فصل الشتاء في القرآن الكريم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         دورة الاستعداد لرمضان | النفسية في رمضان | الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 998 )           »          شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 231 )           »          الصلاة في البيوت حال المطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          النية في العبادات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          استخدام شاشات العرض لنقل المحاضرات داخل المسجد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          دفع الزكاة للمعسر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تغيير الشيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة التداين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الرِّبَا… تَحريمه وصُوره المُعاصرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 93 )           »          مهلا... هل تعدل بين الناس في دعوتك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-01-2026, 04:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة : Egypt
افتراضي فصل الشتاء في القرآن الكريم

فصل الشتاء في القرآن الكريم (1-2)



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيبدأ فصل الشتاء في النصف العلوي من الكرة الأرضية الذي فيه يقع العالم القديم (أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا) في يوم 21 ديسمبر من كل عام، وتكون خلاله الشمس متعامدة على نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
ويسبق فصل الشتاء فصل الخريف بمناخه المتقلب، ويعقبه فصل الربيع بمناخه المعتدل. ويتسم فصل الشتاء هذا بظواهر ومظاهر متعددة جعلها الله -تعالى- تميزه عن باقي فصول العام، وهذه الظواهر والمظاهر هي من نعم الله -تعالى- على عباده، وفيها الدلائل على قدرة الله -تعالى- في الخلق والإيجاد، وفيها البرهان على قدرة الله -تعالى- على البعث والنشور بعد الموت.
وأشهر هذه الظواهر: نزول المطر وما يصحبه من سحب وضباب ورعد وبرق ورياح، مع برودة الجو. ولا شك في أن تنوع نزول المطر من فصل لآخر واختلاف درجات الحرارة من فصل لآخر يساعد على تنوع المزروعات والمحاصيل والنباتات بما يناسب احتياجات الناس ومعاشهم، فهناك مزروعات ومحاصيل تحتاج المياه الكثيرة، وأخرى تتحمل درجات الحرارة العالية وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات ومحاصيل تتحمل قلة المياه وأخرى تتحمل برودة الجو، وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات تتناسب مع البيئة الصحراوية في جفافها وتطرف مناخها، بشدة حرارة النهار وشدة برودة الليل، فتتحمل ما لا يتحمله غيرها من المزروعات. ومع تنوع المزروعات والمحاصيل من موسم إلى آخر ومن مكان إلى آخر يكون التكامل بالتبادل التجاري، مقايضة أو بيع وشراء، داخل الدولة الواحدة أو بين الدول المختلفة.
وهذا التنوع والتكامل هو من نعم الله -تعالى- على عباده، كما امتن بذلك الله -تعالى- على قريش في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ كان أهل مكة يمارسون هذه الصور من التجارة، فتخرج قوافلهم التجارية إلى اليمن في الشتاء وتخرج إلى الشام في الصيف، فتمد أهل مكة بما يحتاجون إليه في معاشهم من المزروعات والمنتجات مما يتوفر في اليمن أو الشام ولا يتوفر عندهم، وهي سنة الحياة منذ قديم الزمان إلى اليوم؛ قال الله -تعالى-: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 1-4).
قال ابن كثير -رحمه الله-: (قيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان الحرم، فمن عرفهم احترمهم).
وفي التفسير الميسر: (أي: من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله، الذي جمعهم بعد تفرق وألف بينهم بعد شتات، ويسر لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام).
وجاء في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) في قول الله -تعالى- (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ): (قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها) يعني سورة الفيل (أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، وفي الصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).
ومن أهم ظواهر الشتاء ومظاهره التي تناولها القرآن الكريم في الكثير من آياته التي يذكر بها عباده ويمتن بها عليهم، أو يعرفهم من خلالها على سننه الكونية وسننه الشرعية المرتبطة بها:
إنزال المطر:
إذ يكثر في فصل الشتاء نزول المطر، فهو من أهم مظاهر الشتاء وظواهره، ومع نزول المطر تتبدل الحياة وتتجدد، فلا قوام للحياة بدون الماء، فتمتلئ الأنهار بالمياه العذبة التي تجري بالماء على ظاهر الأرض لمسافات طويلة ولشهور عديدة، وتتسرب مياه إلى داخل الأرض فيتحول باطن الأرض إلى خزانات جوفية للماء العذب يأخذ منها الإنسان عند الحاجة من خلال الينابيع والآبار.
تنتفع بمياه هذه الأمطار الأرض في كل مكان، فتنبت وتخضر وتنتج أنواعها الكثيرة من النباتات والمحاصيل والأشجار بأشكال وألوان وطعم يختلف بعضها عن بعض بصور يصعب حصرها، وهي منة من الله عظيمة؛ إذ لا استمرار للحياة على الأرض إلا بها، إذ يأكل منها البشر على اختلاف ألوانهم، والحيوانات على اختلاف فصائلهم، والطيور بكل أنواعها، مما يستوجب قطعًا على العباد الشكر لله -تعالى- عليها، ويستحق بها إفراده وحده سبحانه و-تعالى- بالعبادة دون غيره.
وقد نبهت على تلك المعاني آيات قرآنية كثيرة:
ففي تكوين الأنهار والينابيع وإسكان ماء المطر في الأرض قال -تعالى-: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل: 61)، وقال -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) (الكهف: 32-34). وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ..) (الزمر: 21)، وقال -تعالى-: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (الملك: 30).
وقال -تعالى-: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد: 17)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون: 18)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الفرقان: 48-50).
وفي إنبات المزروعات المختلفة من ماء المطر:
قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) (فاطر: 27)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا . لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا . وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) (النبأ: 14-16)، وقال -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) (السجدة: 27)، وقال -تعالى-: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 22)، وقال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم: 32)، وقال -تعالى-: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد: 4)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 99).
وقال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 141)، وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 10-11)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى . كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طه: 53-54).
وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ . فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (المؤمنون: 18-20)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: 60)، وقال الله -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقًا لِلْعِبَادِ) (ق: 9-11).
وقد يسقى بماء المطر بلاد دون بلاد، أو قرية دون أخرى، (وقد يؤمر بأن يسقى زرع رجل واحد دون سواه، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشَّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ) (رواه مسلم) (راجع: عالم الملائكة الأبرار) د. عمر سليمان الأشقر - ط. دار الفلاح - دار النفائس ط. السادسة - 1412 هجريا - 1991م، ص 80-81).
وقد ورد في الحديث أن هناك مَلَكًا موكلًا بالقطر وتصاريفه حيث يأمره الله -عز وجل-، ولهذا المَلَك أعوان من الملائكة يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، فيتم تصريف الرياح والسحاب والماء كما يشاء الله عز وجل ويأمر به (راجع في ذلك: معارج القبول، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ط. مركز الهدى للدراسات - ط. أولى - 1418 هجريا - 1997م، ص 89).
وفي الانتفاع بماء المطر العذب في الشراب:
قال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: 68-70)، وقال -تعالى-: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) (المرسلات: 27). والماء الفرات: الماء العذب. وقال -تعالى-: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر: 22)، وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) (النحل: 10).
وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان: 48-49)، وقال -تعالى- في شأن مريم -عليها السلام-: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (مريم: 24-26).
وفي الانتفاع بماء المطر في التطهر إذ هو طاهر مطهر:
قال -تعالى-: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (الأنفال: 11)، وقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (الفرقان: 48).
وفي إحياء الأرض الميتة بماء المطر:
قال -تعالى-: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) (البقرة: 164)، وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (النحل: 65)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (الحج: 63).
وفي الاستدلال بهذا الإحياء للأرض الميتة على البعث والنشور يوم القيامة:
قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت: 39)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) (الزخرف: 11)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 57).
وقال -تعالى-: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (الحج: 5-7)، وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (فاطر: 9).
وقد يمنع الله -تعالى- المطر أو يقلله عقوبة أو ابتلاء، فشرع للعباد مع التوبة والاستغفار صلاة الاستسقاء ودعاء الاستسقاء كأسباب شرعية لرفع هذه العقوبة أو هذا الابتلاء: قال -تعالى-: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة: 60)، وقال -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف: 160). والاستسقاء: هو طلب السقيا، أي: المطر.
ومن رحمة الله بعباده أن يغيثهم برحمته إذا غلبتهم المجاعة أو القحط أو أصابهم نقص في الثمرات:
قال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (لقمان: 34).
وإزاء هذه النعم الربانية جاءت السُّنة النبوية بصور من الذكر والدعاء، وهي شكر اللسان، إلى جانب شكر القلب والجوارح لهذه النعم: ففي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (أي مطر) كانت من الليل، فلما انصرف (أي من صلاته أو مكانه) أقبل على الناس، فقال: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) (رواه البخاري ومسلم).
قال ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: (وفي هذا الحديث نعرف أنه ينبغي للإنسان إذا جاء المطر أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته).
وفي هذا نزل قول الله -عز وجل- في سورة الواقعة: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة: 81-82). أي: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ): شكركم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ): تكذبون بدل الشكر، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا. وعن مجاهد: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) قال: قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا، يقول: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. (انظر تفسير ابن كثير).
وجاء في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى المطر قال: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) (رواه البخاري). والصَّيِّب: المطر الكثير، وقيل المطر الذي يجري ماؤه.
وفي دعاء الاستسقاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: (اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وعند أبي داود وحسنه الألباني -رحمه الله- في صحيح أبي داود عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قوله -صلى الله عليه وسلم- في دعاء الاستسقاء: (اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ).
فإذا توقف نزول المطر بعد إجابة دعاء الاستسقاء كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) (رواه البخاري ومسلم).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-01-2026, 01:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فصل الشتاء في القرآن الكريم

فصل الشتاء في القرآن الكريم (2-2)




كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن الظواهر والمظاهر التي تكثر في فصل الشتاء:
- انخفاض درجات الحرارة وبرودة الجو: فيتميز فصل الشتاء بانخفاض درجة الحرارة وانتشار البرودة فيه، والتي قد تصل أحيانًا إلى حد الزمهرير. ولحماية الإنسان من تأثير هذه البرودة وانخفاض درجة الحرارة يسر الله -تعالى- لعباده ما يحفظون به أبدانهم من ضررها؛ قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (النحل: 80-81).
جاء في التفسير الميسر: "(بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) أي: جعل لكم -سبحانه- من جلود الأنعام والبقر والغنم بيوتًا تجدونها خفيفة الحمل يوم سفركم ويوم إقامتكم في مكان معين (أَثَاثًا) أي: أشياء تستعملونها في بيوتكم (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي: وما تتمتعون به في بيوتكم وفي معاشكم إلى وقت معين (أَكْنَانًا) أي: مغارات وكهوفًا (سَرَابِيلَ) أي: ملابس للوقاية من الحر والبرد، ومن أسلحة الأعداء كالدروع وما يشبهها (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أي: تسلمون وجوهكم لله في العبادة".
وقال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف: 26). والمعنى: "قد خلقنا وأوجدنا لكم لباسًا تلبسونه ليستر عوراتكم، وأوجدنا لكم لباسًا آخر تتزينون به" (انظر: التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف: 31) أي: ألبسوا الملابس الحسنة عند كل صلاة وعبادة (انظر: التفسير الميسر).
- وتكثر الرياح في فصل الشتاء فتساهم في زيادة وانتشار البرودة، كما أنها تحمل السحب إلى حيث أماكن نزول المطر منها؛ قال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا) أي: بشارة (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ) أي: حملت (سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي: لا زرع به (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 57). وقال الله -تعالى-: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) أي: حاملة للسحاب (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر: 22) (التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الفرقان: 48-50). وقال الله -تعالى-: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 63).
وقال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الروم: 46)، وقال الله -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) أي: فتحرك سحابًا (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أي: قطعًا بعضها فوق بعض (فَتَرَى الْوَدْقَ) المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ . فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: كيف يجعل الأرض خضراء بعد أن كانت جدباء (إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم: 48-50).
وقال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) فتحرك السحاب تارة شمالًا وتارة جنوبًا (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) (فاطر: 9) (التفسير الميسر).
وقال الله -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: 164).
وقال الله -تعالى-: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: وتقليب الرياح من حال إلى حال (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الجاثية: 5).
- وتعد الرياح مصدرًا للخير غالبًا بحملها السحب الممطرة، وتلطيفها الجو، وإذهابها للروائح الكريهة ونحوها، لكنها أيضًا قد تكون مدمرة تحمل في طياتها ما يضر ويكره، وحقيقة الأمر أن الرياح في هذا وفي ذلك مأمورة مسخرة؛ قال الله -تعالى- في شأن نعمه على نبيه سليمان -عليه السلام-: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) (ص: 36)، بينما قال الله -تعالى- في شأن عقوبته -تعالى- لقوم عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا) أي: لما رأوا العذاب متمثلًا في سحاب عظيم متجهًا نحو ديارهم (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) أي: قالوا هذا سحاب ننتظر بعده المطر (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الأحقاف: 24-25).
وقال الله -تعالى- في نصره -عز وجل- بالريح لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الأحزاب: 9). والمعنى: فأرسلنا على هؤلاء الأعداء ريحًا شديدة شتت شملهم، كما أرسلنا عليهم جنودًا من الملائكة ألقوا في قلوبهم الرعب (انظر: التفسير الميسر).
- لذا فقد ورد في السنة النبوية الشريفة النهي عن سب الريح، وبيان ما ينبغي أن يقوله العبد عند هبوب الريح: فعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
ومعنى (تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ): أي: تارة تكون رحمة إذا أتت بمطر في الجدب، أو هبت في وقت حر، ونحو ذلك. وتارة تكون عذابًا، بأن تهد البيوت الأبنية، وتثير الغبار، وتكسر الأشجار، وتفرق السحاب الذي يطمع أن يكون فيه المطر، ونحو ذلك.
قال ابن العثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: "هذه الريح التي خلقها الله -عز وجل- وصرفها تنقسم إلى قسمين: قسم: ريح عادية لا تخيف، فهذه لا يسن لها ذكر معين. وريح أخرى عاصفة، هذه تخيف؛ لأن عادًا عذبهم الله -تعالى- بالريح العقيم -والعياذ بالله-، فإذا عصفت الريح فإنه لا يجوز لك أن تسبها؛ لأن الريح إنما أرسلها الله -عز وجل-، فسبك إياها سب لله -تعالى-، ولكن قل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ). وبهذا الدعاء يحصل لك خيرها، ويزول عنك شرها. (أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ)؛ لأن هذه الريح قد تكون عاصفة شديدة تقلع الأبواب وتجث الأشجار وتهدم الديار. (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) ما فيها أي: ما تحمله من أمور قد تكون نافعة، وقد تكون ضارة. (وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)؛ لأنها تارة ترسل بالخير، وتارة ترسل بالشر، فتسأل الله خير ما أرسلت به. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ)، فإذا استعاذ الإنسان من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وسأل الله خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به كفاه الله شرها).
وقال -رحمه الله-: "واعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتعلق بالريح في حصول المطر والغيث، والصحو، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من جنس الاستسقاء بالأنواء الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-. كثير من الناس يعلق رجاءه بالريح الجنوبي، يقول: إذا هبت الجنوب حصل الغيث، وتجد قلبه متعلقًا بها، وهذا لا يجوز؛ لأنها قد تهب ريح الجنوب كثيرًا ولا تأتي أمطار ولا غيوم. وقد يكون بالعكس تأتي الأمطار والغيوم من الريح الشمالي. فالأمر كله بيد الله عز وجل، فعليك أن تعلق قلبك بربك تبارك و-تعالى-، وألا تسب ما خلقه الله من الرياح، واسأل الله خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، واستعذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، والله الموفق" (شرح ابن العثيمين لرياض الصالحين).
- وهذا النهي عن سب الرياح يدخل فيه كونها آية من آيات الله -تعالى-: قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) (الروم: 46)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (الفرقان: 48). وعن الشافعي -رحمه الله- قال: "لا ينبغي لأحدٍ أن يسب الرياح، فإنها خلق الله مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء".
وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الريح: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) (متفق عليه).
- ومن الظواهر المرتبطة بفصل الشتاء أيضًا حدوث الرعد والبرق وما قد يصاحب ذلك من الصواعق: قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: خوفًا من الصواعق، وطمعًا في نزول المطر (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الروم: 24).
وقال الله -تعالى- في سورة الرعد: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ . وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (الرعد: 12-13).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يخبر -تعالى- بأنه هو الذي سخر البرق، وهو ما يرى من النور اللمع ساطعًا من خلال السحاب، (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) أي: يخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة من الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء. وقوله: (يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) كقول الله -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). وقوله: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) أي: يرسلها نقمة بها ممن يشاء، ولها تكثر في آخر الزمان. (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ) أي: يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).
قال ابن جرير -رحمه الله-: "شديدة مماحلته في عقوبة مَن طغى عليه وعتى وتمادى في كفره. وهذه الآية شبيهة بقوله -تعالى-: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (النمل: 50-51)، وعن علي -رضي الله عنه-: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) أي: شديد الأخذ. وقال مجاهد: شديد القوة.
وقال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) أي: يرسل سحابًا ويسوقه من جهة إلى أخرى بأناة ورفق (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي: ثم يصل بعضه ببعض (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) أي: يجعل هذا السحاب متراكمًا بعضه على بعض (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) أي: فترى المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ) أي: من جهة السماء (مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: ما يشبه قطع الحصى الصغير (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ) أي: يكاد ضوء برقه (يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور: 43) (انظر: التفسير الميسر).
- وقد ضرب الله -تعالى- مثلًا لحال المنافقين بصورة لا تقع ولا تشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال -تعالى-: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ . يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أي: وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيرين (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 19-20) (انظر: التفسير الميسر).
- كما ضرب الله -تعالى- مثلًا لبطلان أعمال الكفار وضياع ما ينفقون هباء بصورة أيضًا لا تحدث وتشاهد غالبًا إلا في فصل الشتاء الشديد: قال الله -تعالى- فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) أي: مثل ريح شديدة باردة نزلت بزرع فأهلكته (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 116-117).
ولا شك أن فصل الشتاء يعد موسمًا للازدياد من العبادات الفاضلة، فقيام الليل هو أفضل الصلاة بعد الفريضة، ومن خصائص فصل الشتاء طول الليل فيه؛ فتزداد فرصة الاستكثار من قيام الليل فيه.
- ومن أفضل العبادات صوم التطوع: فإن عبادة الصوم لا عدل ولا مساو لها، ومن خصائص فصل الشتاء قصر نهاره فيسهل على المرء صيام التطوع فيه؛ لذا فقد ورد عن السلف قولهم عن فصل الشتاء أنها غنيمة المؤمن، وأنه الغنيمة الباردة؛ أي: الغنيمة التي لا كثير تعب أو مشقة في نوالها والحصول عليها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 86.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 84.56 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.46%)]