الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 50 - عددالزوار : 3127 )           »          العلاقة بين صلاة الفجر والنصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          المال ظل زائل وعارية مستردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          العناية بحقوق العباد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الوجوه والنظائر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          إفشاء الأسرار في التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          العقارب… وموسم الهجرة من الرمل إلى العقول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          الحِرْص في طلَب العِلْم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          الرد على من ينكر الإسراء والمعراج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          الإيمان بالقدر خيره وشره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-01-2026, 04:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,274
الدولة : Egypt
افتراضي الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم



الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه:

﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾[الشعراء: 87]

وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم

د. أحمد خضر حسنين الحسن
﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ [التحريم: 8]


سأذكر في هذا المطلب - وما بعده - ما دعا به إبراهيم عليه السلام ربَّه، فاستجاب الله له، وأما الحبيب صلى الله عليه وسلم، فقد بادره الله بالعطاء دون سؤال منه، بل تَمنَّن الله عليه وأكرَمه، وأنعم عليه، وزاده بأن أكرم أمته بمثل ما أكرَمه به، أو قريبًا منه؛ كما سنرى إن شاء الله تعالى، وذلك من خلال محورين:
المحور الأول: سأل الخليل عليه السلام ربه تعالى بقوله: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[الشعراء: 87 - 89].

لقد اتفقت أقوال المفسرين على أن المراد من قوله: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾؛ أي: لا تَفضَحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذِّبني يوم القيامة، وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة)، والغبرة هي القترة.

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب، إنك وعدتَني ألا تُخزني يوم يُبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرَّمت الجنة على الكافرين)؛ انفرد بهما البخاري رحمه الله.

المحور الثاني: أخبر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: 8]، فأدخل أمته معه بغير سؤال.


قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿ يَومَ ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التحريم: 8]، وهو تعليقٌ تَخلَّص إلى الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، وهو يوم القيامة، وهذا الثناء عليهم بانتفاء خزي الله عنهم تعريضٌ بأن الذين لم يؤمنوا معه يُخزيهم الله يوم القيامة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع الذين آمنوا لتشريف المؤمنين ولا علاقة له بالتعريض.

والخزي: هو عذابُ النار، وحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام قوله: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ [الشعراء: 87]، على أن انتفاء الخزي يومئذٍ يستلزم الكرامة؛ إذ لا واسطة بينهما كما أشعر به قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾[آل عمران: 185]، وفي صلة ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾[التحريم: 8] إيذانٌ بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو إيمانهم)؛ اهـ.

قلت: ويُلاحظ أن إبراهيم عليه السلام دعا لنفسه بعدم الخزي يوم القيامة، ولم يذكر أحدًا معه، بينما النبي صلى الله عليه وسلم (شرَّفه) ربُّه بألا يُخزيه لا هو ولا أحدًا من المؤمنين، وذلك كله من غير طلب منه صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بدخول الجنة، سواء بتلاوة الآيات عليهم، أو من خلال أحاديثه صلى الله عليه وسلم.

أما الآيات فكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[الإسراء: 9، 10].

وقوله تعالى في المؤمنين المجاهدين: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ [التوبة: 20، 21].


وأما الأحاديث فهي كثيرة، منها:
ما ورد في الصحيحين: عَنْ أَنَس بن مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لمُعاذ وهو رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ: «يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ»، قال: لَبَّيكَ يا رسولَ الله وسَعدَيكَ، قال: «يا مُعاذُ»، قال: لبَّيكَ يا رسولَ الله وسَعدَيك (ثلاثًا)؛ قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَشهدُ أنْ لا اله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله، صِدْقًا مِن قَلبِه إِلاّ حرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار»، قال رضيَ اللهُ عنهُ: يا رسولَ الله، أَفَلا أُخبرُ بهِ الناسَ فيَسْتَبْشِروا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إِذًا يَتَّكِلوا»، وأَخبرَ بها مُعاذٌ عندَ مَوتِه تَأثُّمًا)؛ يعني خروجًا من إثم كتْم العلم.

وروى مسلم في صحيحه: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-01-2026, 04:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,274
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم

الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: 84]

وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم


د. أحمد خضر حسنين الحسن


﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: 4]




لعل تفضيل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم على الخليل في هذا المقام - وهو رفع الذكر وبقاؤه - واضح جلي من الآيتين - إذ النبي صلى الله عليه وسلم امتنَّ الله عليه وأخبره بأنه رفع ذكره، بينما الخليل دعا ربَّه بأن يبقي ذكره في الآخرين، هذه ناحية، والناحية الثانية أن الخليل سأل الله تعالى أن يبقي ذكره في (الآخرين)، بينما النبي صلى الله عليه وسلم رفَع الله ذكره في الأولين والآخرين، ودليل ذلك أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء قبله وأُممهم أن يؤمنوا وأن يتَّبعوه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].

وبهذا الميثاق صار النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا مشهورًا لدى جميع الناس الأنبياء وغيرهم من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، فأين هذا من دعاء الخليل عليه السلام.

المحور الأول: دعا الخليل عليه السلام ربَّه بقوله: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ﴾؛ قال القرطبي رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ﴾؛ قال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه، وقال مجاهد: هو الثناء الحسن، قال ابن عطية: هو الثناء وخُلد المكانة بإجماع المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، وكل أمة تتمسك به وتعظِّمه، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مكي: وقيل: معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، فأُجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يُعطيه إلا بتحكُّم على اللفظ، وقال القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة; فإن زيادة الثواب مطلوبة في حق كل أحدٍ).

قلت: وقد فعل الله ذلك؛ إذ ليس أحد يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو يصلي على إبراهيم، وخاصة في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات وأفضل الدرجات، والصلاة دعاء بالرحمة.

وسئل ابن عثيمين: ما معنى هذه الآية الكريمة: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ﴾؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، سأل الله تعالى أن يجعل له لسان صدق في الآخرين؛ أي أن يجعل له مَن يُثني عليه في الآخرين ثناءَ صدقٍ، وقد استجاب الله تعالى دعاءه، فكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام محلَّ الثناء في كتب الله عز وجل، وفي ألسنة رُسله، حتى إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، فالثناء على إبراهيم حصل في الآخرين، حتى إن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان يهوديًّا، والنصارى قالوا: إن إبراهيم كان نصرانيًّا، فأنكر الله ذلك، وقال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67].

والمقصود أن هذه الأمم كلها تَفتخر أن يكون إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها، لكنها كاذبة ما عدا المسلمين، واليهود والنصارى ليسوا على هذا الوصف، بل هم كفار، ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30]، وقد كذَّبهم الله تعالى في ذلك في قوله: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ [التوبة: 30]، وفي سورة الإخلاص قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4][1].

المحور الثاني: الله تعالى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]:
قال في تتمة أضواء البيان (بتصرف):
لم يبيِّن هنا بِمَ ولا كيف رفَع له ذكره، والرفع يكون حسيًّا ويكون معنويًّا، فاختُلف في المراد به، على أقوال:
الأول: أنه رفع حسي في الأذان والإقامة، وفي الخطب على المنابر، وافتتاحيات الكلام في الأمور المهمة، واستدلوا لذلك بالواقع فعلًا، واستشهدوا بقول حسان - رضي الله عنه - وهي أبيات في ديوانه من قصيدة دالية:
أغرُّ عليه للنبوة خاتَمٌ
مِن الله مَشهودٌ يَلوحُ ويَشهَدُ
وضمَّ الإله اسمَ النبي إلى اسْمِه
إذا قال في الخمس المؤذِّنُ أَشهدُ
وشَقَّ له مِن اسْمِه لِيُجِلَّه
فذو العرش محمودٌ وهذا مُحمدُ


الثاني: رفع الذكر معنًى؛ أي: من الرِّفعة، ذكره - صلى الله عليه وسلم - في كتب الأنبياء قبله، حتى عُرف للأمم الماضية قبل مجيئه، وقد نص القرآن أن الله جعل الوحي ذكرًا له ولقومه، في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 43، 44]، ومعلوم أن ذكره قومَه ذكرٌ له؛ كما قال الشاعر:
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذَرَى رُتَبٍ
كما علَتْ برسولِ الله عَدنان




فتبيَّن أن رفْعَ ذكرِه - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عن طريق الوحي، سواء كان بنصوص من توجيه الخطاب إليه بمثل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾ [المائدة: 41]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ [الأنفال: 64]، ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [المدثر: 1]، والتصريح باسمه في مقام الرسالة: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ [الفتح: 29]، أو كان في فروع التشريع، كما تقدم في أذانٍ، وإقامةٍ، وتشهُّد، وخُطبٍ، وصلاةٍ عليه - صلى الله عليه وسلم - والله تعالى أعلم.

وقال الفخر الرازي:
واعلم أنه – أي رفْع ذِكرِه صلى الله عليه وسلم - عامٌّ في كل ما ذكروه من النبوة، وشهرته في الأرض والسماوات.

وأنه يُذكَر معه في الشهادة والتشهد، وأنه تعالى ذكره في الكتب المتقدمة، وانتشار ذكره في الآفاق، وأنه خُتمت به النبوة، وأنه يُذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل، وعند الختم، وجعل ذكره في القرآن مقرونًا بذكره: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [النساء: 13]، ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92].

ويناديه باسم الرسول والنبي، حين ينادي غيره من الأنبياء باسمه مجردًا، وأيضًا جعله في القلوب بحيث يستطيبون ذكره، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]، كأنه تعالى يقول: أملأ العالم من أتباعك، كلهم يُثنون عليك، ويُصلون عليك ويَحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعه سنةٌ، فهم يُمتثلون في الفريضة أمري، وفي السنة أمرك، وجعلت طاعتك طاعتي، وبَيعتك بيعتي؛ ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، ﴿ بَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾ [الفتح: 10]، لا تأنَف السلاطين من أتباعك، بل جراءةٌ لأجهل الملوك أن يُنصِّب خليفةً من غير قبيلتك، فالقرَّاء يَحفظون ألفاظ منشورك، والمفسِّرون يفسِّرون معاني فُرقانك، والوعَّاظ يبلِّغون وعظك، بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك، ويُسلمون من وراء الباب عليك، ويَمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفُك باقٍ إلى يوم القيامة.

وقال السيوطي في الإكليل في استنباط التنزيل:
قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]، قال مجاهد: لا أُذكَر إلا ذُكرتَ معي؛ أخرجه الفريابي، وسعيد بن منصور والشافعي في الرسالة.

وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل، فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفَعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي".

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: رفَع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيبٌ ولا متشهِّد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الخطبة وصلاة الجنازة، واستحبابها عقب التلبية.

قلت: فتبيَّن من هذا كله أن رفع الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، أعلى وأفضل وأكثر شهرةً من الخليل عليه السلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره مقرونٌ بذكر الله تعالى، فهو موجبٌ للأجر والثواب، كما أنه مذكورٌ في الكتب السابقة له، ومذكور في كُتب أُمته – على سبيل التعظيم والإجلال - أعني مؤلفات العلماء من تفسير وحديث وفقهٍ، وغير ذلك من العلوم الإسلامية، وهذا كله غيرُ واردٍ في حق الخليل عليه السلام؛ لأن أمته لم تَحفَظ أحاديثه ولا كتابه المنزَّل عليه.

[1] فتاوى نور على الدرب ( العثيمين )، الجزء: 5، الصفحة: 2؛ نقلًا عن موقع ن للقرآن وعلومه.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-01-2026, 10:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,274
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم



الموازنة بين سؤال الخليل إبراهيم

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ

وبين عطاء الله للنبي محمد

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ

د. أحمد خضر حسنين الحسن

لقد تقدَّم في الفصل السابع من الباب الثالث ذكرُ الموازنة بين الاستغفار في حق النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام، ولكن الحديث هنا حول نيْل المغفرة وطلبها من الخليل عليه السلام خاصة، وكيف أنه سأل ربَّه إياها، وهو مَن هو عليه السلام، بينما النبي صلى الله عليه وسلم أُعطيها دون طلب، ولو كان الكلام متقاربًا بين الفصلين، إلا أن التوسع هنا مطلوب، وسأذكر هنا من الفوائد ما فاتني هناك، والله أعلم.

المحور الأول: سأل الخليل عليه السلام ربَّه المغفرةَ في قوله تعالى حكايةً عنه قوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 82]، وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41].

قال الفخر الرازي رحمه الله: وأما قوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾، فهو إشارة إلى ما هو مطلوب كلِّ عاقلٍ من الخلاص عن العذاب والفوز بالثواب.

واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع في هذه الألفاظ جميعَ نعم الله تعالى مِن أول الخلق إلى آخر الأبد في الدار الآخرة.

ثم ها هنا أسئلة:
السؤال الأول: لِم قال: ﴿ والذي أَطْمَعُ، والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وإنه عليه السلام كان قاطعًا بذلك؟ جوابه: أن هذا الكلام لا يَستقيم إلا على مذهبنا؛ حيث قلنا: إنه لا يجب على الله لأحدٍ شيء، وأنه يَحسُن منه كلُّ شيء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وأجاب الجبَّائي عنه من وجهين:
الأول: أن قوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾: أراد به سائر المؤمنين؛ لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به.

الثاني: المراد من الطمع اليقين، وهو مروي عن الحسن وأجاب صاحب الكشاف بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليمًا منه لأمته كيفية الدعاء.

واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة:
أما الأول: فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولًا، والدعاء ثانيًا، ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام، فجعل الشيء الواحد وهو قوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾، كلام غيره؛ مما يُبطل نظم الكلام ويفسده.

وأما الثاني: وهو أن الطمع هو اليقين، فهذا على خلاف اللغة.

وأما الثالث: وهو أن الغرض منه تعليم الأمة، فباطلٌ أيضًا؛ لأن حاصله يرجع إلى أنه كذبٌ على نفسه لغرض تعليم الأمة، وهو باطل قطعًا.

السؤال الثاني: لِمَ أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزَّهون عن الخطايا قطعًا؟
وفي جوابه ثلاثة وجوه:
أحدها: أنه محمول على كذب إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 63]، وقوله: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 89]، وقوله لسارة: "إنها أختي"، وهو ضعيف؛ لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة.

وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع، وهضْم النفس، وهذا ضعيف؛ لأنه إن كان صادقًا في هذا التواضع، فقد لزِم الإشكال، وإن كان كاذبًا، فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن المعصية.

وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن يُحمل ذلك على ترك الأَولى، وقد يُسمى ذلك خطأً، فإن من ملك جوهرة وأمكَنه أن يَبيعها بألف ألف دينار، فإن باعها بدينار، قيل: إنه أخطأ، وترك الأولى جائز في حق الأنبياء عليهم السلام.

السؤال الثالث: لِمَ علَّق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟
جوابه: لأن أثرها يظهر يوم الدين، وهو الآن خفي لا يُعلَمُ.

السؤال الرابع: ما فائدة "لي" في قوله: ﴿ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾؟ وجوابه من وجوه:
أحدها: أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده، والزوج عن زوجته، فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلبًا للثواب، وهربًا من العقاب، أو طلبًا لحسن الثناء والمحمدة، أو دفعًا للألم الحاصل من الرقة الجنسية، وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه، بل رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي، أما الإله سبحانه، فإنه كامل لذاته، فيستحيل أن تَحدُث له صفات كمالٍ لم تكُن أو يزول عنه نقصانٌ كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه، فقوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي ﴾؛ يعني: هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه البتة.

وثانيها: كأنه قال: خلقتني لا لي، فإنك حين خلقتني ما كنت موجودًا، وإذا لم أكن موجودًا استحال تحصيل شيءٍ لأجلي، ثم مع هذا فأنت خلقتني، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولًا مع أني كنت محتاجًا إلى ذلك الخلق، فلأن تغفرَ لي وتعفوَ عني حالَ ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة، كان أَولى.

وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام كان لشِدة استغراقه في بحر المعرفة شديدَ الفرار عن الالتفات إلى الوسائط، ولذلك لَما قال له جبريل عليه السلام: "ألك حاجةٌ؟ قال: أما إليك فلا"، فها هنا قال: ﴿ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 82]؛ أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك، تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع.

وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:
عجيب أن يَصدُر هذا الدعاء من إبراهيم، وما أدراك ما إبراهيم؟
إنه أبو الأنبياء الذي وصفه ربُّه بأنه أمة قانتًا لله، ولم يكن من المشركين، إبراهيم الذي ابتلاه ربه بكلمات فأتمهنَّ، ومع هذا كله يقول: ﴿ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 82].

إنه أدب عَالٍ مع الله وهضْم لعمله؛ لأن الإنسان مهما قدَّم من الخير، فهو دون ما يستحق الله تعالى من العبادة؛ لذلك كان طلب المغفرة من الطمع.

ويجب أن ننظر هنا: متى دعا إبراهيم ربَّه ومتى تضرَّع إليه؟ بعد أن ذكر حيثيات الألوهية، واعترف لله بالنعم السابقة، وأقرَّ بها، فقد خلَقه من عدم، وأمدَّه مِن عدمٍ، ووفَّر له كلَّ مقومات الحياة.

وإقرار العبد بنعم الله عليه يقضي على كبرياء نفسه، ويُصفِّي روحَه وأجهزته، فيصير أهلًا لمناجاة الله، وأهلًا للدعاء، فإن اعترفتَ لله بالنعم السابقة، أجابك فيما تَطلُب من النعم اللاحقة، على خلاف مَنْ لا يذكر لله نعمة، ولا يُقرُّ له سبحانه بسابقة خيرٍ، فكيف يَقبل منه دعاءً؟ وبأيِّ وجه يطلب من الله المزيد؟

إذًا: لا تَدْعُ ربَّك إلا بعد صفاء نفس وإخلاص عبودية، لذلك ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عمل بما علِم، أورثَه الله علمَ ما لم يَعلَم".

المحور الثاني: أخبر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 2].


وإن كنت قد نقلت بعض ما قيل سابقًا في هذه الآية، إلا أن المقام يقتضي أن أذكر ما يتعلق بالموازنة بين الخليلين صلى الله عليهما وسلم، ومن أفضل مَن تكلم في الآية بما يوافق مقصدنا هو الطاهر بن عاشور؛ حيث قال رحمه الله تعالى ( بتصرف واختصار):
(لِيَغْفِرَ لك الله)؛ أي إنا فتحنا فتحًا مبينًا لأجلك لغُفران الله لك، وإتمام نعمته عليك، وهدايتك صراطًا مستقيمًا، ونصرك نصرًا عزيزًا... وجُعلت مغفرةُ الله للنبي صلى الله عليه وسلم علة للفتح؛ لأنها من جملة ما أراد الله حصوله بسبب الفتح، فهذه مغفرةٌ خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، هي غير المغفرة الحاصلة للمجاهدين بسبب الجهاد والفتح.

فالمعنى: أن الله جعل عند حصول هذا الفتح غفرانَ جميع ما قد يؤاخذ الله على مثله رسلَه؛ حتى لا يبقى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يَقصُر به عن بلوغ نهاية الفضل بين المخلوقات، فجعل هذه المغفرة جزاءً له على إتمام أعماله التي أُرسل لأجلها من التبليغ والجهاد والنَّصب، والرغبة إلى الله، فلما كان الفتح حاصلًا بسعْيه، وتسبُّبه بتيسير الله له ذلك، جعل الله جزاءَه غفرانَ ذنوبه بعِظَم أثرِ ذلك الفتح، بإزاحة الشرك وعلوِّ كلمة الله تعالى، وتكميل النفوس، وتزكيتها بالإيمان وصالح الأعمال؛ حتى ينتشر الخير بانتشار الدين، ويَصير الصلاح خُلقًا للناس يقتدي فيه بعضُهم ببعض.

وكل هذا إنما يناسب فتح مكة، وهذا هو ما تضمنته سورة ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ [النصر: 1]، من قوله: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3]؛ أي: إنه حينئذٍ قد غفر لك أعظمَ مغفرة، وهي المغفرة التي تليق بأعظمِ مَن تَابَ على تائبٍ، وليستْ إلا مغفرةَ جميع الذنوب سابقها، وما عسى أن يأتي منها مِما يَعُدُّه النبي صلى الله عليه وسلم ذنبًا لشدة الخشية من أقل التقصير؛ كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم معصومًا من أن يأتي بعدها بما يؤاخَذ عليه، وقال ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب، ولهذا المعنى اللطيف الجليل كانت سورة ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ مؤذنةً باقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم، فيما فَهِمَ عمر بن الخطاب وابن عباس، وقد رُوي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والتقدم والتأخر من الأحوال النسبية للموجودات الحقيقية أو الاعتبارية؛ يقال: تقدم السائر في سيره على الركب، ويقال: تقدم نزول سورة كذا على سورة كذا، ولذلك يَكثُر الاحتياج إلى بيان ما كان بينهما تقدُّم وتأخر بذكر متعلق بفعل تقدَّم وتأخَّر.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 83.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 80.88 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (3.11%)]