيى جماعات منهم الحميدي (٣). ويحيى هذا هو ابن موسى البلخي السجستاني الثقة، يقال له: خت (٤) وبخط بعض الحفاظ المتأخرين أنه لقب موسى، وبه ------------------- (١) مسلم (٣٣٢) كتاب: الحيض، باب: استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، وفوقها في الأصل: (د. س. ق). انظر أبي داود ٣١٥، ٣١٦، والنسائي ١/ ١٣٥ - ١٣٧، ٢٠٧ - ٢٠٨، وابن ماجه (٦٤٢). (٢) مسلم (٣٣٢/ ٦١). (٣) «مسند الحميدي» ١/ ٢٤٣ (١٦٧). (٤) بهامش (س): خت بفتح الخاء المعجمة كذا مقتضى كلام الذهبي في «المشتبه». صرح الجياني (١)، مات بعد الأربعين ومائتين أو قبلها (٢)، قال الجياني: إذا نسب ابن السكن يحيى هذا، فقال: ابن موسى، ولم ينسب الذي في الاعتصام (٣)، والبخاري قال هناك: حدثنا يحيى، ثنا ابن عيينة (٤) كما ذكر هنا قال: وذكر أبو نصر أنه يحيى بن جعفر، يروي عن ابن عيينة، ووقع في شرح بعض شيوخنا حدثنا يحيى -يعني: ابن معاوية بن أعين-، ولا أعلم في البخاري من اسمه كذلك. ثانيها: أغرب ابن حزم فطعن في «محلاه»، في رواية: «فتطهري بها»، وفي رواية: «فتوخي بها» بأن قال: لم تسند هذِه اللفظة إلا من طريق إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، ومن طريق منصور ابن صفية وقد ضُعِّف. وليس مما يحتج براويته (٥)، هذا كلامه، وإبراهيم هذا قد احتج به مسلم، ووثقه أحمد والنسائي وغيرهما، وضعفه ابن معين بحضرة عبد الرحمن بن مهدي، فغضب عبد الرحمن وكره ما قال. ------------------ (١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٦٠. (٢) يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم الحُداني، أبو زكريا البلخي السختياني المعروف بخت، كوفي الأصل. روى عن إبراهيم بن عيينة، وإبراهيم بن موسى الرازي، وأبي ضمرة أنس بن عياض الليثي، وغيرهم، وروى عنه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وإسحاق بن إبراهيم القاضي. وثقه أبو زرعة والنسائي والثقفي، والدارقطني. مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠٧ (٣١١٤)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٦٢، «الأنساب» ٥/ ٤٩، «اللباب» ١/ ٤٢٣، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٦ - ٩ (٦٩٣٠). (٣) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٦٠ - ١٠٦١. (٤) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيراني ٢/ ٥٦٧. (٥) «المحلى» ١/ ١٠٤. نعم، قال يحيى بن سعيد: ليس بالقوي ويضعفه أيضًا منصور ابن صفية من أفراده، وقد أخرج الشيخان الحديث من حديثه، ووثقه الناس: أحمد، وابن عيينة، وغيرهما. ثالثها: لما ساق مسلم الحديث بسياقه بزيادة: وسألته عن غسل الجنابة، فذكره، قال: وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية، وساق الحديث (١)، وقال: ولم يذكر فيه غسل الجنابة كما قال، وقد ساقه ابن ماجه من حديث شعبة عن إبراهيم (٢) وفيه غسل الجنابة، وكذا أبو داود (٣) فاستفده. رابعها: هذِه السائلة هي أسماء بنت شكل، كذا ثبت في «صحيح مسلم» (٤) والكاف مفتوحة وحكي إسكانها. وتبعه على ذلك جماعات منهم: ابن طاهر وأبو موسى في كتابه «معرفة الصحابة» وقال الخطيب في «مبهماته»: إنها أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، وروى حديثًا كذلك (٥) وبه جزم ابن الجوزي في «تلقيحه» لكنه جزم بالأول في «مشكل الصحيحين»، وصوبه بعض الحفاظ المتأخرين؛ لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل، ويجوز ------------------ (١) مسلم (٣٣٢) كتاب: الطهارة، باب: صفة غسل المرأة من الحيض. (٢) ابن ماجه (٦٤٢). (٣) أبو داود (٣١٥). (٤) مسلم (٣٣٢/ ٦١). (٥) «المبهمات» ص ٢٩. تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وأن ابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم في ذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» وأبو نعيم في «مستخرجه» (١) كما ذكره مسلم سواء. خامسها: ترجم البخاري على هذا الحديث دلك المرأة نفسها، ولم يذكره فيه وكأنه أراد أصل الحديث، إذ في مسلم: ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شئون رأسها. أو يكون فهم من قولها: (تتبعي بها أثر الدم): الدلك، وقد قيل، وترجم عليه أيضًا غسل المحيض، ولم يذكر فيه إلا التطيب، وقد ذكره مسلم في حديثه مطولًا كما أشرنا إليه، فكأنه أراد أصل الحديث. سادسها: المحيض هنا: الحيض، ويؤخذ منه، أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه. سابعها: الفرصة -مثلثة الفاء كما حكاه ابن سيده، والكسر أشهرها: القطعة من القطن أو الصوف (٢). وفي أبي داود عن أبي الأحوص أنه كان يقول: قرصة -أي: بالقاف- أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين (٣). ------------------- (١) ١/ ٣٧٨ (٧٤٢). (٢) «المحكم» ٨/ ٢٠٦ مادة: (فرص). (٣) سبق تخريجه. وقال أبو عبيد وابن قتيبة: إنما هو قرضة بالقاف المضمومة والضاد المعجمة (١)، وتدل عليه الرواية السالفة: (فرصة ممسكة). ثامنها: المسك -بكسر الميم- يذكر ويؤنث وهو المعروف، (وممسكة) في الرواية الأخرى بتشديد السين، أي: مطيبة بالمسك، وأبعد من خفف السين، وفتحها أو كسرها، أي: من الإمساك. وادعى القاضي عياض أن الفتح في المسك رواية الأكثرين (٢) وهو الجلد، أي: عليه منه شعر، وبه جزم ابن قتيبة، وأن معناه الإمساك؛ لأنه لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا. وقال الزمخشري: ممسكة، أي: خَلِقًا فإنه أصلح لذلك، ولا يستعمل الجديدة للارتفاق به، وذلك غريب منهما، وكيف يصح أن يقال: خذي قطعة من إمساك، والمسك عند أهل الحجاز كثير. ولما ذكر الخطابي قول ابن قتيبة أن المسك لم يكن عندهم ممتهنًا، قال: الذي قاله أشبه، فلما ذكر قوله: قطعة قطن أو صوف مطيبة بمسك قال: فيه بُعُد (٣). تاسعها: «سُبْحَانَ اللهِ!»، هنا المراد بها: التعجب، أي: كيف يخفن مثل هذا الظاهر، وقولها: (تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ) يعني: الفرج، وأغرب المحاملي، فقال في «مقدمته»: كل موضع أصابه الدم من بدنها، ومعنى: «توضيء بها»: تنظفي بها. ------------------- (١) «غريب الحديث» لأبي عبيد ١/ ٤٥ - ٤٦. (٢) «إكمال المعلم» ٢/ ١٧١. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٣٢٢. عاشرها: في أحكامه: فيه: استحباب تطييب فرج المرأة، تأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليها مسكًا أو نحوه، وتدخله في فرجها بعد الغسل على الصواب، والنفساء مثلها. وفيه: استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وقول: سبحان الله عند التعجب، وأن للسائل أن يتفهم السؤال إذا لم يفهم أولًا، وتكرير الجواب، واستعمال الحياء والإعراض بالوجه، وأن السائل إذا لم يتفهم فهمه بعض من في المجلس والعالم يسمع، إن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه: حدثني وأخبرني. ثم اعلم أن غسل المرأة من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، وتزيد على ذلك استعمال الطيب. ١٥ - باب امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ ٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّن تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وإِنَّمَا كنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرةٍ. فَقَالَ لَهَا رسول اللهِ - ﷺ -: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الَحجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الَحصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم:١٢١١ - فتح: ١/ ٤١٧] حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، ثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاع، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَعَ، وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَة. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي التِي نَسَكْتُ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: اعترض الداودي في «شرحه»، فقال: ليس فيما أتى به حجة على ما ترجم له؛ لأن عائشة إنما أمرت أن تمتشط بالإهلال بالحج وهي حينئذ حائض، ليس عند غسلها منه، قلت: لكن إذا شرع في المسنون فالواجب أولى ولعل هذا هو الذي لمحه البخاري. ثانيها: ظاهر حديث عائشة هذا أنها أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعده، لكن قولها في الحديث السالف: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكر إلا الحج). وقد اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة عنها: (فأهللنا بعمرة)، وفي رواية أخرى: (ولم أهل إلا بعمرة)، وفي أخرى: (لا نذكر إلا الحج) وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج)، وفي رواية القاسم عنها: (لبينا بالحج)، وله: (مهلين بالحج). واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من رجح روايات الحج وغلط رواية العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١)، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت فيمن فسخ وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها، حتى حاضت تعذر عليها إتمامها والتحلل منها، فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت فصارت قارنةً، ووقفت وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر فأفاضت. وذكر ابن حزم أنه - ﷺ - خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة أو التمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل فرضًا إلا من معه الهدي (٢). ---------------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١. (٢) «المحلى» ٧/ ١٠٥. وفي «الصحيح» أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: «اجعلوها عمرة» (١). ثالثها: قولها: (يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه لَيْلَةُ عَرَفَة … إلى آخره) ظاهره أنه أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها، وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوت الحج أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، وحمله بعض المالكية على أنه - ﷺ - أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة (٢)؛ لأن الحج والعمرة لا يأتي الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامها، واعتذروا عن هذِه الألفاظ بتأويلات: أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عُجْرة في الحلق للأذى. ثانيها: أنه خاص بها. ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر والتسريح. وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال، فأمر به -------------------- (١) رواه مسلم (١١/ ١٢) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنَّهُ يجوز إفراد الحج والتمتع. (٢) انظر: «الهداية» ١/ ٣٣، «عيون المجالس» ٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩، «البيان» ٤/ ٣٠٨، «المغني» ٥/ ١٠٨ - ١٠٩. ابن عمرو (١) والنخعي (٢)، ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين بينهما فرق، ولم توجبه عليها فيهما عائشة، وأم سلمة (٣) وابن عمر وجابر (٤) وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء (٥)، والعبرة بالوصول، فإن لم يصل تنقض. رابعها: قوله: «وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» أي: عن إتمامها، يؤيده قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» (٦). خامسها: عبد الرحمن: هو أخوها، والحصبة: بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، أي: ليلة نزول المحصب، وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، وهو خيف بني كنانة، ربما سمي الأبطح والبطحاء لقربه منه، نزله الشارع بعد النفر من منى؛ لأنه بعث لخروجه، وبعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتعتمر وتكمل أفعال عمرتها وتوافيه به، وطاف هو للوداع ووافاها في الطواف. ------------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٧٣ (٧٩٣). (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٧٣ (٧٩٤). (٣) انظر: «المصنف» ١/ ٧٣ (٧٩٢، ٧٩٥). (٤) انظر: «المصنف» ١/ ٧٤ (٨٠٢، ٨٠٥). (٥) انظر: «البناية» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، «التمهيد» ٢٢/ ٩٨ - ٩٩، «المغني» ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، «نيل الأوطار» ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩. (٦) رواه مسلم (١٢١١/ ١٣٢) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء 1 والزوار 11) | |
| ابوالوليد المسلم |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |