|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تجارة العلماء الشيخ عبدالله محمد الطوالة إنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون ﴾ [آل عمران:102].. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون ﴾ [الحشر:18].. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70].. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ في النار. معاشر المؤمنين الكرام: القلب هو محلَّ نظر الرب جلّ وعلا.. والقلبُ هو ملِكُ الجوارح، إذا صلُحَ القلبُ، صلُحت الجوارحُ كلها، وإذا فسدَ القلبُ، فسدت الجوارحُ كلها. وصلاحُ القلبِ بصدقِ النية وتمحيص الإخلاص.. والنية هي ذلك السرّ الخفي الذي لا يراه إلا من يعلم السّرَ وأخفى. وموضوعُ الإخلاصِ ومعالجةُ النيةِ، موضوعٌ خطيرٌ ودقيق، فهو أساسُ القبولِ والردِّ.. وسبيلُ الفوزِ والخسارة.. النية هي قصد الباطن وتوجه القلب. وهي الميزانُ الذي توزن به الأعمال فترجحُ أو تطيش.. النيَّةُ والإخلاصُ، إذا غُفِلَ عنها تحولت العبادات إلى عادات، وأصبحت صورةً لا روحَ فيها.. وأشكالاً لا مضمون لها.. وبالتالي فلا قيمة للعمل ولا قبول: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ [الفرقان:23]. النيَّةُ والإخلاص: رُوحُ العملِ وأساسهُ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة:5].. النية والإخلاصُ: أهمُّ وآكدُ وأعظمُ أعمالِ القلوب.. وهي أهمُّ من أعمالِ الجوارح.. لأن أعمالُ القلوبِ أصلٌ، وأعمالُ الجوارحِ تبعٌ.. والنية والإخلاصَ يدخلُان في جميعِ الطاعات والعباداتِ، وكل عملٍ يَتقربُ به العبدُ إلى ربه جلَّ وعلا، فلن يُقبلُ منهُ ما لم تكن نيتهُ في ذلك العملِ خالصةً لوجه اللهِ تعالى، سليمةً من الرياء والسمعة، خاليةً من حظوظِ النفسِ وأهوائها. ففي صحيح البخاري: يقول صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".. قال الإمام الشافعي: هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من الفقه.. وقال الإمام أحمد: هذا أصلٌ من أصول الإسلام. وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات".. أي لا اعتبارَ ولا قيمةَ للعمل إلا بوجود نيةٍ صحيحة. ومن هنا نفهم سِرًّا عجيبًا من أسرار التوفيق: فقد يقفُ رجلانِ في الصف نفسه، يصليانِ الصلاةَ نفسها، يركعانِ ويسجدانِ معًا.. إلا أن ما بينهما كما بين السماء والأرض. ولذلك كان خوفُ السلفِ من فساد النيات.. أعظمَ من خوفهم من التقصير في الأعمال.. لأنهم علموا أن العمل إذا فسدت نيته، حبِط كلُّه وإن كثر.. فالنيةُ هي التي: تحوّلُ العادةَ إلى عبادة.. وهي التي ترفعُ العملَ الصغيرَ فتجعلهُ عظيمَ القدرِ عند الله.. وهي التي تُسقطُ العملَ الكبيرَ فتجعلهُ هباءً منثورا لا قيمة له.. بل إنّ أعظمَ الأعمالِ، تتحولُ بسوء النية إلى وبال، وما حديثُ أولُ من تُسعّرُ بهم النارَ يوم القيامة عنا ببعيد.. فالمجاهدُ الذي خاطرَ بروحه في المعارك، والمجوّدُ المتقنُ لكتاب اللِه الذي يُعلمُ الناسَ ويُقرئهم، والمنفقُ الكريمُ الذي بذلَ الكثيرَ من أمواله في أوجهِ الخير، حين ساءت نياتهم، كانوا هم أولَ من تُسعّرُ بهم النارَ يوم القيامة عياذاً بالله.. والأمر في غاية الخطورةِ يا عباد الله: فالنيةُ قد تُنقِصُ العمل، وقد تُحبِطهُ بالكلية.. والإنسانُ لو صَدَقَ مع نفسه، وتأملّ حالهُ جيداً، فسيجدُ أنّ هناك خللاً كبيراً في الاهتمام بالنية. لأنّ النيةَ تحتاجُ باستمرار إلى تعاهد، وتحتاجُ إلى مراقبة، وتحتاج إلى إصلاحٍ، وتحتاج إلى تجديدٍ دائم.. وإلى تحسين مستمر. يقولُ يحيى بن أبي كثير: "تعلَّموا النيةَ فإنها أبلغُ من العمل".. ويقول أويسُ القرني: "إذا قمت فادعُ الله أن يُصلحَ لك قلبك ونيتك، فلن تُعالج شيئًا أشدَّ عليك منهما".. ويقول سفيانُ الثوري رحمه الله: "ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيتي، فإنها تتقلبُ علي".. وقال الحسن البصري: إنما يتفاضلُ الناسُ عند اللهِ بالنيات، لا بكثرة الأعمال.. ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك:2].. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» والحديث في مسلم.. فالقلب أولًا.. ثم العمل. في الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثم بَيَّنَ ذَلِكَ في كِتَابِهِ، فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِن هَمَّ بها فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ إِلى سَبعِ مِئَةِ ضَعفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ".. وفي صحيح البخاري، أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال وهو عائدٌ من غزوة تبوك: "إن بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم.. حبسهم العذر".. وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".. وفي حديثٍ صحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "من أتى فراشهُ وهو ينوي أن يقومَ يصلي من الليل فغلبتهُ عينهُ حتى يُصبح، كُتبَ له ما نوى، وكان نومهُ صدقةً عليه من ربه".. وقال صلى الله عليه وسلم: (الصدقةُ على المِسْكِينِ صدقةٌ، وعلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صدقةٌ وصِلَةٌ) صححه الألباني.. وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقهُ الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصلُ فيه رحمه، ويعملُ لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل.. وعبدٌ رزقه الله عِلماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول لو أنّ لي مالاً لعملتً بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء". هنا يا عباد الله تظهرُ عظمةُ النية، وأنها قد تسبقُ العمل، بل وتتفوقُ عليه.. تعدُّدُ النياتِ يا عباد الله: فقهٌ عظيم، وبابٌ خيرٍ كبير، والموفقُ من اجتهدَ ليجمع أكبر قدرٍ ممكنٍ من الحسنات بالنوايا الصالحة.. وهذا ما يُسمى بتجارة العلماء، لأنّ العلماءَ هم الذين يعلمون كيف ينوون في الطاعة الواحدة نياتٍ كثيرة.. فتتدَاخل العبادات، وتتضاعف الأجور والحسنات.. يقول الامام ابن المبارك: "رب عملٍ صغيرٍ تعظّمهُ النية، وربّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النية".. وقال أبو حامد الغزالي: "ما من طاعةٍ إلا وتحتملُ نياتٍ كثيرة، وإنما تحضرُ في قلب العبدِ المؤمنِ بقدر اجتهادهِ في طلب الخير".. وقال بعض السلف: (إني لأستحب أن يكون لي في كل شيءٍ نية).. ومن هنا يعظمُ الثواب، وتتضاعفُ الفضائل والأجور.. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.. أقول ما تسمعون... الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى..أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين.. وكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. معاشر المؤمنين الكرام: ما رأيكم أن نخرجَ بالنية من الكلام إلى التطبيق.. من التنظير إلى واقعِ الحياةِ التي نعيشها كل يوم.. تعالوا لنرى كيف تتحوّلُ العادات إلى عبادات.. وكيف يُصبحُ اليوم كلّهُ بإذن الله، خالصاً لله.. وما التوفيقُ إلا من عند الله... على سبيل المثال: إماطةُ الأذى عن الطريق.. فكلنا يسيرُ في الطريق، وربما وجداً حجرًا حاداً، أو غُصنَ شوكٍ بارز، أو شيئاً آخرَ قد يؤذي المارة.. فينحيهِ جانباً.. عملٌ صغير.. لكنهُ لأصحاب القلوبِ الحيةِ ذو شأنٍ كبير.. ففي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتُ رجلًا يتقلّبُ في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريقِ كانت تؤذي الناس».. أرأيتم يا عباد الله.. فالجنةُ قد تُفتحُ لك أبوابها بحجرٍ أزلته، أو غصنٍ نحيته، لا لأنّ الحجرَ عظيم، بل لأنّ النيةَ عظيمة.. والأمرُ واسعٌ وميسرٌ بفضل الله.. فمع كل عبادةٍ وإن صغرت، هناك نياتٌ عامةٌ كثيرة، يمكنُ للمسلم أن يجني من خلالها أجوراً وفضائل كثيرة.. فلو تيسرَ للعبد مع أيّ عبادةٍ أن يقول بقلبه دون لسانه: نويتُ أن أؤدي عبادتي هذه أبتغي بها وجه الله وحده.. فالله تعالى يقول: ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ﴾ [الزمر:4].. وأن امتثلَ أمرَ الله تعالى وأُطيعه: فالله تعالى يقول: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ﴾ [آل عمران:132].. وأن اتقربَ بهذا العمل لأفوزَ بمحبة الله ورضاه: ففي الحديث القدسي الصحيح: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». وأن اقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأحي سنته: فالله تعالى يقول: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب:21].. وأن اتقوى بهذا العمل على طاعة الله ومرضاته: فالله تعالى يقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين ﴾ [الفاتحة:5}.. وأن أنال به البركة من الله تعالى: فالله تعالى يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:96].. وأن يكون هذا العمل كفارةً لذنوبي وخطاياي: فالله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين ﴾ [هود:114].. وأن أغنم الأجور والفضائل المترتبة على هذا العمل: فالله تعالى يقول: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور ﴾ [فاطر:30].. وأن يكون هذا العمل شكراً لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: فالله تعالى يقول: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم:7].. وأن يكون هذا العمل حجاباً ونجاةً من النار: ففي الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فمَن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".. وأن يكونَ تعظيماً ومحبةً لما يحبهُ الله من الأعمال والأقوال، فالله تعالى يقول: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج:32].. وأن أسلم من عقاب الله وغضبهِ لمن ترك أمرهُ وخالفه: فالله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ﴾ [النور:63].. أكثر من عشر نياتٍ، يقولُ منها ما تيسر، ودون ذكر الأحاديث والآيات فإنما ذكرتها كدليل صحة.. ثم إنّ لكل عملٍ نياتٌ خاصةٌ به، فمثلاً قارئُ القرآن، يمكنه أن ينوي بقراءته، مناجاة الله بكلامه، وأن يعتصم بالقرآن، وأن يهديه الله بالقرآن، وأن ينال شفاعة القرآن، وبركة القرآن، والارتقاء في درجات الجنة بالقرآن، وأن يكون القرآن شفاء له من كل داء، وأن يؤتيه الله من حكمة وأنوار القرآن، وأن يثبته الله بالقرآن، وأن يكون من أهل القرآن، وأن يرفعه القرآن حتى يكون مع السفرة الكرام البررة.. وأن يفوز بذكر الله له في الملأ الأعلى، وأن يُلبسه الله تاج الكرامة وحُلة الكرامة.. كلُّ هذا في عملٍ واحد.. وكلُّ عملٍ له نياتهُ الخاصة.. فكم من الناس من يخرجُ للعمل يكدح ساعاتٍ طويلةِ ثم يرجعُ بلا نية.. يأكلُ ويشربُ بلا نية.. يزورُ ويُزارُ بلا نية، ينامُ ويستيقظُ بلا نية، يلبسُ ويتعطرُ بلا نية، يتنزه ويشتري حاجاته بلا نية، يمارسُ الرياضةَ بلا نية، يُساعدُ الآخرين، ويُعين المصابين بلا نية.. وغيرها من الأنشطة اليومية الكثيرة كلها تفعل بلا نية.. فأيُّ حرمان هذا. ألا تعلمُ أيها المبــارك: أنك إذا خرجت إلى عملك بنيةِ إعفافِ نفسك، وإعالةِ أهلك، ونفعِ المسلمين بتخصصك.. وإتقانِك لعملك.. فأنت في عبادةٍ وأي عبادة.. وأنك حين تأكل بنية التقوّي على طاعة الله.. وتنام بنية الاستعانة على قيام الليل وصلاة الفجر.. وتتكلم بنية الدِلالة على الخير.. أو تسكت بنية عدم الخوض فيما لا يرضي الله.. كل ذلك عبادة.. قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: «نعم» والحديث في مسلم.. فإذا كانت الشهوة يُثابُ عليها بالنية.. فكيف بسائر المباحات؟.. فلا تستهِن بأي عملٍ وإن صغر.. وجدّد نيتك باستمرار: جددها قبل كل عمل: جددها قبل أن تخرج.. وقبل أن تعمل.. وقبل أن تتكلم.. وقبل أن تأكل.. وقبل أن تعمل أي عمل.. ثم راقب قلبك جيداً فهناك ثمرةٌ كبرى تنتظرك.. نعم أيها الكرام: فمن ربَّى نفسهُ على تعدُّد النيّات فهو موعودٌ بثمرةٍ كبرى إضافةً لما يجنيهِ من الفضائل ومضاعفة الحسنات، وهذه الثمرة الكبرى: هي دوامُ الاتصال بالله تعالى.. في كلِّ لحظةٍ، وفي كلِّ حركةٍ، حتى في أبسط أمور الحياة.. وهذا المعنى هو ما أشارَ إليه الصحابي الجليل: معاذُ بن جبيل رضي الله عنه بقوله: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي".. فهو يحتسبُ الأجرَ في نومه كما يحتسبهُ في قيام الليل.. عملاً بالتوجيه الرباني الكريم: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162].. فمن يأكلُ طعامهُ وهو يقولُ بقلبه: "اللهم اجعلهُ تقوِّيَةً لطاعتك، وشكرًا لنعمتك".. فإنه لا يتذوقُ الطعامَ فقط، بل يتذوقُ حلاوة المِنَّة، ويشعرُ بأنّ قلبهُ موصولٌ بالمنعِم سبحانه.. قال سفيان الثوري: "ما رأيتُ شيئًا يربطُ القلبَ بالله مثل النيَّةِ الصالحة؛ لأنها تُذكِّرك به قبل الفعلِ، وأثناءه، وبعده". فالنيةُ الصالحةُ جسرٌ دائمُ بين العبدِ وربه.. ومن أجتهد في الاهتمام بنيته وتحسينها فسيجدُ فيها حضورَ القلبِ الدائمِ مع الله، ومن ثمّ يتحولُ اليومَ كلهُ إلى سلسلةٍ من العبادات المتصلة. وما أجملَ وأكملَ أن يكونَ المسلمُ في كلِّ لحظةٍ من لحظاته عبدًا لله، قاصدًا وجهه الكريم، متذكرًا لإحسانه العظيم، طالباً لتوفيقه ورضاه.. فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162].. مع التأكيدِ على أن هذا الأمرَ ينمو بالتدرج والصبر، فلا ييأسِ المجتهدُ إذا لم يجده من أول الطريق، بل يواصل فالله تعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين ﴾ [العنكبوت:69]. نسأل الله أن يرزقنا صدق النيات، وإخلاص الأعمال، ودوام الاتصال به سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.. يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تجارة العلماء الشيخ عبدالله محمد الطوالة الجزء الثاني الحمدُ للهِ العزيزِ الغفارِ، الجليلِ الجبارِ، ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص:68]، ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد:8].. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ، ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾ [ص:66].. وأشهدُ أن محمداً عبدُ اللهِ ورسولهُ، المصطفى المختارِ. صلَّى عليكَ اللهُ يا خيرَ الورَى ![]() وزكاةُ ربي والسلامُ مُعطرا ![]() ![]() ![]() يا ربِّ صلِّ على النبيِّ المصطفى.. أزكى الأنامِ وخيرُ من وَطِئَ الثَرى يا ربِّ صلِّ على النبيِّ وآلهِ.. تِعدادَ حباتِ الرِمالِ وأَكثَرا.. والآل والصحبِ الكرامِ أولي النهى.. وسلَّمَ تسليماً كثيراً أنورا.. أما بعدُ: فـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر:18]. معاشر المؤمنين الكرام: في الجمعة الماضية تحدثنا عن الإخلاص والنية.. ذلك الأمر العظيم الذي يُقبل العمل بسببه أو يُرد، وبه يعظُمُ العملُ الصغير إن صلحت، أو يصغرُ العملُ العظيم إن فسدت. وتعلمنا أن النية هي روح العمل، وأن الله جلّ وعلا لا ينظر إلى كثرة العمل، ولكن ينظر إلى صدقه وإخلاصه.. ورأينا كيف أن النية قد تسبق العمل، بل وقد تبلغه وتتفوق عليه، كما جاء في الحديث الصحيح، "مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِن هَمَّ بها فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ إِلى سَبعِ مِئَةِ ضَعفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ".. فهذا التفاوت في المضاعفة بحسب الإخلاص والنية. وبالتالي فتعدّد النيات فقهٌ عظيم، وبابٌ واسعٌ من أبواب الفضل، حتى سمّاه البعض: تجارة العلماء؛ لأنهم يربحون في العمل الواحد أجورًا كثيرة، وذلك بأن ينووا في العمل الواحد نيّاتٍ متعددة. وأكدنا أن ذلك يحتاجُ إلى تعاهد للنية مستمر، وإلى مراقبة دائمة، وإلى حرص واهتمام. وبحمد الله فقد جاءني بعد الخطبة أكثر من شخص يسألني فيقول: جميلٌ ما ذكرته عن تعدد النيات.. ولكن كيف نطبّقه؟.. هل من نموذجٍ أو مثالٍ يمكن أن نقيس عليه؟ هلَّا ذكرت لنا بعض النيات التي يمكن أن ننويها في الأعمال اليومية المتكررة.. أسئلةٌ وجيهٌ تدلُ على حرصٍ واهتمام.. واليوم بإذن الله سنحاول أن نمر على أعمالٍ، تغطي اليوم كله، وسنرى كيف يمكن أن نجمع النيات الكثيرة في العمل الواحد.. ودون زيادة في العمل نفسه. وحتى لا نثقل عليكم بالنماذج والنيات.. فسنختار سبعة أعمال يومية يقوم بها كلٌ منا بشكل طبيعي متكرر، ونضع لكل عملٍ منها خمس نياتٍ فقط، نذكرها بدليها، والمجالُ مفتوحٌ لمن أراد أن يستزيد.. وكلُّ ذلك إضافةً للنيات العامة التي يمكن عقدها مع كل الاعمال والعبادات بدون استثناء.. فمثلا لو كان لديك عشر نياتٍ عامةٍ وخمس نياتٍ خاصة كحد أدني ولديك سبعة أعمالٍ تتكرر على مدار اليوم والليلة عدة مرات، فسيكون لديك في اليوم أكثر من مائتين نية مختلفة، كل نيةٍ منها لها من الأجور والفضائل ما لا حد له، فكيف إذا زادت الأعمال وزادت النوايا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ولنبدأ بالنيات العامة التي ذكرناها الأسبوع الماضي.. وهي النيّات المشتركة بين كل العبادات.. وسنذكر منها عشر نيات فقط: وبدون أدلة لأنه سبق ذكرها: النية الأولى: التوحيد والإخلاص.. والنية الثانية: أن يفوز بمحبة الله تعالى.. والنية الثالثة: أن ينال الهداية من الله تعالى.. والنية الرابعة: امتثال أمر الله تعالى والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم.. والنية الخامسة: أن تكفّرَ عنه ذنوبه وخطاياه.. والنية السادسة: أن يحظى بالأجور والفضائل المترتبة على هذا العمل.. والنية السابعة: أن يفوز بدخول الجنة.. والنية الثامنة: أن يفوز برحمة الله تعالى..والنية التاسعة: أن ينال البركة من الله تعالى.. والنية العاشرة: أن ينجو من النار.. وأما أول عملٍ نبدأ به فهو الوضوء: والنية الأولى: استكمال الإيمان: ففي صحيح مسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ».. والنية الثانية: الفوز بمحبة الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة:222].. النية الثالثة: تطهير الباطن والظاهر: في الحديث الحسن: «طَهِّرُوا هَذِهِ الْأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ اللَّهُ».. النية الرابعة: رفع الدرجات وحطُّ الخطايا، في صحيح مسلم: «أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟... وذكر منها: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ". النية الخامسة: التحلي بالغُّرة والتَّحجيل يوم القيامة: ففي صحيح البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة غرّاً محجَّلين من آثار الوضوء». العمل الثاني: الخروج من المنزل.. سواءً للصلاة أو العمل، أو لأيّ غرضٍ مباح: النية الأولى: التحصين والوقاية، ففي الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا خرجَ الرَّجلُ من بَيتِهِ فقالَ: (بِسمِ اللهِ، تَوكَّلْتُ علَى اللهِ، لا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ)؛ يُقالُ لهُ: حَسبُكَ، هُدِيتَ وكُفِيتَ ووُقِيتَ، وتَنحَّى عنهُ الشَّيطانُ».. النية الثانية: الاعتصام بالله من الشرور عموما: ففي الحديث الصحيح، تقول أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ما خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بيْتِي قَطُّ إلَّا رفع طرْفَهُ إلى السماءِ وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ». النية الثالثة: الفوز بضيافة الجنة: ففي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».. النية الرابعة: استيداعُ البيت ومن فيه في حفظ الله: ففي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ إذا استُودِعَ شيئًا حفِظَه».. النية الخامسة: أن يبتغي من فضل الله ورزقه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور ﴾ [الملك:15]. وهكذا فالخروج من البيت قد يكون خروجاً للغفلة والمتعة فقط، وقد يكون خروجاً في سبيل الله وحفظه، والفارق بينهما نيةُ القلب.. أما العمل الثالث: فهو دخول المسجد والبقاء فيه. النية الأولى: أن يعمر بيوت اللهِ بالحضور والذكر: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾.. ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾.. النية الثانية: أن يتعلق قلبهُ بالمسجد ليكون من السبعة الذين يفوزون بظل الله يوم القيامة. الثالثة: أن ينوي الاعتكاف في المسجد طوالَ بقائهِ فيه: قال الشيخ ابن باز: "الاعتكافُ ليس له حدٌّ ولو ساعة من الزمان، ولا يشترط له الصوم".. النية الرابعة: أن يكون ممن قال عنهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا يقعدُ قومٌ يذكرون اللهَ إلا حفَّتْهُم الملائكةُ، وغشِيَتهمُ الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السكينةُ، وذكرهم اللهُ فيمن عندَه» (رواه مسلم).. النية الخامسة: أن يتعلم الخير ويعلمه: ففي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "من غدا إلى مسجدٍ لا يريدُ إلا أن يتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، كان له كأجرِ حاجٍّ، تامًّا حجَّتُه".. العمل الرابع: الصلاة.. النية الأولى: ذكر الله ومناجاته: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ طه:14[].. وفي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه». النية الثانية: القرب من الله: ﴿ اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق:19]، وفي صحيح مسلم: "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجد". النية الثالثة: طلب الهداية والاستقامة، ففي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "الصلاة نور". النية الرابعة: التزكي والفلاح: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ [الأعلى:14].. النية الخامسة: التحصن من الوقوع في المعاصي: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ [العنكبوت:45]. العمل الخامس: العمل والتكسب: النية الأولى: أن يكون عمله جهاداً في سبيل الله وذخرًا للآخرة: في الحديث الصحيح: «إن كان خرج يسعى على ولدِه صِغارًا فهو في سبيلِ الله، وإن كان خرج يسعى على أبوَين شيخَينِ كبيرَينِ فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعى على نفسِه يعُفُّها فهو في سبيلِ اللهِ».. النية الثانية: الفوز بمحبة الله تعالى: في الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».. النية الثالثة: مرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء: في الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». النية الرابعة: أن ينال الخيرية: ففي صحيح البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». النية الخامسة: أن ينفق مما رزقه الله: سواءً مالاً أو علماً أو جاهاً وشفاعة: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [المنافقون:10].. وفي الحديث الصحيح: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». وهكذا فالعمل ليس كدحا وتعبًا فقط، ولا سعيًا للدنيا فحسب، بل عبادة وجهاد، وصدقة متقبلة إن صلحت النيّة.. ونكمل بإذن الله في الخطبة الثانية.. قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم.. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفىأما بعد: فاتقوا عباد الله وكونوا مع الصادقين.. معاشر المؤمنين الكرام: العمل السادس: الأكل والشرب: النية الأولى: أن أفوز برضا الله تعالى، ففي صحيح مسلم: قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى ليرضى عن العبد يأكلُ الأكلة فيحمدهُ عليها ويشربُ الشربةَ فيحمدهُ عليها".. وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "الطاعِمُ الشاكرُ لَهُ أجرُ الصائِمِ الصابِرِ".. النية الثانية: للتقوّي على طاعة الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم ﴾ [المؤمنون:51].. النية الثالثة: التأمل والتفكر في نعمة الله: ﴿ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه ﴾ [عبس:24].. النية الرابعة: التوسط وعدم الإسراف أو التبذير: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف:31].. النية الخامسة: إدخال السرور على من حضر الطعام: في الحديث الحسن قال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ». والأعمال التي تحتمل نياتٍ كثيرة، كثيرةٌ جداً.. ففي باب العبادات هناك الصيام والسحور والاعتكاف، ومناسك الحج والعمرة، وقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء، وطلب العلم، وفي باب العلاقات والصلات هناك بر الوالدين وصلة الرحم، ومعاملة الجيران، والصداقة والأخوة في الله، والهدية، وإفشاء السلام، والزيارة وعيادة المريض، والتعزية، والشفاعة الحسنة، وإكرام الضيف، وكفالة اليتيم وغيرها.. وفي باب المعاملات هناك التسوق والشراء، والزراعة والكتابة والإنتاج وغيرها، وفي باب العادات اليومية هناك النوم والاستيقاظ، ودخول الخلاء والخروج منه، والنظر في المرآة وغيرها.. وقد يقول قائل وماذا في النظر في المرآة من نيات، فأقول: إليك هذه النيات. النية الأولى: الاعتبارُ بخلق الله وإتقانه. ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل:88].. والنية الثانية: شكر الله على نعمة الخِلقة الحسنة. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم ﴾ [التين:3].. والنية الثالثة: إصلاحُ الباطن ليوافق الظاهر: ففي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر في المرآة قال: «اللهُمَّ كمَا حسَّنْتَ خلْقِي فحَسِّنْ خُلُقِي» صححه الألباني. والنية الرابعة: محاسبة النفس على تقصيرها. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر:18].. والنية الخامسة: التواضع وعدم الإعجاب بالنفس، في الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات.. وذكر منها: وإعجاب المرء بنفسه». وهكذا فكلُّ عملٍ من الأعمال، عبادةً كان أو عادة، فإنه يمكن أن يتحول بالنية الصالحة إلى قربة وطاعة، أو يتحول بالنية الفاسدة إلى وبالٍ وهلاك، أو يتحول بالغفلة إلى هدرٍ وضياع. ثم إن هذا البرنامج الذي عرضناه اليوم كنموذج يقاس عليه، لا يتطلب منك أن تغيّر حياتك.. ولا أن تزيد في أعمالك، وإنما يطلب منك شيئًا واحدًا فقط: وهو أن تُوقظ قلبك. أن تعقد النيّة، وتستحضر القصد.. معاشر المؤمنين: إن من أعظم ثمرات فقه النيات: أن تتضاعف الفضائل والحسنات، بلا زيادة في الجهد والنفقات، وأن تتحول العادات إلى عبادات.. فالأكل، والنوم، والعمل، واللباس، وحتى النظر في المرآة، كلها تصبحُ قُرباتٍ تُكتبُ في ميزان الحسنات، بدل أن تكون أعمالاً مهدرةً تذهب بلا فائدة أخروية. وأمّا أجملُ ما في هذا الأمر: فهو أن يحي القلب مع الله طوال اليوم.. ويطبق التوجيه الرباني الكريم: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162]. معاشر المؤمنين الكرام: إنها والله لخسارةٌ كبيرة أن تمرّ عليك الساعات، ومن ورائها الأيام، ثم الأسابيع والشهور والسنوات.. وفيها عشرات ومئات والآلاف الأعمال.. التي لم يُكتب لك منها شيء، وإن كتبَ فشيءٌ لا يذكر.. والله إنه لغبنٌ واضح، وخسارة فادحة.. فكيف لو عشت اليوم كله مع الله.. بنيتك وقلبك.. فيتحوّل الوضوء إلى نور، والطريق إلى درجات، والمسجد إلى سكينة، والصلاة إلى قرة عين، والعمل إلى جهاد، والطعامُ إلى رضا، واللباس إلى حمد، والمرآة إلى موعظة. وكم هو جميلٌ أن يكونَ المسلمُ في كلِّ لحظةٍ من لحظاته عبدًا لله، متعلقاً قلبهُ بالله، شاكراً لأنعمه وما إليه هداه، طالباً لتوفيقه ورضاه.. فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162].. فجددوا يا عباد الله نياتكم، وراقبوا قلوبكم، ولا تفرطوا في هذا الباب العظيم.. فهو باب تجارة مع الله رابحة. فإن ضعفت الهمة عن النيات كلها، فلا أقل من نية جامعة: اللهم أمنحني كل ما يترتب على هذا العمل من فضائل وأجور. نسأل الله أن يرزقنا صدق النيات، وإخلاص الأعمال، وحسن القبول.. يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.. اللهم صل على محمد...
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |