|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التلقي عن الشيوخ مفتاح الملكة اللغوية، والمذاكرة لقاحها د. محمد عبدالله الأطرش أستاذ التـربية الإسلامية بالثانوي الإعدادي، الأكاديمية الجهوية للتـربية والتكوين لجهة فاس – مكناس. إذا استقرَّ نبتُ العلم في تربة الطالب، وأَرسى بذورَه في أرض التحصيل، وتعهَّده الشيخ بغيث التوجيه والتأصيل - فليَحرِص على لِقاحه بالمذاكرة مع ذوي النبوغ والرسوخ؛ فإن ذلك أدعى لإثماره، وأسرَعُ إلى نَوال حَصاده، والتنعُّم بوافر غِلاله؛ لأن المذاكرة تجعل الطالب متهيِّئًا لدفع الإيرادات، والإجابة عن الاعتراضات، وتُمَهِّره في حلِّ عَويص الإشكالات، وتُفتِّق لسانه في الإبانة عن حجته، وتُكسبه قدرةَ الإفصاح عن مُراده، وتَقيه غوائلَ العِي والحُبسة، وتُجنِّبه مَعرَّةَ الحَصْر واللحن، وهذه عوائدُ لا يُحصِّلها مُلتمسُ العلم منفردًا، ولا يُدركها بالانكفاء على نفسه؛ لأن الطالب حال القراءة الشخصية، لا يَثور المعرفة حقَّ التثوير، ولا يُقلِّبها على جهات عدة، ولا يُلاحقها بالمساءلة والمعارضة، ولا يُسلط على حصيلته العلمية مَعاولَ النقد والنقْض، ولا يَضعها على مَشرَحة الاختبار، فإذا عرَضها في مجالس المذاكرة، وطرَحها في حِلَقِ المناقشة، ظهَر له عَوارُها، وانكشَف ضعفُها، فيَحسِر عن ذَراعيه، ويُشمِّر عن ساقيه، ويُعِدُّ للأمور أقرانَها. كما تظهر فائدة المذاكرة في تقويم الاعوجاج، وتصحيح التعثُّرات، ورأْب صَدْع التشقُّقات، فالطالب قد يؤسِّس بُنيانه على أصول رِخوةٍ، وأُسسٍ هَشَّة، ويَحسَب أنه قد أتى فيها على التمام والكمال، فإذا عرَضها على أرباب العقول المتَّقِدة، والأذهان النافذة، بَهْرَجُوا مادةَ بنائه وخبَروها، وفكَّكوا أجزاءها وسبَروها؛ ليَستبين الخبيث من الطيب، ويَمِيز الأصيل من الدخيل، ولا شك أن هذا التقويم الذي يَطال المعارف في مجالس المذاكرة وغيرها، والنقد الذي يوجِّه إلى المناهج التي شُيِّدت بها، يُسهم في تصفية ما أُسِّس على بصيرةٍ وتحقيقٍ ونظرٍ، وما أُسِّس منها على شفا جُرفٍ هارٍ، فتكون بذلك أصالةُ العلم وجودتُه متوقِّفة على مَتانة النقد، ودقة الاستدراك. فالمذاكرة مع الأقران، ومناقشة المسائل مع الشيوخ، تُعين على ترسيخ العلم، وتفيد في جلاء صدأ الأذهان، وتساعد على استثارة المعارف الراكدة، وتحفِّز القدرات الخامدة، ومن لم يَشفَع عقلَه إلى عقول أخرى، لم يَقوَ على المناظرة والمجادلة، ولم يتمكَّن مِن دفْع حُجج خُصومه، ولم يَسطِع رَفْعَ اعتراضاتهم؛ يقول الإمام ابن حزم (ت 456هـ): "لقد انتفعت بمحكِّ أهل الجهل منفعةً عظيمة، وهي أنه توقَّد طبعي، واحتدَم خاطري، وحَمِيَ فكري، وتَهيَّج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليف لي عظيمة المنفعة، ولولا استثارتُهم ساكني، واقتداحهم كامني، ما انبعثْتُ لتلك التواليف"[1]. وقال عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ): "ما رأيت أحدًا لاحَى الرجال إلا أخَذ بجوامع الكلم". قال يحيى بن مزين: "يريد بالملاحاة ها هنا المخاوضة، والمراجعة على وجه التعلم، والتفهم، والمذاكرة، والمدارسة، والله أعلم"[2]. وفي سياق ربْط ما نحن فيه بمسالك اكتساب الملَكة؛ فإن القدرة على الإفصاح والإبانة، من مُقوماتها ومِن ركائزها المهمة: الملكةُ، والمذاكرة من أنفع الطرق الموصِّلة إلى درْك هذا المقصد، فقد تجد الطالب كثيرَ القراءة، واسع المطالعة، لكنه إذا خاطَب تلجلَج في كلامه، وأصابته الحُكْلةُ[3]، والحُبسة، ولم يُطاوعه لسانه، وأعياه انطلاقه مبينًا، وتَعصَّى الانقيادُ له، وليس ذلك إلا لهجْره رياضةَ اللسان، والزهد في مُلاحاة الأقران. و"كان يزيد بن جابر يقال له الصَّموت؛ لأنه لَما طال صمتُه ثَقُل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي، ولا يكاد يُبين"[4]. وهذا الذي عاناه يزيد بن جابر ينطبق على كثيـر من طلبة العلم في هذا الزمان، تجدهم يقطعون كلَّ مراحل التحصيل في حفظ المتون واستظهارها، والتردُّد على حِلَق العلماء، وتقييد ما يجري على ألسنِهم من الشرح والتوضيح، لكنهم إذا حملوا النفس على الكلام المسترسل المرسل، كان قَلْعُ ضِرسٍ أهونَ عليهم مِن تكلُّف الحديث، فنتَج عن طول الصمت داءُ العِي، وتولَّدت عنه عُقَدُ اللسان، ولا تجد طالبًا فاقَ أقرانه في هذا الباب إلا إذا مارَس الخطابة، أو جلس للمذاكرة والتعليم، أقصد إعادة شرح الدروس للطلبة. لقد كان العلماء يجدون سَلوتهم في طلب الفائدة الدقيقة، والنُّكت اللغوية اللطيفة، ويَلتَذُّون بذلك ويتمتَّعون، حتى قيل لبعض العلماء: "أي الأمور أمتعُ؟ قال: مجالسة الحكماء، ومذاكرة العلماء"[5]. فلم يكن القصدُ من المذاكرة إلا لاتصال الدائم بالعلم، والصُّحبة المستمرة لذويه وأهله، والاستعانة بهم على إحياء الهِمَّة، وإيقاظ الرَّغبة، وطرْد ما يجده من الفُتور والدَّعة، بالإضافة إلى العوائد التي سبَق بسطُها، فكانت بذلك المذاكرة حياة العلم حقًّا، وأحيا الله أيامًا كانت مجالس أهل الأدب مليئة بالنكات اللغوية الطريفة، والتحقيقات البلاغية النفسية، والقصائد المنتخبة العالية، والرسائل المحبَّرة البديعة، فلم يكن الحديث إلا في الأدب والكُتب. يقول الأديب إبراهيم المازني (ت 1949م): "كان حديثنا إذ نجتمع في الأدب والكتب، وكانت رسائلنا التي نتبادَلها في الصيف حين نتفرَّق، لا تدور إلا على ما نقرأ، وكان أحدنا يَلقى صاحبه في الطريق اتفاقًا، فيقول له: لقد عثَرتُ على كتاب نفيس، فتعالَ نقرأه، لا يدعوه إلى طعام، أو شراب، أو سينما، أو لهوٍ، بل إلى قراءة كتاب، وكان كلُّ مَن يقع على كتاب قيِّمٍ يأتي به إلى صاحبه، فيُنبئه به، ويُلخصه له، ويَحُضُّه على اقتنائه"[6]. بهذا بلَغ الأدباء شأوًا بعيدًا، وناوَلوا مجدًا أثيلًا، وتركوا إرثًا يَقتبس من نوره كلُّ ملتمس للعلم والأدب، أما طلاب زماننا، فقد قصَروا هِممَهم في التحصيل على ما ينالون به الشهادات والمناصب، حتى إذا أدرك أحدهم ما كان يَطمَع في لُحوقه، طلَّق العلم طلاقًا بائنًا، وهجَر الكتب هجرًا مَشينًا، بل سَمِعنا مَن باع مكتبته دون حاجة أو فاقةٍ، بل رغبة في التخلص من أعباء العلم، فنعوذ بالله من الخِذلان، ونسأل الله الثبات. ومن ألقَى سمعه إلى ما يتداوله الطلبةُ في المجالس الخاصة، تلقَّف ما يتفطَّر له القلبُ، وما تأنَف الآذان إصغاءَه، وما تَفِرُّ الطباعُ السلمية مِن قَبوله؛ من كلام ساقطٍ، وحديث ماجنٍ، وصَخَب فاضحٍ، وقِلة مُروءةٍ ودينٍ، فإذا نزَّهوا المجلس عما يُسقط العدالة، ويَخرِم مُقوِّمات الرجولة، فأقصى ما تستفيده حديثٌ في تجارب الحياة، وكلام في الْمُلَح التي لا صلةَ لها بصُلب العلم، فتَخرُج بغير القلب والهِمة التي بهما دخَلت، وإذا حدَّثتك نفسُك بتذكيرهم بما كان عليه السلف مِن عُلوِّ الهمَّة في المذاكرة، والتنافس في سرْد الكتب وجَرْدها، وتحصيل فوائدها، وتقييد شواردها - سلَقوك بألسنة حدادٍ، أشحَّة على خير التعلُّم، وإن طاوَعوك مرةً، لَمَست إثقالًا ونَفْرةً مرات، ولَمَحت أَعْيُنًا تنظُر إليك نظر المنتهز فرصةَ الفِرار، وإن أثقَل مجلس على البطَّالين مجلسٌ لا يُسمَع فيه إلا صوتُ الورق يُقلَّب، أو بري قلمٍ يُحَد، ولا يَجد مِن الروائح إلا رائحةَ تراب الأسلاف تَفوح من مجلدات المجد والفخر، كيف يَلْتَذُّ بهذا مَن جعل لذَّتَه في الشهوات الجسمانية، وألقى بنفسه في براثن المدنية المعاصرة؟! خاتمة: إن للملكة شَأْوًا بعيدًا، ومنزلة سامقةً رفيعة، لا تُدرَك بالتمنِّي، ولا تُنال بسوف، ولعل ولو أني؛ بل إن السالك في دُروب تحصيلها مُلزَمٌ بالانضباط إلى أُسس رصينة، ومسالك علمية متينة، متى انخرَم واحدٌ منها، أو ضاع عِقْدٍ مِن أُسسها، انخرَمت ماهية الملكة اللغوية، مع ضرورة شفْع ذلك بالصبر على التأمل في الكتب المؤسِّسة للغة، ومواظبة على التدبُّر في ميراث أصحاب القلم الأدبي المبين، مع هِمَّة تأبى لصاحبها أن يَقنَع إلا بالتمام، وأن تُربِعَ إلا بعد بلوغ الغاية. ولا ينبغي أن يُغفَل عن يَنبوع التوفيق والسداد، وعن مصدر الفتح والعون والرَّشاد، وهو دوامُ قرْع باب الدعاء، وإظهار الذل والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، مع الإكثار من الأسباب التي تعرِّضه لرحمات ربه، فالعلم فُتوحات ربَّانية، وعطاءات صمَدانيَّة، لا يَمنحها جلَّ وعلا إلا لِمَن طهَّر قلبه من الأغيار، وخلَّصه مِن غوائل الأكْدار، وتحقَّق بصفات عباد الرحمن، وجعَله قِبلةً مُوليةً إلى ما يُرضيه جل وعلا. [1] ابن حزم، "الأخلاق والسير في مداواة النفوس"، (ص: 49). [2] ابن عبد البر، "جامع بيان العلم وفضله"، (2 /156). [3] قال الجاحظ في "البيان والتبين" ( 1 /40): "إذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق، وعجز أداة اللفظ، حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال". [4] الجاحظ، "البيان والتبيين"، (1 /38). [5] الجاحظ، "البيان والتبيين"، (2 /107). [6] قائد، "العمر الذاهب"، (ص: 65).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |