الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 8 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         العلاقة بين صلاة الفجر والنصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          المال ظل زائل وعارية مستردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          العناية بحقوق العباد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الوجوه والنظائر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          إفشاء الأسرار في التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          العقارب… وموسم الهجرة من الرمل إلى العقول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          الحِرْص في طلَب العِلْم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الرد على من ينكر الإسراء والمعراج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الإيمان بالقدر خيره وشره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          أثر المتصوفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #71  
قديم 13-01-2026, 01:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 196الى صــ 210
الحلقة (71)




٢ - وعن عمرو بن مرَّة الجهَنيّ -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إِن شهدْتُ أن لا إِله إِلا الله، وأنّك رسول الله، وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدّيتُ الزكاة، وصمت رمضان، فممّن أنا؟ قال: من الصدِّيقين والشُّهداء» (١).
٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَقُ فيها أبواب الجحيم وتُغَلُّ (٢) فيه مردَةُ (٣) الشياطين (٤)، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم» (٥).
٤ - وعن عرفجة قال: عُدنا عتبة بن فرقد: فتذاكَرنا شهر رمضان، فقال: ما تذْكرون؟ قلنا: شهر رمضان.
قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُفتَح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَق فيه أبواب النار، وتُغَلُّ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير (٦)

-------------------
(١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«واللفظ لابن حبان، وصحّحه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٩).
(٢) تُغَلّ: من الإِغلال، وهو وضْع الغُلّ أو الطوق في يده أو عُنقه.
(٣) مرَدة: جمع المارد وهو العاتي الشديد، وانظر»النهاية«.
(٤) قال في»المرقاة«(٤/ ٤٥١):»يُفهم من هذا الحديث أن المقيَّدين هم المَردة فقط«.
(٥) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٩٩٢)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٥)، و»المشكاة«(١٩٦٢) و»تمام المنّة" (٣٩٥).
(٦) أي: يا طالب.


هَلُمَّ، ويا باغيَ الشّرّ أقْصِر (١) «(٢).
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في»صحيحه«(٣/ ١٨٨):»باب ذِكر البيان أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنَّما أراد بقوله: «وصُفِّدت الشياطين» مرَدة الجِنّ منهم؛ لا جميع الشياطين، إِذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذَكَر دعاء الملَك في رمضان إِلى الخيرات، والتقصير عن السيِّئات، مع الدليل على أنّ أبواب الجنان إِذا فُتحت لم يغلق منها باب، ولا يُفتَح باب من أبواب النيران إِذا أُغلقت في شهر رمضان.
ثمّ روى إِسناده إِلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: إِذا كان أوَّل ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين مرَدة الجِنّ، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنان فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرِّ أقْصِر، ولله عُتَقاء من النار» (٣).
٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس والجُمُعة إِلى الجُمُعة ورمضان إِلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن، إِذا اجتُنبت الكبائر» (٤).

-------------------
(١) أي: أمسِك.
(٢) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٩٩٣)، وغيرهما.
(٣) قال شيخنا -رحمه الله- (١٨٨٣): إِسناده حسن، للخلاف في أبي بكر بن عيَّاش من قِبَل حِفْظِه.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٣٣، ولشيخنا -رحمه الله- كلام طيِّب في هذا الحديث فانظره -إِن شئت- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٢١٢) تحت رقم (٣٤٨)، وانظر للمزيد من الأحاديث «صحيح الترغيب والترهيب» (صيام رمضان احتسابًا ...).



الترهيب مِن الفِطْر في رمضان
عن أبي أُمامَة الباهليِّ -رضي الله عنه- قال: سمِعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعَيَّ (١) فأتيا بي جَبَلًا وعرًا، فقالا: اصعد. فقلت: إِني لا أُطِيقه. فقال: إِنّا سنسهِّلُه لك.
فصعدت، حتى إِذا كنتُ في سواء الجبل إِذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار.
ثمّ انطلق بي، فإِذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢)، مشقَّقة أشداقهم (٣)، تسيل أشداقهم دمًا، قال: قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحلَّة صومِهم (٤).» (٥) الحديث.

بمَ يثبُت الشهر؟
يثبت شهر رمضان برؤية الهلال من واحد عَدْل، أو بإِكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا.

--------------------
(١) ضبْعيّ: مثنى ضبْع -بسكون الباء- وسط العضد وقيل: هو ما تحت الإِبْط، وانظر «النهاية».
(٢) العراقيب: مفردها العُرقوب: وهو الوَتَر خلفَ الكعبين بين مَفْصِل القدم والساق. وانظر «النهاية».
(٣) الأشداق: جوانب الفم.
(٤) أي: يفُطرون قبل وقت الإِفطار، والتاء في التحلَّة زائدة.
(٥) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (٩٩١).



عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «تراءى (١) الناس الهلال فأخبرْتُ النّبيّ - ﷺ - أنِّي رأيته، فصام وأمَر الناس بصيامه» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته (٣)، وأَفطِروا لرؤيته (٤) فإِن غُبّي (٥) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين» (٦).
وقد ورد في بعض النصوص الأمر بصيام رمضان برؤية شاهدين؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «ألا إِني جالَسْت أصحاب رسول الله - ﷺ - وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أنّ رسول الله - ﷺ - قال:»صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا (٧) لها، فإِنْ غمّ عليكم فأكمِلوا

-----------------
(١) تراءى: أي: تكلّفوا النظر إِليه هل يرونه أم لا، وانظر «النهاية».
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٢)، وغيره، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الإرواء» (٩٠٨).
(٣) أي: لرؤية البعض ولو واحد.
(٤) أي: لرؤية البعض وأقلّهم اثنان.
(٥) غُبِّي: من الغباوة وهو عدم الفِطنة، يقال: غبِي عليّ بالكسر: إِذا لم يعرفه، ومن التغبية، قاله الكرماني، وفي «النهاية»: غَبي [بالتخفيف: أي: خفي ورواه بعضهم غُبّي - بضمّ الغين وتشديد الباء المكسورة- لما لم يسمّ فاعله من الغباء: يشبه الغبَرة في السماء«.
اهـ. وفي بعض الروايات في»الصحيحين«:»غُمّي«، وعند مسلم: (١٠٨١):»وأُغمي«.
(٦) أخرجه البخاري: ١٩٠٩، ومسلم: ١٠٨١.
(٧) قال السّندي -رحمه الله- في حاشيته على»النسائي«(٤/ ١٣٣):»المراد: الحج، أي: الأضحية".



ثلاثين، فإِن شهد شاهدان فصوموا وأفطِروا«(١).
وعن حسين بن الحارث الجدلي -من جديلة قيس-: أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عَهِدَ إِلينا رسول الله - ﷺ -، أن نَنْسُكَ للرؤية، فإِنْ لم نره، وشهد شاهدَا عَدْل نسَكْنا بشهادتهما.
فسألت (٢) الحسين بن الحارث: مَن أمير مكّة؟ قال: لا أدري، ثمّ لقِيَني بعدُ فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب.
ثمّ قال الأمير: إِنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله - ﷺ -، وأومأ بيده إِلى الرجل.
قال الحسين: فقلت لشيخ إِلى جنبي: من هذا الذي أومأ إِليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدَق، كان أعلم بالله منه، فقال (٣): بذلك أَمَرَنا رسول الله - ﷺ -» (٤).
وجاء في «تحفة الأحوذي» (٣/ ٣٧٣): «وقال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- بعد حديث كريب (٥):»والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصِّيَام، وبه يقول ابن المبارك

-------------------
(١) أخرجه أحمد والنسائي والسياق له، وغيرهما، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٠٩): «وهذا سند صحيح رجاله ثقات كلهم».
(٢) السائل: هو أبو مالك الأشجعي الراوي عن حسين بن الحارث الجدلي.
(٣) القائل: عبد الله بن عمر.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٠) وغيره.
(٥) سيأتي بعد قليل إِن شاء الله -تعالى- وهو يفيد قبول شهادة رجل واحد في الصيام.



والشافعي وأحمد.
وقال إِسحاق: لا يصام إِلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإِفطار؛ أنّه لا يُقبل فيه إِلا شهادة رجلين.
وأجاب من قال بقَبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عبّاس وحديث ابن عمر المذكورين؛ يدلاّن على قَبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح».

فائدة:
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢): «فإِناّ نعلم بالإِضطرار من دين الإِسلام؛ أنَّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العِدَّة أو الإِيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب؛ أنَّه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النّبيّ - ﷺ - بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه.
ولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث: إِلا أنّ بعض المتأخّرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنّه إِذا غُمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقّ نفسه بالحساب، فإِن كان الحساب دلّ على الرؤية صام وإلا فلا.
وهذا القول وإنْ كان مقيَّدًا بالإِغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذّ، مسبوق بالإِجماع على خلافه، فأمَّا اتباع ذلك في الصَّحو، أو تعليق عموم الحكم العام به؛ فما قاله مسلم».


إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة؟
اختلف العلماء على مذاهب؛ فيما إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، هل هذا خاصٌّ بأهل البلد الذين رأوه؟ أم هو عامّ لجميع البلاد؟ وقد ذكَرها النووي -رحمه الله- في «المجموع» (٦/ ٢٧٣) والحافظ في «الفتح» (٤/ ١٢٣) وغيرهما.
وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب؛ ذكَرها صاحب»الفتح":
أحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم.
حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمّد وسالم وإِسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحْكِ سِواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.
وثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم؛ إِلا أن يثبت ذلك عند الإِمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم، لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد، إِذ حُكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون.
وثالثها: أنَّها إِنْ تقاربت البلاد؛ كان الحُكم واحد، وإِنْ تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر.
قاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي.
وفي ضبط البعيد أوجه:
أحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصحّحه


النووي في «الرّوضة» و«شرح المهذَّب».
وثانيها: مسافة القصر، قطع به البغوي وصحّحه الرافعي والنووي.
ثالثها: باختلاف الأقاليم حكاه في «الفتح».
رابعها: أنه يلزم أهل كلّ بلد؛ لا يتصور خفاؤه عنهم، بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي.
خامسها: مِثل قول ابن الماجشون المتقدّم.
سادسها: أَنّه لا يلزم إِذا اختلفت الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا؛ كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلًا، أو كان كل بلد في إِقليم، حكاه المهدي في البحر؛ عن الإِمام يحيى والهادوية.
وحُجّة أهل هذه الأقوال؛ حديث كريب (١). ووجه الاحتجاج به أنَّ ابن عبّاس لم يعمل برؤية أهل الشام.
وقال في آخر الحديث: «هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -»، فدل ذلك على أنَّه قد حفظ من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم- أنه لا يلزم أهل بلدٍ العمل برُؤية أهل بلد آخر«.
وقد تقدّم قوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته وأفطرِوا لرؤيته«.
فهذا خطاب لجميع الأمّة، فكما أنَّ رؤية الواحد كالرؤية لأهل البلد؛ كانت الرؤية في البلد؛ كالرؤية في كلّ البلاد.
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ١٠٧):

-------------------
(١) انظر ما فصّله الحافظ -رحمه الله- في»الفتح" (٤/ ١٢٣).


«... فالضابط أنَّ مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته«فمن بلغه أنه رؤي؛ ثبت في حقّه؛ من غير تحديدٍ بمسافة أصلًا ...».
وقال -رحمه الله- (ص ١١١): «... ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إِقليم؛ فقوله مخالفٌ للعقل والشرع».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وإذا رآه أهل بلدٍ؛ لزم سائر البلاد الموافقة، وجْهُهُ الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإِفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمّة، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤيةً لجميعهم».
وقد استدلّ من رأى أنَّ لأهل كل بلد رؤيتهم، وأنّه لا يلزمهم رؤية غيرهم؛ بحديث كُريب "أنَّ أمّ الفضل بنت الحارث بعَثته إِلى معاوية بالشام.
قال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها واسْتُهِلَّ (١) عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- ثمّ ذكَر الهلال فقال: رأيتم الهلال؟
فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه.

-------------------
(١) أي: ظهر عليّ هلال رمضان.


فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا؛ هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ -.
وشك يحيى بن يحيى في: نكتفي أو تكتفي» (١).
جاء في «الشرح الكبير» لشمسِ الدين بن قدامة (٣/ ٨): «... فأما حديث كريب؛ فإِنما دل على أنّهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما محلّ الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٣٧): «وأمَّا استدلال من استدل بحديث كريب ... أنّه استهلَّ عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عبّاس فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه.
ثمّ قال: هكذا أمَرنا رسول الله - ﷺ - ... فغير صحيح (٢)، لأنه لم يُصرّح ابن عبّاس بأنّ النّبيّ- صلى الله تعالى عليه وسلم- أمَرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عبّاس أنه أمرهم بإِكمال الثلاثين أو يروه، ظنًّا منه أنّ المراد بالرؤية رؤية أهل المحلّ.
وهذا خطأ في الاستدلال؛ أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرّقوا في ذلك على ثمانية مذاهب.
وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سمّاها»إِطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال".

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٠٨٧.
(٢) أي: في الاستدلال به لا في الحُكم على صحّة الحديث.



قال في «المسوى»: «لا خلاف في أنّ رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر.
والأقوى عند الشافعي؛ يلزم حُكم البلد القريب دون البعيد، وعند أبي حنيفة يلزم مطلقًا».
وجاء في «نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٧): «واعلم أن الحجَّة إِنِّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس؛ لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إِليه بقوله هكذا أمَرنا رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلمهو قوله:»فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ما أخرَجه الشيخان وغيرهما بلفظ: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإِن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
وهذا لا يختص بأهل ناحية؛ على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنّه إِذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزِمهم.
ولو سلم توجُّه الإِشارة في كلام ابن عبّاس إِلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر؛ لكان عدم اللزوم مقيّدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع.
وعدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛ عملٌ بالاجتهاد وليس بحُجّة ...«.
وقال شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة«(ص ٣٩٨):»... إِنّ


حديث ابن عبّاس ورَد فيمن صام على رؤية بلده، ثمّ بلَغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة؛ يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإِشكال.
ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلَغه رؤية الهلال من أي بلد أو إِقليم؛ من غير تحديد مسافة أصلًا؛ كما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٧)، وهذا أمر متيسِّر اليوم كما هو معلوم، ولكنّه يتطلّب شيئًا من اهتمام الدول الإِسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إِن شاء الله -تبارك وتعالى-.
وإلى أن تجتمع الدول الإِسلامية على ذلك؛ فإِنّي أرى على شَعْب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها -تقدّمت في صيامها أو تأخّرت- لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشَّعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية، منذ بضع سنين. والله المستعان«. انتهى.
وعن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار، فصام يوم الاثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد.
فقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل، ولا أهلُ مِصره، إِلا أن يعلموا أنَّ أهل مصر من أمصار المسلمين؟ قد صاموا يوم الأحد فيقضونه» (١).

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٤٥)، وقال شيخنا -رحمه الله-: صحيح مقطوع.


إِذا أُغْمِيَ هلال شوال وأصبح النَّاس صيامًا
عن أبي عُمير بن أنس بن مالك قال: «حدَّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أُغْمِي علينا هلال شوّال، فأصبحنا صيامًا، فجاء رَكْب من آخر النَّهار، فشَهِدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنَّهم رأوا الهلال بالأمس.
فأمَرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد» (١).

هل يصوم أو يُفطر مَنْ رأى الهلال وحده؟
اختلف العلماء في هذا، فمنهم من رأى إِيجاب الصوم والفطر لمن انفرد برؤية الهلال؛ استنادًا إِلى الحديث المتقدّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
ومنهم من رأى أنه لا يصوم ولا يُفطر إلاَّ مع الناس؛ استنادًا لقوله - ﷺ -: «الصوم يومَ تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (٢).
وعن مسروق قال: «دخلت على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقًا سويقًا، وأكثروا حلواه.
قال: فقلت: إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس» (٣).

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠) وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦٣٤).
(٢) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٢٤).
(٣) وحسنه شيخنا -رحمه الله- لغيره في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٢٤).



قال شيخنا -رحمه الله- عقب حديث:»الصوم يوم تصومون ... «في»الصحيحة«(١/ ٤٤٣):»... قال الترمذي عقب الحديث: «وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إِنّما معنى هذا؛ الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس».
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٧٢): «فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية.
وذكَر معنى هذا ابن القيم -رحمه الله- في»تهذيب السنن«(٣/ ٢١٤)، وقال:»وقيل: فيه الردُّ على من يقول: إِنَّ مَنْ عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَنْ لم يعلم.
وقيل: إِنَّ الشاهد الواحد إِذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنّه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس.
وقال أبو الحسن السندي في «حاشيته على ابن ماجه» -بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: «والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة.
وعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك».
قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا المعنى هو المتبادر من


الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: «النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس».
قلت: -أي شيخنا رحمه الله-: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صوابًا من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة.
ألا ترى أنّ الصحابة -رضي الله عنهم- كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟!
فلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء.
ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقًا في ذلك المجتمع؛ فرارًا ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.
فروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان -رضي الله عنه- صلّى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِرًا عليه: صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إِمارته ثمّ





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #72  
قديم 13-01-2026, 02:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 211الى صــ 225
الحلقة (72)




أتمَّها، ثمَّ تفرَّقت بكم الطرق، فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين.
ثمّ إِنّ ابن مسعود صلّى أربعًا! فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعًا؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح.
وروى أحمد (٥/ ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرّ -رضي الله عنهم أجمعين-.
فليتأمّل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور؛ أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمّة المساجد، وخاصّة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحُجّة كونهم على خلاف مذهبهم!
وبعض أولئك الذين يدّعون العلم بالفلك ممّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدّمًا أو متأخِّرًا على جماعة المسلمين؛ معتدًّا برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم ...» انتهى.
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٠٤): «فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية؛ باتفاق العلماء، إِلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرًاّ؟ على قولين للعلماء أصحّهما لا يفطر سرًّا، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما».
وقال شيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله تعالى- في «تمام المِنّة» (ص ٣٩٩): «ومِن (مَنْ رأى الهلال وحده) وتحت هذا العنوان الجانبي قال:»واتفقَت أئمّة الفقه على أنّ مَن أبصَر هلال الصوم وحده أن

يصوم».
فأقول: هذا ليس على إِطلاقه، بل فيه تفصيل ذكَره شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتوى له، فقال (٢٥/ ١١٤): «إِذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إِلا مع النّاس؟ على ثلاثة أقوال؛ هي ثلاث روايات عن أحمد».
ثمّ ذكَرها، والذي يهمّنا ذِكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله: «والثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النّبيّ - ﷺ -:»صومكم يوم تصومون، وفِطركم يوم تُفطرون، وأضحاكم يوم تُضْحون«. رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال: وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إِنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس».
وهذا الحديث مخرج في «الصحيحة» (٢٢٤)، و«الإِرواء» (٩٠٥) من طرق عن أبي هريرة، فمن شاء رجَع إِليها.
ثمّ قال ابن تيمية (١١٧) -رحمه الله تعالى-: «لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إِذا رآه صام، فإِنه ليس هناك غيره»«. انتهى.
قلت: وهذا الذي ينبغي أن يصار إِليه، إِذ قوله - ﷺ -:»الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون ...". يُفهِم أنّ هذا جاء لإِلغاء الصوم أو الفطر الفردي، سواءٌ أصحّت الرُّؤية أم لم تصحّ، وإلا فلا قيمة للحديث ألبتة عياذًا بالله. والله أعلم.


أركان الصوم
١ - النيّة: قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء (١)﴾ (٢).
وعن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّما الأعمال بالنيات، وإنِّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (٣).
ولا بُدّ من أن تكون النيّة قبل الفجر من كلّ ليلة؛ لحديث حفصة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يُجمع (٤) الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٥).
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٥٣٩): «وأمَّا أنَّه يجب تجديد النية لكلّ يوم؛ فلا يخفى أنَّ النيّة هي مجرّد القصد إِلى الشيء، أو الإِرادة له من دون اعتبار أمر آخر. ولا ريب أنّ من قام في وقت السحر، وتناوَل طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيّام الصوم؛ فقد حصَل له القصد المعتبر، لأنّ أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك» انتهى.

----------------------
(١) حُنفاء: أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام. «تفسير البغوى».
(٢) البيِّنة: ٥.
(٣) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧.
(٤) الإِجماع: إِحكام النيّة والعزيمة؛ أجمعْتُ الرأي وأزْمعْته وعزمْت عليه؛ بمعنى«.»النهاية«.
(٥) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«(١٩٣٣) ومن طريقه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢١٤٣)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٩١٤).



أمّا صيام التطوّع؛ فالأمر فيه أوسع، فإِنّه يمكن لمن لم يبيّت النية من الليل أنْ ينوي ذلك في النهار.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - ذات يوم: «يا عائشة! هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: «فإِني صائم» (١).
وبوّب له ابن خزيمة -رحمه الله- بقوله: «باب الدليل على أنّ النّبيّ - ﷺ - أراد بقوله:»لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل«الواجب من الصيام دون التطوّع منه».
وذكَر حديث عائشة -رضي الله عنها- وهناك من ذهب من العلماء أنها تجزئ قبل الزوال وبعده، ومنهم من قال: قبل الزوال.
قال النووي -رحمه الله- في تبويب «صحيح مسلم» (٢/ ٨٠٨) «باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن ذلك فقال:»قبل الزوال".
٢ - الإمساك عن المفطّرات؛ من طلوع الفجر إِلى غروب الشمس.
قال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ (٢) وابتغوا ما كتب الله لكم (٣) وكلوا

------------------
(١) أخرجه مسلم: ١١٥٤.
(٢) أي: جامعوهنّ.
(٣) يعني من الولد.



واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (١) من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام إِلى الليل﴾ «(٢).

على من يجب؟
يجب صوم رمضان على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنّفاس (٣).

------------------
(١) وهو سواد الليل وبياض النهار كما في»صحيح البخاري«(١٩١٧)، و»مسلم«(١٠٩١)، من حديث سهل بن سعد قال:»أنزلت ﴿وكُلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ فكان رجالٌ إِذا أرادوا الصوم ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزَل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار«.
عن البراء -رضي الله عنه-»لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله ﴿عَلِم الله أنَّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾«. أخرجه البخاري: ٤٥٠٨.
وفي رواية له (١٩١٥):»كان أصحاب محمّد - ﷺ - إِذا كان الرجل صائمًا فحضَر الإِفطار فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلِق فأطلُب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلمّا رأته قالت: خيبةً لك، فلمّا انتصف النهار غُشي عليه، فذكَر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية: ﴿أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إِلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾«.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣)»فقه السنة" (١/ ٤٣٨) بحذف يسير.



ودليل عدم وجوبه على المجنون وغير البالغ قوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (١).
ودليل عدم وجوبه على غير الصحيح والمقيم قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدّة (٢) من أيّام أُخر (٣)﴾ (٤).

صيام الصبي
ومع ما تقدّم من القول بعدم وجوب الصوم على الصبي؛ إلاَّ أنه ينبغي على وليِّ أمْره؛ أن يوجّهه إِلى الصوم؛ ليعتاده وينشأ عليه منذ صِغَره.
عن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: «أرسل النّبيّ - ﷺ - غداة عاشوراء إِلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتمّ بقيّة يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم.
قالت: فكنّا نصومه بعدُ، ونصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهن (٥)، فإِذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك؛ حتى يكون عند

----------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٧٠٣) وغيره، وانظر»الإِرواء«(٢٩٧)، وتقدّم في»كتاب الزكاة«.
(٢) أي: فعليه عِدّة، والعدد والعِدّة واحد.
(٣) ﴿من أيّام أُخر﴾ أي: غير أيّام مرضه وسفره.»تفسير البغوي".
(٤) البقرة: ١٨٤.
(٥) أي: الصوف.



الإِفطار» (١).
وفي رواية: «ونصنع لهم اللعبة من العِهن، فنذهب به معنا، فإِذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتمُّوا صومهم» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٢٠٠): «والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحبّ جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري.
وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إِذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحَدّه إِسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين ...».
وقال -رحمه الله- (ص ٢٠١): «وفي الحديث حُجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدّم لأنّ من كان في مثل السن الذي ذُكر في هذا الحديث؛ فهو غير مكلّف، وإنما صنَع لهم ذلك للتمرين».

من يُرخّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية
* يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعًا من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال.

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٠، ومسلم: ١١٣٦.
(٢) أخرجه مسلم: ١١٣٦.



هؤلاء جميعًا يُرخّص لهم في الفطر، إِذا كان الصيام يُجْهدهم، ويشقّ عليهم مشقّة شديدة في جميع فصول السنة.* (١)
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٥٥٢) (٢): وفي لفظ آخر عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أنه قال: «كنّا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ -، من شاء صام ومن شاء أفطر فَافْتَدَى بطعام مسكين، حتى أُنزلت هذه الآية: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصُمه﴾» (٣).
والكبير العاجز عن الأداء والقضاء؛ يُكفِّر عن كل يوم بإِطعام مسكين؛ لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في «الصحيحين» وغيرهما قال: «لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه فِديةٌ طعامُ مسكين﴾ (٤) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسَخَتها (٥)» (٦).
وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدّم وزاد: «ثمّ

------------------
(١) العنوان وما بين نجمتين من»فقة السنة«(١/ ٤٣٩).
(٢) بزيادة اللفظ الثاني لسلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-.
(٣) أخرجه مسلم: ١١٤٥.
(٤) البقرة: ١٨٤.
(٥) فنسختها: يعني أنهم كانوا مُخيّرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية، ثمّ نُسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله تعالى: ﴿فمن شَهد منكم الشهر فليصُمه﴾ قاله المعلِّق على»صحيح مسلم" -رحمه الله-.
(٦) أخرجه البخاري: ٤٥٠٧، ومسلم: ١١٤٥.



أنزَل الله: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصمه﴾ «(١).
فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام».
وعن عطاء أنه سمع ابن عبّاس يقرأ: «﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ قال ابن عبّاس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة؛ لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كلّ يوم مسكينًا» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٧): «ورواه النسائي (١/ ٣١٨ - ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه، ولفظه:»﴿يطيقونه﴾ يكلَّفونه، ﴿فديةٌ طعام مسكين فمن تطوّع خيرًا﴾ طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة ﴿فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ لا يرخّص في هذا؛ إِلا للذي لا يطيق الصيام، أو مريض لا يشفى.
قلت: وإسناده صحيح ...«.
وجاء في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ٢١٧):»وسُئل عن رجل كلَّما أراد أن يصوم أُغمِي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيّامًا لا يفيق، حتى يُتّهم أنّه جنون، ولم يتحقّق ذلك منه.
فأجاب: الحمد لله، إِنْ كان الصوم يوجب له مِثل هذا المرض؛ فإِنه يُفطِر ويقضي، فإِنْ كان هذا يصيبه في أي وقتٍ صام؛ كان عاجزًا عن الصيام؛ فيُطعم عن كل يوم مسكينًا، والله أعلم«.

---------------------
(١)»صحيح سنن أبي داود" (٤٧٩).
(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٠٥.



والحُبلى والمرضع إِذا لم تطيقا الصوم أو خافتا على أنفسهما أو أولادهما أفطرتا وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما.
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»إِذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يُفطران، ويُطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا«(١).
قال شيخنا في»الإِرواء«(٤/ ١٩):»وفي رواية له (٢) بالسند المذكور عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: «أنّه رأى أمّ ولد له حاملًا أو مرضعًا فقال: أنتِ بمنزلة الذي لا يطيق، عليكِ أن تطعمي مكان كلّ يوم مسكينًا، ولا قضاء عليك».
زاد في رواية (٢٧٦١) عن سعيد به: «أنَّ هذا إِذا خافت على نفسها».
ورواه الدارقطني (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: «أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء».
وقال الدارقطني: «إِسناده صحيح».
ثمّ روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس وابن عمر قال: «الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي». وقال: «وهذا صحيح».
قلت -أي شيخنا رحمه الله-: ورواه ابن جرير من طريق علي بن ثابت

-----------------------
(١) أخرجه الطبري، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٩): وإِسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) أي: للطبري -رحمه الله-.



عن نافع عن ابن عمر مِثل قول ابن عبّاس في الحامل والمرضع، وسنده صحيح ولم يسُق لفظه.
وقد رواه الدارقطني من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: «أن امرأته سألته وهي حُبْلى، فقال: أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكينًا، ولا تقضي»، وإسناده جيد.
ومن طريق عبيد الله عن نافع قال: «كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملًا، فأصابها عطش في رمضان، فأمَرها ابن عمر أن تُفطر وتُطعم عن كلّ يوم مسكينًا»، وإِسناده صحيح.
ومنها ما عند الدارقطني وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عبّاس قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ يقول:
«هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيُفطر ويُطعم عن كلّ يوم مسكينًا؛ نصف صاع من حنطة».
وأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: «إِذا عجَز الشيخ الكبير عن الصيام؛ أطعم عن كلّ يوم مُدًّا مُدًّا». وقال: «إِسناده صحيح».
وعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الله وضع عن

----------------------
(١) جاء في»عون المعبود«(٧/ ٣٣):»قال في «المرقاة» هو من بني عبد الله بن كعب على ما جَزم به البخاري في ترجمته، وجرى عليه أبو داود فقال: رجل من بني عبد الله بن كعب، أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري؛ خلافًا لما وقع لابن عبد البر؛ لأنّ كعبًا له ابنان عبد الله جد أنس هذا، وقشير وهو أخو عبد الله ... وأما أنس بن مالك خادم النّبيّ - ﷺ - فهو أنصاري خزرجي. انتهى".


المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى» (١).

من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء
* يباح الفِطْر للمريض الذي يُرجى برؤه والمسافر، ويجب عليهما القضاء. * (٢)
قال الله تعالى: ﴿ومن كان منكم مريضًا أو على سفر فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخر﴾ (٣).
وفي حديث معاذ بن جبل الطويل -رضي الله عنه-: «... فإِنّ رسول الله - ﷺ -، كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ إِلى قوله: ﴿طعام مسكين﴾.
فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يُفطر ويُطعم كلّ يوم مسكينًا أجزأه ذلك، وهذا حول، فأنزل الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن﴾ إِلى ﴿أيّام أُخر﴾ فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم» (٤).

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٠٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢١٤٦)، والترمذي وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٢٠٢٥).
(٢) العنوان وما بين نجمتين من «فقه السنة» (١/ ٤٤١).
(٣) البقرة: ١٨٥.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٩)، وغيره، وانظر «الإرواء» (٤/ ٢٠)، وتقدّم.



وعن أنس بن مالك أنه ضعُف عن الصوم عامًا، فصنع جفنة ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبَعهم» (١).
* والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يُفطر، مِثل المريض، وكذلك من غلَبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزِمه الفطر، وإِنْ كان صحيحًا مقيمًا، وعليه القضاء.
قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيمًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣).
وإِذا صام المريض، وتحمَّل المشقَّة، صحّ صومه، إِلا أنه يُكره له ذلك؛ لإِعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. * (٤)

وأمَّا الرُّخصة للمسافر؛ ففيها أحاديث عديدة؛ منها:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «غزونا مع رسول الله - ﷺ -
لستَّ عشرة مضَت من رمضان، فمنّا من صام ومنّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٥).
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنّه قال للنّبيّ - ﷺ -: «أأصوم في السفر؟

-------------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٤/ ٢٢): وسنده صحيح .. وعلّق البخاري بنحوه.
(٢) النساء: ٢٩.
(٣) الحج: ٧٨.
(٤) ما بين نجمتين عن»فقه السنة" (١/ ٥٥٤).
(٥) أخرجه مسلم: ١١١٦.



-وكان كثير الصيام- فقال: إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطرِ» (١).
وفي رواية: «أنّه قال: يا رسول الله! أجد بي قوَّة على الصِّيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هي رخصة من الله، فمن أخَذ بها فحسَن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٣) (١/ ٣٧٧): بعد كلام طويل: «والحقّ أنّ الحديث يفيد التخيير لا التفضيل».

أيّهما أفضل للمريض والمسافر؛ الفطر أم الصوم؟
إِذا لم يجد المسافر أو المريض مشقةً في الصوم، جاز له الصوم، وإن وجدا المشقّة فعليهما أن يُفطِرا.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كنّا مع النّبيّ - ﷺ - في السفر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلًا في يوم حارّ أكثرُنا ظلًاّ صاحب الكساء (٤)، ومنّا من يتّقي الشمس بيده.
قال: فسقط الصُّوَّام (٥)، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوُا الرِّكاب (٦)،

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٣٤.
(٢) أخرجه مسلم: ١١٢١.
(٣) انظره للمزيد من الفوائد الفقهية إِن شئت.
(٤) في رواية البخاري -رحمه الله-: «... أكثرُنا ظلًاّ الذي يستظلّ بكسائه».
(٥) أي: لضعفهم.
(٦) الرّكاب: الإِبل التي يُسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحدة لها من لفظها. «مختار الصحاح».



فقال رسول الله - ﷺ -: «ذهب المُفطرون اليوم بالأجر» (١).
وعن قَزَعَة قال: «أتيت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- وهو مكثور عليه (٢)، فلما تفرّق الناس عنه، قلت: إِني لا أسألك عمَّا يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر، فقال: سافَرنا مع رسول الله - ﷺ - إِلى مكّة ونحن صيام. قال: فنزَلنا منزلًا، فقال رسول الله - ﷺ -:»إِنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم«. فكانت رخصة، فمنّا من صام ومنّا من أفطر.
ثمّ نزلنا منزِلًا آخر، فقال:»إِنكم مُصَبِّحو عدوِّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا«. وكانت عَزْمَة (٣)، فأفطرنا ثمّ قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر» (٤).
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إِلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاعَ الغميم، فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفَعه، حتى نظر الناس إِليه، ثمّ شرب.
فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العُصاة، أولئك العصاة» (٥).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، ومسلم: ١١١٩، واللفظ له.
(٢) قال في «النهاية»: «يقال: رجل مكثور عليه، إذا كثُرت عليه الحقوق والمطالبات، أراد أنّه كان عنده جمع من الناس؛ يسألونه عن أشياء، فكأنهم كان لهم عليه حقوقٌ، فهم يطلبونها».
(٣) العَزْمة: ضدّ الرخصة.
(٤) أخرجه مسلم: ١١٢٠.
(٥) أخرجه مسلم: ١١١٤.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #73  
قديم 13-01-2026, 02:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 226الى صــ 240
الحلقة (73)




قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٥٦): وفي خَبَر أبي سعيد أنّ النّبيّ - ﷺ - أتى على نهر من ماء السماء من هذا الجنس أيضًا.
قال في الخبر: «إِنّي لست مثلكم، إِني راكب وأنتم مشاة، إِني أيسركم» (١).
قال ابن خزيمة -رحمه الله-: «فهذا الخبر دلّ على أنَّ النّبيّ - ﷺ - صام وأمرَهم بالفطر في الابتداء، إِذ كان الصوم لا يَشُقّ عليه إِذ كان راكبًا، له ظهْر لا يحتاج إِلى المشي، وأمَرهم بالفطر إِذ كانوا مشاة يشتدُّ عليهم الصوم مع الرجَّالة (٢).
فسمّاهم - ﷺ - عصاة إِذ امتنعوا من الفطر بعد أمر النّبيّ - ﷺ - إِياهم، بعد عِلمه أن يشتد الصوم عليهم، إِذ لا ظهر لهم، وهم يحتاجون إِلى المشي».
وعن جابر قال: «مرّ النّبيّ - ﷺ - برجل يقلب ظهره لبطنه، فسأل عنه، فقالوا: صائم يا نبي الله!
فدعاه، فأمَره أن يفطر فقال: أَمَا يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟!» (٣).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٦/ ١٨٦): «وله طرق أخرى عن جابر بنحوه في»الصحيحين«وغيرهما، وهي مخرجة في»الإِرواء«(٩٢٥). وفي الحديث دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز الصوم في السفر إِذا كان

------------------
(١) أخرجه الإِمام أحمد وابن خزيمة في»صحيحه" (٢٠٢٢)، وقال شيخنا: إِسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبّان.
(٢) جمع راجل، وهو الماشي على رجليه.
(٣) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم.


يضرّ بالصائم، وعليه يُحمَل قوله - ﷺ -: «ليس من البر الصِّيام في السفر».
يوضّح ما قاله شيخنا -رحمه الله- مناسبة الحديث؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - في سفرٍ فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر» (١).
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٥٥): «أي: ليس البر الصوم في السفر؛ حتى يُغشى على الصائم ويحتاج إِلى أن يُظلل ويُنضح عليه، إِذ الله -عز وجل- رخّص للمسافر في الفطر، وجعل له أن يصوم في أيّام أخر، وأعلم في حُكم تنزيله؛ أنه أراد بهم اليسر لا العسر في ذلك، فمن لم يَقبل يُسر الله، جاز أن يقال له: ليس الحسر أخذك بالعسر عليك من البّر.
وقد يجوز أن يكون في هذا الخبر:»ليس البر أن تصوموا في السفر«، أي: ليس كل البرّ هذا، قد يكون البر أيضًا [أن] تصوموا في السفر [و] قبول رخصة الله والإِفطار في السفر».
وقوله: «أولئك هم العصاة»، وفيما سوى ذلك فهو مخير إِن شاء الله صام، وإِن شاء أفطر، وهذا خلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب، فلا تعارض بينها والحمد لله«.
وقال -رحمه الله- (ص ٢٦٠): (باب استحباب الصوم في السفر لمن قوي عليه، والفِطر لمن ضعُف عنه).
ثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- المتقدّم ...»فلم

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٤٦، ومسلم: ١١١٥.


يَعِبْ المفطر على الصّائم ولا الصّائم على المُفطر».
وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١/ ٣٧٧): «... يمكن الاستدلال لتفضيل الإِفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول:»إِنّ الله يحبّ أن تؤتى رُخَصه كما يَكره أن تؤتى معصيته (وفي رواية: كما يحبّ أن تؤتى عزائمه) «(١).
وهذا لا مناص من القول به، لكن يمكن أن يقيَّد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء، وليس عليه في الأداء، وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود، فتأمّل». انتهى.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٣): «وسُئل رحمه الله عمّن يكون مسافرًا في رمضان، ولم يُصبه جوع، ولا عطش، ولا تعب، فما الأفضل له، الصيام؟ أم الافطار؟
فأجاب: أمّا المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقّة، والفطر له أفضل، وإن صام جاز عند أكثر العلماء، ومنهم من يقول لا يجزئه».
قلت: والراجح القول الأوّل لِما تقدّم، والله -تعالى- أعلم.

هل يجوز له الفطر إِذا نوى الصيام وهو مقيم ثمّ سافر نهارًا؟
إِذا نوى المرء الصيام أو شرع فيه ثمّ سافر أثناء النهار، جاز له الفطر.
فعن محمّد بن كعب أنه قال: «أتيتُ أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلَت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت

---------------------
(١) أخرجه أحمد في»مسنده«وغيره، وصححه شيخنا في»الإِرواء" (٥٦٤).


له: سُنّة؟ فقال: سُنّة، ثمّ ركب«(١).
وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع، ثمّ قرّب غداءه، ثمّ قال: اقترب، فقلت: ألست في البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سُنّة رسول الله - ﷺ -؟» (٢).
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عَقِب حديث محمّد بن كعب: «وقد ذهب بعض أهل العلم، إِلى هذا الحديث، وقال: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة، حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول: إِسحاق بن إِبراهيم».
قال الشوكاني -رحمه الله- (٣): «والحديثان يدلاّن على أنّ للمسافر أن يفطر قبل خروجه؛ من الموضع الذي أراد السفر منه».
قال شيخنا -رحمه الله- في كتابه النافع «تصحيح حديث إِفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر» (ص ٢٨) -بعد الحديث الأوّل-: «وله شاهد من القرآن الكريم والسُّنّة:
أمّا القرآن: فهو قول الله تبارك وتعالى: ﴿فمن كان مريضًا أو على سفر

-----------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٤١)، وانظر»تصحيح حديث إِفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر والردّ على مَن ضعَّفه «لشيخنا -رحمه الله-.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢١٠٩)، وانظر»تمام المِنّة«(ص ٤٠٠)، و»الإِرواء«(٩٢٨).
(٣)»نيل الأوطار«(٤/ ٣١١)، وذكَره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (١/ ٤٤٤).



فعدّةٌ من أيّام أُخَر﴾، فإِن قوله: ﴿على سفر﴾ يشمل من تأهَّب للسَّفر ولمَّا يخرج، وقد صرّح الإِمام القرطبي في تفسيره»الجامع لأحكام القرآن«... أنّ ذلك مقتضى الآية».
ثمّ ذكَر -رحمه الله- للحديث شواهد من السُّنّة منها:
١ - عن اللجلاج قالوا (كذا الأصل: ولعله: اللجلاج وغيره قالوا): كنّا نسافر مع عمر -رضي الله عنه- ثلاثة أميال فيتجوّز في الصلاة ويفطر.
رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥١/‏٢) بإِسناد حسن أو قريب منه.
٢ - عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: ألم أُنبَّأ أنك إِذا خرجْتَ خرجت صائمًا، وإذا دخلتَ دخلتَ صائمًا؟ فإِذا خرجتَ فاخرج مُفطرًا، وإِذا دخلتَ فادخل مُفطرًا.
رواه الدارقطني (ص ٢٤١) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بإِسناد صحيح على شرط الستة.
٣ - عن نافع عن ابن عمر أنه خرَج في رمضان فأفطرَ.
رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/‏١) بإِسناد رجاله ثقات.
٤ - عن ابن عبّاس قال: إِنْ شاء صام وإنْ شاء أفطر.
رواه ابن أبي شيبة في «باب ما قالوا في الرجل يُدركه رمضان، فيصوم ثمّ يسافر»، (٢/ ١٥١/‏١) وإسناده صحيح.
٥ - عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه حسوة فشربه وأفطر.


رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/‏١) بإِسناد صحيح.
ثمّ روى هو (٢/ ١٥١/‏٢) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بسند آخر عنه مختصرًا وهو صحيح أيضًا.
٦ و٧ - عن سعيد بن المسيّب والحسن البصري قالا: يفطر إِنْ شاء.
رواه ابن أبي شيبة عقب الأثر الذي قبله وسنده صحيح.
وفي رواية عن الحسن البصري: «يفطر إِنْ شاء في بيته؛ يوم يريد أن يخرج» ذكَرها القرطبي في «تفسيره» (٢/ ٢٧٩).
ثمّ قال -رحمه الله- (ص ٣٤): «إذا تبيّن أنّ الحديث صحيح بلفظ الإِثبات، فهو حُجّة واضحة لما ذهب إِليه الإِمام إِسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي عنه، وقد نقله الشيخ عنه -وفي كتاب»المسائل«لإِسحاق بن منصور المروزي (ق ٢٩/ ١ - ٢) ما نصه:
»قلت (يعني: للإِمام أحمد): إِذا خرج مسافرًا متى يفطر؟ قال: إذا برز عن البيوت، قال إِسحاق (يعني ابن راهويه): بل حين يضع رِجله فله الإِفطار؛ كما فعَل ذلك أنس بن مالك، وسنَّ النّبيِّ - ﷺ - (كذا)، وإذا جاوز البيوت قصَر«.

لا يجوز للحائض أو النفساء أن تصوما، ويجب عليهما القضاء
عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَرُوريَّةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَرُوريَّة، ولكنِّي أسأل.
قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة» (١).

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥، وهذا لفظه.


كان صيام تسع وعشرين لرمضان على عهد النّبيّ - ﷺ - أكثر من صيام ثلاثين
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «لَمَا (١) ضمنا مع النّبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر ممّا صمنا معه ثلاثين» (٢).
وفي لفظ: «ما صُمتُ مع النّبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين؛ أكثر ممّا صُمنا ثلاثين» (٣).
قال ابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٠٨): «باب الدليل على أنَّ صيام تسع وعشرين لرمضان؛ كان على عهد النّبيّ - ﷺ - أكثر من صيام ثلاثين؛

----------------------
(١) لَمَا موصولة أو مصدرية وجاء في»تحفة الأحوذي«(٣/ ٣٧٠):»قال أبو الطَّيِّب السندي في «شرح الترمذي»: كلمة «ما» تحتمل أن تكون مصدرية في الموضعين أي: صومي تسعًا وعشرين أكثر من صومي ثلاثين.
وتحتمل أن تكون في الموضعين موصولة والعائد محذوف، والتقدير: ما صمته حال كونه تسعًا وعشرين أكثر مما صمناه حال كونه ثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين، وكذلك ثلاثين؛ حال من ضمير المفعول المحذوف الراجع إِلى رمضان المراد بالموصول، وعلى التقديرين قوله: «أكثر» مرفوع على الخبرية.
والحاصل أنّ الأشهر الناقصة أكثر من الوافية«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٣٦) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٥٥٦)، وابن خزيمة في»صحيحه«(١٩٢٢).
(٣) انظر»صحيح سنن الترمذي" (٥٥٦).



خلاف ما يتوهم بعض الجُهّال والرُّعَاع (١) أن الواجب أن يصام لكلّ رمضان ثلاثين يومًا كوامل».
ثمّ ذكَر الحديث السابق.

الأيّام المنهي عن صيامها
١ - يوما العيدين
عن أبي عبيد قال: «شهدتُ العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما: يوم فِطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نُسُكِكُم (٢)» (٣).
قال في «الروضة النديّة» (١/ ٥٦٦): «وقد أجمع المسلمون على ذلك».

٢ - أيّام التشريق (٤)
عن سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهم- قالا: «لم يُرخَّصْ أيّام التشريق

---------------------
(١) الرُّعاع: جمع رُعاعة [رَعاعة]، وهو من لا قلب له ولا عقل. وانظر»الوسيط«، وفيه:»الرُّعاع من الناس: الغوغاء«. وفي»اللسان«:»الغوغاء: الجراد حين يخفّ للطيران، ثمّ استعير للسّفَلَة من الناس والمتسرّعين إِلى الشرّ«.
(٢) أي: أضاحيكم.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٩٠، ومسلم: ١١٣٧.
(٤) جاء في»النهاية«: هي ثلاثة أيّام تلي عيد النحر، سُمّيت بذلك من تشريق اللحم، وهو تقديده وبسْطه في الشمس ليجفّ، لأنّ لحوم الأضاحي؛ كانت تشرق فيها بمِنى، وقيل: سميت به لأن الهَدْي والضحايا لا تُنحر حتى تشرق الشمس: أي: تطلع».



أن يُصَمْن إِلا لمن لم يجد الهَدي«(١).
وعن أبي مرّة مولى أمّ هانئ»أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرّب إِليهما طعامًا، فقال: كل، فقال: إِنّي صائم، فقال عمرو: كُلْ؛ فهذه الأيّام التي كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإِفطارها، وينهانا عن صيامها.
قال مالك: وهي أيّام التشريق«(٢).

٣ - يوم الجمعة منفردًا
عن جويرية بنت الحارث -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلاَّ يومًا قبله أو بعده» (٤).
وعنه -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيامٍ مِن بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيّام؛ إِلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم» (٥).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٩٧، ١٩٩٨.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١١٣).
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٨٦.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٨٥، ومسلم: ١١٤٤.
(٥) أخرجه مسلم: ١١٤٤.



عن قيس بن سكن قال: «مرّ ناسٌ من أصحاب عبد الله على أبي ذرّ يوم جمعة وهم صيام، فقال: أقسمتُ عليكم لتُفطرنّ، فإِنه يوم عيد» (١).

٤ - يوم السبت في غير الفرض
عن الصمّاء -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تصوموا يوم السبت؛ إِلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إِلا لحاء (٢) عنبة أو عود شجرة فليمضغه (٣)» (٤).
قال الإِمام الطحاوي -رحمه الله- بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: «... فذهَب قومٌ إِلى هذا الحديث؛ فكرِهوا صوم يوم السبت تطوُّعًا، وخالَفهم في ذلك آخرون؛ فلم يروا بصومه بأسًا ...» (٥).
وملخّص أقوال العلماء الذين أجازوا صيام السبت لغير فريضة (٦)، يدور

-----------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٥٩): وإسناده صحيح.
(٢) أراد قِشر العنبة؛ استعارهَ من قشر العود. «النهاية».
(٣) مضَغه: لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد لنفي الصوم. «عون المعبود» (٧/ ٤٩).
(٤) أخرجه الترمذي وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٠٣) والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٦٠)، و«تمام المِنة» (٤٠٥).
(٥) «شرح معاني الآثار» (٢/ ٨٠) وأشار إِليه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٤/ ١٢٥) (التحقيق الثاني) إِلى نسخته (١/ ٣٣٩).
(٦) وكانت أقوالهم -رحمهم الله تعالى- مختلفة لا مؤتلفة -والاختلاف في ماهية الشيء يدلّ على وهْنه وضعْفه كما لا يخفى-.



حول تضعيف الحديث السابق أو القول بشذوذه، أو نسخه، أو جواز صيامه مقرونًا بغيره (١).
أمّا من جهة درجة الحديث؛ فقد قال بثبوته جمْع من العلماء، فقد حسّنه الترمذي وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقرّه الذهبي، وصححه ابن خزيمة وابن حبّان، وانظر طرقه في «تلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر (٢/ ٨٢٢). و«الإِرواء» (٢) (٩٦٠).
«أمّا دعوى الشذوذ، فهي إِمّا إِسنادية أو متنية، فمن حيث الإِسناد، فالحديث صحيح دونما ريب.
أمّا من حيث المتن، فلم ترِد هذه الدعوى على أصحابها إِلا بعد تعذُّر الجمع والتوفيق عندهم، ولا يُلْجَأُ إِلى ادّعاء الشذوذ بمجرد هذا التعذُّر.
وليس التعريف العلمي الاصطلاحي للشذوذ منطبقًا على هذا النوع من مظنّة التعارض، كما لا يخفى» (٣). انتهى.
أمّا دعوى النسخ؛ فإِنَّ النسخ لا يبطل بالاحتمال.
وأمّا جواز صيامه مقرونًا مع غيره:

----------------------
(١) وقد أُلِّفت في ذلك بعض الرسائل منها: «القول الثبت في صوم يوم السبت» لفضيلة الشيخ محمّد الحمود النجدي -حفظه الله تعالى-.
(٢) وانظر كذلك تخريج الشيخ علي الحلبي -حفظه الله- للحديث في كتابه «زهر الروض في حُكم صيام يوم السبت في غير الفرض».
(٣) «زهر الروض» (ص ٧٢).



فليس هنالك ما يشير من الأدلة على ذلك إِذ الاستثناء بيّن ... «إِلا فيما افتُرض عليكم».
أوما كان رسول الله - ﷺ - قادرًا أن يقول: «لا تصوموا يوم السبت مفردًا ...». أو: «لا تصوموا السبت إِلا مقرونًا مع غيره»؟!
جاء في «تمام المِنّة» (ص ٤٠٦): «وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفردًا يأباه قوله:»إِلا فيما افُترض عليكم«، فإِنه كما قال ابن القيم - رحمه الله- في»تهذيب السنن«:»دليل على المنع من صومه؛ في غير الفرض مفردًا أو مضافًا؛ لأنّ الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أنّ النّهي عنه يتناول كل صور صومه إِلا صورة الفرض.
ولو كان إِنما يتناول صورة الإِفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إِلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعهَ، فلمّا خصّ الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة؛ علم تناول النهي لما قابلها«.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وأيضًا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها؛ لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض؛ لأنّ شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران، فإِذا استثنا الفرض وحده؛ دلّ على عدم استثناء غيره؛ كما لا يخفى ...» انتهى.
ولنا أن نقول: إِنّ من قال بجواز صيام السبت مقرونًا مع غيره في النافلة؛ قد سوَّى بين الجمعة والسبت، وأنّى له هذا؟!
وكأنّ لسان حاله يقول: لو قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصوموا يوم الجمعة إِلا فيما افترض عليكم» لأغنى عن كلّ نصوص الجمعة، ومعاذ الله من ذلك.


ثمَّ إِنّ رسول الله - ﷺ - قال في الجمعة ما لم يَقُل في السبت، فممّا قاله في الجمعة -كما تقدّم-: «إِلا أن يكون في صومٍ؛ يصومه أحدكم (١)».
وقال - ﷺ - في صيام يوم الشكّ: «... إِلا أن يكون رجل كان يصوم صومه؛ فليصم ذلك اليوم» (٢)،
فلو جاز صيام السبت لغير فريضة؛ لجاءت الاستثناءات كما جاءت في الجمعة ويوم الشكّ والنصف من شعبان؛ لمن اعتاد الصيام، والله -تعالى- أعلم.
لذلك أرى أنّ النصوص كانت على أصناف ثلاثة:
١ - صنف يفيد جواز صيام السبت مطلقًا، كما في حديث جويرية -رضي الله عنها- المتقدّم: «أنّ النّبيّ - ﷺ - دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري».
وكحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «أحبُّ الصيام إِلى الله صيام داود؛ كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا ...» (٣).
وهذا يفيد صيام يوم السبت مفردًا لغير فريضة؛ لمن صام صيام داود -عليه السلام-. إِلى غير ذلك من النصوص.

-----------------
(١) وانظر -إِن شئت- «الصحيحة» المجلد الثاني استدراك (١٦).
(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢، وسيأتي إِن شاء الله تعالى.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٤٢٠، ومسلم: ١١٥٩.



٢ - صنف يفيد استواء الطرفين، لا له ولا عليه؛ كما في حديث: عبيد الأعرج قال: «حدَّثتني جدتي أنها دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يتغدّى، وذلك يوم السبت، فقال: تعالي فكلي، فقالت: إِني صائمة، فقال لها: صمتِ أمس؟ فقالت: لا، فقال: فكلي؛ فإِنّ صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (١).
٣ - صنف ثالث يفيد تحريم صيام يوم السبت إِلا لفريضة وقد مضى في أوّل الكلام في موضوعنا؛ من حديث الصمَّاء -رضي الله عنها-.

فكيف يكون التعامل مع هذه النصوص؟
إِنَّ من لم يصم السبت لغير فريضة؛ لم يُعارض هذه النصوص أبدًا، وهذا يتمشّى مع القاعدة المعروفة «الحاظر مقدّم على المبيح» (٢).
جاء في كتاب «الاعتبار» للعلاّمة الحازمي -رحمه الله- (ص ٣٩) إِشارة إِلى أنه في غير السبت: «... ولأنّ الإِثم حاصل في فِعل المحظور، ولا إِثم في ترْك المباح، فكان الترك أولى».
وقال -رحمه الله- (ص ٣٥): في وجوه الترجيح: «... أن يكون أحد الحديثين قولًا والآخر فِعلًا، فالقول أبلغ في البيان؛ ولأنّ النّاس لم يختلفوا في كون قوله حُجّة، واختلفوا في اتباع فِعله، ولأنّ الفِعل لا يدلّ لنفسه على شيء؛ بخلاف القول فيكون أقوى».

---------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٢٥).
(٢) قاعدة «الحاظر مقدّم على المبيح»، و«القول مقدّم على الفعل» عند التعارض ممّا يذكره شيخنا -رحمه الله- في موضوع صيام السبت لغير الفريضة، وتحريم الشرب قائمًا لغير ضرورة.



ويكون قد نجا من عمل بلا ثواب ولا عقاب «لا لك ولا عليك».
وقال شيخنا -رحمه الله- بعد حديث: «لا تصوموا يوم السبت ...».
والحديث ظاهره النّهي عن صوم السبت مطلقًا إِلا في الفرض، وقد ذهب إِليه قومٌ من أهل العلم كما حكاه الطحاوي، وهو صريحٌ في النهي عن صومه مفردًا، ولا أرى فرقًا بين صومه -ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيّام المفضَّلة- وبين صوم يوم من أيّام العيد إِذا صادف يوم الاثنين أو الخميس؛ لعموم النهي، وهذا قول الجمهور فيما يتعلّق بالعيد؛ كما في «المحلّى» (٧/ ٢٧).
وقال الشيخ محمود مهدي إِستنبولي -رحمه الله- في كتابه «صوم رمضان» (ص ٤٩): «قلت: والحديث صريح في النهي القطعيِّ عن صومه، ولم يُشِر إِلى كونه منفردًا أو مخصوصًا، فالحمل للحديث على ظاهره هو الأصل. والله أعلم».
ويذكّرنا شيخنا -رحمه الله- بقوله - ﷺ -: «إِنّك لن تدَع شيئًا لله عز وجل إلاَّ بدّلك الله به ما هو خيرٌ لك منه» (١) فلا يحزنك أنّك لم تصم عرفة أو عاشوراء إِذا وافق السبت؛ لهذا الحديث.
ويحضرني في هذا المقام ما قاله البخاري -رحمه الله- في «صحيحه» «ما يُذكَر في الفخِذ ... وقال أنس: حسر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٢)، وحديث

-----------------
(١) أخرجه وكيع في»الزهد«وعنه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الضعيفة«تحت رقم (٥).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١، وانظر»الفتح«(١/ ٤٧٨) -إِن شئت - للمزيد من الفائدة، وانظر أيضًا»صحيح مسلم" (٢٤٠١).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #74  
قديم 13-01-2026, 02:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 241الى صــ 255
الحلقة (74)




أنس أسند، وحديث جَرهد (١) أحوط، حتى يُخرَج من اختلافهم». انظر «الفتح» (١/ ٤٧٨).
وفي المسألة تفصيل أكثر، أكتفي بما ذكرتُ والله -تعالى- أعلم.
ولا ينبغي أن تؤدّي هذه المسائل إِلى التدابر والتباغض والولاء والبراء!
قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٣٧٦) -بعد ذِكْر مسألةٍ يرى فيها أنّ أحد الأئمة الأعلام قد أخطأ في اجتهاده-: «ولو أنَّ كلَّ مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إِيمانه، وتوخّيه لاتّباع الحق- أهدرناه، وبدَّعْناه، لقلَّ من يَسْلَم من الأئمّة معنا. رحم الله الجميع بمنّه وكرَمه».

٥ - يوم الشكّ
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يتقدّمَنّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلاَّ أن يكون رجل كان يصوم، فليصم ذلك اليوم» (٢).
وعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: «من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه؛ فقد عصى أبا القاسم» (٣).

-------------------
(١) قال شيخنا في «مختصر البخاري» (١/ ١٠٧): «وصله مالك والترمذي وحسّنه، وصححه ابن حبّان».
(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٤٦)، والترمذي، وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٩٦١).


٦ - صوم الدهر
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال لي النّبيّ - ﷺ -: «إِنّك لتصوم الدّهر وتقوم الليل، فقلت: نعم، قال: إِنك إِذا فعلْتَ ذلك هَجَمَت (١) له العين ونَفِهَتْ (٢) له النفس، لا صام مَن صام الدّهر، صوم ثلاثة أيّام صوم الدهر كلِّه.
قلت: فإِنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود -عليه السلام-: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَفِرُّ إِذا لاقى» (٣).
وعن أبي قتادة -رجل (٤) أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله - ﷺ - فلمّا رأى عمر -رضي الله عنه- غضبه قال: رضينا بالله ربًا ... وذكَر الحديث إِلى أن قال عمر -رضي الله عنه-: «يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدّهر كلّه قال:»لا صام (٥) ولا أفطر (٦) أو قال: لم يصُم ولم يُفطر«(٧).

-----------------
(١) أي: غارت ودخَلَت في موضعها، ومنه الهجوم على القوم: الدخول عليهم.»النهاية«.
(٢) أي: أعْيَت وكَلّت.»الفتح".
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٧٩، ومسلم: ١١٥٩.
(٤) في بعض النسخ أنّ رجُلًا أتى النبي - ﷺ -.
(٥) أي: ليس له أجر الصائم لأنه لا يشرع.
(٦) لأنه منَع عن نفسه الطعام، فليس حاله حال المفطرين.
(٧) أخرجه مسلم: ١١٦١.



وردًّا على قول الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (١/ ٤٤٨): «فإِن أفطَر يومي العيد وأيّام التشريق وصام بقيّة الأيّام؛ انتفت الكراهة».
قال شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنّة» (ص ٤٠٨): «هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث:»لا صام من صام الأبد«، وقوله:»لا صام ولا أفطَر«.
وقد بيَّن ذلك العلاّمة ابن القيّم في»زاد المعاد«بما يزيل كلّ شبهة، فقال -رحمه الله-:»وليس مراده بهذا من صام الأيّام المحرَّمة ...«.
وذكَر نحوه الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(٤/ ١٨٠)».
وجاء في «تمام المِنّة» كذلك (ص ٤٠٩): «ثمّ قوله (١) أيضًا:»والأفضل أن يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ فإِنّ ذلك أحبّ الصيام إِلى الله«.
قلت: فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيّام المحرّمة، إِذ لو كان صوم الدهر هذا مشروعًا أو مستحبًّا؛ لكان أكثر عملًا، فيكون أفضل، إِذ العبادة لا تكون إِلا راجحة، فلو كان عبادة لم يكن مرجوحًا؛ كما تقدّم (٢) عن ابن القيّم».

٧ - صيام المرأة وزوجها حاضر إِلاَّ بإِذنه
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تصوم المرأة

----------------------
(١) أي: الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السُّنّة" (١/ ٤٤٨).
(٢) (ص ٤٠٨) من الكتاب.



وبعلها شاهد (١) إِلا بإذنه«(٢).
وفي رواية:»لا تصوم المرأة يومًا تطوُّعًا في غير رمضان وزوجها شاهد إِلا بإِذنه«(٣).
قال شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(١/ ٧٥٢):»وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أتمّ منه، وفيه بيان سبب وروده، مع فوائد أخرى ينبغي الاطلاع عليها، وهذا نصّه:
قال [أبو هريرة]-رضي الله عنه-: جاءت امرأة إِلى النّبيّ - ﷺ - ونحن
عنده، فقالت: يا رسول الله! إِنّ زوجي صفوان بن المعطل يضربني إِذا صلّيت، ويُفطّرني إِذا صُمتُ، ولا يصلِّي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس - قال: وصفوان عنده-.
قال: فسأله عمّا قالت، فقال: يا رسول الله! أمّا قولها: «يضربني إِذا صلّيت»؛ فإِنها تقرأ بسورتين [فتعطّلني]، وقد نهيتها [عنهما]. قال: فقال: «لو كانت سورة واحدة؛ لكفت الناس».
وأمّا قولها: «يُفطّرني»؛ فإِنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ؛ فلا أصبر، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تصوم المرأة إِلا بإِذن زوجها».

------------------
(١) أي: حاضر.
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٩٢، ومسلم: ١٠٢٦.
(٣) أخرجه الدارمي في «سننه» وإسناده صحيح على شرط مسلم وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٤٦)، وانظر «الصحيحة» (٣٩٥) و«صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٣٩).



وأمّا قولها: «إِني لا أُصلّي حتى تطلع الشمس»؛ فإِنّا أهل بيت؛ قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: «فإِذا استيقظتَ فصلِّ».
أخرجه أبو داود والسياق له، وابن حِبّان، والحاكم، وأحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين ...«.
جاء في»الفتح«(٩/ ٢٩٦) -بعد حمْل هذا على التحريم-:»قال النووي في «شرح مسلم»: وسبب هذا التحريم؛ أنّ للزوج حقَّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقّه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإِنّما لم يجُز لها الصوم بغير إِذنه.
وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أنّ المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإِفساد، ولا شكّ أنّ الأَولى له خلاف ذلك؛ إِن لم يثبت دليل كراهته.
نعم لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد؛ يقتضي جواز التطوع لها إِذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقَدِم في أثناء الصيام؛ فله إِفساد صومها ذلك من غير كراهة.
وفي معنى الغَيْبَة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع (١).
وحمل المهلَّب النهي المذكور على التنزيه فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إِذنه ما لا يضرّه ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يُبطل شيئًا من طاعة الله إِذا دخلت فيه بغير إِذنه اهـ. وهو

--------------------
(١) ولكن إِذا رأى قصورًا منها في خدمة الأبناء فله منْعها؛ لأنّ له القوامة في ذلك كما لا يخفى. والله أعلم.


خلاف الظاهر.
وفي الحديث أنّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأنّ حقّه الواجب والقيام بالواجب مُقدَّم على القيام بالتطوع (١).

٨ - النصف الثاني من شعبان، إلاَّ لمن كان له صوم يصومه.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (٢).
وعنه أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين؛ إِلا أن يكون (٣) رجلٌ كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم» (٤).

الوصال (٥) في الصوم
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِيّاكم والوصال، مرّتين، قيل: إِنّك تواصل، قال: إِني أَبيتُ يطعمني ربي ويَسقين، فاكلَفوا (٦)

-------------------
(١) انظر -إِن شئت- تعليق شيخنا -رحمه الله- على هذا في»آداب الزفاف«(ص ١٧٦).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٤٩) والترمذي وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٣٣٩)، وغيرهم، وانظر»المشكاة«(١٩٧٤).
(٣) فال الحافظ -رحمه الله- كان تامّة أي: إِلا أن يوجد رجل.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩١٤، ومسلم: ١٠٨٢، وتقدّم.

(٥) الوصال في الصوم: هو ألاّ يُفطر يومين أو أيّامًا.»النهاية«.
(٦) أي: احملوا المشقة في ذلك، يُقال: كلفت بكذا: إِذا ولعت به.»الفتح" (٤/ ٢٠٨).



من العمل ما تطيقون» (١).
وقد أفاد الحديث تحريم الوصال، ولكن ورد ما يدلّ على جواز المواصلة حتى السَّحر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر.
قالوا: فإِنّك تواصل يا رسول الله، قال: لست كهيئتكم، إِني أبيتُ لي مُطِعم يُطعمني وساقٍ يَسقين» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٢٠٩): «والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السَّحر على كراهة التحريم».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن مواصلة الصيام إِلى السَّحر قائلًا: هل هذا ماضٍ حُكمه؟ أم هناك ناسخٌ أو صارف؟ فقال: هذا ماضٍ حُكمه.
(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٦، ومسلم: ١١٠٣.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩٦٧.



صيام التطوّع
١ - الاثنين والخميس
عن أبي قتادة -رضي الله عنه-: «أن رسول الله - ﷺ - سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت -أو أُنزل عليّ فيه-».
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأُحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم» (١).
وعن أبي هريرة أيضًا أنّ النّبيّ - ﷺ -: كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله! إِنك تصوم الاثنين والخميس؟
فقال: «إِنَّ يوم الاثنين والخميس يَغفر الله فيهما لكل مسلم، إِلا مُهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا» (٢).

٢ - صيام يوم (٣) وفطر يوم
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: أخبر رسول الله - ﷺ - أنّي أقول: والله لأصومنَّ النّهار ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قُلتُه بأبي

--------------------
(١) أخرجه الترمذي وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٢٧)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» أيضًا (١٠٢٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٢٨) و«تمام المِنّة» (ص ٤١٣).
(٣) إِلا إِذا وافَق يومًا ورَد النّص بتحريمه.



أنت وأمّي.
قال: فإِنّك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر.
قلت: إِني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطِر يومين، قلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك.
قال: فصم يومًا وأفطِر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام، فقلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك، فقال النّبيّ - ﷺ -: لا أفضل من ذلك» (١).
وعنه -رضي الله عنهما- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ أحبّ الصيام إِلى الله صيام داود، وأحبّ الصلاة إِلى الله صلاة داود -عليه السلام- كان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (٢).

٣ - ثلاثة أيّام من كل شهر (٣)
وقد تقدم في ذلك حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- وفيه: «وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنّ الحسنة بعَشر أمثالها، وذلك مِثل صيام الدهر ...».

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٧٦، ومسلم: ١١٥٩.
(٢) أخرجه البخاري: ١١٣١، ومسلم: ١١٥٩.
(٣) انظر -إِن شئت- ما قاله في «الروضة الندية» (١/ ٥٦٠) تحت عنوان (وأيّام البيض).



وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا صمت من الشهر ثلاثًا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» (١).
وفي رواية: «فأنزَل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَن جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها﴾، فاليوم بعشرة أيّام» (٢).
وقال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٣٠٢): (باب استحباب صيام هذه الأيّام الثلاثة من كل شهر أيّام البيض منها)، ثمّ ذكَر حديثين، منهما: حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
وقال (ص ٣٠٣): «باب إِباحة صوم هذه الأيّام الثلاثة من كلّ شهر أوّل الشهر؛ مبادرة يصومها خوف أن لا يدرك المرء صومها أيّام البيض».
ثمّ روى بإِسناده إِلى النّبيّ - ﷺ -: «أنّه كان يصوم ثلاثة أيّام من غرّة كلّ شهر، ويكون من صومه يوم الجمعة» (٣).
وقال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٣٠٣): «باب ذِكر الدليل على أنّ صوم ثلاثة أيّام من كل ثلاث؛ يقوم مقام صيام الدهر، كان

---------------------
(١) أخرجه أحمد والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٠٨) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٢٧٩)، وابن ماجه، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٠٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٠٩)، وابن ماجه وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٤/ ١٠٢).
(٣) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«(٢١٢٩)، وقال شيخنا -رحمه الله- إِسنادهُ حسن ... وأخرج أبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٥٠) بلفظ:»كان رسول الله - ﷺ - يصوم -يعني من غرّة كل شهر- ثلاثة أيّام".



صوم الثلاثة أيّام من أول الشهر، أو من وسطه، أو من آخره».
ثمّ روى حديث معاذة العدويّة (١).
ولفظه: «أنها سألت عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -: أكان رسول الله - ﷺ - يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيّام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشّهر يصوم» (٢).
وعن عبد الملك بن قدامة بن مَلْحَان عن أبيه -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصيام أيّام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: هو كهيئة الدهر» (٣).
وفي رواية: «هن صيام الشهر» (٤).

٤ - أكثر شعبان
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر إلاَّ رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (٥).

------------------
(١) انظر «صحيح ابن خزيمة» (٢١٣٠).
(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٠.
(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٢٥).
(٤) أخرجه النسائي، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٢٥).
(٥) أخرجه البخاري: ١٩٦٩، ومسلم: ١١٥٦.



وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: «قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان!
قال: ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إِلى ربّ العالمين، وأُحبّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم» (١).
وقد تقدّم حديث: «إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا ...».

٥ - ستة أيّام من شوّال
عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من صام رمضان ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدهر» (٢).
قال النووي -رحمه الله- في «شرحه» (٨/ ٥٦): «قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية؛ عقب يوم الفطر، فإِنْ فرَّقها أو أخّرها عن أوائل شوال إِلى أواخره؛ حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه أتبعه ستًّا من شوال».
وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٥٥٥): «أقول: ظاهر الحديث أنّه يكفي صيام ستّ من شوال، سواء كانت من أوله، أو من أوسطه، أو من آخره، ولا يُشتَرط أن تكون متصلة به؛ لا فاصل بينها وبين رمضان إِلا يوم الفطر، وإنْ كان ذلك هو الأولى، ولأنّ الإِتْباع -وإن صدق على جميع الصور- فصِدقه على الصورة التي لم يُفصَل فيها بين رمضان، وبين الستّ إِلا يوم الفطر الذي لا

-----------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٢٢١) وغيره، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٠٠٨) و»تمام المِنّة" (٤١٢).
(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٤ وغيره.



يصحّ صومه لا شك أنه أولى.
وأمّا أنّه لا يحصل الأجر إِلا لمن فعل كذلك فلا، لأنّ مَن صام ستًا من آخر شوال؛ فقد أتبع رمضان بصيام ستٍّ من شوال بلا شكّ، وذلك هو المطلوب».
قال النووي -رحمه الله تعالى- في «شرحه» (٨/ ٥٦): «قال العلماء: وإنّما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي» (١).
لعلّه يُشير -رحمه الله- إِلى قوله - ﷺ -: «جعَل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهرٌ بعشرة أشهر، وصيام ستة أيّام بعد الفطر تمام السّنة» (٢).

٦ - تسع ذي الحجة (٣)
عن هُنَيْدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجّة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر: أول اثنين من الشهر وخميسين«(٤).

-----------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٢٦٩) والترمذي، وابن ماجه، وانظر»الإِرواء«(٤/ ١٠٢).
(٢) انظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٩٣)، و»الإِرواء«(٤/ ١٠٧).
(٣) فائدة: تبويب عدد من العلماء بقولهم:»باب في صوم العشر«؛ من باب التغليب؛ لأنّ اليوم العاشر لا يجوز صيامه».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٢٩) بلفظ: «والخميس» =



وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أيّام العمل الصالح فيها؛ أحبُّ إِلى الله من هذه الأيّام -يعني أيّام العشر-.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا في العشر قطّ» (٢).
قال ابن خزيمة -رحمه الله- بعد الحديث السابق (٣/ ٢٩٣): «باب ذكَر علّةٍ قد كان النّبيّ - ﷺ - يترك لها بعض أعمال التطوع، وإن كان يحثّ عليها، وهي خشية أن يُفرَض عليهم ذلك الفعل؛ مع استحبابه - ﷺ - ما خفف على الناس من الفرائض».
ثمّ روى -رحمه الله- بإِسناده حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يترك العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يستن به فيفرض عليهم» (٣).

-------------------
= والتصويب من النسائي، انظر «صحيح سنن النسائي» (٢٢٣٦)، وفي لفظ عند النسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٢٧٢): «... والخميس الذي يليه، ثمّ الخميس الذي يليه».
(١) أخرجه البخاري: ٩٦٩ وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٣٠) -واللفظ له- وغيرهما، وتقدّم في «كتاب الزكاة».
(٢) أخرجه مسلم: ١١٧٦.
(٣) وهو في «صحيح مسلم» (٧١٨) بلفظ: «... وإن كان رسول الله - ﷺ - لَيدع العمل، وهو يحب أن يَعَمل به، خشية أن يَعْمل به الناس، فيُفرَض عليهم».



وقال الإِمام النووي -رحمه الله- في»شرحه«(٨/ ٧١):»قال العلماء: هذا الحديث ممّا يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيّام التسعة من أول ذي الحِجّة.
قالوا: وهذا ممّا يتأول؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة؛ بل هي مُستحبّة استحبابًا شديدًا؛ لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة (١). ثمّ ذكَر حديث: «ما من أيّام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه».
قال: «فيتأول قولها لم يصم العشر؛ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم تسع ذي الحجة ...».
وقال في «الروضة النديّة» (١/ ٥٥٦): «وعدم رؤيتها وعِلمها لا يستلزم العدم».

أيهما أفضل العشر من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٨٧): «وسئل عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟
فأجاب: أيّام عشر ذي الحِجّة؛ أفضل من أيّام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان؛ أفضل من ليالي عشر ذي الحِجّة.
قال ابن القيّم -رحمه الله-: وإذا تأمّل الفاضل اللبيب هذا الجواب،

-------------------------


(١) انظر»شرح النووي" (٨/ ٥٠).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #75  
قديم 13-01-2026, 02:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 256الى صــ 270
الحلقة (75)




وجَدَه شافيًا كافيًا، فإِنّه ليس من أيّام العمل فيها أحبّ إِلى الله من أيّام عشر ذي الحجة -وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية-.
وأمّا ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإِحياء، التي كان رسول الله - ﷺ - يحييها كلّها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.
فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يُدليَ بحُجّة صحيحة».

٧ - يوم عرفة لغير الحاج:
عن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صيام يوم عرفة، أحتسب (١) على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله» (٢).
وعن كعب بن مالك عن أبيه أنّه حدثه أنّ رسول الله - ﷺ - بعَثه وأوس بن الحَدَثان؛ أيّام التشريق فنادى: «أنّه لا يدخل الجنَّة إِلا مؤمن، وأيّام منىً أيّام أكل وشُرب» (٣).
وعن ميمونة -رضي الله عنها-: «أن الناس شكُّوا في صيام النّبيّ - ﷺ - يوم عرفة، فأرسلْتُ إِليه بحِلابٍ (٤) وهو واقف في الموقف، فشرب
(١) أي: أرجو، وفي»المرقاة«(٤/ ٥٤٢):»قال الطيبي: كان الأصل أن يُقال: أرجو من الله أن يكفّر، فوضع مرضعه أحتسب وعداه بعلى الذي للوجوب؛ على سبيل الوعد؛ مبالغةً لحصول الثواب«.
(٢) أخرجه مسلم: ١١٦٢، وغيره.
(٣) أخوجه مسلم: ١١٤٢.
(٤) وفي رواية عند مسلم:»بِحِلاب اللبن" قال النووي -رحمه الله- (٤/ ٨): =


منه (١) والناس ينظرون» (٢).

٨ - أكثر شهر الله المحرّم، وتأكيد صوم عاشوراء، ويومًا قبلها أو يومًا بعدها
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل» (٣).
وعن حُميد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يوم عاشوراء عام حجّ على المنبر يقول: «يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» (٤).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية، فلمَّا قَدِم المدينة صامه، وأمَر بصيامه، فلمّا فُرِض رمضان، ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامهُ، ومن شاء ترَكه«(٥).
=»هو بكسر الحاء المهملة: وهو الإِناء الذي يُحلب فيه، ويقال له المِحلب -بكسر الميم-«.
(١) فيه جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة.»تحفة" (٧/ ٧٦).
(٢) أخرجه البخاري: ١٩٨٩، ومسلم: ١١٢٤.
(٣) أخرجه مسلم: ١١٦٢، وتقدّم.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٠٠٣، ومسلم: ١١٢٩.
(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٠٢، ومسلم: ١١٢٥.



قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٨٤): «باب ذِكر الدليل على أنّ ترْك النّبيّ - ﷺ - صوم عاشوراء؛ بعد نزول فرض صوم رمضان، إِنْ شاء ترَكه، لا أنه كان يتركه على كلّ حال، بل كان يتركه؛ إنْ شاء تركه، ويصوم، إِن شاء صامه».
ثمّ روى عن ابن عمر نحوًا من حديث عائشة -رضي الله عنهم-.
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «قدم النّبيّ - ﷺ - المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إِسرائيل من عدوّهم فصامه موسى.
قال: فأنا أحقّ بموسى منكم، فصامه وأمَر بصيامه» (١).
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: «كان يوم عاشوراء تعدُّهُ اليهود عيدًا، قال النّبيّ - ﷺ -: فصوموه أنتم» (٢).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء، وأمَر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إِنه يوم تُعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِذا كان العام المقبل -إِن شاء الله- صمنا اليوم التاسع.
قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفِّي رسول الله - ﷺ -» (٣).
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٠٤، ومسلم: ١١٣٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٠٥، ومسلم: ١١٣١.
(٣) أخرجه مسلم: ١١٣٤.



وفي لفظ: «لئن بقيت إِلى قابل لأصومنّ التاسع» (١).
وفي الحديث: «صوموا يوم عاشوراء وخالِفوا اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٢٤٦): «.. صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم».
وسألت شيخنا -رحمه الله- قائلًا: ذكَر بعض العلماء أنّ صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أعلاها: صوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ما رأيكم؟
فقال: وعلى ذلك صيام شهر محرم، وفهمتُ أنّ هذا ينسحب على صيامه كله إِلا ما استثني، لأنّ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم.
وسأل أحد الإِخوة شيخنا -رحمه الله-: «إِذا لم يتيسَّر صيام التاسع لامرأة حائض أو رجل لا عِلم عنده، فهل نقول له صُم الحادي عشر للمخالفة؟».
فقال شيخنا: «هذا من باب أولى؛ لأنّ شهر محرّم محلّ الصيام، إِذ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم، ولذلك استدركنا على التقسيم الثلاثي هذا».
(١) أخرجه مسلم: ١١٣٤.
(٢) أخرجه الطحاوى والبيهقي وسنده صحيح، وانظر «صحيح ابن خزيمة» (٢٠٩٥).



هل يصحّ إِظهار السرور يوم عاشوراء والاكتحال وطبْخ الحبوب ونحوه؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٩٩) -بحذف-: «وسُئل شيخ الإِسلام عمّا يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع، فهل ورد في ذلك عن النّبيّ - ﷺ - حديث صحيح؟ أم لا؟
وإذا ورد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟
وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن، والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وقراءة المصروع، وشقّ الجيوب؛ هل لذلك أصل؟ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النّبيّ - ﷺ - ولا عن أصحابه، ولا استحَبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين، لا الأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النّبيّ - ﷺ -، ولا الصحابة، ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.
ورووا في حديث موضوع مكذوب عن النّبيّ - ﷺ -:»أنّه من وسع على أهله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر السَّنة"؟

هل في الأشهر الحُرُم صوم؟
لم يثبت في تخصيص صيام الأشهر الحرم شيء، وقد ورد في ذلك حديث


ضعيف (١)
يبقى ما ورد فيه النصوص، كصيام الاثنين والخميس، وأيّام البيض ... إلخ.
وكذلك ليس في صيام رجب دليل ثابت، ولا فضيلة خاصة.
عن خرشة بن الحرّ قال: «رأيتُ عمر يضرب أكفّ المترجّبين (٢)؛ حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإِنّما هو شهر كانت تعظّمه الجاهلية» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنّه كان إِذا رأى النّاس وما يعدّونه لرجب كَرِهه» (٤).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٩٠): «وأمّا صوم رجب بخصوصه؛ فأحاديثه كلّها ضعيفة، بل موضوعة؛ لا يَعتمد
(١) وهو حديث مجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمّها»أنّه أتى رسول الله - ﷺ - ... «فذكَر الحديث إِلى أن قال [أي: رسول الله - ﷺ -]:»صُم من الحُرم واترك، صُم من الحُرُم واترك، صُم من الحُرم واترك«. أخرجه أحمد وأبو داود وغيره، وضعّفه شيخنا -رحمه الله - كما في»تمام المِنّة«(ص ٤١٣) و»ضعيف سنن أبي داود«(٥٢٦).
(٢) أي: الصائمين في رجب.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنف«وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٩٥٧): وهذا سند صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٩٥٨): وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.



أهل العِلم على شيء منها».

فائدة:
قد يضعُف العبد عن الصوم في الصّيف، إِذا كان مِن أهل البلاد الحارّة، فليغتنِم الصوم في الشتاء؛ فإِنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الصوم في الشتاء؛ الغنيمة الباردة» (١).
جاء في «فيض القدير» (٤/ ٢٤٣): «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة: أي: الغنيمة التي تحصل بغير مشقّة، والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضدّ الحرارة؛ لأنّ الحرارة غالبةً في بلادهم، فإِذا وجدوا بردًا عدّوه راحة.
وقيل: الباردة الثابتة، من برد لي على فلان كذا، أي: ثبَت، أو الطيبة مِن برْد الهواء إِذا طاب.
والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب، أيضًا إِنّ الهواء والماء لمّا كان طيبهما ببرْدهما؛ سيّما في بلاد تهامة والحجاز قيل: هواء بارد وماء بارد؛ على سبيل الاستطابة، ثمّ كَثُر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة. ذكَره الزمخشري.
قال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أنّ الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال: زيد كالأسد، فإِذا عكس وقيل: الأسد، يجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل، يبلغ التشبيه إِلى الدرجة القصوى في المبالغة.
(١) أخرجه أحمد وغيره، وانظر»الصحيحة" (١٩٢٢).


ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسّه مشقّة الجوع».

جواز فِطر الصائم المتطوّع
فعن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «دخل عليَّ النّبيّ - ﷺ - ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإِني إِذن صائم.
ثمّ أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله! أُهْدِى لنا حَيْس (١) فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل».
قال طلحة: «فحدّثْتُ مجاهدًا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخْرِج الصدقة من ماله، فإِنْ شاء أمضاها، وإن شاء أمسَكها» (٢).
وفي رواية: قال: أدنيه؛ أما إِنّي قد أصبحتُ وأنا صائم، فأكَل منه، ثمّ قال: إِنّما مثل صوم المتطوع مثل الرجل؛ يُخرج من ماله الصدقة، فإِنْ شاء أمضاها، وإِنْ شاء حبَسها«(٣).
وعن أمّ هانئ -رضي الله عنها- قالت: كنت قاعدة عند النّبيّ - ﷺ - فأتُي بشراب فضرب منه، ثمّ ناولني فضربت منه، فقلت: إِني أذنبت فاستغفر لي
(١) حَيس: بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل: طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط وقد يبدّل الأقط بالدقيق، والزبد بالسّمن، وقد يبدل السمن بالزيت.
(٢) أخرجه مسلم: ١١٥٤.
(٣) أخرجه النسائي بإِسناد صحيح، وانظر»آداب الزفاف«(ص١٥٩) و»الإرواء«(٤/ ١٣٥)، وفيه:»فهذه الزيادة ثابتة عندي، ولا يُعلّها أنّ بعض الرواة أوقفها على مجاهد، فإِنّ الراوي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى".



قال: وما ذاك؟ قالت: كنت صائمة فأفطرْتُ.
فقال: أمِن قضاءٍ كنت تقضينه؟ قالت: لا، قال: فلا يضرّك» (١).
وفي رواية: «فلا يضرّك إِن كان تطوّعًا» (٢).
وفي رواية: «الصائم المتطوع أمير نفسه (٣)، إِنْ شاء صام، وإن شاء أفطر» (٤).
عن أبي جحيفة قال: «آخى النّبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا.
فجاء أبو الدرداء، فصَنع له طعامًا فقال: كُل فإِنّي صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن.
قال: فصلّيا، فقال له سلمان: إِنّ لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.
(١) أخرجه أبو داود، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٥٨٤) وغيرهما، وانظر» المشكاة«(٢٠٧٩).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢١٤٥).
(٣) قال الطيبي: يُفهم أنّ الصائم غير المتطوّع لا تخيير له؛ لأنه مأمور مجبور عليه.»مرقاة«(٤/ ٥٧٥).
(٤) أخرجه أحمد والنسائي في»الكبرى«والحاكم وغيرهم، وانظر»المشكاة«(٢٠٧٩)، و»آداب الزفاف" (ص ١٥٦).



فأتى النّبيّ - ﷺ - فذكَر ذلك له، فقال النّبيّ - ﷺ -: صدَق سلمان» (١).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دُعي أحدكم إِلى طعام فليُجب، فإِن شاء طعم وإن شاء تَرَك» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: «صنعْتُ لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلمّا وُضع الطعام قال رجل من القوم: إِنّي صائم.
فقال رسول الله - ﷺ -: دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، كُلْ يومًا، ثمّ صم مكانه إِن شئت» (٣).
وفي رواية: «... ثمّ قال له: أَفطِر، وصُم مكانه يومًا إِن شئت» (٤).

عدم وجوب قضاء يوم النّفل (٥)
لا يجب قضاء يوم النّفل لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم وفيه: «... فقال رسول الله - ﷺ - دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، ثمّ قال له: أفطر وصُم مكانه يومًا إِنْ شئت».
(١) أخرجه البخاري: ٦١٣٩.
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٣٠.
(٣) أخرجه البيهقي وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٥٢).
(٤) انظر «الإِرواء» (٧/ ١٢).
(٥) هذا العنوان من «آداب الزفاف» (ص ١٥٩) لشيخنا -رحمه الله- وكذلك ما تحته بتصرف.



آداب الصيام
١ - السحور (١)
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «تسحّروا فإِنّ في السُّحور (٢) بركة» (٣).
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢١٣): «باب الأمر بالسحور أمر ندب وإرشاد، إِذ السحور بركة، لا أمْر فرض وإيجاب يكون تاركه عاصيًا بتركه».
ثمّ ذكَر -رحمه الله- حديث أنس -رضي الله عنه-.
وسألت شيخنا -رحمه الله- إِن كان يرى الوجوب في السّحور؛ لحديث أنس السابق -رضي الله عنه- فقال: لا نقول بالوجوب.
وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «فصْل ما بين صيامنا وصيامِ أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر» (٤).
(١) جاء في «النهاية»: «هو بالفتح اسم ما يُتَسَحَّر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح.
وقيل: إِنّ الصواب بالضم؛ لأنه بالفتح الطعام، والبركةُ والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام». وجاء في «القاموس المحيط»: «السَّحَر: قبيل الصُّبح».
(٢) بالضم والفتح.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٢٣، ومسلم: ١٠٩٥.
(٤) أخرجه مسلم: ١٠٩٦.



فضله:
لقد ورد في فضل السحور أحاديثُ كثيرة، منها:
١ - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الله وملائكته يُصلّون على المتسحِّرين» (١).
٢ - وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: «دعاني رسول الله - ﷺ - إِلى السحور في رمضان فقال: هلُمَّ إِلى الغداء المبارك» (٢).
٣ - وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ - قال: «دخلْتُ على النّبيّ - ﷺ - وهو يتسحَّر فقال:»إِنّها بركة أعطاكم الله إِياها، فلا تَدَعوه«(٣).
٤ - وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور«(٤).

بمَ يتحقّق؟
يتحقّق السحور ولو بجَرعة من ماء.
(١) أخرجه الطبراني في»الأوسط«، وابن حِبّان في»صحيحه«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٠٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٥٤) والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٠٥٤).
(٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢٠٤٢) بإِسناد حسن، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب«(١٠٥٦).
(٤) أخرجه الطبراني في»الكبير«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح =



فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تسحروا ولو بجَرعة (١) من ماء» (٢).

فضل السحور بالتمر
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «نعم سَحور المؤمن التمر» (٣).

وقته:
يبدأ قبيل الفجر -فيما يبدو- ففي «القاموس المحيط» -كما تقدم-: السحر: قبيل الصُّبح (٤) وينتهي بتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (٥).
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: «لمّا نزلت ﴿حتى يتبيّن لكم
= الترغيب والترهيب» (١٠٥٢).
(١) الجُرعة: -بالضمّ- الاسم من الشرب اليسير، وبالفتح: المرّة الواحدة منه، وانظر «النهاية».
(٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥٥)، وابن حبان في «صحيحه»، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٥٩).
(٤) وربّما أكل المرء قبله بساعات، فلا يسمّى سحورًا.
(٥) البقرة: ١٨٧.



الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ عَمَدْتُ إلى عِقَال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلْتُ أنظر في الليل فلا يَسْتَبِين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكَرت له ذلك، فقال: إِنما ذلك سوادُ الليل وبياض النهار» (١).
وعن سهل بن سعد قال: «أُنْزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إِذا أرادوا الصوم؛ ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «إِنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمِّ مكتوم» (٣).
وفي لفظٍ لها -رضي الله عنها- «أنَّ بلالًا كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله - ﷺ -: كلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمّ مكتوم، فإِنّه لا يؤذن حتى يطلع الفجر. قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إِلا أن يرقى ذا وينزل ذا» (٤).
وعن عبد الله بن النعمان السُّحَيمي قال: "أتاني قيس بن طَلق في رمضان في آخر الليل -بعدما رفعت يدي من السّحور لخوف الصبح- فطلب مني
(١) أخرجه البخاري: ١٩١٦، ومسلم: ١٠٩٠.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩١٧، ومسلم: ١٠٩١، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٢٢، ومسلم: ١٠٩٢.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم: ١٠٩٢.



بعض الإِدام، فقلت له: يا عمّاه! لو كان بقي عليك من اللَّيل شيء لأدخلتك إِلى طعام عندي وشراب.
قال: عندك؟ فدخل، فقربت إِليه ثريدًا ولحمًا ونبيذًا (١)، فأكَل وشرب، وأكرهني فأكلْتُ وشربْتُ، وإني لَوَجِلٌ من الصُّبح.
ثمّ قال: حدَّثني طَلْق بن علي أن نبيّ الله قال: كلوا واشربوا، ولا يَهيدنّكم السَّاطع المُصعِد (٢)، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» (٣).
جاء في «بذل المجهود» (١١/ ١٤٧) -في شرح «حتى يعترض لكم
(١) جاء في»النهاية«: النّبيذ: هو ما يُعمل من الأشربة من التّمر والزبيب، والعسل، والحنطة، والشَّعير، وغير ذلك.
يُقال: نبذْتُ التمر والعنب؛ إِذا تركْت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصُرِفَ مِن مفعول إِلى فعيل. وانتبذْته: أي: اتخذته نبيذًا.
وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر فإِنه يُقال له: نبيذ، ويُقال للخمر المعتَصَر من العنب: نبيذ، كما يقال للنّبيذ: خمر.
(٢) لا يهِيدنكم: أي: لا تنزعجوا للفجر المستطيل؛ فتمتنعوا به عن السَّحور؛ فإِنه الصُّبح الكاذب، وأصل الهَيْد: الحركة.»النهاية«.
الساطع المُصعِد: جاء في»النهاية«: السَّاطع أي: الصبُّح الأوّل المستطيل، يُقال: سطع الصُّبح يسطع فهو ساطع: أوّل ما ينشقّ مستطيلًا.
وفي»بذل المجهود«(١١/ ١٤٧): السَّاطع المُصعِد: أي المرتفع طولًا. وفي»تحفة الأحوذي«(٣/ ٣٨٩): من الإِصعاد: أي المرتفع.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٥٨) والترمذي وابن خزيمة وغيرهم، وانظر»الصحيحة" (٢٠٣١).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #76  
قديم 13-01-2026, 05:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 271الى صــ 285
الحلقة (76)




الأحمر»-: «قال في»الدّرجات«: أي: يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة؛ لأنّ البياض إِذا تتامّ طلوعه؛ ظهر أوائل الحُمْرة، والعرب تشبِّه الصّبح بالبلق في الخيل؛ لما به من بياض وحمرة، قلت [أي: صاحب بذل المجهود]: لا يصحّ كونه أحمر إلاَّ قبل نزول قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض﴾ الآية لأنّه معنى الآخر هو النَّهار إِلا أنَّ الشمس لم تطلع، وكلاهما يعارض الآية، وهذا كله على ظاهره، وإلا فإِنَّ الأحمر يطلق على الأبيض أيضًا، فإِن أطلق عليه وافق الآية فتنبّه له إِن كنت فائق السجيَّة».
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢١٠): «باب الدليل على أنَّ الفجر الثاني ... هو البياض المعترض الذي لونه الحُمْرة إِن صحَّ الخبر ...».
ثمّ ذكَر حديث أبي طلق بن علي -رضي الله عنه-.
وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٥/ ٥٢) عَقِبَ الحديث:
"واعلم أنَّه لا منافاة بين وصفه - ﷺ - لضوء الفجر الصَّادق (بالأحمر) ووصفه تعالى إِياه بقوله: ﴿الخيط الأبيض﴾؛ لأنّ المراد -والله أعلم- بياض مشوب بحمرة، أو تارة يكون أبيض، وتارة يكون أحمر، يختلف ذلك باختلاف الفصول والمطالع.
وقد رأيت ذلك بنفسي مرارًا من داري في (جبل هملان) جنوب شرق (عمّان)، ومكَّنني ذلك من التأكد من صحَّة ما ذكَره بعض الغيُورين على تصحيح عبادة المسلمين؛ أنّ أذان الفجر في بعض البلاد العربية يرفع قبل الفجر الصَّادق؛ بزمن يتراوح بين العشرين والثَّلاثين دقيقة -أي: قبل الفجر

الكاذب أيضًا! -.
وكثيرًا ما سمعت إِقامة صلاة الفجر من بعض المساجد مع طلوع الفجر الصَّادق، وهم يؤذِّنون قبلها بنحو نصف ساعة، وعلى ذلك فقد صلَّوا سنّة الفجر قبل وقتها.
وقد يستعجلون بأداء الفريضة أيضًا قبل وقتها في شهر رمضان، كما سمعته من إِذاعة دمشق وأنا أتسحَّر رمضان الماضي (١٤٠٦)، وفي ذلك تضييقٌ على الناس بالتعجيل بالإِمساك عن الطَّعام، وتعريضٌ لصلاة الفجر للبطلان.
وما ذلك إلاَّ بسبب اعتمادهم على التوقيت الفلكي، وإعراضهم عن التوقيت الشرعي: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾،»فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر«، وهذه ذكرى، (والذكرى تنفع المؤمنين)». انتهى.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ٣٤٢) (مسألة ٧٥٦): "ولا يلزم صومٌ في رمضان ولا في غيره إِلا بتبيُّن طلوع الفجر الثاني، وأمَّا ما لم يتبيّن؛ فالأكل والشُّرب والجماع مباح، كلُّ ذلك كان على شكّ من طلوع الفجر، أو على يقين من أنه لم يطلع.
ومن أكل شاكًّا (١) في غروب الشَّمس أو شَرِب فهو عاصٍ له تعالى، مفسد لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإِنْ جامع شَاكًّا في غروب الشّمس فعليه

---------------------------
(١) الشّك لغةً: خلاف اليقين، والمقصود هنا أنّه أكل ولم يتيقّن أو يرجّح الظنّ أن الشمس قد غربت.


الكفّارة ...». ثمّ ذكَر الأدلّة على ذلك.
وقال (ص ٣٤٦): «وروينا من طريق معمر عن أبان عن أنس عن أبي بكر الصدِّيق أنّه قال: إِذا نظر الرَّجلان إِلى الفجر فشكَّ أحدهما؛ فليأكلا حتى يتبين لهما».
وقال (ص ٣٤٧): «ومن طريق الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: إِذا شكّ الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا.
ومن طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: أحل الله الشراب ما شَككْت؛ يعني في الفجر.
وعن وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول الأزدي قال: رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم وقال لرجلين: أَطَلَع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا؛ فشرب ابن عمر».
وقال -رحمه الله- (ص ٣٤٩): «وعن الحسن: كُلْ ما امتريت وعن أبي مجلز: السّاطع: ذلك الصُّبح الكاذب؛ ولكن إذا انفضح الصبح في الأفق.
وعن إِبراهيم النخعي: المعترض الأحمر يُحلّ الصلاة (١) ويُحرّم الطعام.
ومن طريق ابن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إِنّما كانوا يعدُّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
وعن معمر: أنّه كان يؤخِّرُ السّحور جدًا، حتى يقول الجاهل: لا صوم له!».

------------------------
(١) أي: صلاة الفجر.


فائدة:
إِذا سمع النِّداء والإِناءُ على يده، أو كان يأكل، فله أَنْ يستكْمِل شرابه وأكْله، ويقضي حاجته منهما؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا سمع أحدكم النِّداء والإِناء على يده، فلا يضَعْه حتى يقضي حاجته منه» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- في «تمام المِنّة» (ص ٤١٧): «وفيه دليل على أَنَّ مَنْ طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده؛ أنّه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه.
فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
فلا تعارُض بينها وما في معناها من الأحاديث؛ وبين هذا الحديث، ولا إِجماع يعارضه، بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أكثر ممّا أفاده الحديث، وهو جواز السّحور إِلى أن يتضح الفجر، وينتشر البياض في الطرق، راجع»الفتح«(٤/ ١٠٩ - ١١٠).
وإِنَّ من فوائد هذا الحديث إِبطال بدعة الإِمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؛ لأنَّهم إِنَّما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحّرون، ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمّل».

استحباب تأخيره:
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّا معشر

-----------------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٠٦٠)، وغيره.


الأنبياء أُمِرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضَع أيماننا على شمائلنا في الصلاة» (١).
وعن أنس عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «تسحَّرنا مع النّبىِّ - ﷺ -، ثمّ قام إِلى الصلاة، قلت (٢): كم كان بين الأذان (٣) والسّحور؟ قال: قَدْر خمسين آية (٤)» (٥).
جاء في «الفتح» (٤/ ١٩٩): «قال ابن عبد البرّ: أحاديث تعجيل الإِفطار وتأخير السّحور صِحاح متواترة، وعند عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمّد - ﷺ - أسرَعَ النّاس إِفطارًا وأبطأهم سحورًا».

هل يفطر إِذا أكل أو شرب أو جامع، ظانًّا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر؟
مَن أكَل أو شرب أو جامع ظانًّا غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر، ثمّ

---------------------------
(١) أخرجه ابن حبان والضياء بسند صحيح، وانظر «التعليقات الرضيَّة» (٢/ ٢٠) و«الصحيحة» (٤/ ٣٧٦).
(٢) قلتُ: هو مقول أنس، والمقول له زيد بن ثابت -رضي الله عنهما-.
(٣) أي: الإقامة، وبوّب له البخاري -رحمه الله- في كتاب الصوم بقوله: (باب كم بين السَّحور وصلاة الفجر). جاء في «الفتح» (٤/ ١٣٨): «وقال: أي انتهاء السّحور وابتداء الصلاة؛ لأنّ المراد تقدير الزّمان الذي ترك فيه الأكل والمراد بفعل الصَّلاة؛ أول الشّروع فيها قاله الزين بن المنيّر».
(٤) أي: متوسطة؛ لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة «فتح».
(٥) أخرجه البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧.



ظهر له خلاف ذلك فإِنّه لا يفسد صومه، وليس عليه قضاء ولا كفّارة.
جاء في «المحلّى» (٦/ ٣٣١) المسألة (٧٥٣): «ومن أكل وهو يظنّ (١) أنّه ليل، أو جامَع كذلك؛ أو شرب كذلك؛ فإِذا به نهار -إِما بطلوع الفجر، وإمّا بأنّ الشَّمس لم تغرب-: فكلاهما لم يتعمّد إِبطال صومه، وكلاهما ظن أنَّه في غير صيام، والناسي ظنّ أنّه في غير صيام ولا فرق، فهما والناسي سواء ولا فرق.
وليس هذا قياسًا (٢) -ومعاذ الله من ذلك- وإنما يكون قياسًا لو جعلنا الناسي أصلًا؛ ثمّ شبّهنا به مَن أكل وشرب وجامع، وهو يظنّ أنّه في ليل فإِذا به في نهار، ولم نفعل هذا، بل كلّهم سواء في قول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمَّدت قلوبكم﴾ (٣) وفي قول رسول الله - ﷺ -:»إِنّ الله تجاوز لأمّتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه«(٤)، وهذا قول جمهور السَّلف.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى جمْع من السَّلف في ذلك ومنه:

--------------------------
(١) الظنّ: إِدراك الذهن الشيءَ مع ترجيحه، وقد يكون مع اليقين.»الوسيط«.
(٢) قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في التعليق:»سواءٌ رضي المؤلف أن يكون هذا قياسًا أو لم يرضَ، فإِنه قياسٌ في الحقيقة على الناسي، لأنّ النصّ لم يدلّ على عدم بطلان صوم من أفطر ظانًّا أنه في ليل، والقياس على الناسي -الذي ذكره المؤلّف- قياس صحيح، وإنْ تحاشى هو أن يُسمّيه قياسًا".
(٣) الأحزاب: ٥.
(٤) تقدّم.



عن زيد بن وهب قال: أفطر النّاس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عِساسًا (١) أُخرجَت من بيت حفصة، فشربوا، ثمّ طلعت الشّمس من سحاب، فكَأنّ ذلك شقَّ على النّاس.
فقالوا: نقضي هذا اليوم فقال عمر: لِمَ؟ والله ما تجانفنا لإِثم (٢)».
وروينا أيضًا من طريق الأعمش عن المسيّب عن زيد بن وهب، ومن طريق ابن أسلم عن أخيه عن أبيه ولم يذكر قضاء.
وقد رُوي عن عمر أيضًا القضاء، وهذا تخالف من قوله، فوجب الرُّجوع إِلى ما افترض الله تعالى الرّجوع إِليه عند التنازع، من القرآن والسنة؛ فوجدنا ما ذكَرنا قبل، مع أنّ هذه الرواية عن عمر أولى؛ لأن زيد بن وهب له صحبة، وإنّما روى عنه القضاء من طريق علي بن حنظلة عن أبيه.
ومن طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عمّن تسحّر نهارًا وهو يرى أنّ عليه ليلًا، فقال: يُتمّ صومه.
وعن مجاهد قال: من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظنّ أنّه لم يطلع فليس عليه القضاء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
وعن الحسن البصري فيمن تسحَّر وهو يرى أنّه ليل، قال: يُتمُّ صومه.
وعن جابر بن زيد فيمن أكل يرى أنَّه ليل فإِذا به نهار، قال: يُتمّ صومه.

-------------------------------
(١) العِساس: جمع العُسّ: القدح الكبير.
(٢) أي: لم نمِلْ فيه لارتكاب الإِثم، ومنه قوله تعالى: ﴿غير متجانفٍ لإِثم﴾ [المائدة: ٣]. «النهاية».



ثمّ اتفق عروة وعطاء فيمن أكل في الصّبح وهو يرى أنّه ليل: لم يقضه.
فهؤلاء: عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، والحسن، وجابر ابن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير.
فإِنْ ذكَروا ما رويناه ... عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطر النّاس على عهد رسول - ﷺ - ثمّ طلعت الشّمس».
قال أبو أسامة: قلت لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ فقال: ومن ذلك بدٌّ (١)؟! فإِنّ هذا ليس إلاَّ من كلام هشام، وليس من الحديث، فلا حُجّة فيه (٢)، وقد قال معمر: سمعت هشام بن عروة في هذا الخبر نفسه يقول: لا أدري أقضوا أم لا؟! فصحّ ما قُلنا.
وأمَّا مَنْ أُكره على الفطر، أو وطئت امرأة نائمة، أو مكرهة أو مجنونة أو مغمى عليها، أو صُبّ في حلقه ماء وهو نائم، فصوم النّائم والنّائمة، والمُكْره، والمُكْرهة تامّ صحيح لا داخلة فيه، ولا شيء عليهم، ولا شيء على المجنونة، والمغمى عليها، ولا على المجنون والمغمى عليه، لمَا ذكَرنا من قول رسول الله - ﷺ -: إِنّ الله تجاوز لأمتّه عن الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه (٣).
والنّائم والنّائمة مكرهان بلا شك، غير مُخْتارين لما فُعِل بهما.
وقال زفر: لا شيء على النّائم والنّائمة، ولا قضاء كما قلنا، سواء سواء، وصومهما تامّ -وهو قول الحسن بن زياد.

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٩.
(٢) وسيأتي -إِن شاء الله تعالى- كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- في ذلك.
(٣) تقدّم.



وقد رُوي أيضًا عن أبي حنيفة في النّائم مثل قول زفر.
وقال سفيان الثّوري: إِذا جومعت المرأة مُكْرهة في نهار رمضان فصومها تامّ، لا قضاء عليها، وهو قول عبيد الله بن الحسن، وبه يقول أبو سليمان، وجميع أصحابنا.
والمجنون والمغمى عليه غير مخاطَبَين، قال رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم» (١).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٨): «... وكذلك طرد هذا أنّ الصائم إِذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا أو مخطئًا، فلا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف والخلف ومنهم من يُفَطِّر الناسي والمخطئ كمالك ...».
وقال -رحمه الله- (ص ٢٣١): «وأيضًا فقد ثبت في»صحيح البخاري«عن أسماء بنت أبي بكر قالت:»أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله - ﷺ - ثمّ طلعت الشمس ...".
وهذا يدلّ على شيئين: على أنّه لا يُسْتحَب مع الغيم التأخير إِلى أن يتيقّن الغروب ...
والثاني: لا يجب القضاء فإِنّ النّبيّ - ﷺ - لو أمَرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلمّا لم يُنقَل ذلك دلّ على أنّه لم يأمرهم به.
فإِنْ قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟

----------------------
(١) تقدّم.


قيل: هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث، ويدلّ على أنّه لم يكن عنده بذلك علم أنّ معمرًا روى عنه قال: سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟
ذكَر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمِّه فاطمة بنت المنذر عن أسماء.
وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا قول إِسحاق بن راهويه -وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيرًا ما يجمع بينه ...».
وجاء (ص ٢٥٩) منه: «وسئل عن رجل باشر زوجته، وهو يسمع المتسحر يتكلّم، فلا يدري: أهو يتسحّر؟ أم يؤذّن، ثمّ غلب على ظنِّه أنّه يتسحَّر، فوطئها، وبعد يسير؛ أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: عليه القضاء، والكفّارة، هذا إِحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: عليه القضاء لا غير، وهذه الرواية الأخرى عنه، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما.
والثالث: لا قضاء ولا كفّارة عليه.
وهذ قول النّبيّ - ﷺ -، وهو أظهر الأقوال، ولأنّ الله تعالى عفا عن الخطأ والنِّسيان، وأَباح -سبحانه وتعالى- الأكل والشرب، والجماع حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والشاكّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب والجماع بالاتفاق، ولا قضاء عليه إِذا استمر الشَّك».


وجاء (ص ٢٦٤) منه:»وهذا القول أصحّ الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنَّة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإِنّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئ.
وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحبَّ تأخير السّحور، ومن فعل ما ندب إِليه، وأُبيح له، لم يفرّط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم«.
وقال الحافظ رحمه الله- في»الفتح«(٤/ ٢٠٠) -بحذف-:»وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إِلى إِيجاب القضاء ... وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إِسحاق وأحمد في رواية.
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٣٩): «ليس في هذا الخبر أنّهم أمروا بالقضاء، وهذا من قول هشام: بدٌّ من ذلك، لا في الخبر، ولا يُبيّن عندي أنّ عليهم القضاء، فإِذا أفطروا والشمس عندهم قد غربت، ثمّ بان أنها لم تكن غَرَبت؛ كقول عمر بن الخطاب: والله ما نقضي ما يجانفنا من الإِثم».
وسألت شيخنا -رحمه الله- قائلًا: إذا أكل ظانًّا غروب الشمس فظهر خلاف ذلك، أو ظنَّ عدم طلوع الفجر. فقال -رحمه الله-: «إِذا كان معذورًا في ظنّه فلا يعدُّ مُفطرًا». انتهى.
قلت: والراجح عدم القضاء -والله تعالى أعلم- لِمَا وردَ عن السلف من آثارٍ في ذلك، فإِنْ كان بالنقل فهم أولى، وإن كان بالرأي فرأيهم خير من رأي سواهم (١).

-------------------------
(١) ذكره بعض العلماء.


حشَرَنا الله وإياهم مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

٢ - تعجيل الفطر
عن سهل بن سعد أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا (١) الفطر» (٢).
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٧٤): (باب ذِكر دوام الناس على الخير، ما عجّلوا الفطر، وفيه كالدلاله على أنّهم إِذا أخّروا الفِطر؛ وقعوا في الشّر). ثمّ روى الحديث السابق.
عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزال أمَّتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفطرها النّجوم.
قال: وكان النّبيّ - ﷺ - إِذا كان صائمًا أمَر رجلًا، فأوفى على شيء، فإِذا قال: غابت الشمس أفطر» (٣).
وقد بوّب له ابن خزيمة -رحمه الله- بقوله: «باب ذكر استحسان سنّة المصطفى محمّد - ﷺ - ما لم ينتظر بالفطر قبل طلوع النجوم».

--------------------------
(١) وهذا يقتضي معرفة الوقت والدّقة في ذلك، وأوراق التقويم في معظم البلاد مع الأسف -إن لم نقُل كلها- تقريبيّة. والله المستعان.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨.
(٣) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٧٥)، وقال شيخنا -رحمهما الله تعالى-: إِسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه من طريق المصنف دون الزيادة المدرجة.



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجّل النّاس الفطر؛ لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون» (١).
وقال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ١٩٩): «من البدع المنكَرة ما أُحدِث في هذا الزّمان؛ من إِيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامةً لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممّن أحدثه أنّه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إِلا آحاد النّاس.
وقد جرّهم ذلك إِلى أنْ صاروا لا يؤذِّنون إِلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفِطر وعجَّلوا السّحور وخالفوا السنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثير فيهم الشرّ، والله المستعان».

متى يُفطر الصائم
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أقبل الليل (٢) من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم» (٣).
وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «كنّا مع رسول الله - ﷺ - في سفر وهو صائم، فلمّا غابت الشّمس قال لبعض القوم: يا فلان قُم فاجدح

------------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٦٣) وابن خزيمة في»صحيحه" (٢٠٦٠)، وقال شيخنا -رحمه الله -: إسناده حسن.
(٢) أي: من جهة المشرق.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٤، ومسلم: ١١٠٠.



لنا (١)، فقال: يا رسول الله لو أمسيت (٢)، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: يا رسول الله فلو أمسيت، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: إِنّ عليك نهارا (٣)، قال: انزل اجدَحْ لنا.
فنزل فجدَح لهم، فشرب النّبيّ - ﷺ - ثمّ قال: إِذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم» (٤).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٥): «وسُئل عن غروب الشّمس: هل يجوز للصائم أنْ يفطر بمجرد غروبها؟
فأجاب: إِذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النّبيّ - ﷺ -:»إِذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم«».

-----------------------
(١) الجدْح: تحريك السَّويق ونحوه بالماء بعود، يُقال له المِجْدَح [عود] مُجَنَّح الرأس [وربّما يكون له ثلاث شعب]. «الفتح» والزيادة من «النهاية».
والسَّويق: طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك؛ لانسياقه في الحلق. «الوسيط».
(٢) لو أمسيت: فيه دليل على أنّ وقت المساء يبدأ مِن غروب الشمس قاله بعض طلاّب العلم.
(٣) قال الحافظ -رحمه الله-: يُحْتمل أن يكون المذكور كان يرى كثرة الضوء من شدة الصحو؛ فيظن أنَ الشّمس لم تغرب، ويقول لعلّها غطّاها شيء من جبلٍ ونحوه، أو كان هناك غيم فلم يتحقَّق غروب الشّمس.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٥٥، ومسلم: ١١٠١.



علام يُفطر؟
يسنّ أن يُفطر على رطبات قبل صلاة المغرب، فإِنْ لم يجد فعلى تمرات، فإِن لم يجد فعلى الماء.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - ﷺ - يفطر على رُطبات، قبل أنْ يُصلّي، فإِنْ لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإِنْ لم تكن حسا (١) حسَوات من ماء» (٢).

٣ - الدعاء عند الفِطر
عن مروان (٣) قال: «رأيت ابن عمر يقبض على لحيته، فيقطع ما زاد على الكفّ، وقال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلّت العُروق (٤)، وثبت الأجر (٥) إِن شاء الله» (٦).



-------------------------
(١) حسا: أي: شرِب، وفي «النهاية»: «الحُسوة -بالضمّ- الجرعة من الشراب، بقدر مرة واحدة والحَسوة -بالفتح- المرّة».
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٦٥)، وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٩٢٢)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٦٤)، وهذا حتى يصلّي الجماعة في المسجد؛ إِن كان يسمع النداء، أو يصلّي مع أهل بيته جماعة كذلك، ثم يستكمل طعامه.
(٣) هو ابن سالم المقفع.
(٤) وابتلت العُروق: أي: بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش.
(٥) وثبت الأجر: أي: حصل الثواب، وهذا حثٌّ على العبادات، فإِنّ التعب يُسرّ لذَهابه وزواله. قال الطيبي: ذِكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أيّ استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكايةً عن أَهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن إِنّ ربنا لغفورٌ شكور﴾. [فاطر: ٣٤]، انظر «المرقاة» (٤/ ٤٨٨).
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٦٦)، وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٩٢٠).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #77  
قديم 13-01-2026, 05:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 286الى صــ 300
الحلقة (77)




٤ - الجود ومدارسة القرآن.
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (١)» (٢).

فينبغي الاقتداء بالنّبيّ - ﷺ - في الجود والعطاء.
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ١٩٣) تبويبًا لهذا الحديث: (باب استحباب الجود بالخير والعطايا في شهر رمضان إِلى انسلاخه، استنانًا بالنّبيّ - ﷺ -).

٥ - الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا دخل العَشرُ شدَّ

-------------------------
(١) المرسلة: أي: المطلقة يعني: أنّه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبّر بالمرسَلَة إِشارة إِلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعمّ الريح المرسَلَة جميع ما تهب عليه ...
وقال النووي: في الحديث فوائد: منها: الحث على الجود في كل وقت، ومنها: الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه: زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إِذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار.»الفتح«(١/ ٣١)، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٢٠، ومسلم: ٢٣٠٨، وتقدّم في»كتاب الزكاة".


مِئْزره (١) وأحيا ليله، وأيقظ أهله (٢)» (٣).
وفي رواية: «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (٤).
وعن علي -رضي الله عنه- «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان» (٥).

ترهيب الصائم من الغِيبة والفُحش والكذب ونحو ذلك (٦)
لا شكّ أنّ الصِّيام يهذِّب النّفس ويزكّيها، ويمرّسها على فِعل الخير وترْك الشر، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٧).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يدَع قول الزور والعَمَلَ به؛ فليس لله حاجةٌ؛ في أن يدَع طعامه وشرابه» (٨).

-----------------------
(١) أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يُحتمل أنه يريد به الجدّ في العبادة، كما يُقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمّرْت له، ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا ...«.»فتح«(٤/ ٢٦٩).
(٢) أي: للصلاة.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢٤، ومسلم: ١١٧٤.
(٤) أخرجه مسلم: ١١٧٥.
(٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٦٣٧).
(٦) هذا العنوان من كتاب»الترغيب والترهيب" للمنذري.
(٧) البقرة: ١٨٣.
(٨) أخرجه البخاري: ١٩٠٣.



وعنه -رضي الله عنه- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلاَّ الجوع، ورُبَّ قائم ليس له مِن قيامه إِلا السّهر» (٦).
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله: كلّ عمل ابن آدم له، إِلا الصّيام فإِنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة (١).
وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث (٢) ولا يصخب (٣)، فإِنْ سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل إِنّي امرؤٌ صائم» (٤).
وعنه كذلك -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تسابّ وأنت صائم، فإِنْ سابّك أحد؛ فقل: إِنّي صائم، وإنْ كنتَ قائمًا فاجلس» (٥).

ما يُباح للصائم
١ - الغُسل تعبُّدًا، كالاغتسال من جنابة باحتلام، أو جماعٍ قبل الفجر أو

------------------------
(٦) أخرجه ابن ماجه -واللفظ له- والنسائي وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله - في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٦٩).
(١) جُنّة: أي: وقاية كما تقدّم.
(٢) يرفُث: من الرفث، كلمة جامعة لكل ما يريدهُ الرجل من المرأة. «النهاية».
(٣) الصخب: الخصام والصياح كما تقدّم.
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٠٤، ومسلم: ١١٥١، وتقدّم.
(٥) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٤١)، وقال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من طريق المصنف، قال ابن خزيمة (٣/ ٢٤١): «باب الأمر بالجلوس إِذا شتم الصائم وهو قائم؛ لتسكين الغضب على المشتوم؛ فلا ينتصر بالجواب».



اغتسال الجمعة؛ أو تبرُّدًا من حرٍّ ونحوه، وله أن يصبّ الماء على رأسه من عطشٍ أو حرّ.
عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - أمَر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقَوَّوْا لعدوِّكم، وصام رسول الله - ﷺ -.
قال أبو بكر: قال الذي حدَّثني: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - بالعَرْج (١) يصبّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرّ» (٢).
وعن عائشة وأمّ سلمة -رضي الله عنهما- «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله؛ ثمّ يغتسل ويصوم» (٣).
وبلّ ابن عمر -رضي الله عنهما- ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمّام وهو صائم«(٤).
وجاء في»المغني«(٣/ ٤٥): ولا بأس أن يغتسل الصائم، وذكر حديث عائشة وأم سلمة -رضي الله عنهما-.

٢ - أن يصبح جُنبًا لحديث عائشة وأمّ سلمة -رضي الله عنهما-

-----------------------
(١) اسم موضع.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٧٢)، وغيرهما.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٢٥، ومسلم: ١١٠٩.
(٤) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله في»التاريخ«، وابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي عثمان أنّه رأى ابن عمر يفعل ذلك، وانظر»مختصر البخاري" (١/ ٤٥١).



المتقدّم.

٣ - المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة.
عن لقيط بن صَبِرَةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بالِغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائمًا» (١).
وقال عطاء: إِنْ تمضمض ثمّ أفرغ ما في فيه من الماء، لا يَضيره إِن لم يَزْدَرِدْ (٢) ريقه، وماذا بقي في فيه (٣).
وقال الحسن: «لا بأس بالمضمضة والتبرّد للصائم» (٤).
وقال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ١٦١): «قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه ممّا يجري مع الريق؛ ممّا بين أسنانه؛ ممّا لا يقدر على إِخراجه».
جاء في «الشرح الكبير» (٣/ ٤٤): «المضمضة والاستنشاق لا يفطّر بغير خلاف؛ سواء كان في طهارة أو غيرها».

-----------------------
(١) تقدّم.
(٢) أي: يبتلع.
(٣) أخرجه البخاري -رحمه الله- معلقًا بصيغة الجزم، قال شيخنا -رحمه الله-: وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق، لكن عند عبد الرزاق (٧٤٨٧) زيادة: «قلت: فإِن أزدرده وهو يقال له: إنّه ينهى عن ذلك؟ قال: قد أفطر إِذن. غير مرةّ يقول ذلك وسنده صحيح، وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٤٥٣).
(٤) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به، ووصَله عبد الرزاق بمعناه، وأخرج مالك وأبو داود نحوه مرفوعًا، وانظر»مختصر البخاري" (١/ ٤٥١).



وفي «المغني» (٣/ ٤٤): «وإنْ تمضمض أو استنشق في الطهارة؛ فسبق الماء إِلى حلْقه من غير قصد ولا إِسراف، فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه ورُوي ذلك عن ابن عباس.
وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر؛ لأنه أوصل الماء إِلى جوفه؛ ذاكرًا لصومه فأفطر كما لو تعمّد شربه ...». ا. هـ
والصواب أنه لا يُفطّر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿ما جَعل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (٢).

٤ - الاكتحال والقطرة ونحوها ممّا يدخل العين؛ سواء أَوَجَد طعْمه في حلقه أم لم يَجده، لأنّ العين ليست بمنفذ إِلى الجوف (٣).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: اكتحل رسول الله وهو صائم«(٤).
وعن أنس بن مالك:»أنّه كان يكتحل وهو صائم«(٥).
عن الأعمش قال:»ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصّائم،

-------------------------
(١) البقرة: ٢٨٦.
(٢) الحج: ٧٨.
(٣) «فقه السنة» (١/ ٤٦٠).
(٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٦٠).
(٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، وانظر «الفتح» (٤/ ١٥٣)، ووصَله أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٨٢)، وقال شيخنا -رحمه الله-: حسن موقوف.



وكان إِبراهيم (١) يرخّص أن يكتحل الصائم بالصَّبر» (٢).
وقال الحسن: «لا بأس بالكحل للصائم» (٣).
جاء في كتاب «الأمّ» (٤/ ٣٦٥): «قال الشافعي: ولا يُفْسِد الكُحل وإن تنخَّمه، فالنخامة تجيء من الرأس باستنزاله، والعين متصلة بالرأس، ولا يصل إِلى الرأس والجوف -عِلْمي- ولا أعلم أحدًا كره الكحل على أنّه يفطِّر».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: ما رأيكم فيمن يقول: إِن الاكتحال والقطرة لا يفطران؛ سواء وجَد طعمه في الحلق أم لم يجد؟ فقال: هو كذلك، وإذا وجَد طعمه لفَظه، ولا يجوز بلْعه.
وقال أحد الإِخوة الحاضرين: وهل يُفطر إِذا بلَعَه؟ فقال -رحمه الله-: نعم.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٤١): «... وإذا كانت الأحكام التي تعمّ بها البلوى لا بد أن يبيّنها الرسول - ﷺ - بيانًا عامًّا، ولا بدّ أَنْ تنقل الأمّة ذلك، فمعلوم أنّ الكحل ونحوه مما تعمّ به البلوى كما تعمّ بالدُّهن والاغتسال والبخور والطّيب، فلو كان هذا ممّا يفطِّر لبيّنه النّبيّ - ﷺ - كما بيّن الإِفطار بغيره، فلمّا لم يُبيّن ذلك؛ عُلِم أنّه من جنس الطيب

-------------------------
(١) هو النخعي، وانظر»بذل المجهود«(١١/ ١٩٤).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٨٣)، وانظر»الفتح«(٤/ ١٥٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بإِسناد صحيح عنه؛ كما قال الحافظ في»الفتح" (٤/ ١٥٤) وأورده البخاري معلقًا مجزومًا به.



والبخور والدّهن.
والبخور قد يتصاعد إِلى الأنف ويدخل في الدِّماغ وينعقد أجسامًا، والدّهن يشربه البدن، ويدخل إِلى داخله ويتقوّى به الإِنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوّة جيدة، فلمّا لمْ يُنه الصّائم عن ذلك؛ دلّ على جواز تطييبه وتبخيره وادّهانه، وكذلك اكتحاله.
وقد كان المسلمون في عهده - ﷺ - يُجْرح أحدهم؛ إِمّا في الجهاد وإمّا في غيره مأمومة (١) وجائفة (٢)، فلو كان هذا يفطر لبيّن لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك عُلِمَ أنّه لم يجعله مفطِّرًا».
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٤٤) أيضًا: «فإِنّ الكحل لا يُغَذِّي البتة، ولا يُدْخِل أحد كحلًا إِلى جوفه؛ لا من أنفه ولا فمه».
٥ - القبلة والمباشرة لمن قدر على ضبط نفسه.
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يقبِّل ويُباشر وهو
صائم، وكان أملككم لأربه (٣)» (٤).
وجاء في «الصحيحة» (١/ ٤٣٣): -بتِصرف- تحت هذا الحديث:

------------------------
(١) المأمومة: أي: الشَّجَّة في الرّأس، تصل إِلى أم الدماغ، وأمّ الدّماغ: الجلِدة الرّقيقة التي تجمعه، يقال: بلغت الشّجّة أمّ الدّماغ. «الوسيط».
(٢) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف. «اللسان».
(٣) لأرَبه: بفتح الهمزة والرّاء أي: حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الرّاء [إِرْبه] أي: عضوه، والأوّل أشهر، وِإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير. «الفتح».
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦.



»ومرادها -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان غالبًا لهواه.
و(الإِرب): هو بفتح الهمزة أو كسرها، قال ابن الأثير: «وله تأويلان: أحدهما: أنّه الحاجة. والثاني: أنّه أراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذَّكَر خاصّة. وهو كناية عن المجامعة».
قال في «المرقاة»: «وأمّا ذِكر الذَّكَر؛ فغير ملائم للأنثى، لا سيّما في حضور الرِّجال»، وراجع تمام البحث فيه.
وفي الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبله، وهي جواز المباشرة من الصائم، وهي شيء زائد على القبلة، وقد اختلفوا في المراد منها هنا، فقال القاري: «قيل: هي مسُّ الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللَّمس باليد».
قلت: [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-] ولا شكَّ أنّ القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا؛ لأنّ الواو تفيد المغايرة، فلم يبق إلاَّ أن يكون المراد به إِمّا القول الأوّل أو اللّمس باليد، والأوّل هو الأرجح، لأمرين:
الأوّل: حديث عائشة الآخر قالت: «كانت إِحدانا إِذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يباشرها؛ أمَرها أن تتزر في فور حيضتها، ثمّ يباشرها. قالت: وأيّكم يملك إِرْبَه؟!».
رواه البخاري (١/ ٣٢٠)، ومسلم (١/ ١٦٦ و١٦٧) وغيرهما.
فإِنّ المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام؛ فإِنّ اللّفظ واحد، والدّلالة واحدة، والرِّواية واحدة أيضًا.


بل إِنّ هناك ما يؤيِّد المعنى المذكور، وهو الأمر الآخر، وهو أن السَّيدة عائشة -رضي الله عنها- قد فسّرت المباشرة بما يدلّ على هذا المعنى، وهو قولها في رواية عنها:»كان يباشر وهو صائم، ثمّ يجعل بينه وبينها ثوبًا. -يعني: الفرج-«(١).
قلت: [أي: شيخنا -رحمه الله-]:»وفي هذا الحديث فائدة هامّة، وهو تفسير المباشرة بأنّه مسّ المرأة فيما دون الفرج،؛ فهو يؤيّد التفسير الذي سبق نقْله عن القاري، وإن كان حطططططكاه بصيغة التمريض: (قيل)؛ فهذا الحديث يدلّ على أنّه قول معتمد، وليس في أدلّة الشّريعة ما ينافيه، بل قد وجدنا في أقوال السّلف ما يزيده قوّة؛ فمنهم راوية الحديث عائشة نفسها -رضي الله عنها- فَرَوَى الطحاوي (١/ ٣٤٧) بسند صحيح عن حكيم بن عقال أنّه قال:
«سألْتُ عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها».
وحكيم هذا وثّقه ابن حبان، وقال العجلي: «بصري، تابعي، ثقة».
وقد علّقه البخاري (٤/ ١٢٠) بصيغة الجزم: «باب المباشرة للصائم، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: يحرم عليه فرجها».
وقال الحافظ: «وصله الطحاوي من طريق أبي مرّة مولى عقيل عن حكيم ابن عقال ... وإسناده إِلى حكيم صحيح.
ويؤدّي معناه أيضًا ما رواه عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن مسروق: سألت

-------------------------
(١) أخرجه أحمد وابن خزيمة في»صحيحه«، وانظر»الصحيحة" (٢٢١).


عائشة: ما يحلُّ للرّجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كلّ شيء؛ إِلا الجماع». قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وذكَره ابن حزم (٦/ ٢١١) محتجًّا به على من كره المباشرة للصائم.
ثمّ ذكَر ابن حزم عن سعيد بن جبير: «أنّ رجلًا قال لابن عبّاس: إِنّي تزوجت ابنة عمّ لي جميلة، فبُني بي في رمضان، فهل لي -بأبي أنت وأمّي- إِلى قُبْلتها من سبيل؟
فقال له ابن عبّاس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: قبِّل.
قال: فبأبي أنت وأمّي؛ هل إِلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: فباشِرها.
قال: فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها مِن سبيل؟ قال: وهل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: اضرب».
قال ابن حزم: «وهذه أصحّ طريق عن ابن عبّاس».
قال: «ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقّاص أنّه سُئل: أتقبِّل وأنت صائم؟ قال: نعم، وأقبض على متاعها.
وعن عمرو بن شرحبيل أنّ ابن مسعود كان يباشر امرأته نصف النّهار وهو صائم، وهذه أصحّ طريق عن ابن مسعود».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: أثر ابن مسعود هذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٧/‏٢) بسند صحيح على شرطهما، وأثر سعد هو عنده بلفظ: «قال: نعم؛ وآخذ بجهازها»، وسنده صحيح على شرط مسلم.


وأثر ابن عبّاس عنده أيضًا، ولكنّه مختصر بلفظ: «فرخّص له في القبلة والمباشرة ووضع اليد؛ ما لم يعْدُه إِلى غيره»، وسنده صحيح على شرط البخاري.
وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/‏١) عن عمرو بن هَرِم قال: «سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان؛ فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه».
وإِسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).
وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: «باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فِعلين أحدهما مباح والآخر محظور»«.
وعن عمر بن الخطاب قال:»هَشِشْتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلتُ وأنا صائم.
قال: أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه؟ «(١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-»أنّ رجلا سأل النّبيّ - ﷺ -؛ عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فنهاه، فإِذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شابٌ«(٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان يقبّلني وهو صائم

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٨٩).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٩٠).



وأنا صائمة«(١).
وجاء في»الصحيحة«(١/ ٤٣٠):»والحديث دليل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان، وقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من أربعة أقوال؛ أرجحها الجواز، على أن يراعَى حال المقبِّل؛ بحيث إِنّه إِذا كان شابًّا يخشى على نفسه أن يقع في الجماع الذي يفسد عليه صومه؛ امتنع من ذلك.
وإلى هذا أشارت السيدة عائشة -رضي الله عنها- في الرواية الآتية عنها: «... وأيُّكم يملك إِربه؟».
بل قد روي ذلك عنها صريحًا؛ فقد أخرج الطحاوي (١/ ٣٤٦) من طريق حريث بن عمرو عن الشّعبي عن مسروق عنها قالت: «ربما قبّلني رسول الله - ﷺ - وباشرني وهو صائم، أمّا أنتم؛ فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف».
وحريث هذا أورده ابن أبي حاتم (٢/ ٢/‏٢٦٣) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، بل جاء هذا مرفوعًا من طرق عن النّبيّ - ﷺ -؛ يقوّي بعضها بعضًا، أحدها عن عائشة نفسها.
ويؤيده قوله - ﷺ -: «دع ما يبريبك إِلى ما لا يريبك» (٢).

---------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر «الصحيحة» (٢١٩).
(٢) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «غاية المرام» (١٧٩) و«الإِرواء» (١٢ و٢٠٧٤).



ولكن ينبغي أن يُعلم أنّ ذِكر الشيخ ليس على سبيل التحديد، بل المراد التمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة، وإلا فالضّابط في ذلك قوّة الشهوة وضعْفها، أو ضعْف الإِرادة وقوّتها.
وعلى هذا التفصيل تُحمل الروايات المختلفة عن عائشة -رضي الله عنها- فإِنّ بعضها صريح عنها في الجواز مطلقًا؛ كحديثها هذا؛ لا سيّما وقد خرج جوابًا على سؤال عمرو بن ميمون لها في بعض هذه الروايات، وقالت: و﴿لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).
وبعضها يدلّ على الجواز حتّى للشّابّ؛ لقولها: «وأنا صائمة»؛ فقد توفِّي عنها رسول الله - ﷺ - وعمرها (١٨) سنة.
ومِثله ما حدَّثت به عائشة بنت طلحة؛ أنّها كانت عند عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -، فدخَل عليها زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو صائم، فقالت له عائشة: ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبِّلها وتلاعبها؟ فقال: أقبّلها وأنا صائم؟! قالت: نعم.
أخرجه مالك (١/ ٢٧٤)، وعنه الطحاوي (١/ ٣٢٧)، بسند صحيح.
قال ابن حزم (٦/ ٢١١): «عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيّام عائشة هي وزوجها فتيين في عنفوان الحداثة».
وهذا ومثله محمول على أنّها كانت تأمن عليهما، ولهذا قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ١٢٣) -بعد أن ذكَر هذا الحديث من طريق النّسائي-: «... فقال: وأنا صائم؟! فقبّلني»:

------------------------
(١) الأحزاب: ٢١.


«وهذا يؤيده ما قدّمناه أنّ النّظر في ذلك لمن لا يتأثّر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأنّ عائشة كانت شابّة.
نعم لمّا كان الشابُّ مظنّة لهيجان الشهوة؛ فرّق من فرّق»«انتهى.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في»المغني«(٣/ ٣٩): فيمن قبّل أو لمس:»... أن يُمني فيفطر بغير خلافٍ نعلمه ...«.
قال الحافظ -رحمه الله- في»الفتح«(٤/ ١٥١):»كذا قال، وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنّه لا يفطر ولو أنزل، وقوّى ذلك، وذهب إِليه ...«.
وسيأتي -إِن شاء الله تعالى-: (هل الاستمناء بتقبيل الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم)؟

٦ - الحُقنة لغير التغذية
يباح للصائم استعمال الحقنة لغير التغذية.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ٢٣٣):»وأمّا الكحل والحقنة وما يقطر في إِحليله (١)، ومداواة المأمومة والجائفة؛ فهذا ممّا تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطِّر بالكحل ولا بالتقطير ويفطِّر بما سوى ذلك.
والأظهر أنّه لا يفطر بشيء من ذلك، فإِنّ الصّيام من دين المسلمين الذي يحتاج إِلى معرفته الخاصّ والعامّ، فلو كانت هذه الأمور مما حرّمها الله

-----------------
(١) هو مخرج البول. «الوسيط».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #78  
قديم 13-01-2026, 05:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 301الى صــ 315
الحلقة (78)




ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا ممّا يجب على الرسول بيانه، ولو ذَكَر ذلك لعلِمه الصحابة وبلّغوه الأمّة؛ كما بلغوا سائر شرْعه، فلمّا لم يَنقُل أحد من أهل العلم عن النّبيّ - ﷺ - في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا؛ عُلِم أنّه لم يذكر شيئًا من ذلك.
والحديث المرويّ في الكحل ضعيف. رواه أبو داود في «السنن» ولم يروه غيره، ولا هو في مسند أحمد، ولا سائر الكتب المعتمدة«.
ثمّ أشار -رحمه الله- إِلى ما رُوي عنه:»أنّه أمر بالإِثمد المروَّح (١) عند النّوم وقال: ليتقه الصائم وبيَّن أقوال بعض العلماء في عدم ثبوته.
وقال -رحمه الله- (ص ٢٤٥): «... فالصائم نُهِي عن الأكل والشرب؛ لأنّ ذلك سبب التقوّي، فترك الأكل والشرب الذي يُولِّد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان؛ إِنّما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكَر ولا ما يداوى به المأمومة (٢) والجائفة (٣) ...».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الحقنة؛ فبيّن أنّه يرى جوازها لغير التغذية، وأنها تفطّر إِذا كانت للتغذية من أيّ طريق.

٧ - الحجامة
عن ثابت البُنَاني قال: «سُئل أنس بن مالك -رضي الله عنه- أكنتم

----------------------
(١) أي: المطيّب بالمسك؛ كأنّه جُعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة.»النهاية".
(٢) المأمومة: أي: الشجّة في الرأس تصِل إِلى أمّ الدماغ، وتقدّم.
(٣) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف، وتقدّم.


تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إِلا من أجل الضعف» (١).
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- «أن النّبيّ - ﷺ - احتجم وهو صائم» (٢).
وعن ابن عبّاس وعكرمة -رضي الله عنهم- قالا: «الصوم ممّا دخَل وليس ممّا خرَج» (٣).
ولا يعكّر على هذا قوله - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (١/ ٤٥٥) -بحذف-:
«... لكنّ الحديث منسوخ، وناسخه حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:»أَرْخَص النّبيّ - ﷺ - في الحجامة للصائم«وهو صحيح كما بينته هناك (٥).
وجاء في»الإِرواء«(٤/ ٧٤):»وفي «الفتح» (٤/ ١٥٥): وقال ابن حزم: صحّ حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: «أرخص النّبيّ - ﷺ - في الحجامة للصائم». وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأنّ الرخصة إِنّما تكون بعد العزيمة، فدل على

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٤٠.
(٢) أخرجه البخاري: ١٩٣٩.
(٣) قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «وصَله ابن أبي شيبة وقال شيخنا - رحمه الله-:».. بإِسنادين صحيحين عنهما«»مختصر البخاري«(١/ ٤٥٥).
(٤) وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٩٣١).
(٥) أي:»الإِرواء" (٤/ ٧٤).



نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا. انتهى.
والحديث المذكور أخرجه النسائي (يعني: في «الكبرى»)، وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، لكن اختُلف في رفعه ووقفه«.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: قد توبع معتمر عليه.
ثمّ ذكَر الطُّرُق التى تقوّيه وقال (ص ٧٥):»فالحديث بهذه الطرق صحيح لا شكّ فيه، وهو نصٌّ في النسخ، فوجب الأخذ به كما سبق عن ابن حزم - رحمه الله-.
ثمّ قال شيخنا -رحمه الله- في التحقيق الثاني «للإِرواء» في الصفحة نفسها: «وروى علي بن حجر في»حديثه«(ق ١٧/ ٢): حدثنا حميد الطويل عن أبي المتوكّل الناجي أنّه سأل أبا سعيد الخدري عن الصائم يحتجم فقال: نعم لا بأس به، وسنده صحيح» (١).

٨ - ما لا يمكن التحرّر منه كابتلاع الريق؛ فإِنّه لا يفطّر، لأنّ اتّقاء ذلك يشقّ، فأشبه غُبار الطريق وغربلة الدقيق ... (٢).
قال عطاء: «إِن ازْدَرَدَ (٣) ريقه، لا أقول يفطر» (٤).

-----------------------
(١) وانظر«صحيح ابن خزيمة» (٣/ ٢٣٥) برقم (١٩٧٩ و١٩٨٠ و١٩٨٢).
(٢) قاله ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٩).
(٣) أي: ابتلع.
(٤) أخرجه البخاري مجزومًا به ووصَله عبد الرزاق بسند صحيح، وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٤٥١).



ويُباح شمّ الريحان والطيب والادّهان به، ونحو ذلك والأصل في كلّ هذا استصحاب البراءة الأصلية، ولم يَرد نصٌّ في تحريم ذلك من كتاب أو سُنَّة.

٩ - السواك والطيب والادّهان:
يباح السّواك للصائم؛ لعموم قوله - ﷺ -: «لولا أنْ أشقّ على أُمتي؛ لأمرْتهم بالسِّواك عند كلّ صلاة» (١).
ولقوله - ﷺ -: «.. لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وضوء ...» (٢).
قال البخاري -رحمه الله- «ولم يخصّ الصائم من غيره» (٣).
ثمّ لاستصحاب البراءة الأصلية، وعدم ورود النهي عن ذلك.
وقال ابن عمر -رضي الله عنهما- «يستاك أوّل النّهار وآخره» (٤).
وقال ابن سيرين: «لا بأس بالسِّواك الرَّطب، قيل: له طعم، قال: والماء له طعم تُمضْمضُ به» (٥).
جاء في «الإِرواء» (١/ ١٠٧): «قال الترمذي: ... إنّ الشافعي لم ير في

-----------------------
(١) تقدّم.
(٢) تقدّم، وانظر»الإِرواء«(٧٠).
(٣) انظر»مختصر البخاري«(١/ ٤٥٢).
(٤) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصَله ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، بمعناه، وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٤٥١).
(٥) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصَله ابن أبي شيبة وانظر»مختصر البخاري" (٣٦٨).



السواك بأسًا للصائم أوّل النّهار وآخره، وكرهه أحمد وإِسحاق آخر النّهار.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وفي رواية عن أحمد مثل قول الشافعي، واختارها ابن تيمية في «الاختيارات» وقال (ص ١٠): إِنّه الأصحّ.
قال الحافظ في «التلخيص» (ص ٢٢): «وهذا اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي وقال: إِنّه قول أكثر العلماء وتبعهم المزني».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وهو الحقّ لعموم الأدلّة كالحديث الآتي (١) في الحضّ على السواك عند كلّ صلاة، وعند كل وضوء؛ وبه قال البخاري في «صحيحه» (٤/ ١٢٧)«. انتهى.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٥/ ٢٦٦):»... وأمّا السّواك فجائز بلا نزاع، لكن اختلفوا في كراهيّته بعد الزوال على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد.
ولم يقم على كراهيّته دليل شرعي يصلح أنْ يخصّ عمومات نصوص السِّواك«.
ولا بأس كذلك بالطيب والادّهان، لِمَا تقدّم.
وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-:»إِذا كان صوم أحدكم؛ فليصبح دهينًا مترجّلًا«(٢).

----------------------
(١) يشير بذلك إِلى حديث أبي هريرة المتقدّم:»لولا أن أشقَّ على أمتي لأمَرْتُهم بالسواك ...«.
(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وانظر»مختصر البخاري" (١/ ٤٥١).



هل يباح ذوق الطّعام؟
وفي»المغني«(٣/ ٤٦):»قال أحمد: أحبّ إِليّ أنْ يجتنب ذوق الطعام، فإِنْ فعل لم يضرّه ولا بأس به.
قال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: «لا بأس أنْ يذوق الطعام: الخلّ والشّيء يريد شراءه» (١).
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٦): «وذوق الطعام يكره لغير حاجة؛ لكن لا يفطّره، وأمّا للحاجة فهو كالمضمضة (٢)».

المفطّرات
١ - الأكل والشُّرب عمدًا عن طريق الفم أو الإِبر المغذّية ونحوه، فإِن أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، ولا قضاء عليه ولا كفّارة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «من أكل ناسيًا وهو صائم؛ فليُتمّ صومه فإِنّما أطعمه الله وسقاه» (٣).

-----------------------
(١) رواه البخاري -رحمه الله- معلقًا مجزومًا عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: «أنّه قال: لا بأس أن يتطعَّم القِدْر أو الشيء، ووصله ابن أبي شيبة في»المصنف«والبغوي في»الجعديات«، وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٤٥١) وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٩٣٧).
(٢) أي: لا يُفطّر.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٦٩، ومسلم: ١١٥٥.



وجاء في «الإِرواء» (٤/ ٨٦): «ولفظ أبي داود:»جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِنّي أكلت وشربت ناسيًا، وأنا صائم؟ فقال: أطعمك الله وسقاك«.
وهو (١) رواية للبيهقي وابن حبان (٣٥١٣)، وقال الترمذي:»حديث حسن صحيح«. وقال الدارقطني وزاد:»ولا قضاء عليه«: إِسناده صحيح وكلهم ثقات».
وفيه (ص ٨٧): عن أبي سلمة عنه بلفظ: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه، ولا كفّارة» (٢).
وفي الحديث: «رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٣).
٢ - القيء عمدًا، فإِنْ غَلَبَه وسَبَقه؛ فلا قضاء عليه ولا كفّارة.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ذَرَعه (٤)

--------------------------
(١) قاله -رحمه الله- في التحقيق الثاني.
(٢) قال شيخنا -رحمه الله تعالى- في الكتاب المذكور: أخرجه ابن حبان (٩٠٦) والحاكم (١/ ٤٣٠) وصححه على شرط مسلم! ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وقالا:»كلهم ثقات«. قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وإسناده حسن.
وانظر ما قاله شيخنا -رحمه الله- في التعليق على صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٣٩) و»التعليقات الرضية«(٢/ ١٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٨٢ و٢٥٦٥)، وتقدّم.
(٤) ذرعَه: أي: سبقه وغلبه في الخروج.»النهاية".



القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض» (١).
قال ابن المنذر -رحمه الله-: وأجمعوا على إِبطال صوم من استقاء عامدًا. «الإِجماع» (ص ٤٧).
قال الترمذي: «والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة، عن النّبيّ - ﷺ -: أنّ الصائم إِذا ذرعه القيء، فل قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض.
وبه يقول الشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق».
٣ - الحيض والنّفاس إِذا وقع قبل غروب الشمس ولو بلحظات.
٤ - الجماع، وتجب الكفّارة (٢) الآتي بيانها -إِن شاء الله- في هذا الحديث:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بينما نحن جلوس عند النّبيّ - ﷺ -، إِذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هَلَكتُ، قال: مالك؟ قال: وقعت

---------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٨٤) وابن ماجه والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٥٧٧) وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(٩٢٣).
(٢) وهذا خاصّ في صوم رمضان دون غيره؛ لعدم ورود النصّ في غير رمضان.
قال في»المغني«(٣/ ٦١):»ولا تجب الكفّارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء.
وقال قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان، لأنّه عبادة تجب الكفّارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحجّ. ولنا أنّه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفّارة كما لو جامع في صيام الكفّارة ويفارق القضاء الأداء؛ لأنّه متعيّن بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء".



على امرأتي وأنا صائم.
فقال رسول الله - ﷺ -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إِطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا.
قال: فمكث النّبيّ - ﷺ -، فبينا نحن على ذلك أتى النّبيّ - ﷺ - بعَرَق (١) فيها تمر -والعرق: المِكتَل (٢) - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خُذ هذا فتصدق به.
فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابَتَيها (٣) -يريد الحرَّتيْن- أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحك النّبيّ - ﷺ - حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعِمه أهلك» (٤).
أمّا إِذا جامَع ناسيًا، فلا يفطر، ولا كفّارة عليه ولا قضاء، مع أنّ تحقّق هذا قد يصعب، لأن أحد الزوجين قد يتذكر، فيذكّر الآخر، كما ذكر ذلك شيخنا -رحمه الله-.

----------------------
(١) يقال للعَرَق: الزّبيل، والزِّنبيل ويقال له القُفّة وعند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًّا؛ لستّين مسكينًا، لكل مسكين مدّ. وانظر «شرح النووي».
(٢) جاء في «النهاية»: المِكتل بكسر الميم: الزَّبيل الكبير [قال ابن دريد: سمّي زبيلًا لأنّه يُحمل فيه الزّبل والعَرَق] قيل: إنّه يسع خمسةَ عشر صاعًا؛ كأنّ فيه كُتلًا من التمر: أي: قطعًا مجتمعة«.
(٣) هما الحرّتان، والمدينة بين حرّتين، والحَرّة: الأرض الملبّسة حجارةً سودًا.»شرح النووي".
(٤) أخرجه البخاري: ١٩٣٦، ومسلم: ١١١١.



ولكن لا يبعد أن يقع النّسيان من الطرفين، فربّما كانا في عمرة في رمضان، وبعد التحلّل، وقع الجماع لأن الذهن منصرف بالتحلُّل من العمرة ونسيا شهر رمضان.
وقال الحسن ومجاهد: «إِنْ جامَع ناسيًا فلا شيء عليه» (١).

على من تقع الكفّارة؟
اختلف العلماء في ذلك، والراجح وجوبها على الرجل دون المرأة، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدّم؛ كان الخطاب للرجل دون المرأة، «... هل تجدُ رقبةً تعتقها؛ ... هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، ... خذ هذا فتصدّق به».
جاء في «المغني» (٣/ ٥٨): «وهل يلزمها الكفّارة؟ [أي: مع عدم العُذر] على روايتين:
إِحداهما: يلزمها، وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر، ولأنّها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفّارة كالرّجل.
والثانية: لا كفّارة عليها، قال أبو داود سئل أحمد: من أتى أهله في رمضان أعليها كفّارة؟ قال: ما سمعنا أنّ على امرأة كفّارة.
وهذا قول الحسن، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه ذلك أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر الواطئ في رمضان أنْ يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء -مع علمه

------------------
(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله عبد الرزاق بإِسنادين عنهما، وهو عن مجاهد صحيح، وانظر»مختصر البخاري" (١/ ٤٥٢).


بوجود ذلك منها- ولأنّه حقّ يتعلّق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر«.
وقال في»نيل الأوطار«(٤/ ٢٩٥): عقب حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- السابق:»قوله: «تصدق بهذا» استدلّ به ... من قال: إِنّ الكفّارة تجب على الرجل فقط، وبه قال الأوزاعي وهو الأصحّ من قولي الشافعي.
وقال الجمهور: تجب على المرأة على اختلافٍ بينهم في الحُرَّة والأَمَة والمطاوعة والمُكرهَة، وهل هي عليها أو على الرجل«.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل الكفّارة تقع على الرّجُل في جميع الحالات، أم المتسبّب في الجماع؟
فقال -رحمه الله-: الرجل يكفّر في جميع الحالات».

ترتيب الكفّارة كما ورَدَت في الحديث
وتجب الكفّارة كما هي مُرتّبة في الحديث، فيجب العتق أولًا، فإِنْ لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإِنْ لم يستطع أطعم ستين مسكينًا.
قال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في «صحيحه» (٣/ ٢١٦): «باب إِيجاب الكفّارة على المجامع في الصوم في رمضان بالعتق إِذا وجده، أو الصيام إِذا لم يجد العتق، أو الإِطعام إِذا لم يستطع الصوم» ثم ذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

إِذا تكرّر الجماع، هل تتكّرر الكفّارة؟
وإذا تكرّر الجماع في يوم آخر؛ تكرّرت الكفّارة؛ لأنّ كل يومٍ عبادة


مستقلة، كما ذكَر بعض أهل العلم.
وهذا هو الراجح من أقوال العلماء.
وهل يقال لمن يجامع نساءه طوال شهر رمضان نهارًا: عليك كفّارة واحدة؟!

لا تجب الكفّارة على من لم يستطعها
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٢٠): «باب الدليل على أنّ المجامع في رمضان إِذا ملَك ما يُطعم ستين مسكينًا؛ ولم يملك معه قوت نفسه وعياله، لم تجب عليه الكفّارة».
ثم ذكر خبر أبي هريرة -رضي الله عنه- «ما بين لابتيها أحوج منّا».

هل يجوز صيام الشهرين متفرّقًا في كفّارة الجماع؟
لا يجوز ذلك لقوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: «فهل تستطيع أنْ تصوم الشهرين متتابعين».
قال ابن خزيمة -رحمه الله- في «صحيحه» (٣/ ٢٢٢): «باب الدليل على أنّ صيام الشّهرين في كفّارة الجماع لا يجوز متفرّقًا؛ إِنِّما يجب صيام شهرين متتابعين».
وذكر الشاهد السابق بلفظ مقارب.

أَمْر المجامع بقضاء صوم يوم مكان اليوم الذي جامع فيه، إِذا لم يجد الكفّارة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلًا جاء النّبيّ - ﷺ -، وقد وقع بأهله


في رمضان، فذكر الحديث، وقال في آخره:»فصم يومًا، واستغفر الله«(١).

هل الاستمناء بمباشرة الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم؟
قال السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنّهَ«(١/ ٤٦٦) في (ما يبطل الصيام):»الاستمناء سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمّها إِليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم ويوجب القضاء«.
قال شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة«(ص ٤١٨):»لا دليل على الإِبطال بذلك، وإلحاقه بالجماع غير ظاهر، ولذلك قال الصنعاني: «الأظهر أنه لا قضاء ولا كفّارة إلاَّ على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد».
وإليه مال الشوكاني، وهو مذهب ابن حزم، فانظر «المُحلّى» (٦/ ١٧٥ - ١٧٧ و٢٠٥).
وممّا يرشدك إِلى أنّ قياس الاستمناء على الجماع قياس مع الفارق؛ أنّ بعض الذين قالوا به في الإِفطار لم يقولوا به في الكفّارة، قالوا: «لأنّ الجماع أغلظ، والأصل عدم الكفّارة». انظر «المهذب» مع «شرحه» للنووي (٦/ ٣٦٨).
فكذلك نقول نحن: الأصل عدم الإِفطار، والجماع أغلظ من الاستمناء، فلا يقاس عليه فتأمّل.
وقال الرافعي (٦/ ٣٩٦): «المني إِنْ خرَج بالاستمناء أفطر؛ لأنّ الإِيلاج من غير إِنزال مبطل، فالإِنزال بنوع شهوة أولى أن يكون مفطّرًا».

--------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٩٥٤) وأخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٥٧): بلفظ: «وصم يومًا مكانه». وانظر «الإِرواء» (٤/ ٩١)، وتقدّم.


قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]:»لو كان هذا صحيحًا؛ لكان إِيجاب الكفّارة في الاستمناء أولى من إِيجابها على الإِيلاج بدون إِنزال، وهم لا يقولون أيضًا بذلك، فتأمّل تناقض القياسين!
أضِف إِلى ذلك مخالفتهم لبعض الآثار الثابتة عن السلف في أنّ المباشرة بغير جماع لا تفطّر ولو أنزل، وقد ذكرْتُ بعضها في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» تحت الأحاديث (٢١٩ - ٢٢١) (١)، ومنها قول عائشة -رضي الله عنها- لمن سألها: ما يحلّ للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: «كلّ شيء إِلا الجماع».
أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤/ ١٩٠/‏٨٤٣٩) بسند صحيح، كما قال الحافظ في «الفتح»، واحتج به ابن حزم. وراجع سائرها هناك.
وترجم ابن خزيمة -رحمه الله- لبعض الأحاديث المشار إِليها بقوله في «صحيحه» (٣/ ٢٤٢): «باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين: أحدهما مباح، والآخر محظور، إِذ اسم المباشرة قد أوقعه الله في نصّ كتابه على الجماع، ودلّ الكتاب على أنّ الجماع في الصوم محظور، قال المصطفى - ﷺ -: أنّ الجماع يفطّر الصائم، والنّبيّ المصطفى - ﷺ - قد دلّ بفعله على أنّ المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم، غير مكروهة».
وإنّ ممّا ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين:

----------------------
(١) وذكرْت ما قاله -رحمه الله- فيها تحت (القبلة والمباشرة ... من كتابنا هذا).


الأول: أنّ كون الإِنزال بغير جماع لا يفطّر؛ شيء، ومباشرة الصائم، شيء آخر، ذلك أنّنا لا ننصح الصائم وبخاصّة إِذا كان قوي الشهوة؛ أنْ يباشر وهو صائم، خشية أن يقع في المحظور؛ الجماع، وهذا سدًا للذريعة المستفادة من عديد من أدلّة الشريعة، منها قوله - ﷺ -: «ومَن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه».
وكأنّ السيدة عائشة -رضي الله عنها- أشارت إِلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النّبيّ - ﷺ - وهو صائم: «وأيّكم يملك إِربه؟».
والأمر الآخر: أنّ المؤلف لمّا ذكر الاستمناء باليد، فلا يجوز لأحد أن ينسب إِليه أنّه مباح عنده، لأنّه إِنّما ذكَره لبيان أنَّه مبطل للصوم عنده.
وأما حكم الاستمناء نفسه، فلبيانه مجال آخر، وهو قد فصّل القول فيه، في «كتاب النكاح»، وحكى أقوال العلماء، واختلافهم فيه ...
وأمّا نحن؛ فنرى أنّ الحق مع الّذين حرَّموه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أَيْمانهم فإِنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (١).
ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إِلا إِذا استعمل الطبَّ النبوي، وهو قوله - ﷺ - للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:
«فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء».
ولذلك فإِننا نُنكر أشد الإِنكار على الذين يُفتون الشباب بجوازه؛ خشية الزنا، دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النّبويّ الكريم". انتهى.

------------------------
(١) المؤمنون: ٥ - ٧.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #79  
قديم 13-01-2026, 05:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 316الى صــ 330
الحلقة (79)






وقال أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى- في مقدّمة تحقيقه على «بلوغ المنى في حُكم الاستمنى» للشوكاني -رحمه الله- ملخّصًا ما ذهب إِليه في مسألة الاستمناء-: «إِنْ فعَله ليكسر حدَّة شهوته، وشدّة شبقه فحسب فحرام، فإِنْ كان هذا الفعل لدفع مضرّة الزنى أو اللواط، التي باتت أو كادت [أن تكون] متحققة في حقّه، فهو مباح بعد أن يجرّب الصيام، ويجاهد نفسه، ويتقي الله ما استطاع». انتهى.
قلت: فلا تنظرنّ إِلى كلمة (فهو مباح) حتى تنظر فيما أشار إِليه من الصيام ومجاهدة النفس، والتقوى المستطاعة؛ وهذا يتضمّن التحصُّن بالصلاة الخاشعة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء والابتهال إِلى الله -سبحانه- أن يصرف عنك مقته وغضبه.
فإِذا اجتمع هذا مع اجتناب الأطعمة والأشربة المثيرة للشهوة، مع غضّ البصر والابتعاد عن الاختلاط وأسباب الفتنة، فإِن النجاة بإِذن الله -تعالى- متحقّقة.
لكن؛ لا بُدّ لنا أن نُذكّر بقول رسول الله - ﷺ -: «إِن تصدق الله يصدقْك» (١)، وبالله التوفيق.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٤): «... وأمّا من استمنى فإِنه يُفطر».
وتقدم ما جاء في «الصحيحة» (١/ ٤٣٧): «وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/‏١) عن عمرو بن هرم قال: سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه».

-----------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النّسائي» (١٨٤٥) والطبراني وغيرهما.

قال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).
وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: «باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح والآخر محظور».
وجاء في التعليق على «بلوغ المنى في حُكم الاستمنى» (ص٥٤ - في التعليق): «وقرّر المرغيناني في»الهداية«أنّ الاستمناء لا يفطّر ...».
وانظر تفصيل الشيخ مشهور -حفظه الله- (ص ٥٤) فإِنه نافع قويّ.
قلت: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنّه لا ينبغي أن نختلف، أو نتفرّق، أو نُوالي، أو نعادي في هذه المسائل.
فهناك من قال من أهل العلم أنّ الاستمناء يفطّر، وهناك من قال أنّه لا يفطّر ولا شكّ أنّه حرام -أي باليد ونحوه- لما ذَكرناه وقدّمناه.
أمّا الاستمناء بضمّ الزوجة ونحو ذلك في الصيام؛ فمن رأى بعد الاطلاع على ما قال أهل العلم أنّ ذلك لا يفطّر فله ذلك، ومن رأى أنّه يفطّر؛ فإِنّ العلماء القائلين بأنّه لا يفطّر؛ لم يوجبوا عليه هذا الفعل.
لكن ليس لأحدٍ أن يُلزم الآخر برأيه، والمهم ألا يتبع المرء هواه، فما دام قد اعتمد على أقوال العلماء، مع بذل الأسباب في معرفة الحقّ والصواب، والتجرّد من الهوى والتعصّب، فقد سدّد وقارب ونجا بإِذن الله -تعالى- وبالله التوفيق.


قضاء رمضان
من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء.
جاء في «الرّوضة النّدية» (١/ ٥٤٧): «يجب على مَنْ أفطر لعذر شرعي أنْ يقضي؛ كالمسافر والمريض.
وقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر﴾ (١).
وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة -رضي الله عنها- ... والنفساء مِثلها». [بلفظ: فتؤمر بقضاء الصِّيام ولا تؤمر بقضاء الصّلاة] (٢).

متى يقضى قضاء رمضان (٣)
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿فعِدَّة من أيّام أُخر﴾ (٤): في القضاء «... هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق فيه قولان:
أحدهما: أنّه يجب التتابع، لأنّ القضاء يحكي الأداء.
والثاني؛ لا يجب التتابع، بل إِنْ شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إِنِّما وجب في الشّهر؛ لضرورة

------------------
(١) البقرة: ١٨٤.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٢١، ومسلم: ٣٣٥.
(٣) هذا العنوان في»صحيح البخاري«(كتاب الصوم)»باب - ٤٠".
(٤) البقرة: ١٨٥.



أدائه في الشّهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾«. انتهى.
عن أبي سلمة قال: سمعْتُ عائشة -رضي الله عنها- تقول:»كان يكون عليَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان. قال يحيى: الشُّغل من النّبيّ - ﷺ - أو بالنّبيّ - ﷺ -«(١).
وقال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-:»لا بأس أن يُفرِّق؛ لقوله الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ (٢).
وعنه -رضي الله عنهما- كذلك في قضاء رمضان: «صُمه كيف شئت»، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما- «صُمه كما أفطرته» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- في قضاء رمضان-: «يُتابِع بينه» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: يواتِره (٥) إِن شاء«(٦).

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦.
(٢) البقرة: ١٨٥.
(٣) أخرجه البيهقي وعنه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٤/ ٩٥):»وهذا سند صحيح على شرط الشيخين«.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(٤/ ٩٥):»وسنده صحيح«.
(٥) يواتره: أي: يُفرِّقه، فيصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَلزَمُه التتابع فيه فيقضيه وترًا وترًا». «النهاية».
(٦) أخرجه الدارقطني وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٤/ ٩٥): «وإسناده صحيح».



قال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٤/ ٩٧):»وخلاصة القول؛ أنّه لا يصحّ في التفريق ولا في المتابعة حديث مرفوع، والأقرب جواز الأمرين كما في قول أبي هريرة -رضي الله عنه-[المتقدّم: «يُواتره إِن شاء] (١)».
جاء في «الفتح» (٤/ ١٨٩): «قال الزين بن المنيِّر [-بحذف بعد حديث عائشة رضي الله عنها- السابق]: ... وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء لولا ما منَعَها من الشغل، فيشعر بأنّ من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: -أي: الحافظ رحمه الله-: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق؛ لما أودَعَه في الترجمة من الآثار كعادته -وهو قول الجمهور-.
ونقل ابن المنذر وغيره عن عليّ وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر.
وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعًا ... ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى».
وجاء في «تمام المِنّة» (ص٤٢١): «قوله -أي: الشيخ السيد سابق رحمه الله-:»قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسَّعًا في أيِّ وقت، وكذلك الكفَّارة«.
قلت: -أي: شيخنا رحمه الله- هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وسارعوا إِلى مغفرة من ربّكم﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فالحقّ وجوب المبادرة إِلى القضاء حين الاستطاعة، وهو مذهب ابن حزم (٦/ ٢٦٠)، وليس يصحُّ في

----------------------
(١) هذه الزيادة من التحقيق الثاني»للإِرواء".


السُّنّة ما يعارض ذلك.
وأمّا استدلال المؤلف على عدم الوجوب بقوله: «فقد صحّ عن عائشة أنّها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان. (رواه أحمد ومسلم)، ولم تكن تقضيه فورًا عند قدرتها على القضاء».
فليس بصواب؛ لأنّه ليس في حديث عائشة أنّها كانت تقدر أن تقضيه فورًا، بل فيه عكس ذلك، فإِنّ لفظ الحديث عند مسلم (٣/ ١٥٤ - ١٥٥): «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إِلا في شعبان، الشغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ -».
وهكذا أخرجه البخاري أيضًا في «صحيحه» -خلافًا لما أوهمه تخريج المصنف- وفي رواية لمسلم عنها قالت: «إِنْ كانت إِحدانا لتفطر في زمان رسول الله - ﷺ -، فما تقدر على أنْ تقضيه مع رسول الله - ﷺ - حتى يأتي شعبان».
فالحديث بروايتيه صريح؛ في أنّها كانت لا تستطيع، ولا تقدر على القضاء قبل شعبان، وفيه إِشعار بأنَّها لو استطاعت لَمَا أخّرته، فهو حجّة على المؤلف ومَن سبَقه.
ولذلك قال الزين بن المنيِّر -رحمه الله-: «وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء، لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأنّ مَنْ كان بغير عذر، لا ينبغي له التأخير» (١).
واعلم أنّ ابن القيم والحافظ وغيرهما قد بيّنا أنّ قوله في الحديث:

------------------
(١) وتقدم في بداية المبحث.


«الشُّغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ -»؛ مدرج في الحديث، ليس من كلام عائشة، بل من كلام أحد رواته، وهو يحيى بن سعيد، ومن الدليل على ذلك قول يحيى في روايةٍ لمسلم: «فظننت أنّ ذلك لمكانها من النّبيّ - ﷺ -».
ولكن هذا لا يخدج فيما ذكَرنا؛ لأنّنا لم نستدل عليه بهذا المدرج، بل بقولها: «فما أستطيع ..»، والمدرج؛ إِنّما هو بيان لسبب عدم الاستطاعة، وهذا لا يهمنا في الموضوع.
ولا أدري كيف خفي هذا على الحافظ حيث قال في خاتمة شرح الحديث: «وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة كما بيّناه مدرجة ... فخفي عليه أنّ عدم استطاعتها هو العذر فتأمّل».
وجاء فيه (ص٤٢٤): «وجملة القول؛ أنّه لا يصحّ في هذا الباب شيء لا سلبًا ولا إِيجابًا، والأمر القرآني بالمسارعة يقتضي وجوب المتابعة إلاَّ لعذر، وهو مذهب ابن حزم أيضًا (٦/ ٢٦١)، قال:»فإِنْ لم يفعل فيقضيها متفرِّقة، وتجزيه لقول الله تعالى: ﴿فعدّةٌ من أيّام أُخر﴾، ولم يحدد تعالى في ذلك وقتًا يبطل القضاء بخروجه، وهو قول أبي حنيفة". انتهى.
والخلاصة التي بدت لي: وجوب الصوم على الفور إِلا من عُذر، مع التتابع.
وجواز تفريقه من عُذرٍ أو ابتغاء استراحة؛ تدفع عنه مشقة التتابع، إِذ القول بجواز عدم الصيام على الفور وعدم التتابع، قد يفضي إِلى تأخير القضاء


شهورًا أو سنوات، وقد يقول قائل: إِنّ تأخير عائشة -رضي الله عنها- قضاءَها إِلى شعبان ليس على الوجوب. فماذا إِذًا؟!
أليس هذا بِمُفضٍ إِلى التقصير والتأخير؛ بل التفريط؟!
ولا يخفى علينا قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ (١).
وعن أبي أُمَامَة بن سهل قال:»دخلت أنا وعروة بن الزبير يومًا على عائشة، فقالت: لو رأيتما نبيّ الله - ﷺ - ذات يوم، في مَرضٍ مَرِضَه.
قالت: وكان له عندي ستةُ دنانير -قال موسى: أو سبعة- قالت: فأمرني نبيّ الله - ﷺ - أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجع نبيّ الله - ﷺ - حتى عافاه الله.
قالت: ثم سألني عنها؟ فقال: ما فعَلت الستة -قال: أو السبعة-؟ قلت: لا والله، لقد كان شغلني وجعك.
قالت: فدعا بها، ثمّ صفَّها في كفّه، فقال: «ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقي الله عز وجل، وهذه عنده! يعني: ستة دنانير أو سبعة» (٢).
فهذا هو حُسن الظنّ بالله -سبحانه- فمن وافتْه المنيّة وقد أدّى ذلك؛ فقد فعَل الخير.
ومن وافتْه المنيّة في فترةٍ كان يستريح فيها يومًا أو يومين أو أكثر من ذلك، ذلك بحسب طاقته وقدرته، وقد عَلِم الله تعالى منه صِدق نيّته، فإِنه يرتجى له من الله المغفرة والرحمة، ولكن من أَخّر وسوَّف، فهذا الذي نرثي

--------------------
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٠١٤).



له ونأسف عليه.
ثمّ ما الفرق بين هذا وبين الذي استطاع الحجّ فأجّله لغير عُذر، ثمّ جاء أجله ولم يحجّ!
وعلى كلّ حال إِنّ مدار الأمر لا يُغادر وجود العُذر وعدم الاستطاعة؛ لمن أجَّل وفرّق، والله -تعالى- أعلم.
ثمَّ تدبّرت بعض ما جاء في الطرق الأُخرى من حديث عائشة -رضي الله عنها- المتقدّم بلفظ: «إِنْ كانت إِحدانا لتُفطر في زمان رسول الله - ﷺ -؛ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله - ﷺ -؛ حتى يأتي شعبان» (١).
فتأمّل يرحمك الله: «أنْ تقضيه مع رسول الله - ﷺ -»، وتدبّر -وفّقك الله- الطريق الأخرى بلفظ: «ما كنتُ أقضي ما يكون عليّ من رمضان إلاَّ في شعبان، حتى توفّي رسول الله - ﷺ -» (٢).
فماذا بعد أن توفّي رسول الله - ﷺ -؟
هل كانت عائشة -رضي الله عنها- تؤخّر القضاء إِلى شعبان؟
لا شكّ أنّ الجواب ظاهر، لأنّ الشغل برسول الله - ﷺ - لا وجود له بعد مصيبة موته - ﷺ -.
وكذلك لا محلّ لعدم الاستطاعة التي كانت تقولها -رضي الله عنها-:

------------------
(١) أخرجه مسلم: ١١٤٦.
(٢) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وانظر «الإِرواء» (٤/ ٩٨).



»فما أستطيع«كما هو في حياته.
فلمن كان في مثل حال عائشة -رضي الله عنها- من الشُّغل، مِمّا يعذرها ولا تستطيع معه القضاء، نقول: لا بأس لا بأس!
وفي حديث جابر -رضي الله عنه- قال:»مرّ النّبيّ - ﷺ - برجل يقلِّب ظهره لبطنه، فسأل عنه؟ فقالوا: صائم يا نبي الله! فدعاه فأمره أنْ يفطر فقال: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟! «(١).
وهكذا لأمَ النّبيّ - ﷺ - ذلك الصحابي الذي كان يعاني من مشقة الصيام، على صومه، قائلًا: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله - ﷺ - حتى تصوم؟! وتأجيل عائشة من هذا الباب ... ومع رسول الله - ﷺ -» -والله تعالى أعلم-.
ثمّ إِنّ هذا يدخل في مسألة أعمّ من هذه وهي: «ما حُكم أداء ما يتوجّب من الحقوق المتعلّقة بالله -سبحانه- أو العباد؟ أعلى الفور أمْ على التراخي؟».
ويطول الكلام في هذا، وحسْبنا قوله - ﷺ -: «مطل (٢) الغني ظُلم» (٣).
وعن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله - ﷺ - قال: «لَيّ (٤) الواجد (٥)

----------------------
(١) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الصحيحة«(٢٥٩٥)، وتقدّم.
(٢) أي: تسويف القادر المتمكّن من أداء الدين الحالّ.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٢٨٧، ومسلم: ١٥٦٤.
(٤) جاء في»الفيض«(٥/ ٤٠٠):»الليّ: المطل، أصْله لوى فأدغمت الواو في الياء".
(٥) الواجد: الغني من الوُجد -بالضمّ- بمعنى السِّعة والقدرة، ويُقال: وجَد المال وجْدًا أي: استغنى.



يُحلّ (١) عِرْضَه (٢) وعقوبته (٣)» (٤).
ولنا أنْ نقول مقولة النّبيّ - ﷺ - في غير هذه المناسبة: «فدين الله أحقُّ أنْ يُقضى» (٥).
وما تقدّم من آثار في جواز التفريق، ينبغي أن تُحمل على العُذر؛ لا على مضادّة قوله سبحانه: ﴿وسارعوا إِلى مغفرةٍ من ربّكم وجنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض أُعدَّت للمتَّقين﴾ (٦).

هل على من أَخَّر القضاء كفّارة؟
لم يَرِد في هذا حديث مرفوع، فلا كفّارة.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن هذا فقال: هناك قول، ولكن ليس هناك حديث مرفوع.

هل يقضي مَن أَفطر متعمّدًا؟
إِذا أفطر متعمِّدًا في رمضان، هل يُشرع له قضاؤه أم لا؟

-----------------
(١) يُحلّ: بضمّ الياء من الإِحلال.
(٢) عرضه: بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل ونحوه؛ ممّا ليس بقذف ولا فُحش.
(٣) بأن يعزّره القاضي على الأداء بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدِّى«.
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٨٦) وغيرهما، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٤٣٤).
(٥) تقدّم.
(٦) آل عمران: ١٣٣.



قال شيخنا -رحمه الله- في»تمام المنّة«(ص ٤٢٥) -بحذف وتصرف- بعد أن رجّح عدم القضاء:»والظاهر الثاني، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، فقد قال في «الاختيارات» (ص ٦٥): «لا يقضي متعمِّدٌ بلا عذرٍ صومًا ولا صلاة، ولا تصحُّ منه، وما رُوي أنّ النّبيّ - ﷺ - أمر المجامع في رمضان بالقضاء ضعيف».
وهو مذهب ابن حزم، ورواه عن أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي هريرة، فراجع «المُحلّى» (٦/ ١٨٠ - ١٨٥) [المسألة: ٧٣٥].
والحقّ أنه ثابت صحيح بمجموع طرقه كما قال الحافظ ابن حجر، وأحدها صحيح مرسل كما كنت بيّنته في تعليقي على رسالة ابن تيمية في «الصيام» (ص ٢٥ - ٢٧)، ثمّ في «إِرواء الغليل» (٤/ ٩٠ - ٩٢). فقضاء المجامع من تمام كفّارته، فلا يلحق به غيره من المفطرين عمدًا.
أمّا الصلاة فهو مختار المصنّف (١) أيضًا تبعًا لابن حزم -وقد كان نقَل كلامه في ذلك مُلخَّصًا في «الصلاة» قبيل «الجمعة»- وكان يلزمه أن يختار مثله في الصوم، فإِنّ دليل عدم القضاء فيه مثله في الصلاة.
ولا سيّما أنّه مذهب ابن حزم أيضًا، فقد قال: «برهان ذلك أنّ وجوب القضاء في تعمُّد القيء قد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - ... ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء نصٌّ بإِيجاب القضاء.

--------------------
(١) أي: الشيخ السيد سابق -رحمه الله- كما في»فقه السنة".


وإنما افترض تعالى رمضان -لا غيره- على الصحيح المقيم العاقل البالغ، فإِيجاب صيام غيره بدلًا منه؛ إِيجاب شرْعٍ لم يأذن الله -تعالى- به، فهو باطل.
ولا فرق بين أنْ يوجب الله -تعالى- صوم شهر مسمّى، فيقول قائل: إِنّ صوم غيره ينوب عنه بغير نصّ وارد في ذلك، وبين من قال: إِنّ الحجّ إِلى غير مكّة ينوب عن الحجّ إِلى مكّة، والصلاة إِلى غير الكعبة، تنوب عن الصلاة إِلى الكعبة، وهكذا في كل شيء.
قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢).
ثمّ شرع يرُدُّ على المخالفين قياسهم كل مفطر بعمد؛ على المفطر بالقيء، وعلى المجامع في رمضان.
ثم روى مثل قوله عن الخلفاء الراشدين حاشا عثمان، وعن ابن مسعود وأبي هريرة، فراجِعه.
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: لكن المجامع في رمضان قد صح أنّه أمره بالقضاء أيضًا».

قضاء صوم النَّذر عن الميت من قِبل وليِّه
عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "من مات وعليه

-----------------------
(١) البقرة: ٢٢٩.
(٢) الطلاق: ١.



صيام (١) صام عنه وليُّه» (٢).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما-: «أنّ امرأة ركبَت البحر فنذَرت، إِنِ الله -تبارك وتعالى- أَنْجاها أنْ تصوم شهرًا، فأنجاها الله عز وجل، فلم تصم حتى ماتت.
فجاءت قرابة لها [إِمّا اختها أو ابنتها] إِلى النّبيّ - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دَيْن كُنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحق أن يُقضى]، [فـ] اقضِ [عن أمّك]» (٣).
وعنه -رضي الله عنهما-: «أنّ سعد بن عبادة -رضي الله عنه- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إِنّ أمّي ماتت وعليها نذر فقال: اقضه عنها» (٤).
جاء في «أحكام الجنائز» (ص ٢١٥) -بتصرّف بعد أنْ ذكَر هذه الأحاديث-:
«قلت: وهذه الأحاديث صريحة الدَّلالة في مشروعيَّة صيام الوليّ عن

---------------------
(١) خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليصُم عنه وليّه، قاله الحافظ في»الفتح«(٤/ ١٩٣).
(٢) أخرجه البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وصححه، وابن ماجه بنحوه، وفيه عندهم جميعًا الزيادة الثانية وعند مسلم الأخيرة. عن»أحكام الجنائز" (ص ٢١٤).
(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٦١، ومسلم: ١٦٣٨.



الميِّت صوم النَّذر، إلاَّ أنّ الحديث الأوّل (١) يدلُّ بإِطلاقه على شيء زائدٍ على ذلك، وهو أنّه يصوم عنه صوم الفرض أيضًا، وقد قال به الشافعيَّة، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم.
وذهب إِلى الأوّل الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في «المسائل» (٩٦): «سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصامُ عن الميِّت إلاَّ في النَّذر».
وحمَل أتباعه الحديث الأوَّل على صوم النَّذر، بدليل ما روت عَمْرة: أن أمّها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا بل تصدَّقي عنها مكان كل يوم نصف صاعٍ على كل مسكين. أخرجه الطحاوي (٣/ ١٤٢) وابن حزم (٧/ ٤) واللفظ له بإِسنادٍ؛ قال ابن التركماني: صحيح.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نَذْر قضى عنه وليُّه».
أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم (٧/ ٧) وصحح إِسناده.
قلت: [أي: شيخنا -رحمه الله-] وهذا التفصيل الذي ذَهَبتْ إِليه أمّ المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عبّاس -رضي الله عنهما- وتابعهما إِمام السنَّة أحمد بن حنبل، هو الذي تطمئنُّ إِليه النَّفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل

-
(١) يشير بذلك -رحمه الله- إِلى حديث عائشة -رضي الله عنها- المتقدّم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #80  
قديم 13-01-2026, 05:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 331الى صــ 345
الحلقة (80)






الأقوال في هذه المسألة وأوسطها.
وفيه إِعمالٌ لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصّة الحديث الأول منها، فلم تَفْهَم منه أمُّ المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي راويته.
ومن المقرَّر أنَّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا». انتهى.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٩): «وسُئل عن الميِّت في أيّام مرضه أدركه شهر رمضان، ولم يكن يقدر على الصّيام، وتوفّي وعليه صيام شهر رمضان.
وكذلك الصلاة مدّة مرضه، ووالديه بالحياة. فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إِذا صاما عنه، وصلّيا؟ إِذا وصَّى، أو لم يوصِ؟
فأجاب: إِذا اتّصل به المرض، ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته إلاَّ الإِطعام عنه، وأمّا الصلاة المكتوبة، فلا يصلِّي أحد عن أحد، ولكن إِذا صلَّى عن الميت واحد منهما تطوُّعا، وأهداه له، أو صام عنه تطوُّعًا وأهداه له، نفَعه ذلك، والله أعلم».
وجاء في «تهذيب السنن» لابن القيم -رحمه الله- (٧/ ٢٧): "وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النّذر ولا في الواجب الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.

الثاني: أنّه يُصام عنه فيهما، وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي.
الثالث: أنّه يُصام عنه النَّذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس.
روى الأثرم عنه أنه «سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: أمّا رمضان فليطعم عنه، وأمّا النَّذر فيصام».
وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدلُّ كلام الصحابة، وبهذا يزول الإِشكال.
وتعليل حديث ابن عباس أنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويُطْعم عنه»، فإِنّ هذا إِنّما هو في الفرض الأصلي، وأمّا النَّذر فيصام عنه، كما صرَّح به ابن عباس.
ولا معارضة بين فتواه وروايته، وهذا هو المرويُّ عنه في قصّة مَنْ مات وعليه صوم رمضان وصوم النَّذر، فرَّق بينهما، فأفتى بالإِطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النَّذر.
فأيُّ شيء في هذا ممّا يوجب تعليل حديثه؟ وما روي عن عائشة من إِفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنّه يُطعَم عنها؛ إِنما هو في الفرض لا في النذر؛ لأنّ الثَّابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان: «أنّه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام».
فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارُضَ بين رأيها وروايتها.


وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأنّ النّذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنّما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه.
ولهذا شبَّهه النّبيّ - ﷺ - بالدَّين في حديث ابن عبّاس، والمسؤول عنه فيه؛ أنّه كان صوم نذر، والدين تدخله النيابة.
وأمّا الصوم الذي فرَضه الله عليه ابتداء؛ فهو أحد أركان الإِسلام، فلا يدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإِنّ المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحقِّ العبودية التي خُلِقَ لها وأُمِر بها.
وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلِّي عنه غيره، وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات أو ترَك الزكاة فلم يُخرجها حتى مات (١)، فإِنّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فِعْلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمَّته. ولا يُقبل منه، والحق أحقُّ أن يتبع.
وسرُّ الفرق: أنَّ النَّذر التزام المكلَّف لِمَا شُغِل به ذمَّته، لا أنّ الشارع ألْزَمه به ابتداءً، فهو أخف حُكْمًا ممّا جعله الشَّارع حقًا له عليه، شاء أم أبى.
والذِّمّة تسَع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أنْ يشغلها المكلِّف بما لا قُدرة له عليه؛ بخلاف واجبات الشرع، فإِنِّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز.

-----------------------
(١) ولكن يبقى الحق المتعلِّق بالعباد، فتبرئة ذمَّته من جهتهم لا بدَّ منها، وذلك عن طريق الورثة، فلا بُدّ من دفْع الزكاة لأهلها. والله -تعالى- أعلم.


فواجب الذِّمَّة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأنَّ المكلّف متمكِّن من إِيجاب واجبات كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع.
والذِّمَّة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النِّيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع.
وهذا يبيِّن أنّ الصحابة أفقه الخلْق، وأعمقهم عِلمًا، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه، وبالله التوفيق».
والخلاصة: «أنّه لا يُصام عن الميِّت إلاَّ صوم النَّذر، أمّا رمضان فيطعم عنه».
والحديث المتقدم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه». يحمل على صوم النّذر.
وكذلك حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدين الله أحقّ أن يقضى» (١).
فقد جاء ما يفسّرهما عند الشيخين أنّه صوم النَّذر قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص ٤٢٨) في الرَّد على السيد السابق -رحمهما الله تعالى- بعد قوله وروى أحمد وأصحاب السنن: «هذا يوهم أنّه لم يخرِّجه من هو أرقى في الصحَّة من المذكورين، وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان (٢) في»الصوم«

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.
(٢) قلت: فانظر -يرحمك الله- تحت الرقم السابق في»صحيح البخاري" =



عن ابن عباس، وفي رواية لهما:»ماتت وعليها صوم نذر«.
فهذا الحديث إِذن وارد فى صوم النَّذر، فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلِّف».

ماذا يقول الصائم إِذا دُعي إِلى طعام؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إذا دُعي أحدكم إِلى طعام وهو صائم؛ فليقل: إِنّي صائم» (١).
وفي الحديث الإِشارة إِلى تأليف القلوب وتطييب خاطر الداعي.
وإنّ ممّا يُخشى من عدم قوله: «إِني صائم» إِحداث شيءٍ في نفس الداعي، أو ظنّه أن الطعام أو الشراب لم يُعجِب الزائر، فيتكلّف في إِحضار غيره، والله -تعالى- أعلم.

الترغيب في إِطعام الصائم (٢)
عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من فطَّر صائمًا؛ كان له مثل أجره، غير أنّه لا ينقص من أجر الصَّائم شيء» (٣).

-------------------
= (١٩٥٣) تجد تتمّة الحديث «وقال عبيد الله: ... عن ابن عباس: قالت امرأة للنبي - ﷺ -: إِنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذر»، وكذلك هو تحت رقم «صحيح مسلم» السابق (١١٤٨، ١٥٦). وانظر كلام الحافظ حول وصْل حديث البخاري -رحمهما الله تعالى-.
(١) أخرجه مسلم: ١١٥٠.
(٢) هذا العنوان من «كتاب الترغيب والترهيب» للمنذري -رحمه الله-.
(٣) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في =



الصوم لمن لم يستطع الباءة (١)
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنّا مع النّبيّ - ﷺ - شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وِجاء (٢)» (٣).

ليلة القدر
فضلها:
ليلة القدر لها فضْل عظيم، فهي خيرٌ من ألف شهر، وهى أفضل ليالي رمضان.
قال الله تعالى: ﴿إِنّا أنْزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر* تنزّل الملائكة والرُّوح فيها بإِذن ربِّهم من كل أَمْر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ (٤).

--------------------
= «صحيحيهما»، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٦٥).
(١) الباءة: القُدرة على مؤن النكاح، وفي «الفتح» (٩/ ١٠٨) فوائد طيبة فارجع إليه إِن شئت.
(٢) الوجاء: أن تُرضّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا؛ يذهب شهوة الجماع. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٦، ومسلم: ١٤٠٠.
(٤) القدر: ١ - ٥.



جاء في تفسير العلاّمة السعدي -رحمه الله-: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي: تعادل في فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر، خالية منها.
وهذا ممّا تتحيَّر فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث مَنَّ -تعالى- على هذه الأمّة الضعيفة القوّة والقوى؛ بليلة يكون فيها العمل يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمّر عمرًا طويلًا، نيفًا وثمانين سنة.
وجاء في «تفسير ابن كثير» -رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿تنزَّلُ الملائكة والرّوح فيها﴾ أي: يكثُر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بِحِلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق؛ تعظيمًا له«.

متى تُتحرّى وتُلتمس؟
جاء في»الروضة النديّة«(١/ ٥٧٦):»وفي المسوّى: «اختلفوا في أي ليلة هي أرجى، والأقوى إِنّها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة، تتقدّم وتتأخّر»، «وقول أبي سعيد: أنّها ليلة إِحدى وعشرين».
وقال المزني، وابن خزيمة (١): إِنِّها تنتقل كلّ سنة ليلة؛ جَمْعًا بين الأخبار.
قال في «الروضة»: وهو قوي، ومذهب الشافعي أنَّها لا تلزم ليلة بعينها، وفي «المنهاج» ميل الشافعي إِلى أنَّها ليلة الحادي والثالث والعشرين، وعن

---------------------
(١) انظر «صحيح ابن خزيمة» (٣/ ٣٢٩).


أبي حنيفة أنّها في رمضان، لا يدري أية ليلة هي ...«. انتهى.
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله-:»وروي عن النّبيّ - ﷺ - في ليلة القدر: أنّها ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان«(١). انتهى.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يجاور (٢) في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٣).
وعنها -رضي الله عنها- أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «تحرَّوا ليلة القدْر في الوتر من العشْر الأواخر من رمضان» (٤).
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «تحرَّوا ليلة القدر في السَّبْع الأواخر» (٥).
وفي لفظ له قال: «قال رسول الله - ﷺ -: التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر)، فإِن ضَعُف أحدكم أو عجز؛ فلا يُغلَبنَّ على السَّبْع البواقي» (٦).

---------------------
(١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٢٣٨).
(٢) أي: يعتكف. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢٠، ومسلم: ١١٦٧، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٠١٧، ومسلم: ١١٦٩.
(٥) أخرجه مسلم: ١١٦٥.
(٦) أخرجه مسلم: ١١٦٥.



عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «اعتكف رسول الله - ﷺ - العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر؛ قبل أنْ تُبان له (١)، فلما انقضين أمَر بالبناء فقوِّض (٢)، ثم أبينتْ له أنّها في العشر الأواخر.
فأمر بالبناء فأُعيد، ثمّ خرج على النّاس، فقال: يا أيها الناس! إِنّها كانت أُبينت لي ليلة القدر، وإِنِّي خرجتُ لأُخبركم بها، فجاء رجلان يحْتَقَّانِ (٣) معهما الشيطان، فَنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
قال قلت: يا أبا سعيد! إِنّكم أعلم بالعدد منّا قال: أجل، نحن أحقُّ بذلك منكم، قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟
قال: إِذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة، فإِذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة» (٤).
عن عبد الله بن أُنَيس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُريت ليلة القدر ثمّ أُنسِيتُها، وأراني صُبْحَها أسجد في ماء وطين.
قال: فمُطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله - ﷺ - فانصرف، وإنَّ

---------------------
(١) أي: توضّح وتُكشف.
(٢) أي: قُلِع وأُزِيل.»النهاية".
(٣) أي: يختصمان كما فسّرها ابن خلاد أحد رواة الحديث.
(٤) أخرجه مسلم: ١١٦٧.



أثر الماء والطّين على جبهته وأنفه.
قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين» (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى (٢)، في سابعة تبقى (٣)، في خامسةٍ (٤) تبقى» (٥).
وعن معاذ بن جبل أنَّ رسول الله - ﷺ -: سُئل عن ليلة القدر؟ فقال: «هي في العشر الأواخر، أو في الخامسة، أو في الثالثة» (٦).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «هي في العشر الأواخر، في تسع (٧) يمضين أو في سبع (٨) يبقين» (٩).

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ١١٦٨.
(٢) أي: ليلة الحادي والعشرين. قاله الكرماني.
(٣) أي: ليلة ثلاث وعشرين.
(٤) ليلة خمس وعشرين. «عمدة القاري».
(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٢١.
(٦) أخرجه أحمد، وقال شيخنا -رحمه الله-: وإسناده جيّد، فإنّ رجاله كلهم ثقات، وبقيّة قد صرّح بالتحديث، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (١٤٧١).
(٧) أي: ليلة التاسع والعشرين. قاله الكرماني.
(٨) أي: ليلة السابع والعشرين.
(٩) أخرجه البخاري: ٢٠٢٢.



وعن معاوية -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان» (١).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٨٤) -بحذف-: «وسُئل عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل -سنة ست وسبعمائة-.
فأجاب: الحمد لله، ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صحّ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال:»هي في العشر الأواخر من رمضان«(٢)، وتكون في الوتر منها.
لكنّ الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي كما قال النّبيّ - ﷺ -:»لتاسعةٍ تبقى، لسابعةٍ تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى«(٣).
فعلى هذا إِذا كان الشهر ثلاثين؛ يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسّره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النّبيّ - ﷺ - في الشَّهر.

----------------------
(١) أخرجه ابن نصر في»قيام الليل«وابن خزيمة في»صحيحه«، وانظر»الصحيحة«تحت الحديث (١٤٧١).
(٢) يشير إِلى حديث البخاري: ٢٠٢٢، المتقدم:»هي في العشر الأواخر«.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٢١ دون»لثالثة تبقى«، وهي ثابتة كما في»الصحيحة" (٣/ ٤٥٦) تحت الحديث (١٤٧١).



وإِن كان الشَّهر تسعًا وعشرين، كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ الماضي.
وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أنْ يتحرّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه؛ كما قال النّبيّ - ﷺ -:»تَحَرَّوها في العشر الأواخر«(١).
وتكون في السَّبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين، كما كان أُبيّ بن كعب يحلف اُنّها ليلة سبع وعشرين ...
وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبيّن به الأمر، والله -تعالى- أعلم».
وسُئل عن ليلة القدر وليلة الإِسراء بالنّبيّ - ﷺ - أيّهما أفضل؟
فأجاب: «بأنَّ ليلة الإِسراء أفضل في حقّ النّبيّ - ﷺ - وليلة القدر أفضل بالنسبة إِلى الأمّة، فحظُّ النّبيّ - ﷺ - الذي اختُصّ به ليلة المعراج منها؛ أكمل من حظّه من ليلة القدر.
وحظ الأمّة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج، وإن كان لهم فيها أعظم حظّ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إِنِّما حصلت فيها، لمن أُسري به - ﷺ -».

تحديدها:
هي ليلة سبع وعشرين من رمضان على الأرجح، وعليه أكثر الأحاديث (٢).

----------------------
(١) تقدّم.
(٢) انظر «قيام رمضان» (ص ١٩).



عن زِرّ بن حُبَيْش قال: «سألت أُبيّ بن كعب -رضي الله عنه- فقلت: إِنّ أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يُصب ليلة القدر.
فقال -رحمه الله-: أراد أن لا يتّكل الناس، أمَا إِنّه قد عَلِم أنها في رمضان، وأنّها في العشر الأواخر، وأنّها ليلة سبع وعشرين، ثمّ حلف لا يستثني (١)، أنّها ليلة سبع وعشرين.
فقلت: بأيِّ شيءٍ تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعَلاَمة، أو بالآية التي أخبَرنا رسول الله - ﷺ - أنّها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها» (٢).
وفي لفظ عنه «قال: سمعت أُبيّ بن كعب يقول: وقيل له: إِنّ عبد الله بن مسعود يقول: من قام ليله السَّنَةَ أصاب ليلة القدر).
فقال أُبيّ: والله الذي لا إِله إِلا هو! إِنّها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) ووالله إِنِّي لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمَرنا بها رسول الله - ﷺ - بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أنْ تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها».

قيامها والدعاء فيها
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال - ﷺ -: «من قام ليلة القدر إِيمانًا

------------------------
(١) لا يستثني: أي: حَلفَ حلفًا جازمًا؛ مِن غير أن يقول عقيبه: إِن شاء الله -تعالى- مِثل أن يقول الحالف: لأفعلنّ إلاَّ أن يشاء الله، أو إِن شاء الله؛ فإِنه لا ينعقد اليمين، وإنّه لا يظهر جزم الحالف.»عون" (٤/ ١٧٧).
(٢) أخرجه مسلم: ٧٦٢.



واحتسابًا؛ غفِر له ما تقدّم من ذنبه» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قلت: يا رسول الله: أرأيت إِنْ علمت أيّ ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهمّ إِنّك عفوٌ تحبُّ العفو فاعف عني» (٢).

صفة ليلة القدر
١ - تكون ليلة طَلْقة (٣) لا حارّة ولا باردة.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّي كنت أُريت ليلة القدر، ثم نسيتُها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي طَلْقة بَلجة (٤) لا حارّة ولا باردة» (٥).
٢ - تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها.

كثرة الملائكة في الأرض ليلة القدر (٦)
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ليلة القدر ليلة

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٠١، ومسلم: ٧٥٩.
(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣١٠٥) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٧٨٩)، وصححه شيخنا في»المشكاة«(٢٠٩١).
(٣) طَلْقة: أي: سهلة طيّبة يُقال: يوم طَلْق وليلةٌ طلقٌ وطلقة: إِذا لم يكن فيها حرٌّ ولا بردٌ يؤذيان.»النهاية«.
(٤) بَلجة: أي: مشرفة، والبُلجة [البَلجة] بالضم والفتح ضوء الصبح.»النهاية«.
(٥) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«(٢١٩٠)، وقال شيخنا -رحمه الله-: وهو حديت صحيح ... لشواهده.
(٦) هذا العنوان من»صحيح ابن خزيمة" (٣/ ٣٣٢).



سابعة أو تاسعة وعشرين، إِنّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» (١).
-------------------
(١) أخرجه الطيالسي في «مسنده» وعنه أحمد، وكذا ابن خزيمة في «صحيحه»، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٢٢٠٥): وهذا إِسناد حسن وسكت عليه الحافظ في «الفتح» (٤/ ٢٠٩).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 309.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 304.01 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]