|
|||||||
| استراحة الشفاء , وملتقى الإخاء والترحيب والمناسبات هنا نلتقي بالأعضاء الجدد ونرحب بهم , وهنا يتواصل الأعضاء مع بعضهم لمعرفة أخبارهم وتقديم التهاني أو المواساة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
وسائل التواصل ميدان دعوة وجبهة قتال سالم محمد أحمد لم يكن الناس قبل سنوات يتصوَّرون أن يجلس أحدهم في زاوية من بيته، ثم يكتب كلمة على جهاز صغير لا يتجاوز كفَّه، فإذا هي تجوب أقطار الأرض شرقًا وغربًا، وتقرؤها العيون في مشارق الشمس ومغاربها، فتكون سببًا في هداية قلب أو إضلال آخر، في بعث نور أو إشاعة ظلام. لقد صارت الكلمة اليوم أسرع من البرق، وأمضى من السيف، وأعمق أثرًا من المدفع، وها نحن نعيش زمنًا جعل الله فيه هذه الوسائل التي يسمُّونها وسائل التواصل الاجتماعي منابر عالمية بلا حواجز ولا قيود، يُسمَع فيها صوت الباطل عاليًا إذا سكت أهل الحق، وتُرفَع فيها راية المنكر إذا توانى الآمرون بالمعروف. وهنا يقف المرء وقفة يسائل فيها نفسه: أيليق بمسلمٍ عرَف الله وآمن برسوله وقرأ كتابه، أن يترك هذه المنابر خاويةً إلا من لهوٍ ولغوٍ وضلالٍ، وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]؟ إن الدعوة إلى الله ليست مهنة واعظ ولا وظيفة شيخ فحسب، وإنما هي تكليف عام، كلٌّ على قدر طاقته وعلمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلِّغوا عني ولو آية»؛ [البخاري]، وهذه وصية تحمل الأمة كلَّها على أكتافها، صغيرها وكبيرها، عالمها وعامِّيها، ألَّا يسكتوا عن نصرة الحق وحزبه، ومقارعة الباطل وجيشه، وأن يكون لكل واحد نصيب من البلاغ. وفي زمان مضى كان من أراد البلاغ يمشي في الفلوات، أو يرحل في الأسفار، أو ينفق أعمارًا طويلة ليصل إلى الناس، أما اليوم فقد هيَّأ الله أسبابًا عجيبة، فصار الواحد منا يكتب كلمة أو يرسل مقطعًا قصيرًا، فإذا به يصل إلى قلوب لم يكن يخطر له أن يبلغها يومًا، فالحجة أعظم، والفرصة أوضح، والتقصير أقبح. وما أحوج الأمة في هذا الزمن أن تدرك أنَّ الحساب الشخصي على فيسبوك أو تويتر أو يوتيوب أو تيك توك أو غيرها ليس لهوًا فارغًا ولا دفتر مذكرات، بل هو صحيفة منشورة ومنبر مفتوح! فالمرء مسؤول عما يكتبه ويُعلِّق به، كما هو مسؤول عما ينطق به بلسانه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟»؛ [الترمذي]. والكلمة التي تُكتَب لا تقل خطرًا عن الكلمة التي تُقال، بل قد تكون أعظم؛ لأنها تبقى منشورة، وتتناقلها الأيدي، وتظل في أرشيف الزمن لا تمحى. فليتَّق الله كل مسلم فيما يكتب، ولينظر قبل أن يضغط زر "نشر"، أتراه مما يرضي الله أم مما يسخطه؟ إن الخطر العظيم أن يُترك هذا الفضاء الفسيح لأهل الشهوات ودعاة الشبهات، يصوغون العقول، ويعبثون بالقلوب، وينشرون الرذيلة تحت أسماء برَّاقة، ويزيِّنون المنكرات بلباس الفن والإبداع. فإن لم يقم أهل الحق بواجبهم، كان السكوت جريمة، وكان الفراغ دعوة ضمنية إلى الباطل. وإذا خلا القلب من محبة الله والإنابة إليه، ابتُلي بمحبة ما سواه. وهكذا إذا خلت المنصات من نور القرآن، ملأها ظلام الهوى. ومن العجب أن ترى بعض الصالحين يتورَّع عن دخول هذه الوسائل، ويظن أن السلامة في تركها، ولا يدرك أنَّها أصبحت ميدانًا من ميادين الدعوة، وجبهة من جبهات الصراع بين الحق والباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 52]؛ أي: بالقرآن. واليوم جهاد الكلمة والصورة والمقطع لا يقل أثرًا عن جهاد السيف، بل قد يسبق أثره إلى عقولٍ بعيدة وأرواحٍ لا تطالها الجيوش. وقد يظن بعضهم أن الدعوة لا تكون إلا بالخطب الطوال أو المقالات المطوَّلة، وينسى أن أبسط صورة من صور النشر قد تكون عند الله أعظم أجرًا مما يراه كبيرًا. أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»؛ [مسلم]؟ فإذا كان التبسُّم في وجه الأخ صدقة، أفلا يكون إعادة نشر آية أو تذكير بحديث، أو كلمة طيبة تُعلِّق بها على منشور، من أعظم أبواب الصدقة الجارية؟ إن زرًّا صغيرًا يُضغط في غفلة قد يكتب الله به هداية لإنسان لا يعرفه الناشر، ويكون له بذلك أجر لا ينقطع إلى يوم القيامة. والتاريخ مليء بالشواهد على أثر الأعمال الصغيرة التي تركت بصمات عظيمة. فقد تكون كلمة قالها غلام كما في قصة أصحاب الأخدود فآمنت بها أمة، أو موقف يسير وقف فيه رجل فبدَّل الله به مصائر شعوب. واليوم في زمن الإعلام الرقمي، قد يكون مقطع لا يتجاوز دقيقة، أو تصميم يحمل آية، سببًا في فتح قلب، أو زلزلة شبهة، أو هداية شاب تائه في أقصى الأرض؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم»؛ [البخاري ومسلم]، فأي تجارة أعظم من هذه؟ لكن بعض الناس يستهينون بهذه الجهود، ويقولون: وماذا تنفع مشاركة أو إعجاب؟ وهؤلاء غفلوا عن حقيقة عميقة أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه»، فالكلمة التي لا يُلقي لها صاحبها بالًا قد تكون سببًا في دخول الجنة، والكلمة التي لا يظنها شيئًا قد تكون مفتاحًا لقلب مغلق، والعكس بالعكس. أفلا نحرص أن تكون كلماتنا سهامًا للحق، لا شظايا للباطل؟ وإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى شبابها، أولئك الذين ملأوا المنصات حضورًا، ولكن بعضهم ملأها لغوًا ولهوًا. إن هؤلاء الشباب لو صرفوا أوقاتهم لنشر الخير، وملأوا الفضاء بذكر الله، لكانوا جندًا من جنود الإسلام بالكلمة كما كان أسلافهم جندًا بالبيان والسنان؛ لقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، وما الخير اليوم إلا أن نسابق إلى احتلال هذه المنابر بالحق، قبل أن يحتلها الباطل، وأن نجاهد بها الكفار والمنافقين جهادًا كبيرًا. فيا أيها الداعية، لا تحتقر جهدك وإن قلَّ، ولا تقل إن الناس لن يسمعوا، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزرع الكلمة في الصحراء، واليوم تزرعها في أرض مهيأة موصولة، تصل إلى كل قلبٍ في العالم بضغطة زر. ويا أيها الغافل، لا تستهين بخطر صمتك، فإن سكوتك يترك الفراغ لغيرك. وأي خسارة أعظم من أن يأتي يوم القيامة رصيدك خاليًا إلا من الصمت، ألم تكن لك صفحة؟ ألم يكن لك حساب؟ ألم يكن في يدك جهاز تبثُّ به كلمة حق، فلمَ لمْ تفعل؟ إن وسائل التواصل ليست شرًّا خالصًا ولا خيرًا مطلقًا، وإنما هي سلاح في يد من يستعمله، فطوبى لمن جعلها في طاعة الله، وويل لمن جعلها في معصيته. فلنغتنم هذه النعمة قبل أن تتحوَّل إلى نقمة، ولنملأ هذه الوسائل بالآيات والأحاديث والذكر ودحض الشبهات ومحاربة الرذيلة، ولننصر دين الله بالكلمة كما نصره أسلافنا بالجهاد والبيان، ولنجعل شعارنا وصية النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة: «بلِّغوا عني ولو آية». فلعل كلمةً منك تكون سببًا في نجاة إنسان، فتكون لك عند الله نهرًا جاريًا من الحسنات. يا عباد الله،إننا في زمنٍ صار فيه "المنشور" أبلغ من الخُطبة، و"المقطع" أنفذ في الأرواح من السهام، وصارت "المشاركة" قد تهزُّ قلبًا لم يكن يظن صاحبه يومًا أن يسمع نداء الحق؛ أفبعد هذا يُليق بمسلمٍ عرَف الوحي، وقرأ القرآن، وتذوَّق حلاوة السنَّة، أن يظل متفرِّجًا والباطل يمرح في الميادين الرقمية، والشهوات تُزيَّن وتُباع على أنها فنٌّ وإبداع؟! إن حسابك ليس لعبةً ولا مذكِّرةً شخصيةً، إنما هو منبرٌ مفتوحٌ، وصحيفةٌ منشورةٌ، ومسؤوليةٌ ثقيلةٌ؛ فإما أن يكون شاهدًا لك، أو يكون شاهدًا عليك، وإما أن يكون نورًا يجري في صحائفك، أو يكون نارًا تشتعل في موازينك؛ فالله الله ألا تضغط زر "نشر" إلا وأنت تسائل نفسك: أهذا مما يرضي الله أم مما يسخطه؟ أتراه مما يقيم الحجة لك أم عليك؟! واعلموا أن الكلمة الواحدة قد يهدي الله بها رجلًا واحدًا فيكون لك ذلك خيرًا من الدنيا وما فيها، وقد تُضل بها إنسانًا فتبوء بإثمه إلى يوم القيامة، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، فلا تحقروا جهدًا ولو كان آية تُعاد نشرها، أو حديثًا يُذكَّر به، أو دعاءً يُكتب، فإنها قد تكون منبع حياة لقلبٍ ميت، أو مفتاح فلاح لروحٍ تائهة، والموفَّق من اغتنم هذه الوسائل في نصرة دين الله، فصار جنديًّا في جبهة الدعوة، كما كان أسلافه جنودًا في ميادين الجهاد. فانهضوا يا شباب الإسلام، وتيقَّظوا يا دعاة الحق، فإنها معركة الكلمة، وساحة العقيدة، وميدان النصرة، ولن تبرأ الذمة إلا أن يكون لنا فيها حضورٌ يشهد أننا من حزب الله لا من حزب الشيطان.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |