|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#241
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (239) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (22) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة السابعة: التحذير من الشرك وَرَد في الكتاب والسُّنة ببيان شافٍ، لا مزيد بعده، وبتكرارٍ يؤكِّد أهمية هذا الأمر؛ التحذير من الشرك والخوف منه. وهذه آيات في التحذير من الشرك؛ حتى يتسنَّى لكلِّ داعٍ إلى الله -عز وجل- أن يتناولها دائمًا في دروسه وخطبه، ودعوته إلى الله -عز وجل-: قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 21-22). وقال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) (البقرة: 116). وقال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة: 165). وقال -تعالى-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64). وقال -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران: 67). وقال -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء: 36). وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: 48). وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: 116). وقال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة: 72-73). وقال -تعالى- عن أنبيائه: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 88). وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (الأنعام: 94). وقال -تعالى-: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام: 151). وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33). وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ . إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (الأعراف: 189-198). وقال -تعالى-: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 1-6). وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 28-31). وقال -تعالى-: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الرعد: 33). وقال -تعالى-: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: 94-96). وقال -تعالى-: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ . خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النحل: 1-3). وقال -تعالى-: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ . ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (النحل: 53-54). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#242
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (240) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (23) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة السابعة في الآيات التي في ذم الشرك والتحذير منه: قال -تعالى-: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) (الإسراء: 39>، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 30-31>. وقال -تعالى-: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (المؤمنون: 91-92>، وقال -تعالى-: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 65-66>. وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13>، وقال -تعالى-: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر: 8>، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) (فصلت: 6>. وقال -تعالى-: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (فصلت: 9>، وقال -تعالى-: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (الفتح: 6>، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة: 6>. وقال -تعالى-: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28>، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 39>، وقال -تعالى-: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة: 89-90>. وقال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: 88-95>. أما الأحاديث التي ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحاح وغيرها فكثيرة جدًّا؛ منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجْتنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ). وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ تَضُرَّهُ مَعَهُ خَطِيئَةٌ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَهُ حَسَنَةٌ) (رواه أحمد بسند صحيح، ومعنى لم تضره خطيئة؛ أي: في ضرر الخلود في النار، وإلا فعصاة الموحدين منهم من يدخل النار قطعًا). وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وحوله عصابة من أصحابه: (تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُونَ بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ) (رواه البخاري ومسلم). وروى الترمذي في سننه بإسناد حسن عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 31>، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوه). وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث محمود بن لبيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ)، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عز وجل لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#243
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (241) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (24) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة الثامنة: دَلَّ قوله -تعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) على وجوب تطهير بيت الله الحرام، وكذا سائر بيوته في الأرض -وهي المساجد في كل مكان- من كلِّ نَجَس ورجس: حسي أو معنوي؛ أما الحسي: فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد -أي: تكنسه وتخرج منه القمامة- أو شابًا، ففقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت. فقال: (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي)، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا) فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ) (متفق عليه). والمسلم الذي ينظف المسجد ويطهره، يحتسب عند الله فيه تحبيب بيت الله -عز وجل- إلى الناس لكي يعمروه بالصلاة والذِّكْر وتلاوة القرآن. وفي رواية فيها ضعف عند الطبراني في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سألها وهي في قبرها: أي العمل وجدتِ أفضل؟ فقالت: قَم المسجد". وأما التطهير المعنوي: فكتطهير المساجد من الشرك: كدعاء غير الله، والبدع والضلالات، وكذا تطهيره من وجود القبور فيه؛ لم نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- خشية أن يُغَالى فيه وأن يُتخذ مسجدًا. وهذه جملة من الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: عن عبد الله بن عباس وعائشة -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم لما نزل به -أي: حضرته الوفاة- طفق يلقي خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (متفق عليه). وفي وراية لعائشة قالت: (قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ. (رواه أحمد بسند صحيح). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) (رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحة وصححه، وابن حبان وصححه). وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في مرضه الذي مات فيه: (أَدْخِلْ عَلَيَّ أَصْحَابِي) فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَكَشَفَ الْقِنَاعَ، ثُمَّ قَالَ: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه الطيالسي في مسنده وأحمد وسنده جيد). وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: (ائْذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ)، فَأَذِنْتُ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا)، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: (يَا عَلِيُّ ائْذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ)، فَأَذِنْتُ لَهُمْ، فَقَال: (لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسجِدًا) ثَلاثًا، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. (رواه البزار، وهذا الحديث تؤكد صحته الشواهد السابقة). وعن جندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (قَدْ كَانَ لِي فِيكُمْ إِخْوَةٌ وَأَصْدِقَاءٌ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ رَبِّي قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) (رواه مسلم). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ) (رواه البخاري). وفي رواية للنسائي: لعن الله، ورواه مسلم، وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه مسلم وأحمد في مسنده). وعن أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: (أَخْرِجُوا اليَهُودَ مِن أَرْضِ الحِجَازِ) (رواه البزار في مسنده ورواه ثقات). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#244
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (242) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (25) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة الثامنة في التطهير المعنوي للمساجد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه أحمد). وعن عمرو بن دينار وقد سُئِل عن الصلاة وسط القبور، فقال: ذُكِر لي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله -تعالى-" (مرسل، لكن يشهد له الأحاديث الصحيحة السابقة). وعن أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: كيف نبني قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنجعله مسجدًا؟ فقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه ابن زنجويه في فضائل الصديق). وهذا يدل دلالة واضحة على أن الصحابة لم يريدوا قط أن يتخذوا قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مسجدًا، وإنما احتاجوا إلى توسعة المسجد فاتسع المسجد من حول القبر، وهو مقصود ابتداءً، وسيظل مقصودًا؛ بنوا، بل دفنوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجرته حتى لا يتخذه الناس مسجدًا. وإنما يتصور اتخاذ القبر مسجدًا بأن يدخل الإنسان إلى المقصورة ليصلي إلى القبر أو بجواره: فعائشة -رضي الله عنها- لم تزل تصلي في حجرتها، ولا تستقبل القبور الثلاثة، ولا قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقط بعد وفاته، ولكن هي تعيش في بيتها، فلم تقصد القبر للصلاة عنده، بخلاف من ينوي اتخاذ القبر مسجدًا بأن يصلي عنده أو يظن أن المسجد النبوي إنما بُني على قبره -صلى الله عليه وسلم-، وأن المسجد زادت فضيلته لما توسع في عهد عمر بن عبد العزيز حتى شمل الحجرة وحجرات نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لم يزل فَاضِلًا قبل ذلك. والحديث الماضي رواه ابن زنجويه في فضائل الصِّدِّيق، وصححه الشيخ الألباني في تحذير الساجد. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرِي وَثَنًا، فَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) (رواه البزار، وفيه راوٍ ضعيف، لكن له شواهد). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (رواه الترمذي بسند ضعيف، لكن يصحح بشواهده). والصحيح بلفظ: (لَعَنَ اللهُ زَوَّارَات القُبُورِ)؛ لأن الزيارة المتكررة من النساء كثيرًا ما يقع معها المحرمات، وإلا فأصل الزيارة ليس محرمًا لعموم العلة، فإنه تذكر الآخرة. وصحح الألباني: (لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ)، وأما السُّرُجُ فهي صحيحة المعنى. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهو حديث صحيح، صححه الألباني). وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق". وفي إسناده مقال كثير، فالحديث رواه ابن ماجه، وفيه أبو صالح كاتب الليث، ضعفه جماعة. ورواه الترمذي وأبو داود في الجزء الخاص بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، أو فيما ينهى من الصلاة في المقبرة، فهذا صحيح بشواهده. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَصَلُّوا إِلَى الْقَبْرِ وَلَا تَصَلُّوا عَلَيْهِ) (رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن كيسان مختلف فيه، لكن له شواهد يصح بها). وعن عون بن عبد الله قال: لقيت وائلة بن الأسقع، فقلت: ما أَعْمَلَنِي إلى الشام غيرك، حدثني بما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم ارحمنا واغفر لنا، ونهانا أن نصلي إلى القبور أو نجلس عليها" (رواه الطبراني في الكبير، وفيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس، ولكن لمعناه شواهد). وغرضنا من ذكر هذه الأحاديث التي في بعضها ضعف، ولكن تصَحَّح وتحَسَّن بشواهدها، بيان أن هذا الأمر متواتر أحاديثه، أعني النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#245
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (243) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (26) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة الثامنة في الأحاديث الواردة عن تطهير المساجد من أن تبنى على القبور أو تتخذ فيها القبور: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة بين القبور" (رواه البزار في مسنده بسندٍ رجاله رجال الصحيح). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (رواه البخاري ومسلم). وعن علي زين العابدين بن الحسين -رضي الله عنهما-: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيدخل فيها ويدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ وتَسْلِيمَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ) (رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، كما ذكر ذلك الشيخ الألباني في كتابه: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد). وهذا حديث مسلسل بأئمة أهل البيت. وفيه فائدة عظيمة: أن تخصيص القبر بالدعاء عنده وداخله، هو مِن اتخاذ القبر عيدًا. ومعنى: لا تتخذوا بيوتكم قبورًا يشمل أحد معنيين: الأول: لا تجعلوها قبورًا بترك الصلاة فيها؛ لأن القبور لا يُصلَّى فيها. والمعنى الثاني: لا تدفنوا في البيوت، وادفنوا في مقابر المسلمين؛ إلا ما كان من الأنبياء الذين يُدفنون حيث ماتوا، ودُفِن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجرة عائشة -رضي الله عنها-، ودفن أبو بكر وعمر بجواره لأجل فضيلة الدفن بجواره -عليه الصلاة والسلام-. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ) (رواه أحمد في المسند، وهو شاهد للحديث الذي قبله، وحسنه الشيخ الألباني في تحذير الساجد). وعن سهيل بن أبي سهيل: أنه رأى قبرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتزمه ومَسَح، قال: فحصبني -أي رماني بالحصباء- حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قَبْرًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي) (رواه عبد الرزاق في المصنف، وهو مرسل صحيح يشهد له ما تقدَّم). ورواه القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ أتم، وهو: عن سهيل قال: جئت أسلِّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- (قلتُ: أي: عند قبره)، فدعاني فجاءته فقال: ادنُ (تعشَّ)، قال: قلت لا أريده، قال: ما لي أراك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: إذا دخلت المسجد فسلِّم عليه، ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ)، قال الشيخ الألباني: "حديث صحيح"؛ يعني بشواهده، وإلا فهو مرسل، لكنه صحيح بشواهده. عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) وفي رواية عنه: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) (رواه مسلم والبخاري والترمذي والنسائي). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (رواه مسلم، والترمذي وصححه). وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ألا أبعثك على ما بعثني عليه خليلي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا -(أي: مرتفعًا)- إِلَّا سَوَّيْتَهُ) (رواه مسلم في باب الأمر بتسوية القبور، والترمذي في الجنائز). وبمعناه وبسياق أتم: ما رواه أبو محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فقال: "أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع فيها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟"، فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله. قال: "انطلق"، ثم رجع فقال: يا رسول الله لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ عَادَ لِصَنْعَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-"، ثم قال: "لا تكونن فتَّانًا ولا مختالًا، ولا تاجرًا إلا تجارةَ خَيْر؛ فَإِنَّ أولئك هُمْ المَسْبُوقون بالعمل" (رواه أحمد بسند ضعيف، ويشهد لجزء التسوية ما قبله، وأيضًا ما يأتي بعده). ومعنى فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو: إما بمعنى الكفر الأصغر إذا لم يَعبد القبور التي في المساجد. وإما بمعنى أنه يؤول إلى الكفر ويصير إليه؛ لأن اتخاذ القبور مساجد ذريعة تؤدي إلى الشرك -كما هو مشاهد وكما هو معلوم-. وعن جرير بن حيان عن أبيه -ويكنى أبا الهياج الأسدي-: أن عليًا -رضي الله عنه- قال لأبيه: "لأبْعَثَنَّكَ فِيمَا بَعَثَنِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ أُسَوِّيَ كُلَّ قَبْرٍ، وَأَنْ أَطْمِسَ كُلَّ صَنَمٍ" (رواه أحمد في المسند ومسلم، وهو شاهد لما قبله). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#246
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (244) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (27) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ . وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الأحاديث في النهي عن اتخاذ القبور في المساجد: عن يزيد بن حبيب أن عليًّا الهمداني أخبره أنه رأى فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أمر بقبور فسُوِّيت بأرض الروم، وقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سَوُّوا قُبُورَكُمْ بِالْأَرْضِ) (رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وفي فتح الباري وهو عند مسلم في الجنائز، وهو شاهد لما قبله في الجملة). والصحيح في هذه المسألة: أن تسوية القبور بمعنى: عدم رفعها أكثر مما خرج منها من التراب، وهذا يجعلها نحو شبر يزيد أو ينقص، وليس أن تُسَوَّى بالأرض بالكلية، بل المقصود بالمشرف المرتفع جدًّا؛ فهذا الذي يُسَوَّى بالأرض، وما يفعله الناس اليوم من بناء القبور فوق الأرض مرتفعة، بل بعضهم يدفن فوق الأرض! وليس هذا بالدفن المشروع، وإنما هم يغلقون حجرة فوق الأرض أو حجرتين دورًا أو دورين على الميت، فهذا من المحدثات التي أحدثها أهل زماننا! وفي رواية عن ثمامة بن شفي قال: "كنا مع فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بتسويتها" (رواه مسلم في الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، ورواه أبو داود في الجنائز، باب تسوية القبر، والنسائي في الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت). وعن أبي مرثد الغنوي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْها) (رواه مسلم)، وفي لفظ: (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (رواه أحمد في المسند، ومسلم في الجنائز في باب النهي عن الجلوس على القبر). قلتُ: وأشد ذلك أن يكون القبر في جهة القبلة، ويتخذه المصلي بينه وبين القبلة. وأما أشد من ذلك فهو: أن يسجد للقبر، والسجود جزء من الصلاة، ويتخذ القبر قبلة؛ ولو عكس اتجاه القبلة أو كان مخالفًا لها؛ فإن هذا من أعظم ذرائع الشرك إن لم يكن شركًا حسب نية الساجد، فمن اتخذ القبر قبلة فقد اتخذ قبلة غير قبلة المسلمين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ) (رواه البخاري). أما إذا كان يسجد تعظيمًا لصاحب القبر ولو -كما زعم- أن ذلك للتحية؛ فإن ذلك من عظائم الأمور، ومن أهل العلم من يجعله شركًا أكبر بمجرده، وتعظيم الميت حتى يسجد له تعظيمًا له -لا بنية التحية- هو شرك باتفاق المسلمين، والمساجد التي اتخذت فيها قبور أو بنيت على القبور هي أعظم مظاهر هذه البدع المضلة. وأما الجلوس على القبر: فهو كبيرة من الكبائر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جَلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (رواه مسلم). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُبنى على القبور أو يُقعد عليها أو يُصلى عليها" (رواه أبو يعلى الموصلي بسند رجاله ثقات، ورواه ابن ماجه في النهي عن البناء على القبور). والبناء على القبور يشمل وجود الأضرحة عليها وارتفاع بنائها، وأما الصلاة عليها فهو يشمل أن يقف على القبر ويصلي عليه، أو أن يجعل مسجدًا حول القبر أو عنده، فإن هذا داخل في ذلك؛ عن عمارة بن حزم -رضي الله عنه- قال: رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالسًا على قبر، فقال: "يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ انْزِلْ عَنِ الْقَبْرِ لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ وَلَا يُؤْذِيكَ" (رواه الطبراني في المعجم، والحاكم في المستدرك في الجنائز بسند فيه ابن لهيعة، وله شواهد). وعن عمرو بن حزم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ) (رواه النسائي في الجنائز في باب التشديد في الجلوس على القبور، وهو حديث حسن). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جَلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (رواه مسلم في الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه، ورواه أبو داود). وفي رواية: (لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ)، ورواه الخطيب في التاريخ عن أبي هريرة. وفي رواية: (لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَمَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ) (رواه ابن ماجه في الجنائز بسند صحيح). وقال ابن حجر في الفتح: إن الحديث فيه الرد على من جوز الصلاة على القبور؛ لأنها بداهة تشتمل على طول الجلوس والقيام كما هو معلوم. وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى أن يُقعد على القبر، وأن يُجصص، وأن يُبنى عليه" (رواه أحمد في المسند وأبو داود، وهو حسن)، ويروى: يُقصص ويُجصص أي: يُطلى بالقصة، وهي الجص والجير، أي: الحجارة الملونة. وفي رواية عن جابر: "نهى أن يُجصص، وأن يُبنى، وأن يُقعد عليه"، وهي عند مسلم. وفي رواية: "وأن يُكتب عليه وأن يُوطأ". قلتُ: قد يكون هناك اضطرار للكتابة إذا خيف من نبشها وتضييع الموتى لسوء حال أهل الزمان. وعن أبي بردة -رضي الله عنه- قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: "إِذَا انْطَلَقْتُمْ بِجِنَازَتِي، فَأَسْرِعُوا الْمَشْيَ، وَلَا يَتَّبِعُنِي مُجَمَّرٌ، وَلَا تَجْعَلُوا فِي لَحْدِي شَيْئًا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ التُّرَابِ، وَلَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي بِنَاءً، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ حَالِقَةٍ أَوْ سَالِقَةٍ أَوْ خَارِقَةٍ. قَالُوا: أَوَسَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ" (رواه أحمد في المسند، وإسناده قوي). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#247
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (245) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (28) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). الفائدة التاسعة: دلَّت الآية الكريمة على فضل الطواف بالبيت، وأن الله -عز وجل- أمر بتطهير هذا البيت للطائفين به والقائمين والركع السجود، وهي معاني الصلاة في المسجد الحرام. ولنعلم أولًا أن الله -عز وجل- لم يشرع الطواف حول شيء في الأرض كلها إلا الطواف ببيته الحرام الكعبة المشرفة، ولا يجوز لمسلم أن يطوف بشيء آخر؛ سواء بقبر، أو بمكان صالح، أو بمسجد آخر؛ كما يفعل الروافض ومن وافقهم عند مشاهد أئمتهم! وقد نَزَّه الله -عز وجل- قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يستطيع أحدٌ أن يطوف به؛ حتى بعد اتساع المسجد من حوله، بل إذا كان قصد الطائف تعظيم صاحب القبر والتقرب إليه بالطواف؛ فإن هذا من الشرك -تعوذ بالله من ذلك-. وإنما يطوف الناس بالكعبة المشرفة تقرباً إلى الله -عز وجل- الذي أمر بذلك، فمن شرع الطواف حول قبر من القبور ومشهد من المشاهد سبعًا، أو غير ذلك متقربًا إلى صاحب القبر فقد ضاهى الله -عز وجل- فيما شرع وتقرب إلى غير الله -عز وجل-، فكان مشركًا -والعياذ بالله-، ولا شك أن إقامة الحجة في ذلك، والسؤال عن القصد واجب قبل التكفير للمعين. وأما الأحاديث التي وردت في فضل الطواف بالبيت الحرام واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني، والصلاة خلف المقام، ومن أمكنه أن يدخل البيت ليصلي فيه داخل الكعبة، وكذلك من لم يتمكن فصلى في الحجر، فأحاديث كثيرة. فمنها: ما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وقد سأله عبيد بن عمير سمعه عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا). وسمعته يقول: (مَنْ طَافَ أَسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ). وسمعته يقول: (مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ). ولفظ الترمذي: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا)، (وَلَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً) ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وابن خزيمة في صحيحه، ولفظه: (إِنَّ مَسْحَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا) (رواه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وصححه الألباني لغيره). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا قال: "من أحصى أسبوعًا كان كعتق رقبة" (رواه ابن حبان في صحيحه مختصرًا). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَسْحُ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّا) (رواه أحمد، وصححه الألباني لغيره). وعن محمد بن المنكدر عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَسْبُوعًا لَا يَلْغُو فِيهِ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ يَعْتِقُهَا) (قلتُ: أسبوعًا أي: سبعة أشواط) (رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات، وصححه الألباني لغيره). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) (رواه الترمذي واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني)، وهذا الحديث يدل على وجوب الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف. وفي الحديث الصحيح أيضًا عن جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثم طاف، وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحج والعمرة محمولها على الوجوب، بل الركنية، ما لم يصرفها صارف لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما حاضت: (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي). فكل هذا يدل على وجوب الطهارة مطلقًا من الحدث الأكبر والأصغر، والحيض والنفاس للمرأة والنجاسة كذلك، والصحيح أن هذا شرط في صحة الطواف؛ خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الذي مال إلى الاستحباب، ووافقه بعض المعاصرين، لكن الصواب هو وجوب الطهارة، ولا تطوف المرأة حتى تطهر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ) (رواه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وقد تقدم كجزء من الحديث الأول). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحجر: (وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) (رواه الترمذي وقال حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وصححه الشيخ الألباني). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَأْتِي الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانِ) (رواه أحمد بإسناد حسن، حسنه الألباني لغيره). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح)، وابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ)، ورواه البيهقي مختصرًا: (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، حَتَّى سَوَّدَتْهُ خَطَايَا أَهْلِ الشِّرْكِ). وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#248
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (246) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (29) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). تكملة الفائدة التاسعة في فضل الطواف واستلام الحجر والركن اليماني وما جاء في فضلهما: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: (الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ طَمَسَ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، والحاكم من طريقه وصححه الألباني). وفي رواية للبيهقي قال: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، ولَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَا مَسَّهُمَا مِنْ ذِي عَاهَةٍ وَلَا سَقِيمٍ إِلَّا شُفِيَ) (قال الألباني: "حسن صحيح"). وفي أخرى له عنه أيضًا رفعه قال: (لَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شُفِيَ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ) (أيضًا صححه الشيخ الألباني). الفائدة العاشرة: دلَّ قوله -سبحانه وتعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) على فضل الصلاة في المسجد الحرام قيامًا وركوعًا وسجودًا، وأنه مطهر ومبني على التوحيد لأجل إقامة الصلاة فيه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة في المسجد الحرام مع فضل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسجد الأقصى بعده في الرتبة. عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه مسلم والنسائي وابن ماجه). وعن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا) (رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه، وزاد: يعني في المسجد النبوي). ورواه البزار بإسناد صحيح بلفظ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ مِائَةَ صَلَاةٍ). وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) (رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه البخاري واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه). روى البزار عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ، أَحَقُّ الْمَسَاجِدِ أَنْ تُزَارَ وَتُشَدَّ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدِي، وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حصى فضرب به الأرض ثم قال: (هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) (رواه مسلم والترمذي والنسائي). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (رواه مسلم في صحيحه). وفي رواية لمسلم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)، وهذا الحديث يدل على أن المقصود بالسفر والذي ثبت فيه الفضل بمائة ألف صلاة فيما سواه هو موضع الصلاة من المسجد الحرام، وليس الحرم كله، فإن الأرض الحرام لها فضيلة ثابتة في حرمة تنفير صيدها وحرمة القتال فيها، وحرمة نزع الشجر والشوك، وغير ذلك من أحكام الأرض الحرام؛ إلا أن الصلاة التي يسافر من أجلها إنما تكون في موضع الصلاة. وقد صرَّح النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن السفر لا يكون إلا إلى مسجد الكعبة، وليست كل مكة يسافر إليها كلها بهذا الاعتبار، ويتحقق فيها نذر مَن قصد السفر إلى المسجد الحرام بأن يصلى مثلًا في بعض مساجدها غير المسجد الحرام مسجد الكعبة، بل لا بد لمن نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام أن يسافر، وأن يصل ويصلي في مسجد الكعبة، وهو المبني حول الكعبة. والذي لا نشك فيه: أن جميع المسجد بساحاته المختلفة داخل في هذا الحديث، وإذا وجدت ساحات مسورة أو محاطة بسياج، أو نحوه؛ فهي كذلك في حكم المسجد عند جمهور العلماء: كالساحات التي حول مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما الأماكن والشوارع المحيطة بالمسجد التي يكثر أن يصلى الناس فيها دون الصلاة في المسجد؛ فلها فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وليس فضيلة الصلاة في المسجد الحرام، فإن الصلاة في المسجد الحرام التي هي بمائة ألف صلاة إنما هي في مسجد الكعبة المسجد الذي حول الكعبة. ولا يجوز تلويث المسجد الحرام ببول أو غائط أو نخامة، أو نحو ذلك من القاذورات، ومعلوم أنها خلا موضع المساجد فيها يجوز قضاء الحاجة فيها، وغير ذلك من مقاصد الحياة، والبيع والشراء الذي يحرم في المسجد، وإنما يكون ذلك داخل حدود المسجد. والله أعلم. فلا تتهاون أخي المسلم أن تصلي داخل المسجد الحرام المبني حول الكعبة، ولا تتساهل في تضييع الثواب، وإن كنا لا نُنكر أن الصلاة في الأرض الحرام لها ثواب؛ لما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غزوة الحديبية مُضْطَرِب في الحِل، فكان إذا جاء وقت الصلاة دخل إلى الحرم فصلى فيه؛ فدلَّ ذلك على فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وإن لم يكن ذلك مثل فضيلة الصلاة في المسجد الحرام الذي حول الكعبة الذي تُضَاعف فيه الصلاة بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. والله أعلى وأعلم. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#249
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (247) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (30) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). المسألة العاشرة: تنبيه: حول ما اشتهر في كتب التاريخ أن هاجر وإسماعيل -صلى الله عليه وسلم- دُفِنا في الحجر داخل الكعبة؛ لأن الكعبة حين بناها إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مع إسماعيل كانت تشمل نحو خمسة أو ستة أذرع من الحجر، وإنما قصرت بقريش النفقة فلم تبنِ الكعبة على قواعد إبراهيم كما روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: (يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ). قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ، حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ. (يعني: حين حفر في الأرض وأشهد عدولًا على أنه وصل إلى أساس إبراهيم، وأنه صخور كأسنمة الإبل بعضها آخذ ببعض). وروى البخاري ومسلم عن عائشة أيضًا -رضي الله عنها- قالت: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ -أي: الحجر أو الحطيم-: أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: (نَعَمْ). قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: (إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ). قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: (فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا). فنقول: هذا الأمر، وهو: أن قبر إسماعيل -أو غيره من الأنبياء- في الحجر أو في المسجد، لم يثبت فيه حديث صحيح، وإنما رواه عبد الرزاق عن كعب الأحبار؛ فدلَّ ذلك على أن هذا من الإسرائيليات، وروي مرفوعًا بسندٍ ضعيفٍ كما بيَّن ذلك السخاوي وبيَّنه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة، وكذا ضعفه الزرقاني والعجلوني، وقد رواه صالح بن الإمام أحمد في مسائله موقوفًا على عبد الله بن ضمرة السلولي -وهو تابعي-، ومع ذلك فإسناده إليه ضعيف، وقد زاد في هذه الرواية: عدد المدفونين ما بين المقام إلى الركن إلى زمزم إلى الحِجر، قبر تسعة وتسعين نبيًّا، جاءوا حاجين فقُبِضوا هناك، ويحيى بن سليم سيئ الحفظ، قال الذهبي: "والخبر غريب". وبالجملة فالآثار الواردة في هذا كلها ضعيفة، وموقوفة وضعيفة أيضًا. قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "أما قول بعض الناس: إن فيه أمواتًا، وإن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مدفون فيه أو ما أشبهه؛ هذا كله باطل، ليس فيه أموات، لا إسماعيل ولا غيره؛ هذا من خرافات الإسرائيليين، وبعض التواريخ التي لا تبالي، فالحجر ليس فيه أموات، والمسجد ليس فيه أموات" (انتهى من موسوعة فتاوى ابن باز -رحمه الله-). وعلى فرض صحة ذلك -وهو لم يصح والحمد لله-: فالقبور ليست ظاهرة، ولا عبرة لما خفي من القبور فإنها لا تعظَّم، ولا يخشى منها الغلو فيها إلى درجةِ العبادة، أو إلى درجةٍ من درجات الغلو المحرم، فالحمد لله لم يجعلِ الله لمن حاول فتنة الناس في مسألة بناء المساجد على القبور بهذه الشبهة حجة. الفائدة الحادية عشرة: قوله -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ): فيه دلالة على امتثال الأمر، وإن كانت لا تعقل العقول كيفية إنفاذه، واجب على المكلف؛ فهذه الدعوة في مكان في ذلك الوقت كان قفرًا، لا أحد فيه إلا قلة قليلة من قبيلة عربية صغيرة من جُرْهم، ومع ذلك فقد بلغ الآفاق وقارات الدنيا، وآتاه الناس من كلِّ مكان، كما وعد الله -عز وجل-! بلا مكبرات صوت، ولا وسائل لنقل هذا الصوت، وإنما الامتثال المجرد لأمر الله -عز وجل-، مع أن العقل استحضر أن هذا الصوت لا يصل إلى الناس، ولكن الله وعده بوعدٍ على هذا النداء أن يأتيه الناس من كلِّ فج عميق: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). ومن تأمل هذا النداء الذي أجابه مليارات البشر عبر الزمان، ومن كل مكان، مع صعوبة الانتقال في سنوات، بل وفي قرون طويلة، ومع ذلك أجاب الناس، وَفَّي الله -عز وجل- لإبراهيم وعده، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (النساء: 122). ثم فيه الأخذ بالأسباب ولو كان الأمر في غاية الضعف، فإن هذا النداء أخذ بالأسباب المقدور عليها والله -عز وجل- إذا فعل العبد ذلك، أقدره على ما لا يقدر عليه، وكما أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء: 63)، وضرب بعصاه الحجر (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) (الأعراف: 160). وهذه أمور تؤكِّد لنا أننا يجب أن نأخذ بالأسباب التي أمرنا الله -عز وجل- بها في الأمور الشرعية الدينية، وفي الأمور الدنيوية، وكل ذلك؛ لأن قاعدة الأسباب والنتائج وهي بأمر الله وقدَّره، لكن لا بد وأن نعلم أن أمر الله بها، يقتضي مراعاة أثرها -بإذن الله سبحانه وتعالى-. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
|
#250
|
||||
|
||||
|
الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (248) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (31) كتبه/ ياسر برهامي فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29). المسألة الثانية عشرة: قال القرطبي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ): فيه سبع مسائل: الثالثة: قوله -تعالى-: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال: (يَأْتِينَ) وإن كانوا يأتون الكعبة؛ لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجًّا فكأنما أتى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف لإبراهيم. قال ابن عطية: (رِجَالًا) جمع راجل مثل تاجر وتجار. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ) لأن معنى (ضَامِرٍ) معنى ضوامر. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر؛ يقال: ضمر يضمر ضمورًا؛ فوصفها الله -تعالى- بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي: أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال: (والعَاِديَاتِ ضَبْحًا) في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. قال (رِجَالًا) وبدأ بهم؛ دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا ألا أكون حججت ماشيًا، فإني سمعت الله -عز وجل- يقول: (يَأْتُوكَ رِجَالًا). وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ماشيين... قال: الخامسة: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة. رواه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. السادسة: استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرًا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلًا وإما على ضامر؛ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي. فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصًا، فمالك والشافعي، وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلامًا، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار! وهذا ضعيف. قلتُ: وأضعف من ضعيف! قال في المسألة السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت: هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا ؟ فروى أبو داود قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين (قلتُ: إسناده ضعيف، والمقصود بالموقفين: عرفه ومزدلفة، والجمرتين: الصغرى والوسطى في أيام التشريق في يومين أو ثلاثة حسب اختيار الشخص). قال: وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق وضعفوا حديث جابر؛ لأن مهاجرًا المكي راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله. (قلتُ: مع ضعف الحديث المرفوع، وما روي فيه اختلاف عن الصحابة؛ فلا يكون هناك دليل على رفع اليدين عند رؤية البيت). وقوله -تعالى-: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): دلت الآية على وجوب منافع عظيمة في الحج، وسبق ذكر أقوال السلف أنها تشمل منافع الدين والدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح، ورجَّحه غير واحد من أهل المحققين. المسألة الثالثة عشرة: سبق أن ذكرنا أن الراجح في الأيام المعدودات أنها ثلاثة أيام أو يومين بعد يوم النحر، وهي: أيام رمي الجمار، وأما الأيام المعلومات المذكورة في هذه الآية: فذكرنا أن الصحيح أنها أيام الذبح مع اعتبار القول الآخر بأنها أيام العشر، لكن الله -عز وجل- ذكر: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ فهذا ذكر الله عند ذبحها؛ ولذا كان الراجح في هذه الأيام المعلومات أنها أيام النحر، يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده على الصحيح من أقوال العلماء، وفي المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر، مثل قولهم: باسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك، كان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم؛ فبيَّن الرب أن الواجب الذبح على اسم الله. قال القرطبي في مسائله على هذه الآية: المسألة الثالثة: واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر؛ فقال مالك -رضي الله عنه-: بعد صلاة الإمام وذبحه؛ إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي: دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة، وهذه رواية المزني عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال: قال الشافعي: ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام؛ إلا أن يكون ممن لا يذبح (أي: الإمام)، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الإمام فاذبح. وهو قول إبراهيم. وأصح هذه الأقوال: قول مالك؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نحر، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرجه مسلم، والترمذي. وللحديث بقية -إن شاء الله-.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |