|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#451
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 82الى صـــ 91 (451) وكذلك لو كان المضارب باعها بألفين وقبض الثمن إلا درهما ثم اشتراها المضارب لنفسه ، أو اشتراها رب المال لنفسه بأقل من الثمن الأول لم يجز ; لأن المنع من الشراء بأقل من الثمن الأول حكم ثبت لعدم قبض الثمن فيبقى ما بقي شيء من الثمن غير مقبوض كحق الحبس للبائع في المبيع ، وكذلك لو اشتراها أحدهما بدنانير ، قيمتها أقل من الثمن الأول ; لأن الدراهم والدنانير في هذا الحكم كجنس واحد استحسانا ، وقد بيناه في البيوع . وكذلك لو اشتراها ابن أحدهما ، أو أبوه ، أو عبده ، أو مكاتبه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما شراء هؤلاء جائز إلا المكاتب والعبد ، وقد بينا هذا في البيوع . ولو وكل المضارب ابنه بشرائها أو ابن رب المال لم يجز الشراء في قول أبي حنيفة للوكيل ، وللموكل ; لأن هذا الوكيل لا يملك شراءها لنفسه بهذا الثمن فلا يملك شراءها لغيره أيضا كالمسلم في الخمر ، بخلاف ما إذا وكل أجنبيا ، فإن الأجنبي يملك شراءها لنفسه بأقل من الثمن الأول فيصح منه شراؤها للمضارب أيضا بناء على أصل أبي حنيفة في المسلم يوكل ذميا بشراء الخمر والخنزير ، وقد بينا في البيوع الفرق بين شراء الوكيل للبائع ، وبين شراء ابن الآمر لنفسه على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - ، ولو وكل المضارب رب المال أن يشتريها له ، أو وكل رب المال المضارب بذلك لم يجز ; لأن كل واحد منهما لا يملك شراءها لنفسه . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها من الهروي خاصة ، والربح بينهما نصفان ، وما يشتري بها من الناشئ فالربح كله لرب المال ، وما يشت ري بها من الزطي فالربح كله للمضارب فهو على ما سمى ; لأنه فوض إلى رأيه ثلاثة أنواع من العمل إما العمل على طريق المضاربة ، أو على سبيل البضاعة ، أو على سبيل القرض لنفسه ، وكل ذلك معلوم عند مباشرته العمل ، والجهالة عند العقد لا تفضي إلى تمكن المنازعة بينهما فيصح ، فإن كان اشترى الهروي فهو على المضاربة كما اشترطا . وإن كان اشترى بها النسائي فهو بضاعة في يده والربح لرب المال ، والوضيعة عليه ، فإن كان اشترى بها الزطية فالمال [ ص: 83 ] قرض عليه ، والربح له ، والوضيعة عليه وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة جاريتين تساوي كل واحدة منهما ألف درهم ، ثم باع إحداهما بألف والأخرى بألفين وقبضهما المشتري ثم لقيه المضارب وقال : زدني في ثمنها فزاده مائة درهم ، وقبضها المضارب ثم وجد المشتري بأحدهما عيبا ردها بثمنها ونصف المائة ; لأن الزيادة أضيفت إليهما ، والتزمها المشتري بمقابلها فيتوزع على قيمتهما كأصل الثمن إذا سمي بمقابلهما جملة وقيمتهما سواء فانقسمت الزيادة عليهما نصفين . ولو كان المشتري طعن فيهما بعيب فصالحه المضارب على أن حط من الثمن مائة درهم ، ثم وجد المشتري بعد ذلك بالذي اشتراها بألف درهم عيبا ردها بألف غير ثلاثة وثلاثين وثلث ; لأنه حط المائة من الثمنين فيقسم على قدر الثمنين ثلثاه من ثمن التي باعها بألفين ، وثلثه من ثمن التي باعها بألف ، وثلث المائة ثلاثة وثلاثون وثلث فلهذا ينتقص من ثمنها وهو ألف هذا المقدار . وهذا لما قدمنا في الباب الأول أن الحط من الثمن ، والزيادة ليست من الثمن إنما هي مال التزمه المشتري بمقابلة الجاريتين فهو كالمال الذي اشترى به الجاريتين ولو كان المضارب اشترى الجاريتين من المشتري بربح مائة درهم على ما باعهما به ، ثم وجد بإحداهما عيبا ردها بثمنها ، وحصتها من الربح إذا قسمت على الثمنين لما بينا أن الثمن في بيع المرابحة مبني على الثمن الأول أصله وربحه . ولو كان المشتري اشترى إحدى الجاريتين بألف والأخرى بألفين ، ثم أراد أن يبيعهما مرابحة على ثلاثة آلاف درهم فله ذلك ; لأن حاصل ما غرم في ثمنهما ثلاثة آلاف درهم ، وإن باع كل واحدة منهما على حدة مرابحة على ثمنها جاز عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وقد بينا هذا في البيوع . فإن زاد في ثمنهما مائة درهم وأراد أن يبيعهما مرابحة باعهما جميعا على ثلاثة آلاف درهم ، ومائة درهم ; لأنه تيقن بمقدار ما غرم في ثمنهما ، فيبيعهما على ذلك مرابحة ، وإن أراد أن يبيع إحداهما مرابحة على حدة لم يكن له ذلك ; لأن المائة الزائدة إنما تقسم على قيمتها ، وطريقة معرفة القيمة الحزر والظن وذلك يمنعه من بيع المرابحة ، كما لو كان اشتراهما بثمن واحد ، له أن يبيعهما جميعا مرابحة على الثمن وليس له بيع إحداهما مرابحة على حصتها من الثمن والله أعلم ( قال رضي الله عنه ) : وإذا وقعت المضاربة على أن يعمل رب المال مع المضارب فالمضاربة فاسدة ; لأن من شرط صحتها التخلية بين المضارب وبين رب المال ، وهذا الشرط بعدم التخلية [ ص: 84 ] وإنما قلنا ذلك ; لأن من حكم المضاربة أن يكون رأس المال أمانة في يد المضارب ، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يخلي رب المال بينه وبين المال كالوديعة ، وإذا اشترط عمل نفسه معه تنعدم هذه التخلية ; لأن المال في أيديهما يعملان فيه يوضحه أن المضاربة فارقت الشركة في الاسم ، فينبغي أن تفارقها في الحكم ، وشرط العمل عليهما من حكم الشركة فلو جوزنا ذلك في المضاربة لاستوت المضاربة والشركة في العمل وشرط الربح ، فلا يبقى لاختصاص المضاربة بهذا الاسم فائدة وإذا أخرج الرجل من ماله ألف درهم ، وقال لرجل : اعمل بهذه مضاربة فاشتر بها وبع على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، ولم يدفع إليه المال مضاربة فالمضاربة فاسدة ; لأن المال غير مدفوع إلى المضارب ، وقد بينا أن من شرط المضاربة دفع المال إلى المضارب ليكون أمانة في يده ، فبقي هذا استئجارا على البيع والشراء بأجرة مجهولة ، فإذا تصرف كان الربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله فيما عمل . ولو دفع المال إليه على أن يعمل به المضارب وعبد رب المال على أن لرب المال نصف الربح ، وللمضارب والعبد نصف الربح فهذه مضاربة جائزة ، والربح على ما اشترطا سواء كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن عبد رب المال في حكم المضاربة كعبد أجنبي آخر . ( ألا ترى ) أن لرب المال أن يدفع ماله إليه مضاربة فما هو شرط للمضاربة يوجد مع اشتراط عمل رب المال ، وهو التخلية بين المضارب والمال ، بخلاف شرط عمل رب المال فإنه لا يدفع المال إلى نفسه مضاربة وهذا ; لأن للعبد يدا معتبرة في كسبه ، وليست يده بيد رب المال فيتحقق خروج المال من يد رب المال مع اشتراط عمل عبده ، وإذا ثبت هذا في عبده فهو في مكاتبه ، وابنه ، وأبيه أظهر . ولو اشترط أن يعمل معه شريك مفاوض لرب المال فالمضاربة فاسدة ; لأن المفاوضين فيما بينهما من المال كشخص واحد ، فكل واحد منهما إنما يستحق الربح الحاصل بعمل المضارب بملكه رأس المال ، فاشتراط عمل شريكه كاشتراط عمل نفسه ; لأن بهذا الشرط تبقى المرابحة لمالك المال مع المضارب في اليد فتنعدم به التخلية . وإن كان شركة عنان فإن كان المال من شركتهما فالمضاربة فاسدة ; لأن كل واحد منهما يستحق الربح بملكه في بعض رأس المال ، وإن لم يكن من شركتهما فهي مضاربة جائزة ; لأن ما ليس من شركتهما ينزل كل واحد منهما من صاحبه منزلة الأجنبي . ( ألا ترى ) أن لأحدهما أن يدفع إلى صاحبه مالا من غير شركتهما مضاربة . وإذا دفع الرجل مال ابنه الصغير مضاربة إلى رجل على أن يعمل معه الأب بالمال [ ص: 85 ] على أن للمضارب ثلث الربح ، وللابن ثلثه وللأب ثلثه جاز على ما اشترطا . وكذلك الوصي ; لأن الأب أو الوصي لو أخذ مال الصبي مضاربة ليعمل فيه بنصف الربح جاز كما لو دفعه إلى أجنبي مضاربة ، وكل مال يجوز أن يكون الإنسان فيه مضاربا وحده يجوز أن يكون مضاربا فيه مع غيره وهذا ; لأنهما يستحقان الربح بالعمل لا بملك المال فكانا في ذلك كأجنبي آخر وما هو شرط المضاربة ؟ وهو كون المال أمانة في يد المضارب لا ينعدم بهذا ; لأن يدهما بعد هذا الشرط يد المضارب على المال كيد المضارب الآخر . ولو كان الأب اشترط الابن مع مضارب كانت المضاربة فاسدة ; لأن الابن لا يجوز أن يكون مضاربا بالعمل في مال نفسه ; ولأنه يستحق الربح بملك المال سواء كان الدافع هو أو أباه أو وصيه ولو كان الدافع هو بعد بلوغه أو أباه أو وصيه وشرط عمل نفسه مع المضارب بطلت المضاربة ، فكذلك أبوه أو وصيه ثم أجر مثل المضارب في عمله على الأب ، أو الوصي يؤديان ذلك من مال الابن ; لأنه أجير في العمل ، فإنما يطالب بالأجر من استأجره ، والأب استأجره للعمل للابن فيؤدى أجره من مال الابن . وإذا دفع لرجل مالا مضاربة بالنصف فرده المضارب على رب المال ، وأمره أن يشتري به ويبيع على المضاربة ففعل رب المال ذلك فربح ، ولم يل المضارب شيئا من العمل فهذه مضاربة جائزة ; لأن رب المال معين للمضارب في إقامة العمل ، والمال في يده على سبيل البضاعة في حق المضارب . ولو أبضعه غيره كان الربح بينهما على الشرط ، فكذلك إذا أبضعه رب المال ، وعلى قول زفر - رحمه الله - رده المال على رب المال نقض منه للمضاربة ; لأن رأس المال في المضاربة من جانب العامل - عمله ، ورب المال لا يجوز أن يكون عاملا في مال نفسه لغيره فكان ذلك بمنزلة نقض المضاربة ، ولكنا نقول : منافع رب المال لم يتناولها عقد المضاربة كمنافع أجنبي آخر ، فكما يجوز إقامة عمل أجنبي آخر مقام عمل المضارب ما استعان به بعد فكذلك تجوز إقامة عمل رب المال من منزل المضارب بغير أمره فاشترى به وباع وربح فقد انتقضت المضاربة والربح ، كله لرب المال ; لأن عمله هنا لا يمكن أن يجعل كعمل المضارب فإنه ما استعان به . ( ألا ترى ) أنه لو فعل ذلك أجنبي آخر كان غاصبا عاملا لنفسه ضامنا لرب المال ، فإذا فعل رب المال ذلك كان عاملا لنفسه أيضا فانتقضت المضاربة لفوات العمل حقيقة وحكما بخلاف الأول على ما بينا . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها المضارب جارية وقبضها وأخذها رب المال وباعها بغير أمر المضارب فربح فيها جاز بيعه والربح ، على ما اشترطا [ ص: 86 ] ولا يكون بيعه الجارية نقضا للمضاربة أما جواز البيع ; فلأنه مالك للجارية قادر على تسليمها ، ثم قد بينا أنه بعد ما صار المال عروضا لا يملك رب المال نقض المضاربة ومنع المضارب من التصرف ، فلا يكون بيعه نقضا للمضاربة أيضا ، بل يكون نظرا منه للمضارب ولنفسه ، فربما يخاف أن يفوته هذا المشتري لو انتظر حضور المضارب فأعانه في بيعها بخلاف الأول فإن المال ما دام نقدا في يده فهو متمكن من نقض المضاربة ، فيجعل إقدامه على الشراء نقضا للمضاربة . يوضح الفرق أن استحقاق المضارب الربح باعتبار ضمانه الثمن بالشراء في ذمته ، فإن ربح ما لم يضمن منهي عنه ، ولهذا لم تجز المضاربة بالعروض ، فإذا كان المضارب هو المشتري فقد تأكد به سبب استحقاقه لحصة من الربح إذا ظهر ، فلا يبطل ذلك بيع رب المال الجارية ، فأما قبل الشراء فلم يتأكد سبب ثبوت الحق للمضارب في الربح إذا ظهر ، فلا يثبت ذلك بشراء رب المال ، قال : باع رب المال الجارية بألفي درهم ، ثم اشترى بألفين جارية أخرى فباعها بأربعة آلاف درهم ضمن رب المال للمضارب خمسمائة درهم ، حصته من الربح على الجارية الأولى ، ولا حق له في ثمن الجارية الأخيرة ; لأن ببيع الجارية الأولى صار المال نقدا في يد رب المال ، فهو بمنزلة ما لو كان نقدا قبل شراء المضارب الجارية بالمال . وقد بينا هناك أن عمل رب المال في المال يكون لنفسه ، ويكون نقضا للمضاربة إذا عمل بغير أمر المضارب ، فهنا أيضا شراء الجارية الأخيرة بغير أمره لنفسه ، وقد نقد ثمنها حصة المضارب من الربح وهو خمسمائة فيضمن له ذلك القدر ، وثمن الجارية الأخيرة كلها له ; لأنه عمل لنفسه في ماله في شرائها وبيعها . ولو كان المضارب دفع الجارية إلى رب المال وأمره أن يبيعها ويشتري بثمنها ، ويبيع على المضاربة جاز ما صنع على المضاربة ، وما ضاع في يد رب المال من ذلك ضاع من الربح ; لأنه فيه بمنزلة أجنبي آخر استعان به المضارب في العمل ، فكما أن الأجنبي إذا استعان به المضارب يكون أمينا في المال ، وما يهلك في يده يجعل كالمالك في يد المضارب ، فكذلك رب المال ، ولو كان رب المال أخذ الجارية بغير أمر المضارب فباعها بغلام أو عرض أو شيء من المكيل والموزون يساوي ألف درهم ، وقبضها وباعها بأربعة آلاف درهم فذلك كله على المضارب ; لأن رب المال لا يتمكن من نقض المضاربة ما دام المال عروضا . ( ألا ترى ) أنه لو نهى المضارب عن التصرف لا يعمل نهيه وإن حوله المضارب من عرض إلى عرض لم يصر المال نقدا ، فكذلك لا تنتقض المضاربة بتحويل رب المال من عرض إلى عرض بغير أمر المضارب ولكنه ، فيما يباشر من التصرف بمنزلة الأجنبي يعقد [ ص: 87 ] للمضارب ، فجميع ما يحصل يكون على المضاربة ، ولو كان رب المال باع الجارية الأولى بمائتي دينار ثم اشترى بها جارية أخرى كان هذا بمنزلة بيعه لها بالدراهم ، والجارية الأخرى له دون المضارب ; لأن الدراهم والدنانير في حكم المضاربة كجنس واحد . ( ألا ترى ) أنه بعد ما نهى المضارب عن التصرف لو صار المال في يده دنانير عمل نهي رب المال حتى لا يملك أن يشتري بها عرضا بمنزلة ما لو صار المال في يده دراهم ، فكذلك هنا لما صار المال في يد رب المال دنانير انتقضت المضاربة ، بمنزلة ما لو صار دراهم ، فكان هو في شراء الجارية الأخيرة عاملا لنفسه ، والذي قلنا أن تأكيد السبب في حق المضارب بضمان الثمن بالشراء وذلك ينعدم في شراء رب المال بالدنانير ، كما ينعدم في شرائه بالدراهم بخلاف العروض ، وفي بيع المقابضة واحد من المتعاقدين لا يلتزم إلا تسليم التي من جهته سواء كان المضارب هو المباشر لهذا العقد ، أو رب المال فالتزام تسليم العين يكون بصفة واحدة ، فلهذا كان العرض المشترى بمقابلة العرض على المضارب . ولو لم يشتر بالدنانير جارية ولكنه اشترى بها ثلاثة آلاف درهم كانت على المضاربة يستوفي رب المال منها رأس ماله والباقي بينهما على الشرط ; لأنه في هذا التصرف خاصة معين للمضارب . ( ألا ترى ) أنه بعد ما نهاه عن التصرف ، أو مات رب المال وبطلت المضاربة بموته يملك المضارب هذا التصرف ليحصل به جنس رأس المال ، فكذلك رب المال يكون معينا للمضارب في هذا التصرف ، والحاصل أن كل تصرف صار مستحقا للمضارب على وجه لا يملك رب المال منعه منه ، فرب المال في ذلك يكون معينا له سواء باشره بأمره أو بغير أمره ، وكل تصرف يتمكن رب المال أن يمنع المضارب منه فهو في ذلك التصرف بغير أمر المضارب عامل لنفسه إلا أن يكون بأمر المضارب فحينئذ يكون معينا له . وإذا دفع العبد المأذون إلى رجل مالا مضاربة فهو جائز ; لأن هذا من صنيع التجار وهو منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار فإن اشترط أن يعمل مولاه معه على أن للعبد نصف الربح ، وللمضارب ربعه ، وللمولى ربعه ولا دين على العبد ، فالمضاربة فاسدة ; لأن المولى يستحق الربح هنا بملك المال فلا يجوز اشتراط عمله فيه . وإن كان الدافع عبده ; ولأنه لا يجوز أن يكون هو مضاربا لعبده في عمله في المال هنا لو دفعه إليه وحده ، فلهذا كان اشتراط عمله مفسدا للعقد . وإن كان عليه دين جاز على ما اشترطوا ; لأن عند أبي حنيفة - رحمه الله - المولى لا يملك كسب عبده المديون فهو إنما يستحق الربح بعمله هنا لا بملك المال كأجنبي آخر . وعندهما وإن كان هو يملك كسب عبده إلا أن حق [ ص: 88 ] الغرماء في كسبه مقدم على حق المولى ، ويجوز أن يكون المولى مضاربا وحده في هذا المال لاعتبار حق الغرماء ، فكذلك يجوز اشتراط عمله مع المضارب ، ويكونان كالمضاربين في هذا المال ، ولو كان العبد اشترط عمل نفسه مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة ; لأن العبد متصرف لنفسه بحكم انفكاك الحجر عنه فهو كالمالك في هذا المال ، ويده فيه يد نفسه ، فاشتراط عمله بعد التخلية بين المضارب والمال فلهذا فسدت المضاربة وللمضارب أجر مثل عمله على العبد ; لأنه هو الذي استأجره للعمل . ولو كان الدافع مكاتبا واشترط أن يعمل مولاه مع المضارب جاز ; لأن المولى من كسب مكاتبه أبعد منه من كسب العبد المديون ، وهو يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فكذلك مع غيره فإن عجز قبل العمل ولا دين عليه فسدت المضاربة ; لأن المال صار مملوكا للمولى ، وصار بحيث يستحق ربحه بملكه المال ، وقد بينا أن الفساد الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود به كالمقترن بالعقد ; فلهذا فسدت المضاربة فإن اشتريا بعد ذلك وباعا وربحا فالربح كله لرب المال ، والأجر للمضارب في عمله ; لأن رب المال لم يستأجره للعمل والمكاتب بالعجز صار عبدا محجورا عليه ، واستئجار العبد المحجور عليه غيره للعمل في مال مولاه باطل ، واستئجار المكاتب لو كان صحيحا في حال الكتابة يبطل بعجزه فكيف يثبت حكم الاستئجار بعد عجزه ؟ ، موجبا للأجر عليه ، ولو كانا اشتريا بالمال جارية ثم عجز المكاتب فباعا الجارية بغلام ، ثم باعا الغلام بأربعة آلاف درهم فإن المولى يستوفي منها رأس ماله وما بقي فهو بينهما على ما اشترطا ; لأن عجز المكاتب هنا بمنزلة موته ، أو بمنزلة موت الحر ، والموت لا يبطل المضاربة ما دام المال عروضا وإنما يبطل إذا صار المال نقدا فهنا كذلك . ولو دفع مالا إلى رجل مضاربة بالنصف وأمره أن يعمل فيه برأيه فدفعه المضارب إلى رجل آخر مضاربة على أن يعمل المضارب الأول معه ، وللمضارب الآخر ربع الربح ، وللأول ربعه ، ولرب المال نصفه فالمضاربة فاسدة ; لأن المضارب الأول في عمله في المال بمنزلة المالك فاشتراط عمله يعدم التخلية بين المال وبين المضارب الآخر ، وذلك شرط صحة المضاربة الثانية ، والدليل عليه أن المضارب لا يعاقد نفسه في هذا المال عقد المضاربة وحده ، فكذلك لا يعاقد غيره على شرط عمله معه ، فإن عملا فللآخر أجر مثله ; لأنه أوفى عمله بعقد فاسد . والربح بين الأول ورب المال على شرطهما ، والوضيعة على رب المال ; لأن المضارب الآخر أجير للأول إجارة فاسدة . ولو استأجره إجارة صحيحة للعمل في المال كان يعطي أجره من المال ، والربح بين المضارب ورب [ ص: 89 ] المال على الشرط ، فكذلك هنا فإن دفعه المضارب الأول إلى رب المال مضاربة بالثلث فعمل به فربح ، أو وضع فإنه يقسم على شرط المضاربة الأولى ، والمضاربة الأخيرة باطلة ، والمال في يد رب المال بمنزلة البضاعة ، وعلى قول زفر - رحمه الله - الثانية تنقض الأولى ، والربح كله لرب المال وعندنا رب المال ، في العمل معين للمضارب ; لأن المضارب قد استعان به فيكون عمله كعمل المضارب ، والربح بينهما على الشرط ، ولا تصح المضاربة الأخيرة ; لأن رب المال مالك للمال يستحق الربح باعتبار ملكه فلا يجوز أن يكون مضاربا فيه ; لأن المضارب من يستحق الربح بعمله لا بملكه المال ، فالمضاربة الثانية لم تصادف محلا فكانت باطلة . ( ألا ترى ) أن المضارب لو استأجر رب المال أن يشتري له ويبيع بعشرة دراهم في الشهر فاشترى له فربح ، أو وضع كان ما صنع من ذلك جائزا على المضارب ولا أجر له ; لأنه عامل في مال نفسه ، فلا يستوجب على عمله أجرا بالشرط ، وبه تبين الفرق بينه وبين الأجنبي ، ولو دفعه المضارب إلى رجل مضاربة بالربع على أن يعمل هو ورب المال فعملا فالمضاربة الثانية فاسدة ; لأن رب المال يستحق الربح بملكه المال ، ولا يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فاشتراط عمله بعدم التخلية ، فإذا فسدت المضاربة الثانية فللمضارب الآخر أجر مثله ، والربح بين الأول وبين رب المال على ما اشترطا والله أعلم . ( قال رضي الله عنه ) : وإذا قال المضارب بعد حصول الربح : شرطت لي نصف الربح وقال رب المال : شرطت لك ثلث الربح فالقول قول رب المال مع يمينه ; لأن الربح بما ملك رب المال ، وإنما يستحقه المضارب بالشرط فهو يدعي الزيادة فيما شرط له ورب المال منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب لإثباته الزيادة في حقه ببينة . وإن قال رب المال لم أشترط لك الربح ، أو قال : اشترطت لك مائة درهم من الربح ، وقال المضارب : شرطت لي نصف الربح ، فالقول قول رب المال لإنكاره استحقاق شيء من ربح ماله عليه ، وللمضارب أجر مثله فيما عمل ، أما في قوله : " شرطت لك مائة درهم " فظاهر فالمضاربة بهذا الشرط تصير إجارة فاسدة ، وكذلك في قوله : " لم أشترط ربحا " ; لأنهما اتفقا على أن الدفع إليه كان بطريق المضاربة ، فإذا لم يبين نصيب المضارب كانت إجارة فاسدة ، وقد وفى العمل فاستحق [ ص: 90 ] أجر المثل . ولو قال المضارب : شرطت لي ثلث الربح ، وقال رب المال : شرطت لك ثلث الربح وزيادة عشرة دراهم فالقول قول المضارب ; لأنهما تصادقا على أنه شرط له ثلث الربح ، ثم أقر رب المال بزيادة على ذلك لا يستحقها المضارب ، بل ليفسد العقد ويبطل استحقاق المضارب ، فهو متعنت في هذا فلا يقبل قوله ، ويجعل القول قول من يدعي جواز العقد ; لأن الأصل في العقود الصحة ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب المال ; لأنه يثبت ببينته زيادة الشرط المفسد للعقد ، فهو كما لو أثبت أحد المتعاقدين خيارا أو أجلا مجهولا لا ببينة . ولو قال رب المال : شرطت لك ثلث الربح إلا مائة ، وقال المضارب : شرطت ثلث الربح فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي عليه زيادة ، فإن الكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى فالمضارب يدعي أن المشروط له ثلث كامل ، ورب المال ينكر ذلك ، والقول قول المنكر ; لأنه غير متعنت في ذلك ، والبينة في هذا الفصل بينة المضارب لإثباته الزيادة في حقه بالبينة . ولو وضع في المال فقال رب المال : شرطت لك نصف الربح ، وقال المضارب : شرطت لي مائة درهم ، أو دفعته إلي مضاربة ، ولم تشترط لي شيئا فلي أجر المثل ، فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي لنفسه دينا في ذمته ، وهو أجر المثل ، ورب المال ينكر ذلك فالقول قوله ، فإن أقام رب المال البينة أنه شرط له ثلث الربح ، وأقام المضارب البينة أنه لم يشترط له شيئا ، فالبينة بينة رب المال ; لأنها قامت لإثبات شرط نصف الربح ، وبينة المضارب قامت على نفي الشرط ، والشهادة على النفي لا تقبل فلهذا كانت البينة بينة رب المال ، والقول قوله . وإن كان أقام المضارب البينة أنه شرط له ربح مائة درهم ، وأقام رب المال البينة أنه شرط له نصف الربح فالبينة بينة المضارب ; لأن البينتين استوتا في إثبات الشرط فرجحت بينة المضارب ; لأنها تثبت دينا مضمونا في ذمة رب المال ; ولأن المضارب هو المحتاج إلى البينة ، وذكر نظير هذه المسألة في المزارعة أن رب الأرض والبذر إذا قال للعامل : شرطت لك نصف الخارج ، وقال العامل : شرطت لي مائة أقفزة من الخارج ، ولم يحصل الخارج وأقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض والبذر ، وأكثر مشايخنا - رحمهم الله - قالوا : جوابه في كل واحد من الفصلين جواب في الفصل الآخر ، وفي المسألتين روايتان : وجه هذه الرواية ما ذكرنا ، ووجه رواية المزارعة : أن رب المال يثبت صحة العقد فترجح بينته ; لذلك ، وأصح الجوابين ما ذكر هنا . قال الشيخ الإمام الأجل - رحمه الله - : والأصح عندي الفرق بين المضاربة والمزارعة ; لأن عقد المزارعة يتعلق بها اللزوم . ( ألا ترى ) [ ص: 91 ] أنه ليس للعامل أن يمتنع من إقامة العمل فترجح فيه البينة المثبتة لصحة العقد لما فيها من الإلزام ، وأما المضاربة فلا تكون لازمة ، فإن للمضارب أن يمتنع من العمل ويفسخ العقد متى شاء فترجح هنا البينة التي فيها إلزام وهي المثبتة للدين في ذمة رب المال . وإذا ادعى المضارب أنه شرط له نصف الربح ، أو شرط له مائة درهم وقال رب المال : إنما دفعت إليك المال بضاعة لتشتري به وتبيع فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي استحقاق جزء من ربح ماله ، أو استحقاق الأجر دينا في ذمته ورب المال ينكر ذلك بإنكاره سببه فالقول قوله ، والبينة في هذا الفصل بينة المضارب ; لأنها تثبت حقه على رب المال ، وبينة رب المال تنفي ذلك . ولو كانت المضاربة بالنصف فجاء المضارب بألفي درهم فقال رب المال : دفعت إليك ألفين ، وقال المضارب : دفعت إلي ألف درهم ، وربحت ألف درهم فالقول قول المضارب في قول أبي حنيفة الآخر ، وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله - وفي قوله الأول القول قول رب المال وهو قول زفر - رحمه الله - وجه قوله الأول : أن المضارب أقر أن جميع ما في يده مال المضاربة والأصل في مال المضاربة حق رب المال فإذا ادعى بعد ذلك استحقاق بعض المال لنفسه لا يقبل قوله إلا بحجة ، والقول قول رب المال لإنكاره كما في مسألة البضاعة ، بخلاف ما إذا قال المضارب : ألف من الألفين خلطته لي بمال المضاربة وقد كان قال له اعمل فيه برأيك ; لأن هناك لم يقر أن جميع ما في يده مال المضاربة . والأصل أن القول قول المرء فيما في يده من المال ، بخلاف ما لو ادعى رب المال رأس المال أكثر مما جاء به المضارب وأنه قد استهلك بعضه فإن هناك هو يدعي دينا على المضارب ، والمضارب ينكر والقول قول المنكر ، وجه قوله الآخر : أن الاختلاف بينهما في مقدار المقبوض من رأس المال ، والقابض هو المضارب فيكون القول قوله في مقدار المقبوض ; لأن رب المال يدعي زيادة فيما أعطاه وهو ينكر ; لأنه لو أنكر أصل القبض كان القول قوله ، فكذلك إذا أنكر زيادة القبض يوضحه أن المال في يده فالقول قوله في بيان جهة حصوله في يده ، كما لو قال : ألف من المال لي خلطته بمال المضاربة فإن اختلفا مع ذلك فيما شرط له من الربح فقال رب المال : شرطت لك الثلث ، وقال المضارب : شرطت لي النصف فالقول قول المضارب في رأس المال ، والقول قول رب المال فيما شرط له من الربح ; لأن المضارب يدعي الزيادة فيما شرط له ، ورب المال ينكر ولو أنكر أصل الشرط بأن قال : كان المال في يدي بضاعة فالقول قوله ، فكذلك إذا أنكر الزيادة فيما شرط له ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب [ ص: 92 ] المال في مقدار ما سلم إليه من رأس المال ، ويأخذ الألفين برأس ماله ; لأنه أثبت زيادة فيما دفعه إليه . وإن كان المال ثلاثة آلاف كانت البينة بينة المضارب فيما ادعى من الربح حتى إن الألف الفاضلة عن الألفين بينهما نصفان ; لأن المضارب يثبت ببينته زيادة في حصته من الربح . ![]()
__________________
|
|
#452
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 92الى صـــ 101 (452) وإذا دفع الرجل إلى رجلين مالا مضاربة بالنصف فجاء بثلاثة آلاف درهم فقال رب المال : كان رأس مالي ألفين ، والربح ألف وصدقه أحد المضاربين ، وقال الآخر : كان رأس المال ألفا والربح ألفي درهم فإن رب المال يأخذ ألف درهم من رأس ماله من يد المضاربين ; لأنهما اتفقا على ذلك القدر من رأس ماله ويبقى في يد كل واحد منهما ألف درهم فيأخذ رب المال خمسمائة من الذي صدقه ; لأنه يقر أنه قد بقي من رأس ماله ألف : نصفه في يده ، ونصفه في يد شريكه ، وإقراره فيما في يده حجة ، وإن لم يكن حجة فيما في يد شريكه فيأخذ منه خمسمائة بحساب رأس ماله ; لأن حق رب المال في الربح ضعف حق المصدق فيقسمان الحاصل من الربح في أيديهما على أصل حقهما أثلاثا ، ويقاسم الآخر خمسمائة مما في يده أثلاثا ; لأن رب المال يزعم أن هذه الخمسمائة من رأس ماله أيضا ومن في يده ينكر ويقول هو ربح وحق رب المال فيه ضعف حقي ; لأن حق رب المال في نصف الربح ، وحق كل واحد من المضاربين في ربع الربح . فلهذا يقاسمه خمسمائة أثلاثا : ثلثها لرب المال يأخذها بحساب رأس ماله بزعمه فيجتمع في يده ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، ثم يقتسمون الألف الباقية ربحا بينهم أرباعا فيصير في يد رب المال خمسمائة من الربح ، وفي يد الذي صدقه مائتان وخمسون فيجمع ذلك ، فيأخذ منه رب المال ما بقي من رأس ماله على ما تصادقا عليه ; لأن الربح لا يكون إلا بعد وصول جميع رأس المال إلى رب المال ، وقد بقي من رأس المال بزعمهما مائة وستة وستون وثلثا درهم ، فيأخذ رب المال ذلك ، والباقي من الربح بينهما أثلاثا ; لأن حق رب المال في الربح ضعف حق المصدق فيقسمان الحاصل من الربح في أيديهما على أصل حقهما أثلاثا ، والمكذب بزعمهما استوفى أكثر من حقه فتجعل تلك الزيادة في حقهما كالتاوي ، وقد طعن عيسى بن أبان - رحمه الله - في فصل من جواب هذه المسألة وهو قوله : أن الخمسمائة مما في يد المكذب تقسم بين رب المال ، وبين المكذب أثلاثا ، وقال : الصحيح أنه ليس لرب المال إلا نصفها ; لأن المنكر يزعم أن الألف الباقية مقسومة بينهم أرباعا : نصفها لرب المال ، وربعها للمصدق ، وربعها لي ، فالمصدق أقر بحصته لرب المال من هذه الألف فيصير لرب المال ثلاثة [ ص: 93 ] أرباعها ، وقد وصل إليه من يد المصدق نصف هذه الألف ، وهو خمسمائة فإنما بقي حقه في ربعها وحقي في ربعها فينبغي أن تقسم هذه الخمسمائة بينهما نصفين . وكان القياس ما ذكره عيسى - رحمه الله - ولكن محمدا - رحمه الله - ترك ذلك لوجهين : أحدهما أنا لو فعلنا هكذا كنا قد أعطينا المنكر جميع حصة مدعاه من ربح الألفين ، ويأخذ من الألف الثانية مائتين وخمسين ، ومن الألف الثالثة مائتين وخمسين فتسلم له حصته من ربح الألفين بزعمه ، ولا يجوز أن يصدق هو على ما في يد صاحبه ، كما لا يصدق صاحبه على ما في يده ، والثاني أن ما وصل إلى رب المال من تلك الألف لم يصل ربحا ، كما ادعاه هذا المضارب ، وإنما أخذه على أنه من رأس ماله فلا يكون للمنكر أن يجعل ذلك محسوبا عليه من الربح في مقاسمته الخمسمائة الأخرى معه ; فلهذا قسمت هذه الخمسمائة بينهما أثلاثا وهذا الجواب حكاه ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - . وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا فربح فيه ربحا فقال العامل : أقرضتني هذا المال ، وقال الدافع : دفعته إليك بضاعة ، أو مضاربة بالثلث ، أو قال : مضا فالقول قول رب المال ; لأن العامل يدعي تملك المال عليه بالقبض ، ورب المال ينكر ذلك ; ولأن الإذن في التصرف مستفاد من جهة رب المال ، فالقول قوله في بيان الإذن والتسليط ، فإن كان أقر بالمضاربة فلا شيء للعامل ، بل الربح كله لرب المال ; لأنه بما ملكه . وإن كان أقر له بربح الثلث أعطاه ذلك ; لأن العامل يدعي عليه جميع الربح وهو أقر له بالثلث ، وإن أقر بمضاربة فاسدة أعطاه أجر مثله فيأخذه المضارب قضاء مما ادعاه من المال الذي أخذه منه رب المال ; لأن العامل يدعي عليه أكثر مما أقر له به فيعطيه مقدار ما أقر له به ، من الجهة التي أقر بها ، ويأخذه العامل من الجهة التي يدعيها ، فإن هلك في يد المضارب بعد هذا القول فهو ضامن للأصل والربح ; لأنه كان أمينا في الكل ، وقد جحد حق صاحب المال فيه وادعى أنه ملكه فيكون ضامنا له . ولو قال المضارب : شرطت لي النصف ، وقال رب المال : شرطت لك الثلث ثم هلك المال في يد المضارب فهو ضامن لسدس الربح ; لأنه ادعى تلك الزيادة لنفسه ، وقد كان أمينا فيه فيصير ضامنا بدعواه الأمانة لنفسه . ولو وضع في المال ، ثم قال العامل : دفعته إلي مضاربة ، وقال رب المال : دفعته إليك قرضا فالقول قول رب المال ; لأن الإذن مستفاد من جهته فالقول قوله في بيان صفته ; ولأن العامل يزعم أنه كان نائبا عن رب المال في العمل ، ورب المال ينكر ذلك فالقول قوله ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب المال أيضا ; لأنه يثبت ببينته سبب تمليك المال [ ص: 94 ] منه بالعرض ، ووجوب الضمان دينا له في ذمته فكانت بينته أولى بالقبول ; ولأنه لا تنافي بين البينتين ، فالقرض يرد على المضاربة فيجعل كأنه دفعه إليه مضاربة ، ثم أقرضه منه ولا يمكن أن يجعل على عكس هذا ; لأن المضاربة لا ترد على القرض ، والقرض يرد على المضاربة . ولو لم يكن عمل بالمال وضاع فالقول قول المضارب ; لأن رب المال يدعي عليه سبب الضمان ، والمضارب ينكر ، والبينة بينة رب المال لإثباته الضمان دينا في ذمة المضارب ، ثم الفرق بين هذا والأول أن في هذا الفصل تصادقا على أنه قبضها بإذن المالك ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، فبقيت دعوى رب المال سبب الضمان ، وفي الفصل الأول عمل العامل في ملك الغير سبب موجب للضمان ، وقد ظهر ذلك فيحتاج إلى سبب مسقط للضمان عن نفسه ، وهو كونه نائبا عن المالك في عمله في المال مضاربة ، ولا يثبت هذا المسقط إلا بالبينة عن نفسه ولا يقال : تصادقا أن عمله حصل بإذن رب المال وتسليطه ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان عليه ; لأن رب المال يزعم أنه عمل لنفسه في مال نفسه ، فإذا لم يثبت الملك له لا يكون هو عاملا بإذن رب المال كما أقر به ، فيبقى عاملا في المال بغير إذنه ، وذلك موجب للضمان عليه . ولو قال المضارب : دفعته إلي مضاربة وقد ضاع المال قبل أن أعمل به ، وقال رب المال أخذته غصبا فلا ضمان على المضارب ; لأنه ما أقر بوجود السبب الموجب للضمان عليه ، وإنما أقر بتسليم رب المال إليه ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، ورب المال يدعي عليه الغصب الموجب للضمان ، وهو ينكر ، فإن كان عمل به ثم ضاع فهو ضامن للمال ; لأن عمله في مال الغير سبب موجب للضمان عليه ما لم يثبت إذن صاحبه فيه ، ولم يثبت ذلك لإنكاره فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب في الوجهين ; لأنه يثبت تسليم رب المال ، والإذن له في العمل ببينة . ولو قال المضارب : أخذت منك هذا المال مضاربة فضاع قبل أن أعمل به ، أو بعد ما عملت قال رب المال : أخذته مني غصبا فالقول قول رب المال ، والمضارب ضامن فيه ; لأنه تأخر حتى أقر بالأخذ وهو سبب موجب للضمان عليه قال عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد ثم ادعى المسقط وهو إذن صاحبه فلا يصدق في ذلك إلا بحجة . ولو قال : أخذته منك مضاربة فضاع قبل أن أعمل به ، وقال رب المال : أقرضتكه فلا ضمان على المضارب لتصادقهما أن القبض حصل بإذن المالك ، فإنه هو الذي دفعه إليه إلا أن يكون عمل بالمال ، فحينئذ هو ضامن ; لأن عمله في مال الغير سبب موجب للضمان عليه كما ذكرنا . وإذا دفع الرجل إلى الرجلين ألف درهم مضاربة بالنصف فجاءا بألفين فقال أحدهما : [ ص: 95 ] ألف رأس مالك ، وألف ربح فصدقه رب المال بذلك ، وقال المضارب الآخر : ألف رأس المال وخمسمائة لفلان كان دينا علينا في المضاربة وادعى المقر له ذلك ، فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم لتصادقهما على ذلك ، ويأخذ المقر له بالدين من المضارب المقر مائتين وخمسين درهما ; لأنه أقر أن نصف الخمسمائة دينا عليه يؤديه مما في يده ، ونصفه دين على شريكه ، وإقراره على نفسه وبما في يده حجة وعلى غيره لا فلهذا يأخذ منه مائتين وخمسين ، وهذا بخلاف أحد الوارثين إذا أقر على الميت بدين فإنه يستوفي جميع الدين من نصيبه ; لأن هناك ما أقر بالدين في ذمة نفسه ، ولا في ذمة شريكه وإنما أقر به على الميت ، والمقر يعامل في حق نفسه كان ما أقر به حق فلا يسلم له شيئا من التركة ما لم يقبض جميع الدين الذي على الميت . وهاهنا إنما أقر بالدين على نفسه وعلى شريكه بسبب معاملتهما مع المقر له ، وإقراره بالدين في ذمة الغير لا يلزمه القضاء مما في يده ، ثم يقاسم المضارب الجاحد مع رب المال مائتين وخمسين درهما مما في يده : له ثلثها ولرب المال ثلثاها ; لأن المضارب المقر يزعم أنه لا حق له في هذا ، بل حق صاحب الدين ، والجاحد يزعم أنه ربح ولكن لا حق فيه للمقر ; لأنه أتلف مثل هذا بإقراره كاذبا فهو محسوب عليه من نصيبه فيقسم هذا المقدار بين رب المال والجاحد على مقدار حقهما من الربح لرب المال ثلثاها ، وللجاحد ثلثها ، ويبقى في يد المضاربين خمسمائة درهم قد أقروا جميعا أنها ربح فيقتسمونها بينهم لرب المال نصفها ، ولكل واحد من المضاربين ربعها ، ولا يرجع الغريم على المضارب المقر بشيء مما أخذ لما بينا أنه أقر له بالدين في ذمة شريكه فلا يلزمه ذلك القضاء من مال نفسه وكذلك لو كان أحدهما أدعى لنفسه خمسمائة من هذا المال أنه من خاصة ماله فهذا ، والأول في التخريج سواء كما بينا . ولو جاء المضاربان بألفي درهم خمسمائة منها بيض . وألف وخمسمائة سود ، فقال أحدهما : الخمسمائة البيض وديعة لفلان عندنا ، والخمسمائة السود ربح ، وقال المضارب الآخر : كلها ربح فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم من السود ، ويأخذ المقر له مائتين وخمسين من البيض ، وهي التي في يد المقر الوديعة ; لأن نصف البيض في يده ، وإقراره فيه حجة ، ويقسم المضارب الآخر ورب المال مائتين وخمسين من البيض أثلاثا : سهمان لرب المال ، وسهم للمضارب ; لأن المقر لا يدعي لنفسه في هذا شيئا ، والمنكر يزعم أنه أتلف فوق حقه من هذا المال فلا حق له فيما بقي ، بل يقسم هذا المقدار بين الجاحد ورب المال مائتين وخمسين على أصل حقهما أثلاثا ، ويقسم الخمسمائة السود أرباعا لاتفاقهم [ ص: 96 ] على أن ذلك ربح . وكذلك لو كان جميع المال في يد المنكر للوديعة ; لأن المنكر للوديعة يزعم أن الخمسمائة البيض ربح من مال المضاربة ، ومال المضاربة في أيديهما فباعتبار إقرار ذي اليد هذه ، وما لو كان المال كله في أيديهما سواء بخلاف ما إذا كان المال كله في يد المقر ; لأن المقر يزعم أن هذه الخمسمائة ليست من مال المضاربة ، بل هي وديعة لصاحبها ، ولا يدفعها للمضارب الآخر ولا قول ، فلهذا كان المقر مصدقا في جميعها هنا فإن كان المضاربان حين جاءا بألفين كانت الخمسمائة البيض كلها في يد المقر الوديعة فقال هذه وديعة لفلان عندي وقال الآخر : ورب المال كله ربح أخذها صاحب الوديعة كلها ; لأن اليد فيها له فكان القول قوله فيها ، والخمسمائة السود بينهم أرباعا لاتفاقهم على أنها ربح . ولو كانت البيض في يد المنكر للوديعة أخذ رب المال رأس ماله ألف درهم ، وما بقي من مال قسم على أربعة أسهم : لرب المال سهمان ، ولكل واحد من المضاربين سهم ; لأن البيض هنا قبل القسمة في يد الجاحد ليس شيء منها في يد المقر ، وإقراره الوديعة فيما في يد الغير لا يكون صحيحا ما لم يصل إليه المال ، فلهذا قسم الكل كما هو زعم المنكر للوديعة ، ثم ما وقع في سهم المقر الوديعة من البيض سلمه إلى صاحب الوديعة ; لأن ذلك القدر قد وصل إلى يده ، وقد أقر بالملك له وهذا بخلاف ما سبق إذا كان المال كله في يد الجاحد ; لأن هناك الجاحد مقر للمقر الوديعة باليد في نصفه وهنا الجاحد لا يقر باليد في شيء من البيض للمقر الوديعة ; لأن في يده مثلها من مال المضاربة ، وهي الخمسمائة السود . وإذا دفع إلى رجلين ألف درهم مضاربة بالنصف وأمرهما أن يعملا في ذلك برأيهما فجاءا بألفي درهم في أيديهما جميعا ، فقال أحدهما : ألف منها رأس المال ، وخمسمائة ربح ، وخمسمائة وديعة لفلان خلطناها بالمال بأمره فهو شريكنا في هذا المال بخمسمائة درهم ، وصدقه فلان بذلك ، وقال المضارب الآخر : يملك الألف كل ها ربح فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألفا ، ويأخذ المقر له بالشركة مائتين وخمسين مما في يد المنكر أثلاثا ; لأنهما يزعمان أن ذلك ربح ، وإن المقر أتلف منه ذلك فهو محسوب عليه ، ثم يقسم رب المال والمضاربان الخمسمائة الباقية أرباعا لاتفاقهم على أنها ربح ، فيكون للمضارب المقر بالشركة منها مائة وخمسة وعشرون درهما فيجمعها إلى ما أخذ المقر له بالشركة ، ويقسم ذلك كله بينهما على خمسة أسهم : سهم للمضارب ، وأربعة للمقر له بالشركة ; لأنهما تصادقا على الشركة بينهما في المال ، وتصادقهما معتبر في حقهما فما وصل إليهما يقسم على أصل حقهما ، وهما متفقان أن حق المقر له في خمسمائة ، وإن حق المقر في مائة وخمسة [ ص: 97 ] وعشرين فاجعل كل مائة وخمسة وعشرين سهما ، فيكون الخمسمائة أربعة أسهم : فأربعة أسهم حق المقر له ، وسهم حق المقر . فلهذا قال يقسم ما في أيديهما أخماسا بينهما ، وما لم يصل إلى يدهما من المال يجعل كالتاوي بينهما ، ولو كان المال كله في يد المقر بالشركة يوم أقر بها أخذ المقر له بالشركة جميع الخمسمائة من المال ; لأن إقرار المقر فيما في يده مقبول ويأخذ رب المال رأس ماله ألفا ، والخمسمائة الباقية بين المضاربين وبين رب المال أرباعا . ولو كان المال كله في يد المنكر للشركة أخذ رب المال رأس ماله ألف درهم فاقتسم هو والمضاربان الألف الباقية أرباعا ، وما أخذه المقر بالشركة اقتسمه هو والمقر أخماسا ; لأن الواصل إلى يده من المال هذا المقدار ، فباعتباره يصح إقراره ويقسم بينهما أخماسا : للمقر خمسه وللمقر له أربعة أخماسه . قال عيسى بن أبان - رحمه الله - هذا غلط وسواء كان المال في أيديهما ، أو في يد المنكر منهما ينبغي أن يأخذ المقر له بالشركة مائتين وخمسين أولا ، كما أجاب به في مسألة البيض والسود قبل هذا ; لأن المنكر مقر أن المال كله من المضاربة ، وأن نصفه في يد صاحبه ولكن ما ذكره هنا أصح . والفرق بين هذا وبين تلك المسألة من وجهين : أحدهما أن المنكر وإن أقر في هذه المسألة أن نصف المال في يد صاحبه ، وصاحبه ينكر ، ويقول يد المقر له على ماله ; لأنه شريك معي فلم تثبت يد المقر على شيء من تلك الخمسمائة ; فلهذا لا يجوز إقراره في شيء منها قبل القسمة ، بخلاف مسألة البيض والثاني : أن في مسألة الشركة حق المقر له شائع في الكل ، وحق المضاربة كذلك شائع فلم يختص واحد من المضاربين بشيء منه ، ولم يثبت تنفيذ إقراره إلا بعد القسمة . وأما في الوديعة فقد أقر بشيء بعينه متميز من حق المضاربة غير مفتقر إلى المقاسمة . ولو جاء المضاربان بألفي درهم فقال أحدهما : كان رأس المال ألف درهم فشاركنا فلان في المال بخمسمائة درهم فخلطناهم بالألف ، ثم عملنا فربحنا خمسمائة ، وقال فإن رب المال يأخذ رأس ماله ألف درهم لاتفاقهم عليه ، ثم يدفع إلى المقر له مائتين وخمسين درهما في يد المقر بالشركة ; لأن إقراره فيما في يده مقبول ، ويبقى في يد المقر بالشركة مائتان وخمسون ، فقد أقر أنها ربح بين صاحب الشركة وبين المضاربين وبين رب المال على ثلاثة ، فيأخذ صاحب الشركة أيضا منها حصته من الربح بإقراره وذلك ثلاثة وثمانون وثلث ، ويبقى في يد المضارب المقر بالشركة مائة وستة وستون وثلثان ، ثم ينظر إلى ما في يد المنكر للشركة وهو خمسمائة فيدفع منها مثل ما أخذ المقر له مما في يد المقر بالشركة وذلك ثلثمائة وثلاثون وثلث فيقسمها [ ص: 98 ] رب المال والمضارب المنكر للشركة بينهما أثلاثا ; لإقرارهما أن هذا ربح ، وأن المقر بالشركة أتلف مثل هذا مما في يده ، وذلك محسوب عليه من نصيبه . ويقسم هذا القدر بين المضارب الجاحد ورب المال على أصل حقهما : ثلثاه لرب المال ، وثلثه للمضارب الجاحد ، ثم يجمع ما بقي في يد المضاربين ، وذلك ثلثمائة وثلاثون وثلث فيكون ذلك بينهم أرباعا لاتفاقهم على أن ذلك ربح مال المضاربة ، فيقسم بينهم على الشرط ، ثم يجمع ما أصاب المقر بالشركة من الربح ، وهو ثلاثة وثمانون وثلث إلى ما في يد صاحب الشركة فيقسمان ذلك كله على تسعة أسهم : للمقر سهم وللمقر له ثمانية ; لأن المقر زعم أن للمقر له سهما أصل ماله وثلث الخمسمائة ربح وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، وثلث الخمسمائة الربح بينه وبين رب المال أرباعا فيجعل كل خمسمائة على ستة أسهم ، والخمسمائة التي أقر بها المقر لصاحب الشركة ستة أسهم وحصته من الربح سهمان ، فذلك ثمانية وحصة المضارب المقر بالشركة مما بقي من الخمسمائة سهم ، فذلك كله إذا جمعته تسعة أسهم ; فلهذا يقسم ما حصل في أيديهما على تسعة أسهم : ثمانية أتساعه للمقر له : وتسعه للمقر ; لأن ما زاد على ما وصل إليهما يجعل في حقهما كالتاوي والله أعلم . ( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم ولم يقل : اعمل فيه برأيك فليس للمضارب أن يدفعه إلى غيره مضاربة ; لأنه سوى غيره بنفسه في حق الغير ; ولأنه يوجب للثاني شركة في ربح مال رب المال ، ورب المال ما رضي إلا شركته ، فليس له أن يكسب سبب الشركة للغير فيه ، فإن دفعه مضاربة إلى غيره فاشترى به وباع ، فرب المال بالخيار إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله ; لأنه صار غاصبا مخالفا بدفعه إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به رب المال فإن ضمنه سلمت المضاربة فيما بين المضارب الأول ، والمضارب الآخر على شرطهما ; لأنه ملكه بالضمان من حين صار مخالفا ، فإنما دفع مال نفسه مضاربة إلى الثاني . وإن شاء ضمن المضارب الآخر ; لأنه قبض ماله بغير إذنه وتصرف فيه ، ثم يرجع المضارب الآخر بما ضمن من ذلك على المضارب الأول ; لأنه مغرور من جهته فيرجع عليه بما يلحقه من الضمان ; ولأنه كان عاملا للمضارب الأول فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة ، ثم الربح بين المضاربين على ما اشترطا ; لأن الضمان استقر على الأول فيثبت الملك له ، وإن اختار رب المال أن يأخذ من الربح الذي ربح [ ص: 99 ] المضارب الآخر حصته الذي اشترط على المضارب الأول لا يضمن واحد منهما شيئا فليس له ذلك ; لأن المضارب الأول صار غاصبا بما صنع ، ومن غصب من رجل مالا ودفعه مضاربة فعمل به المضارب وربح فلا سبيل لرب المال على الربح ، ولكن يضمن أيهما شاء ، وفرق بين المضاربة والرهن فإن المرهون إذا استحق وضمن المرتهن قيمته فرجع به على الراهن لم يصح الرهن حتى يرجع عليه بالدين أيضا وهنا إذا رجع الثاني على الأول صحت المضاربة بين الأول والثاني ; لأن استرداد القيمة كاسترداد العين ; فينتقض قبض المرتهن باسترداد المستحق القيمة منه ، وبدون قبضه لا يكون مرهونا ، وهنا أيضا استرداد المثل كاسترداد العين ، ولكنه لا ينعدم به ابتداء اليد للمضارب على المال ، واستدامته ليست بشرط لحكم المضاربة حتى إنه إذا رد المضارب المال على رب المال ، واستعان به في التصرف كان الربح بينهما على الشرط . ولو رد المرتهن المرهون على الراهن بعارية أو غيرها خرج من ضمان الرهن ، ولو كان المضارب الثاني لم يعمل بالمال حتى ضاع في يده فلا ضمان على واحد من المضاربين . وكذلك لو غصب رجل المال من الآخر فالضمان على الغاصب ولا ضمان على واحد من المضاربين ، وقال زفر - رحمه الله - : لرب المال أن يضمن أيهما شاء ; لأن المضارب الأول أمين ، وقد خالف بالدفع إلى غيره على وجه المضاربة ، فكان كل واحد منهما ضامنا كالمودع إذا أعار الوديعة من غيره ، ولكنا نقول المضارب غير ممنوع من دفع المال إلى غيره . ( ألا ترى ) أن له أن يودع المال ، وأن يبضعه فلا يكون مجرد الدفع موجبا للضمان على واحد منهما ، ولكن في ظاهر الرواية حين عمل به الثاني صار المال مضمونا على كل واحد منهما ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن بمجرد العمل لا يصير مضمونا على واحد منهما حتى يحصل الربح ; لأنه إنما يصير مضمونا إذا صار مخالفا ، وذلك باشتراك الغير في ربح ماله ، ولهذا لا يضمن إذا أبضع ، أو أودع ; لأنه ليس في ذلك اشتراك الغير في الربح ، والشركة في الربح لا تتحقق قبل حصول الربح ; لسبب الخلاف ، وإنما تتحقق إذا حصل الربح . وجه ظاهر الرواية : أن الربح إنما حصل بالعمل فيقام سبب حصول الربح مقام حقيقة حصول الربح في صيرورة المال به مضمونا عليهما ، بخلاف مجرد الدفع فهو ليس سببا لحصول الربح ليقام مقام حصوله . ولو استهلك المضارب الآخر المال أو وهبه كان الضمان على الآخر خاصة دون الأول ; لأنه في مباشرة هذا الفعل مخالف لما أمره به الأول فيقصر حكمه عليه ، بخلاف ما إذا عمل بالمال ; لأنه في مباشرة العمل ممتثل أمر المضارب الأول [ ص: 100 ] فيجعل ذلك كعمل المضارب الأول ; فلهذا كان له أن يضمن أيهما شاء . ولو أبضعه المضارب الثاني مع رجل يشتري به ويبيع فلرب المال أن يضمن ماله أي الثلاثة شاء ; لأن المضارب الثاني بمطلق العقد يملك الإبضاع ، كما يملك التصرف فيه ، فيكون هو فيما صنع ممتثلا أمر المضارب الأول ، والربح الحاصل بين المضاربين على الشرط ; لأن عمل المستبضع كعمل المبضع بنفسه ، وكان الربح بينهما على الشرط ، والوضيعة على المضارب الأول ولا ربح لرب المال ; لأن الأول صار بمنزلة الغاصب في حق رب المال ، فإن ضمن المضارب الأول صحت المضاربة الثانية ، وإن ضمن الثاني رجع به على الأول ; لأنه مغرور من جهته وصار المال مملوكا للمضارب الأول حين استقر عليه الضمان ، وإن ضمن المستبضع رجع به على المضارب الثاني ; لأنه عامل له ومغرور من جهته ، ويرجع به الثاني على المضارب الأول كما لو ضمن نفسه لرب المال ، فإذا ظهر استقرار الضمان عليه تبين به وجه صحة المضاربة الثانية . وإذا دفع الرجل مالا مضاربة بالنصف ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث ، ولم يقل له اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى آخر مضاربة بالسدس فعمل فيه وربح أو وضع ، فالمضارب الأول بريء من الضمان ; لأن الثاني خالف أمره حين دفعه إلى الغير مضاربة ، فلا يتحول منه هذا العقد إلى الأول ، كما لو استهلك المال ، ورب المال بالخيار : إن شاء ضمن الثاني رأس ماله ، وإن شاء ضمن الثالث ، وحال الثالث في هذه المسألة كحال الأول في المسألة الأولى ، حتى إذا ضمن لم يرجع على أحد بشيء وإن ضمن الثالث رجع على الثاني ، والربح بينهما على ما اشترطا ; لأن الضمان استقر على الثاني فصحت المضاربة بينه وبين الثالث . ولو كان المضارب الأول حين دفع المال مضاربة إلى الثاني بالثلث ، وقال له اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى الثالث مضاربة بالسدس فربح ، أو وضع فلرب المال أن يضمن أي الثلاثة شاء ; لأن الثاني بالدفع إلى الثالث هنا ممتثل أمر الأول فإن بعد قوله اعمل فيه برأيك له أن يدفع المال مضاربة إلى غيره ، فكان فعله كفعل الأول فلرب المال أن يضمن أي الثلاثة شاء فإن ضمن الثالث رجع على الثاني ورجع الثاني على الأول لمعنى الغرور ، وإن ضمن الثاني رجع على الأول ، وإن ضمن الأول لم يرجع على أحد مما ضمن بعد ، كما استقر الملك للأول صحت المضاربتان جميعا : الثانية والثالثة ، والوضيعة على الأول . وأما الربح فللضارب الآخر سدسه ; لأنه المشروط له هذا المقدار ، وللثاني سدسه ; لأن الأول للثاني شرط ثلث الربح ، ولنفسه ثلثيه فشرط الثاني السدس للثالث ينصرف إلى نصيبه خاصة دون نصيب [ ص: 101 ] الأول ; لأنه ليس للثاني أن يبطل حق الأول عن شيء من الربح الذي شرط لنفسه وإن كان قال : اعمل فيه برأيك فلهذا كان للثاني ما بقي من الثلث بعد حق الثالث وهو السدس ، وللأول ثلث الربح . ولو كان المضارب الأول دفع المال إلى رجل مضاربة على أن للمضارب الثاني من الربح مائة درهم فعمل به فربح ، أو وضع ، أو توى المال بعد ما عمل به فلا ضمان لرب المال على أحد ، والوضيعة عليه والتوى من ماله ; لأن المضارب الأول إنما يصير ضامنا بإشراك الغير في ربح ماله ، وبما باشر من المضاربة الفاسدة لا يوجد سبب الاشتراك بل المضاربة الفاسدة كالإجارة . ولو استأجر أجيرا ليعمل في المال لم يكن مخالفا به وجعل عمل الأجير كعمله ، فكذلك إذا دفعه إلى غيره مضاربة فاسدة ، وللعامل أجر مثله على المضارب الأول ; لأنه هو الذي استأجره ويرجع به الأول على رب المال ; لأنه في الاستئجار عامل له بأمره غير مخالف . وإن كان فيه ربح فإنه يعطي أجر مثل العامل أولا من المال ، كما استأجره إجارة صحيحة ، ثم الربح بين رب المال والمضارب الأول على الشرط ; لأن عمل الأجير كعمل المضارب بنفسه وهذا ، وما لو أبضعه غيره سواء . ولو كان رب المال شرط للمضارب الأول من الربح مائة درهم ولم يقل له : اعمل برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالنصف فعمل به فلا ضمان على المضاربين في الوضيعة والتوى ; لأن المضارب الأول ما أوجب للغير شركة في ربح ماله ، فإن بالعقد الذي بينه وبين رب المال لا يستحق هو شيئا من الربح فكيف يوجبه لغيره ؟ ، وإنما يتحقق الخلاف بإيجاب الشركة للغير في ربح ماله ، ثم الربح كله لرب المال هنا ; لأن عمل الثاني بأمر الأول كعمل الأول بنفسه وعليه أجر مثل المضارب الأول بمنزلة ما لو أقام العمل بنفسه وعلى المضارب الأول للمضارب الآخر مثل نصف الربح الذي ربح في ماله خاصة ; لأنه صار مغرورا من جهته ، فإنه أطعمه في نصف الربح ، وقد حصل الربح ولم يسلم له مع حصوله ، بل استحقه رب المال بسبب كان بينه وبين المضارب الأول وهو فساد العقد ; فرجع المضارب الثاني على المضارب الأول بمثل نصف الربح في ماله خاصة ; لأجل الغرر . ( ألا ترى ) أن رجلا لو استأجر رجلا يعمل له بماله فيشتري به ويبيع ويبضعه ويستأجر عليه إن أحب فاستأجر عليه الأجير من يعمل به ، أو أبضعه مع رجل فربح ، أو وضع فالربح لرب المال والوضيعة عليه ، وللأجير الأول أجره على رب المال ; لأن عمل أجيره بأمره كعمله بنفسه وللأجير الآخر أجره على الأول ; لأنه هو الذي استأجره وعمل له . ولو كان الأجير الأول دفعه مضاربة إلى رجل بالنصف فعمل به وربح [ ص: 102 ] كان الربح كله لرب المال ، وللأجير أجره على رب المال ، وللمضارب نصف الربح على الآخر في ماله خاصة ; لأجل الغرر الموجود من جهته ، ولا ضمان على الأجير والمضارب في المال ; لأن المضارب لم يصر شريكا في المال بمضاربته والخلاف إنما يتحقق به . ![]()
__________________
|
|
#453
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 102الى صـــ 111 (453) ولو دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف ، وقال له : اعمل برأيك فدفعه المضارب إلى رجل مضاربة بالثلث فعمل به وربح فللمضارب الآخر ثلث الربح ، وللأول سدسه ، ولرب المال نصفه ; لأن دفعه إلى الثاني مضاربة كان بإذن رب المال حين قال له : اعمل برأيك ، فالمضارب بهذا اللفظ يملك الخلط والشركة والمضاربة في المال ; لأن ذلك كله من رأيه ، وهو من صنيع التجار إلا أن رب المال شرط لنفسه نصف جميع الربح فلا يكون للمضارب الأول أن يوجب شيئا من ذلك لغيره ، بل ما أوجبه للثاني ، وهو ثلث الربح ينصرف إلى نصيبه خاصة ، كأحد الشريكين في العبد إذا باع ثلثه . وإذا كان المشروط للمضارب الأول نصف الربح ، وقد أوجب للثاني الثلث بقي له السدس ، وذلك طيب له بمباشرة العقدين وإن لم يعمل بنفسه شيئا . ( ألا ترى ) أنه لو أبضع المال مع غيره أو أبضعه رب المال له حتى ربح كان نصيب المضارب من الربح طيبا له ، وإن لم يعمل بنفسه شيئا ، وإن دفع الثاني إلى ثالث مضاربة وقد كان الأول قال للثاني : اعمل فيه برأيك فهو جائز ، والمضارب الثاني فيه بمنزلة الأول ; لأنه قال : اعمل فيه برأيك فله أن يخلطه بماله وأن يشارك فيه ، وأن يدفعه إلى غيره مضاربة وهذا بخلاف الوكيل إذا قال له الموكل : اعمل برأيك فوكل غيره ، وقال للثاني : اعمل برأيك لم يصح هذا منه حتى لا يكون للثاني أن يوكل غيره ; لأن الوكيل نائب محض لا حق له في المال ، فليس للأول أن يسوي غيره بنفسه في تفويض الأمر إلى رأيه على العموم ، بل هو نائب عن الموكل في توكيل الثاني به ، فأما المضارب فله في المال نوع حق من حيث إنه شريك في الربح فيكون له أن يفوض الأمر إلى رأي غيره على العموم فيما يعامله من عقد المضاربة . ولو لم يقل له الأول للثاني لم يكن للثاني أن يدفعه مضاربة ، وله أن يبضعه ويستأجر فيه بمنزلة الأول ، ولو لم يقل له رب المال : اعمل فيه برأيك وهذا ; لأن المضارب لا يستغني عن الأعوان والأجراء لتتميم مقصود رب المال . وإذا دفع مالا مضاربة إلى رجل على أن للعامل من الربح مائة درهم ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى غيره بالنصف فربح فيه ، أو وضع فالربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ; لأن المضارب غير مخالف في دفعه المال إلى غيره مضاربة ، فقد قال له رب المال : اعمل فيه برأيك والمضاربة الفاسدة تعتبر بالمضاربة الجائزة في [ ص: 103 ] الحكم ، فكما أنه في العقد الجائز بهذه الصورة لا يصير مخالفا بالدفع إلى غيره مضاربة ، فكذلك الفاسدة إلا أنه لا حق للأول في الربح ، فلا يستحق الثاني بشرطه شيئا من غير الربح ولكن عمل المضارب الثاني كعمل الأول ، فالربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ، وعلى رب المال أجر مثل المضارب الأول فيما عمل المضارب الآخر ، وللمضارب الآخر مثل نصف الربح في مال المضارب الأول ; لأنه صار مغرورا من جهته . وقد استحق الربح من يده بعد حصوله فيرجع عليه بمثل ما أوجبه له . ولو كان الأول أخذ المال مضاربة بالنصف ، وقيل له : اعمل فيه برأيك فدفعه مضاربة إلى آخر ، على أن له من الربح مائة درهم ، فعمل به الثاني فللثاني أجر مثله على المضارب في تلك المضاربة لما بينا : أنه بمنزلة الأجير له ، ولكن الإجارة فاسدة . ولو كانت صحيحة كان رجوعه في مال المضاربة فكذلك في الإجارة الفاسدة ، والربح بينه وبين رب المال على الشرط ; لأن عمل أجيره كعمله بنفسه . ولو كان رب المال حين دفعه إلى الأول قال : على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، أو قال : ما كان في ذلك من رزق فهو بيننا نصفان ، أو قال : خذ هذا المال مضاربة بالنصف ، وقال : اعمل فيه برأيك فدفعه المضارب إلى آخر مضاربة بالثلث فربح فللمضارب الآخر ثلث الربح وللأول سدسه ، ولرب المال نصفه ; لأن رب المال بهذه الألفاظ يكون شارطا نصف ربح جميع المال لنفسه ، فما أوجبه المضارب الأول للآخر يكون من نصيبه خاصة حتى لو دفعه الأول إلى الثاني مضاربة بالنصف ، فنصف الربح للمضارب الثاني ونصفه لرب المال ، ولا شيء للمضارب الأول ; لأنه حول جميع نصيبه إلى الثاني . فإن كان المضارب الأول شرط للثاني ثلثي الربح فللمضارب الثاني نصف الربح ; لأن إيجاب المضارب الأول للثاني إنما يتم سببا لاستحقاقه فيما هو نصيب الأول ، وهو النصف دون الزيادة على ذلك ، ثم يرجع الثاني على الأول في ماله خاصة بسدس الربح أيضا ; لأنه صار مغرورا من جهته ، فإنه شرط له الثلثين ولم يسلم له إلا النصف ، وهذا الشرط من المضارب الأول غير صحيح في إبطال استحقاق رب المال ، أما في حق نفسه فهو صحيح ، وقد التزم سلامة ثلثي الربح للثاني ، فإذا لم يسلم إلا النصف رجع عليه بالسدس إلى تمام الثلثين ، ولا ضمان على المضارب الأول ; لأن رب المال قال له : اعمل برأيك فلا يصير هو مخالفا بإيجاب الشركة للغير في ربح المال . ولو قال رب المال للأول : ما ربحت في هذا من شيء فهو بيننا نصفان ، أو : ما رزقك الله فيه ، أو قال : على أن ما كان لك فيه من فضل ، أو ربح أو [ ص: 104 ] قال : على أن ما كسبت فيه من كسب ، أو قال : على أن ما رزقك الله فيه من شيء ، أو قال : على أن ما صار لك فيه من ربح فهو بيننا نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك ودفعه الأول إلى آخر مضاربة بالنصف ، أو بثلثي الربح ، أو بخمسة أسداس الربح كان ذلك كله صحيحا ، وللثاني من الربح جميع ما شرط له ، والباقي بين الأول ورب المال نصفان ; لأن رب المال بهذه الألفاظ ما شرط لنفسه نصف جميع الربح ، وإنما شرط لنفسه نصف ما يحصل للأول من الربح ; لأنه أضاف بحرف الخطاب وهو الكاف ، أو التاء فما شرطه الأول للثاني قل أو كثر لا يتناول شيئا مما شرط رب المال لنفسه ، فيستحق الثاني جميع ما شرط له ، وما وراء ذلك جميع ما حصل للمضارب الأول ، وإنما شرط رب المال لنفسه نصف ذلك ، فلهذا كان الباقي بينهما نصفين ، بخلاف الأول فرب المال هناك شرط نصف جميع ربح المال لنفسه ; لأنه أضاف الرزق والربح إلى المال دون المضارب الأول . وإذا دفع رب المال ماله مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينه وبين المضارب نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى الثالث مضاربة بالثلث فعمل به وربح فيه فللثالث ثلث الربح ; لأن ما أوجبه الثاني له ينصرف إلى نصيبه خاصة وللثاني سدس الربح ; لأن هذا القدر هو الباقي من نصيبه ، فلرب المال نصف الربح ، ولا شيء للمضارب الأول ; لأنه أوجب للثاني جميع نصيبه حين شرط له النصف . ولو كان المضارب الأول دفعه إلى الثاني وشرط عليه أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بيننا نصفان ، وقال له : اعمل فيه برأيك فدفعه الثاني إلى ثالث مضاربة بالثلث فللمضارب الآخر ثلث الربح كله ، وسدس الربح بين المضارب الثاني والأول نصفان ، ونصف الربح لرب المال ; لأن رب المال شرط لنفسه جميع الربح ، والأول إنما شرط للثاني نصف ما رزق الله ، وذلك سدس الربح فكان بينهما نصفين ، ولو كان رب المال قال للأول : ما رزق الله من شيء والمسألة بحالها فالمضارب الآخر يأخذ ثلث الربح ، ويقاسم المضارب الثاني المضارب الأول الثلثين نصفين ; لأن الأول إنما أوجب للثاني نصف ما رزقه الله تعالى ، والذي رزقه الله تعالى ما وراء نصيب الثالث ، فكان ذلك بينهما نصفين ويقاسم رب المال المضارب الأول ثلث الربح الذي وصل إليه نصفين ; لأن رب المال إنما شرط لنفسه نصف ما رزق المضارب الأول ، والذي رزق الأول هذا الثلث فكان بينهما نصفين والله أعلم . [ ص: 105 ] قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح ألفا فاقتسما الربح ، وأخذ كل واحد منهما خمسمائة لنفسه ، وبقي رأس مال المضاربة في يد المضارب على حاله حتى هلك ، أو عمل بها فوضع فيها ، أو توى بعد ما عمل فيها فإن قسمتها باطلة ، والخمسمائة التي أخذها رب المال تحتسب من رأس ماله ، فيغرم له المضارب الخمسمائة التي أخذها لنفسه فيكون له من رأس ماله ، وما هلك فهو من الربح ; لأن الربح لا يتبين قبل وصول رأس المال إلى رب المال قال عليه الصلاة والسلام مثل المؤمن كمثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله ، فكذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه ، أو قال فرائضه وهذا ; لأن رأس المال أصل ، والربح فرع وما بقي من رأس المال في يد المضارب فهو أمين فيه ، فإذا هلك من عمله ، أو من غير عمله لا يكون مضمونا عليه ، ولكن يجعل ما هلك كأن لم يكن فتبين أن الباقي من المال كان مقدار الألف وصل إلى رب المال من ذلك خمسمائة وما أخذه لنفسه فهو مضمون عليه فيغرم لرب المال الخمسمائة التي أخذها ، حتى يصل إليه كمال رأس ماله ، وقسمة الربح هنا قبل وصول رأس المال إلى رب المال بمنزلة قسمة الوارث التركة مع قيام الدين على الميت . ولو أن الورثة عزلوا من التركة مقدار الدين وقيموا ما بقي ، ثم هلك المعزول قبل أن يصل إلى الغرماء بطلت القسمة ، وعليهم ضمان ما أخذوا لحق الغرماء ، فكما أن حق الغرماء سابق على حق الورثة في التركة ، فكذلك هنا حق رب المال سابق على حقهما في الربح . وكذلك لو هلك أيضا ما أخذه كل واحد منهما لنفسه ; لأن ما أخذ رب المال محسوب عليه من رأس ماله ، فيستوي هلاكه في يده وبقاؤه ، وما هلك في يد المضارب كان مضمونا عليه ; لأنه أخذه لنفسه وأخرجه عن المضاربة بأخذه ، فبقاؤه وهلاكه في يده سواء . ولو كان الربح ألفين وأخذ كل واحد منهما ألفا من الربح ، ثم ضاع المال كله ولم يقبض رب المال رأس ماله من المضاربة فإن الألف التي قبض رب المال هو رأس ماله ; لأن قسمة الربح بعد انتهاء العقد بوصول رأس المال إلى يد رب المال ، أو إلى يد وكيله ، فأما مع بقاء المال في يد المضارب ، وقيام عقد المضاربة فلا يصح قسمة الربح بينهما ، فيجعل ما هلك كأن لم يكن ، وتبين أن ما قبضه رب المال هو رأس ماله ، وأن الربح كله ما أخذه المضارب ، وقد أخذه لنفسه فكان مضمونا عليه فيغرم نصف تلك الألف لرب المال حصته من الربح ، ولو لم يضع المال حتى اشترى المضارب بالألف [ ص: 106 ] التي بقيت في يده بعد قسمة الربح فربح مالا كثيرا كانت الألف التي قبضها رب المال أولا من رأس المال ، ويأخذ من هذا المال ألف درهم مثل ما أخذ المضارب من الربح الأول ، ثم يكون الباقي ربحا بينهما نصفين لما قلنا : إن قسمة الربح لا تجوز حتى يستوفي رب المال رأس ماله ، أو يستوفي له وكيله ، فإذا استوفاه ثم قسموا الربح جازت المقاسمة ، فإن استوفاه ثم اقتسما الربح فأخذ كل واحد منهما نصفه ، ثم إن رب المال دفع إلى المضارب الألف التي قبضها برأس ماله فقال : خذها فاعمل بها على المضاربة التي كانت فهذه مضاربة مستقبلة جائزة ، إن ربح فيها أو وضع لم تنتقض القسمة الأولى ; لأن العقد الأول قد انتهى بوصول رأس المال إلى يد رب المال ، ثم قسمتهما الربح حصلت في أوانها فتمت ، ثم دفع المال إلى الأول مضاربة مستقلة بمنزلة ما لو دفع إليه ألفا أخرى سوى الألف الأولى . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيها ألفي درهم ، ثم اقتسما فدفع إلى رب المال رأس ماله ألف درهم وأخذ المضارب من الألفين حصته من الربح ألف درهم ، وبقيت حصة رب المال ولم يأخذها حتى ضاعت فإنها تضيع منهما جميعا ; لأن المضارب أمين فيما بقي في يده من المال ما لم يأخذه لنفسه ، فإذا هلك صار كأن لم يكن ويرد المضارب نصف ما أخذ من الربح ; لأن تلك الألف مضمونة عليه حين أخذها لنفسه ، وقد تبين أنها كانت جميع الربح ; ولأنها لا تسلم للمضارب ربحا حتى يسلم لرب المال مثلها ربحا ، ولم يسلم فعلى المضارب أن يرد نصف ما أخذ من الربح . ولو كانت الألف التي أخذها المضارب لنفسه هي التي هلكت وبقيت الألف الأخرى فإنها تحسب على المضارب من حصته ، وتسلم الألف التي بقيت لرب المال ; لأنه قبض تلك الألف لنفسه فصارت مضمونة عليه ، والضمان الذي لزمه بعد ما هلك محسوب عليه من حصته من الربح فيأخذ رب المال الألف الباقية من الربح ، فإن كان المضارب قاسم رب المال الربح وأخذ حصته ، ولم يقبض رب المال حصته حتى ضاع ما قبضه المضارب لنفسه وما بقي ، فإن الذي لم يقبضه رب المال هلك من مالهما ويصير كأن لم يكن ; لأن المضارب بقي أمينا في ذلك ويغرم المضارب لرب المال نصف الربح الذي كان قبضه لنفسه وكان مستوفيا له بالقبض فهلك مضمونا عليه ، وقد تبين أنه جميع الربح فيغرم نصفه لرب المال . ولو ربح ألفا فاقتسما الربح وأخذ كل واحد منهما نصفه ، ثم اختلفا في رأس المال فقال المضارب : قد دفعته إليك وإنما قاسمتني بعد الدفع ، وقال رب المال : لم تدفع إلي رأس المال فالقول قول رب المال ويأخذ الخمسمائة التي [ ص: 107 ] أخذها المضارب فتكون له من رأس ماله ; لأن المضارب أمين ، والأمين فيما يدعي من الرد مقبول القول في براءة نفسه عن الضمان ، غير مقبول القول في وصول المال إلى المردود عليه . ( ألا ترى ) أن المودع إذا ادعى رد الوديعة على الوصي ليس لليتيم أن يضمن الوصي شيئا ، وإذا ادعى الرد على أحد الشريكين ليس للشريك الآخر أن يضمنه شيئا ، فكذلك هنا لا يقبل قول المضارب في وصول رأس المال إلى رب المال ، وما لم يصل رأس المال إليه لا يسلم للمضارب شيء بطريق الربح ; ولأن المضارب يدعي خلوص الخمسمائة المقبوضة له ، ورب المال منكر لذلك والقول قول المنكر فإن قيل : كان ينبغي أن يقال اشتغالهما بقسمة الربح يكون إقرارا بوصول رأس المال إليه فهو في إنكاره بعد ذلك مناقض ، إذ الظاهر يشهد للمضارب ; لأن الظاهر أن قسمة الربح تكون بعد قبض رب المال رأس المال قلنا : لا كذلك فبين التجار عادة ظاهرة في المحاسبة في كل وقت ، وأخذ كل واحد منهما حصته من الربح مع بقاء رأس المال على حاله فلا يكون هذا إقرارا من رب المال بقبض رأس المال ، فباعتبار هذا العرف لا يشهد الظاهر للمضارب أيضا ، ثم الظاهر حجة لدفع الاستحقاق لإثبات الاستحقاق ، والمضارب يدعي استحقاق الخمسمائة ربحا ، والظاهر لهذا لا يكفي ، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب ; لأنه أثبت ببينته دفع رأس المال إلى رب المال ، وبينة رب المال تنفي ذلك ; ولأنه أثبت استحقاقه الخمسمائة ربحا بالحجة ، وإن لم يقيما بينة وهلكت الخمسمائة التي أخذها المضارب لنفسه ، فالمضارب ضامن لها ; لأنه أخذها على أنها له فصار ضامنا لها . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف فذكر المضارب أنه قد ربح فيها ألفا وجاء بألفين ، ثم إنه جحد فقال : لم أربح فيها إلا خمسمائة فهلكت الألفان في يده ، وقامت البينة على إقراره بما قال من الربح فإنه يضمن الخمسمائة التي جحدها من الربح فيأخذها رب المال من رأس ماله ، ولا يضمن شيئا غيرها ; لأن جميع المال أمانة في يده ، وإنما يصير ضامنا مقدار ما جحد من المال كالمودع ، وإنما جحد الخمسمائة فيما سوى ذلك ، وقد هلكت في يده فهي أمانة ، فإنما عليه ضمان الخمسمائة فيأخذها رب المال من رأس ماله . ولو كان أنكر أن يكون ربح في المال شيئا والمسألة بحالها ، ضمن الألف الربح كلها فيأخذها رب المال من رأس ماله ، ولا ضمان عليه في رأس المال ; لأنه لم يجحدها فهلكت في يده أمانة ، وقد جحد الألف التي اعترف أنها ربح في يده فيكون ضامنا مثلها يأخذها رب المال من رأس ماله . ولو ربح فيها ألفا وقال لرب المال : قد دفعت إليك رأس المال ألف درهم وبقيت [ ص: 108 ] هذه الألف الربح ، وقال رب المال : لم أقبض منك شيئا فالقول قول رب المال مع يمينه أنه لم يقبض شيئا ، ويأخذ الألف الباقية من رأس ماله ويستحلف المضارب بالله ما استهلكها ولا ضيعها ; لأن المضارب أمين في رأس المال ، والقول قول الأمين مع اليمين في براءته عن الضمان ; لكونه غير مقبول القول فيما يدعي من سلامة نصف ما بقي له ، ولا هو مقبول القول في وصول رأس المال إلى رب المال ، بل القول في ذلك قول رب المال مع يمينه ، فإذا حلف هو ونكل المضارب عن اليمين غرم الخمسمائة لرب المال حصته من الربح ; لأن رب المال يأخذ الألف الباقية كلها من رأس المال ، والمضارب بنكوله عن اليمين قد أقر أنه استهلك تلك الألف أوضيعها ، وقد بين أن ذلك كان جميع الربح فيغرم حصة رب المال وهو النصف . ولو أن المضارب حين أراد رب المال استحلافه قال : لم أدفعها إليك ولكنها ضاعت مني ، وحلف على ذلك فإنه فيغرم نصفها لرب المال ; لأنه تناقض كلامه في تلك الألف حين ادعى مرة أنه دفعها إليه ، ثم ادعى أنها ضاعت منه ، وقد بينا في الوديعة أن المودع يضمن بمثل هذا التناقض فكذلك المضارب . ولو أن المضارب حين قال : دفعت إليك رأس مالك وبقيت هذه الألف الربح في يدي وكذبه رب المال ، وأقاما البينة فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت قبض رب المال رأس ماله ببينته ، ورب المال ينفي ذلك ، ولو أقام المضارب البينة أن رب المال أقر أنه قبض من رأس ماله ألف درهم ، وأقام رب المال البينة على المضارب أن رب المال لم يقبض من رأس ماله شيئا ، فإن لم يعلم أي الإقرارين أول فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت حق نفسه في نصف ما بقي بطريق الربح ، ورب المال ينفي ذلك ، وإن علم أيهما أول فالبينة بينة الذي يدعي الإقرار الآخر ; لأنا لو عاينا الإقرارين كان الثاني منهما ناقضا للأول ، فإن المقر الآخر يصير به رادا إقرار الأول ، والإقرار يرتد برد المقر له ; فلهذا كان المعمول به آخر الإقرارين . وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فاشترى به وباع وربح ، أو لم يربح ، أو لم يشتر به شيئا منذ دفع المال إليه ، أو اشترى به عرضا ولم يبعه حتى زاد رب المال من الربح السدس فصار لرب المال الثلثان من الربح وللمضارب الثلث ، ثم ربح المضارب بعد ذلك ربحا فهذا جائز على ما فعلا ويقتسمان على ذلك ما حصل قبل الزيادة أو الحط ، وما حصل بعد ذلك لا ينظر فيه إلى الشرط الأول ; لأن الحط والزيادة قد نقضا الشرط الأول وهذا ; لأن العقد قائم بينهما ما لم يصل إلى رب المال رأس ماله ، والزيادة والحط في العقود اللازمة تثبت على سبيل الالتحاق بالأصل ففيما [ ص: 109 ] ليس بلازم أولى ، وإذا التحق بأصل العقد وصار كأنهما شرطا في الابتداء أن يكون الربح بينهما على الثلث والثلثين . ولو كان ربح ربحا فاقتسماه نصفين وأخذ رب المال رأس ماله قبل الحط والزيادة ، ثم وقع الحط والزيادة بعد ذلك فقال المضارب : إنك قد غبنتني فزاده سدس الربح ، أو قال رب المال : قد غبنتني فنقص المضارب من حقه سدس الربح فهذا جائز لازم يرجع كل واحد منهما على صاحبه بما حصل له من ذلك في القياس ، وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - فأما في قول محمد - رحمه الله - فيجوز الحط ، ولا تجوز الزيادة ; لأن العقد قد ارتفع بوصول رأس المال إلى رب المال ، وقسمة الربح وصحة الزيادة في حال بقاء العقد ، ثم ما يأخذ المضارب يأخذه بمقابلة عمله ، وقد انقضى عمله حقيقة وحكما بانتهاء العقد بقسمة الربح ، فلا تجوز الزيادة بعد ذلك في البدل ، وتجوز في الحط ، كما في الإجارة والبيع فإن بعد هلاك المبيع لا تجوز الزيادة ، ويجوز الحط ، فهذا مثله وأبو يوسف يقول : القسمة تنهي عقد المضاربة ، والمنتهى ما يكون متقررا في نفسه ، فكان في معنى القائم دون المفسوخ ، فيجوز الحط والزيادة جميعا ، ثم من حيث المعنى كل واحد منهما يزيد من وجه ، ويحط من وجه ; لأن رب المال يزيد في حصة المضارب ، وذلك حط من نصيبه . وكذلك المضارب يزيد في نصيب رب المال وذلك حط منه لنصيبه ، فإذا جاز من المضارب هذا بطريق الحط فكذلك يجوز من رب المال بطريق الحط والله أعلم . ( قال رحمه الله ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها عبدا يساوي ألفا فأعتقه المضارب ، فعتقه باطل ; لأنه لا فضل في مالية العبد على رأس ماله ، والمضارب إنما يثبت له الملك في الفضل فبعتقه العبد ، ولا فضل فيه ، عتق فيما لا يملكه ، ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ، والذي تدور عليه مسائل الباب أن رأس المال معتبر في كل نوع من أنواع مال المضاربة كان ذلك النوع جميع المال . ( ألا ترى ) أنه لو هلك أحد النوعين استوفى رب المال جميع رأس ماله من الآخر ، فهنا يعتبر العبد كأنه جميع المال ، ولا فضل فيه على رأس المال ، فلا ينفذ عتق المضارب فيه سواء كان في يد المضارب من مال المضاربة شيء آخر ، أو لم يكن . ولو أعتقه رب المال كان حرا ; لأنه أعتق ملك نفسه ، ولا ضمان على رب المال فيه ; لأن جميعه [ ص: 110 ] مشغول برأس المال ورأس المال ، خالص حق رب المال ، وقد بطلت المضاربة إن لم يكن في يد المضارب سوى العبد من مال المضاربة شيء ; لأن المال قد تلف كله بإتلاف رب المال . ولو أن المضارب اشترى بخمسمائة درهم من الألف عبدا يساوي ألفا فأعتقه المضارب فعتقه باطل لما قلنا ، وإن أعتقه رب المال جاز عتقه وصار مستوفيا لرأس المال بعتقه فتبقى الخمسمائة ربحا في يد المضارب فيقسمانها نصفين . ولو كان اشترى بالألف عبدا يساوي ألفين فأعتقه المضارب جاز عتقه في ربعه ; لأن المال كله من جنس واحد ، وفيه فضل على رأس المال فيملك المضارب حصته من الربح ، وذلك ربع العبد فإن نصفه مشغول برأس المال ، والنصف الآخر ربح بينهما نصفان ، وإعتاق أحد الشريكين صحيح في حصته ، ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله - إن كان موسرا فلرب المال الخيار بين أن يضمن المضارب ثلاثة أرباع قيمته ، وبين أن يستسعى العبد فيها ، وبين أن يعتقه بناء على مذهبه أن العتق يتجزأ ، وعندهما قد عتق كله والمضارب ضامن لرب المال ثلاثة أرباع قيمته إن كان موسرا . وإن كان معسرا استسعى العبد في ثلاثة أرباع قيمته ، وهي مسألة معروفة في العتاق ، ولو كان المضارب اشتراه بخمسمائة درهم من المضاربة وهي تساوي ألفين فأعتقه وهو موسر جاز عتقه في ربعه ، ويأخذ رب المال الخمسمائة الباقية من رأس المال ، ويضمن المضارب تمام رأس ماله خمسمائة ونصف الربح وهو سبعمائة وخمسون ، ويرجع المضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على العبد بجميع ما ضمن وهو ألف ومائتان وخمسون ، ويرجع المضارب أيضا على العبد بمائتين وخمسين فيستسعيه فيها وذلك تمام ما كان وجب له من الربح ; لأن عتقه إنما نفذ في القدر الذي هو مملوك له وقت الإعتاق ، وذلك ربع العبد ، فالعبد كأنه جميع مال المضاربة ; لأن ما سواه ليس من جنسه ، وإذا نفذ عتقه في ربعه وذلك خمسمائة ، أخذ رب المال الخمسمائة الباقية من رأس ماله ، وضمن المضارب الخمسمائة الأخرى من قيمة العبد تمام رأس ماله ، وظهر أن الربح ثلاثة أرباع العبد ، وهو ألف وخمسمائة لكل واحد منهما سبعمائة وخمسون ، فيغرم المضارب لرب المال حصته ، وذلك سبعمائة وخمسون ، وقد أتلف من نصيب نفسه بالإعتاق خمسمائة فإنما بقي له مائتان وخمسون فيستسعى العبد في ذلك ، ويرجع عليه أيضا بما ضمن لرب المال وذلك ألف ومائتان وخمسون ; لأنه ضمن له ذلك بإعتاقه ، ومن أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن المعتق إذا ضمن يرجع بما ضمن على العبد فيستسعيه فيه ; لأنه قائم مقام الساكت في ذلك ، وقد كان للساكت أن يستسعى العبد في ذلك ، فكذلك للمعتق إذا ضمن ; ولأنه بالضمان [ ص: 111 ] ملك نصيبه فيستسعى العبد في ذلك لإتمام العتق ، وعند أبي يوسف ومحمد يعتق العبد كله ويستوفي رب المال الخمسمائة الباقية من رأس ماله ، ويضمن المضارب ألفا ومائتين وخمسين درهما ، ولا سعاية له على العبد في شيء بناء على أصلهما أن العتق لا يتجزأ . ولو اشترى المضارب بألف المضاربة عبدين ، كل واحد منهما يساوي ألفا ، فأعتقهما المضارب فعتقه باطل عندنا ، وعند زفر - رحمه الله - نافذ في ربع كل واحد منهما ، وقيل على قول أبي يوسف ومحمد - رحمه الله - : ينبغي أن يكون الجواب كذلك ; بناء على أصلهما أن الرقيق يقسم قسمة واحدة فكان هذا بمنزلة جنس واحد من المال فيملك المضارب حصته من الربح ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا يجري في الرقيق قسمة الجبر فيستسعى كل واحد من العبدين على حدته ، وكل واحد منهما مشغول برأس المال ، والأصح عند علمائنا الثلاثة - رحمهم الله - أن لا ينفذ عتق المضارب في شيء منها ; لأنهما يريان قسمة الجبر على الرقيق عند إمكان اعتبار المعادلة إذا رأى القاضي النظر في ذلك ، فعند عدم هذا الشرط كل واحد منهما معتبر على حدة ، لا فضل في كل واحد منهما على رأس المال فلا ينفذ عتق المضارب في شيء منها ، فزفر - رحمه الله - يقول : العبدان في حكم المضاربة كعبد واحد ، ورأس المال ألف درهم فيتيقن بوجود الفضل فيهما على رأس المال ; فينفذ عتق المضارب في حصته ، وهو الربع كما في العبد الواحد . ( ألا ترى ) أنه لو أعتقهما رب المال كان ضامنا حصة المضارب خمسمائة ، فإذا ظهر نصيب المضارب في حق وجوب الضمان له عند إعتاق رب المال فلأن يظهر نصيبه في تنفيذ العتق كان أولى . ولنا أن بإعتاق رب المال إياهما يصل إليه رأس المال ; فيظهر الفضل ، فأما بإعتاق المضارب إياهما لا يصل إلى رب المال شيء ، ولا فضل في واحد منهما على رأس المال فيعتبر كل واحد منهما على حدة ، كأنه ليس معه غيره ، فلا ينفذ عتق المضارب في واحد منهما يوضحه أن للمضارب هنا حقا يتقرر عند وصول رأس المال إلى رب المال لا قبله . ( ألا ترى ) أنه لو هلك أحدهما كان الباقي كله لرب المال برأس ماله ، وباعتبار الحق يجب الضمان ، ولكن لا ينفذ العتق ، وإنما ينفذ باعتبار الملك ، ولا ملك له في واحد منهما عند الإعتاق ; فلهذا لا ينفذ عتقه ، وإن زادت قيمتهما بعد ذلك كان العتق باطلا أيضا ; لأنه إنما يملك نصيبه الآن حين ظهر الفضل فيهما على رأس المال بزيادة قيمتهما ، ومن أعتق ما لا يملك ، ثم ملك لا ينفذ عتقه ، ولو أعتقهما رب المال معا عتقا ; لأن كل واحد منهما ملكه لكون كل واحد منهما مشغولا بملك رأس المال ، وألف ربح فيضمن حصة المضارب من ذلك وهو [ ص: 112 ] خمسمائة موسرا كان أو معسرا ولا سعاية على العبد عندهم جميعا ; لأن كل واحد منهما عتق كله بإعتاق المالك إياه فلا يلزمه السعاية ، ورب المال صار متلفا حق المضارب من الربح بالعتق ; فيضمن له موسرا كان أو معسرا . ![]()
__________________
|
|
#454
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 112الى صـــ 121 (454) فإن أعتق أحدهما قبل صاحبه عتق الأول كله ، وولاؤه له ويعتق من الثاني نصفه ; لأنه حين نفذ عتقه في الأول منهما ، قد وصل إليه كمال رأس ماله وبقي العبد الآخر ربحا ، والربح مشترك بينهما نصفان فهو بإعتاق الثاني ، أعتق عبدا مشتركا بينه وبين غيره ، وحكم هذا في الخيار ، والاستسعاء ، والتضمين معروف ، ولو كان المضارب اشترى بها عبدين يساوي أحدهما ألفين والآخر ألفا فأعتقهما المضارب معا ، أو متفرقين وهو موسر فعتقه في دين قيمته ألف درهم باطل ; لأنه لا فضل في قيمته على رأس المال ، فلا يملك هو شيئا منه ، وأما الذي قيمته ألفان فالمضارب مالك لربعه حين أعتقه فيعتق منه ربعه ، ثم باع الذي قيمته ألف درهم فيستوفي رب المال من ذلك رأس ماله ; لأن رأس المال يحصل من شراء الأموال ، وذلك مالية العبد الذي لقي فيه عتقه بطريق البيع ، فقد تعذر البيع في معتق العبد فإذا وصل إليه رأس ماله ظهر أن العبد الثاني كله ربح ، وأن نصيب المال منه ألف درهم فيضمن المضارب ذلك لرب المال إن كان موسرا ، ويرجع بها على العبد في قول أبي حنيفة ويستسعيه أيضا في خمسمائة تمام نصيبه ; لأنه حين أعتق ما كان يملك منه إلا الربع ، فإن حدث له ملك في ربع آخر بعد ذلك بأن وصل إلى رب المال رأس ماله لا ينفذ ذلك العتق فيه ; فلهذا يستسعيه في هذا الربع لتتميم العتق . ولو لم يعتقهما المضارب ، وأعتقهما رب المال في كلمة واحدة ، فالعبد الذي قيمته ألف جزء من مال رب المال ، ولا سعاية عليه ، وأما العبد الذي قيمته ألفان فثلاثة أرباعه جزء من مال رب المال ; لأن عتقه إنما نفذ فيه بقدر ملكه فيهما وقت الإعتاق ، وقد كان مالكا جميع العبد الأوكس ; لأنه لا فضل فيه على رأس المال وثلاثة أرباع الأرفع فينفذ عتقه في ذلك القدر ، وأما الربع الباقي فإن كان رب المال موسرا فالمضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - بالخيار : إن شاء أعتق ذلك الربع ، وإن شاء استسعى العبد فيه ، وإن شاء ضمنه رب المال ويرجع به رب المال على العبد . وإن كان معسرا : فإن شاء أعتق ، وإن شاء استسعى ، وهذا ظاهر وضمن المضارب أيضا رب المال تمام حصته من الربح ، وذلك خمسمائة موسرا كان أو معسرا ; لأنه بالإعتاق صار متلفا مقدار ألفين وخمسمائة : ألف من ذلك رأس ماله ، وألف وخمسمائة ربح ، وقد وصل إلى [ ص: 113 ] المضارب خمسمائة ، إما بالتضمين أو بالاستسعاء فيسلم مثله لرب المال بقي ألف درهم بما أنفقه : فنصفها حصة المضارب ; فلهذا غرم له خمسمائة موسرا كان أو معسرا . والحاصل أن كل شيء زاد به نصيب المضارب بعد عتق رب المال فالضمان فيه على رب المال ، ولا ضمان فيه على العبد ، وكل ما كان الملك فيه ظاهرا للمضارب وقت إعتاق رب المال ، فالحكم فيه بالتضمين والاستسعاء يختلف باليسار والإعسار ، كما بينا ، ثم رب المال لا يرجع على العبد بما ضمن للمضارب من هذه الخمسمائة الأخرى ; لأنه التزم ذلك بالإتلاف فإن كان رب المال أعتق الذي قيمته ألفان أولا عتق منه ثلاثة أرباعه لما بينا ، ثم تبين بوصول رأس المال إلى رب المال أن الآخر كله ربح مشترك بينهما فإنما ينفذ عتق رب المال في نصفه فالحكم فيه بمنزلة الحكم في العبد المشترك يعتقه أحد الشريكين . وإن كان أعتق الذي قيمته ألف درهم أولا عتق الأول كله وصار رب المال مستردا جميع رأس ماله فيظهر أن الآخر كله ربح ، وأنه مشترك بينهما ، وإنما ينفذ عتق رب المال في نصفه وللمضارب الخيار في نصيبه ، كما بينا . ولو اشترى بألف عبدين كل واحد منهما يساوي ألفا فأعتقهما المضارب معا ، أو أحدهما قبل صاحبه ، ثم فقأ رب المال عين أحدهما ، أو قطع يده فقد صار مستوفيا نصف رأس ماله ; لأن العين من الآدمي نصفه فصار متلفا نصفه بفقء العين ، أو قطع اليد . ولو كان العبد الأجنبي يضمن نصف قيمته خمسمائة ، فإذا كان من مال المضاربة صار مستوفيا نصف رأس ماله ، ثم ظهر الفضل في العبد الآخر ; لأن الباقي من رأس المال خمسمائة وقيمته ألف إلا أن العتق الذي كان من المضارب قبل ذلك فيه باطل ; لأنه سبق الملك فلا ينفذ ، وإن ظهر الملك من بعده ، وإن أعتقهما المضارب بعد ذلك لم يجز عتقه في المجني عليه ; لأنه لا فضل فيه عما بقي من رأس المال ، وأما العبد الآخر فيعتق منه ربعه نصف الفضل على ما بقي من رأس المال فيه ، ثم يباع المجني عليه فيدفع إلى رب المال تمام رأس ماله ، ويضمن المضارب إن كان موسرا لرب المال نصف قيمة العبد الذي جاز عتقه فيه ; لأنه ظهر أن جميعه ربح وأن نصفه لرب المال ; فيضمن المضارب له ذلك إذا كان موسرا ضمان العتق ، ويرجع به على العبد ، ويرجع عليه أيضا بمائتين وخمسين درهما ، وهذا قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأنه ظهر ملكه في نصفه إلا أن أعتقه حين عتق ، ما نفذ إلا في ربعه فيستسعيه في قيمة ربعه لتتميم العتق فيه . وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فدعواه باطلة ; لأن كل [ ص: 114 ] واحد منهما مشغول برأس المال ، ولا فضل فيه ، وكل واحد منهما معتبر بانفراده فدعوته حصلت في غير ملكه فهو ضامن لعقر الجارية ; لأنه أقر بوطئها وهي مملوكة لرب المال فعليه عقرها لما سقط الحد عنه بالشبهة ، وله أن يبيع الجارية وولدها ، فقد أبهم الجواب هنا وهو على التقسيم ، فإن كانت جاءت بالولد منذ اشتراها لأقل من ستة أشهر فله أن يبيعها ، ولكن لا يلزمه العقر ; لأنا تيقنا أن الوطء سبق شراؤه ، فلا يوجب عليه العقر للمضاربة . وإن كانت جاءت به لأكثر من ستة فعليه العقر ، وله أن يبيعها ما لم يستوف رب المال منه عقرها ، فإن استوفى عقرها وهو مائة درهم صحت دعوته وثبت نسب الولد منه ، وصارت الجارية أم ولد له ; لأن ما وصل إلى رب المال وهو مائة درهم محسوب من رأس ماله ، فإنما يبقى من رأس ماله تسعمائة ، وفي قيمة كل واحد منهما فضل على ما بقي من رأس المال فتصح دعواه ، ثم يغرم لرب المال من قيمة الجارية تسعمائة تمام رأس ماله وخمسين درهما مما بقي ، موسرا كان أو معسرا ; لأن ضمان الاستيلاد ضمان تملك فلا يختلف باليسار والإعسار ، ولهذا لا يعتمد الصنع ، فإذا غرم له تسعمائة فقد وصل إليه تمام رأس ماله ، وصارت المائة الباقية من قيمتها ربحا بينهما فيغرم حصة رب المال من ذلك خمسين درهما . وأما الولد فهو ربح كله ، ويعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ويستسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب في ذلك وإن كان موسرا ; لأنه كالمعتق له ، وضمان الإعتاق لا يجب إلا بالصنع ، وإنما عتق نصيبه هنا حكما لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على رأس المال ، فإن لم يبع واحد منهما ، ولم يستوف رب المال عقرها حتى زادت الجارية فصارت تساوي ألفين فهي أم ولد للمضارب ; لأنه ظهر الفضل في قيمتها على رأس المال فيملك المضارب حصته منها ، وهو الربع فتصير أم ولد له ; لأنه بدعواه نسب الولد ، قد أقر أنها أم ولد له والإقرار بالاستيلاد إذا حصل قبل الملك يوقف على ظهور الملك في المحل ، وبعد الملك يصير كالمجدد له ، ثم الاستيلاد لا يحتمل الوصف بالتحري في المحل فصار هو متملكا نصيب رب المال منها ، وذلك ثلاثة أرباعها : ألف وخمسمائة ، ألف رأس ماله ، وخمسمائة ربح فعليه قيمة ثلاثة أرباعها موسرا كان أو معسرا ; لأنه ضمان التملك ، وأما الولد فهو رقيق على حاله ما لم يؤد ما عليه من قيمة الأم ، أو يأخذ رب المال شيئا من المقر ; لأنه لا فضل فيه على رأس المال ، وله أن يبيعه فإن لم يبعه حتى صار يساوي ألفين فإنه يصير ابن المضارب ، ويعتق منه ربعه ; لأنه ظهر الفضل في قيمته على رأس المال فملك المضارب نصيبه من الربح ، وذلك ربع [ ص: 115 ] الولد فيعتق ذلك القدر عليه ، بخلاف ما سبق إنه إذا أعتقه ولا فضل فيه على رأس المال ، ثم ظهر الفضل فيه لم ينفذ ذلك العتق ; لأن إنشاء العتق متى سبق الملك لم ينفذ بحدوث الملك في المحل بعده . ودعوى النسب إذا سبقت الملك نفذ لحدوث الملك في المحل بعده باعتبار أن سببه لا يحتمل الفسخ بحال ، وهو كونه مخلوقا من مائه ، ثم لا ضمان على المضارب فيه ; لأنه عتق حكما لظهور الفضل في قيمته ، وضمان العتق يعتمد الصنع ، وحين وجد منه الصنع وهو الدعوى لم يعتق شيء منه ; لأن علة العتق القرابة والملك فإن ما يضاف إلى آخر الوصفين وجودا ، وقد حصل ذلك حكما بغير صنعه ; ولهذا لو ورث بعض قريبه لم يضمن لشريكه شيئا ، بخلاف الأم فإن ضمان الاستيلاد ضمان تملك وهو لا يعتمد الصنع . ( ألا ترى ) أنه لو ورث بعض أم ولده يضمن لشريكه نصيبه ، فإن استوفى رب المال من المضارب ألف درهم صار ما بقي من الابن وما بقي على المضارب من قيمة الأم وعقرها على المضاربة ربحا كله ، فإن كان العقر مائة درهم ضمن رب المال المضارب الألف كلها ، والمائة الدرهم ، فإذا أخذها كان للمضارب مثل ذلك من الولد فيعتق من الولد قدر ألف درهم ومائة ، ويبقى تسعمائة فهو بين المضارب وبين رب المال نصفين فيعتق حصة المضارب ، ويستسعى الولد لرب المال في حصته أربعمائة وخمسين ، ولرب المال من ولاء الولد عشره وربع عشره وإلا والباقي للمضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهذا اللفظ سهو فإن لرب المال من ولاء الولد خمسه وربع عشره ; لأن قيمة الولد ألفان ، والذي عتق منه على ملك رب المال قدر أربعمائة وخمسين وأربعمائة خمس الألفين ، والخمسون ربع العشر فإن العشر مائتان فعلمنا أن له من الولاء خمسه وربع عشره ، والباقي للمضارب ، وقد طعن عيسى - رحمه الله - في هذا الجواب فقال : هو خطأ ; لأن الباقي بعد الألف الذي استوفاها رب المال ، كله ربح بينهما نصفان ، فلا يكون حصة المضارب من الولد خاصة ، ولكن المضارب يضمن نصف ما بقي من نصف قيمة الأم ، ونصف العقر واستسعى الولد في نصف قيمته ، واستشهد بالمسألة التي ذكرها في آخر الباب ، فإنه خرجها على هذا الوجه فقال : تلك صحيحة وهي تنقض هذه المسألة فقال مشايخنا - رحمهم الله - ما ذكره عيسى هو القياس ، ولكن ما ذكره محمد - رحمه الله - نوع استحسان ، وإنما أخذ به هنا لزيادة العتق في الولد . فأما لو سلكنا طريق القياس لم يعتق الولد مجانا إلا بصفة ، وإذا صرنا إلى ما ذكره محمد - رحمه الله - يعتق من الولد ثلاثة أرباعه وربع عشره مجانا ، ومبنى العقد على الغلبة والسراية ، فيترجح الطريق الذي فيها تكثير العتق ، [ ص: 116 ] ثم الفرق بين هذه المسألة وبين تلك بيناه آخر الباب . ولو كان المضارب معسرا لا يقدر على الأداء فأراد رب المال أن يستسعي الجارية في رأس ماله وحصته من الربح لم يكن له ذلك ; لأن ذلك دين على المضارب ولا سعاية على أم الولد في دين مولاها ، وإن أراد أن يستسعي الولد كان له ذلك في الألف ، وخمسمائة ألف درهم رأس ماله وخمسمائة حصته من الربح في الولد ; لأن نصيب المضارب من الولد وهو الربع عتق بالدعوى فعليه السعاية في نصيب رأس المال وهو ثلاثة أرباعه وهذا ; لأن الولد يعتق بأداء السعاية ، والاستسعاء لتتميم العتق صحيح ، فأما أم الولد فلا تعتق بأداء السعاية ; فلهذا لا يلزمها السعاية في دين مولاها ثم لرب المال ثلاثة أرباع ولاء الولد ; لأن هذا القدر عتق على ملكه بأداء السعاية إليه ، ويرجع على المضارب بنصف قيمة الأم ونصف العقد ; لأنها مع عقرها كله ربح فيسقط عن المضارب حصته من ذلك ، ويغرم حصة رب المال ، فإذا أدى ذلك إلى رب المال فأراد أن يرجع بشيء مما سعى فيه على واحد منهما لم يكن له ذلك ; لأن عوض ما سعى فيه قد حصل له وهو ذلك القدر من رقبته . ولو كان المضارب حين اشترى الجارية بالألف وهي تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فلم يدعه ، ولكنه ادعاه رب المال فهو ابنه ، والأم أم ولد له ، ولا يغرم للمضارب شيئا من عقر ولا قيمة جارية ; لأن الجارية كلها مملوكا لرب المال ، إذ لا فضل فيها على رأس المال ، فاستيلاده حصل في خالص ملكه ، وذلك نقض منه للمضاربة بمنزلة ما لو استردها بالإعتاق فلم يلزمه عقرها وقد علق الولد حر الأصل ولا شيء للمضارب قبله من قيمتها ، ولا من قيمة ولدها . وكذلك لو كان الولي يساوي ألفين ; لأن نسبه ثبت من وقت العلوق وإنما علق حر الأصل فلا معتبر بقيمته قلت أو كثرت . ولو كانت الأم تساوي ألفين غرم ربع قيمتها ، وثمن عقرها للمضارب ; لأنه حين استولدها كان الربع منها للمضارب فيغرم له ربع قيمتها ، وقد لزمه ربع عقرها أيضا باعتبار ملك المضارب لكن هذا الربع من العقر ربح بينهما نصفان ; فتسقط حصته من ذلك ، ويغرم حصة المضارب وهو ثمن عقرها ، ولا ضمان عليه في الولد ; لأنه علق حر الأصل فإن أصل العلوق حصل في ملكه فتستند دعواه إلى تلك الحالة ، ويكون الولد حر الأصل . ولو كان المضارب هو الذي وطئ الجارية وقيمتها ألفان فجاءت بولد فادعاها المضارب بعد ما ولدته وقيمته ألف درهم فالولد ولد المضارب ; لأنه كان مالكا لربعها حين استولدها وذلك يكفي لثبوت نسب الولد بالدعوى ، ولا ضمان عليه فيه وهو عبد ; لأنه لا يملك شيئا من الولد فإنه [ ص: 117 ] لا فضل في قيمته على رأس المال . ولو اشترى المضارب ابنا معروفا له بمال المضاربة ولا فضل فيه على رأس المال لم يعتق عليه ، فكذلك إذا ثبت النسب بدعواه ويغرم لرب المال ثلاثة أرباع قيمة الجارية ; لأن نصيبه منها صار أم ولد له ، وصار به متملكا نصيب رب المال وهو ثلاثة أرباعها ; فلهذا يغرم ثلاثة أرباع قيمتها ويغرم له ثلاثة أثمان العقر ولكن ذلك ربح كله فيقسط نصف حصة المضارب ويضمن لرب المال حصته من ذلك ، وهو ثلاثة أثمان عقرها فإذا قبض رب المال ذلك عتق نصف الولد ; لأن الولد صار ربحا كله فيعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن العتق حصل حكما بحدوث ملكه فيه . ولا يقال : كان ينبغي أن يكون الولد حر الأصل كما في جانب رب المال ; لأن رب المال صار ناقضا للمضاربة باسترداد رأس المال عنه عند الاستيلاد ، والمضارب لا يتمكن من ذلك فلا يسلم له شيء من الربح ما لم يسلم رأس المال لرب المال ; فلهذا كان الولد رقيقا وإنما يعتق إذا سلم رأس المال لرب المال ، ولو كانت الجارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فغرمه رب المال المقر وهو مائة درهم وأخذها صارت الجارية أم ولد للمضارب ويعتق الولد ويثبت نسبه لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على ما بقي من رأس المال ويضمن المضارب من قيمة الأم تسعمائة وخمسين درهما تسعمائة ما بقي من رأس المال ، وخمسون حصة رب المال من المائة التي هي ربح في الجارية ، فإذا قبضها رب المال عتق نصف الولد من المضارب ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، وولاؤه بينهما نصفان ; لأن الولد كله ربح بينهما نصفين ، وهذه هي المسألة التي استشهد بها عيسى - رحمه الله - والفرق بينهما وبين الأول على جواب الكتاب من وجهين : أحدهما أن في هذا الموضع سبب عتق الولد : اشترك فيه المضارب ورب المال ، فلهذا لا يجمع نصيب المضارب من الربح في الولد كله وهناك لا صنع لرب المال في السبب الموجب للعتق في الولد ، وإنما السبب ظهور الفضل في قيمته على رأس المال ; فلهذا يجمع جميع نصيب المضارب من الربح في الولد لدفع الضرر عن رب المال بوصوله إلى جميع نصيبه بالتضمين في الحال . والثاني : أن الجمع هناك لتغليب العتق ، وذلك لا يقوى هناك ; لأن تفاوت ما بين الجمع والتفريق نصف عشر الولد ، فالربح من الجارية قدر المائة ، وإن جعلنا ذلك كله لرب المال لا يزداد العتق للولد إلا بقدر نصف العشر ، وذلك قليل ; فلهذا لم يشتغل بالجمع هنا . وإن كان المضارب معسرا وقد أدى العقر فلرب المال أن يستسعي الولد بتسعمائة وخمسين [ ص: 118 ] درهما : تسعمائة بقية رأس ماله ; لأنه لا وجه لاستسعاء الجارية في ذلك فإنها أم ولد فلا يلزمها السعاية في دين مولاها ، ولكن يستسعي الولد في ذلك ليعتق ، ثم المائة الباقية منه ربح فيسعى لرب المال في نصفها ، ويكون لرب المال من الولد تسعة أعشاره ، ونصف عشره ويكون له نصف قيمة الأم دينا على المضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن الأم صارت ربحا كلها ، وإنما يضمن المضارب لرب المال مقدار حصته منها بالاستيلاد ، وذلك النصف والله أعلم . ( قال - رحمه الله - ) : رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى وباع وربح ، ثم اشترى ببعضها عبدا يساوي ألفا فقتله رجل عمدا فلا قصاص فيه لاشتباه المتوفى ; لأن في الحال العبد كله مشغول برأس المال ، فالقصاص لرب المال دون المضارب ، وباعتبار المال المضارب شريك ; لأن رب المال باستيفاء القصاص لا يصير مستوفيا رأس ماله ، فإن القصاص ليس بمال فلا بد أن يستوفي ما بقي من المال بحساب رأس المال ، وإذا استوفى ذلك ظهر في العبد فضل على ما بقي من رأس المال فيكون المضارب شريكا بقدر حصته من الربح ، وليس لأحد الشريكين أن ينفرد باستيفاء القصاص ، فإن قيل : كان ينبغي أن يجتمعا في استيفاء القصاص قلنا : هذا غير ممكن أيضا ، فإن المضارب يصير مستوفيا لنفسه شيئا قبل أن يصل إلى رب المال كمال رأس ماله ، وذلك لا يجوز وبه فارق العبد المرهون إذا قتل عمدا ، واجتمع الراهن والمرتهن في استيفاء القصاص فإن لهما ذلك في قول أبي حنيفة ، وأحد الروايتين عن أبي يوسف - رحمهما الله - وفي قول محمد - رحمه الله - وهو أحد الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله - ليس لهما ذلك ; لأن حق المرتهن مع حق الراهن فيه بمنزلة حق المضارب مع حق رب المال هنا ، والفرق بينهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن هناك الحق لا يعد وهما ، وليس في اجتماعهما على استيفاء القصاص ما يتضمن مخالفة حكم الشرع ، بل مالية الرهن تصير تاوية به ويسقط الدين ، وذلك مستقيم بتراضيهما وهنا في اجتماعهما على الاستيفاء سلامة شيء للمضارب قبل وصول كمال رأس المال إلى رب المال . يوضحه أن هناك الراهن هو المالك لجميع العبد في الحال والمآل ، وللمرتهن حق فيشترط رضاه ليتمكن المالك من استيفاء القصاص ، وهنا المالك رب المال في الحال ، وباعتبار المآل المضارب شريك في المآل وهو نظير المكاتب إذا قتل عن وفاء وله وارث سوى المولى لا يجب القصاص [ ص: 119 ] لاشتباه المستحق . ولو كان المضارب اشترى بالألف المضاربة عبدا يساوي ألف درهم فقتله رجل عمدا فالقصاص واجب لرب المال ; لأن العبد قتل على ملكه ولا شركة للغير فيه باعتبار الحال والمال إذ لا فضل في المال على رأس المال فيجب القصاص له على القاتل ، وقد خرج العبد عن المضاربة ; لأن القصاص الواجب ليس بمال ، وقد صار مال المضاربة بحال لا يتأتى فيه التصرف بيعا ولا شراء ; فلهذا يخرج من المضاربة كما لو أعتقه رب المال ، فإن صالحه على ألف درهم كانت لرب المال من رأس ماله ، وإن صالحه على ألفي درهم استوفى رب المال من ذلك رأس ماله ، وما بقي بمنزلة الربح بينهما على ما اشترطا ; لأن القود الواجب كان مثلا لمال المضاربة ، وقد صار ذلك القود بالصلح مالا ، والمال عوض عن ذلك القود ، وحكم العوض حكم المعوض إلا أنه كان لا يظهر حق المضارب في القود ; لأنه ليس بمال ، والربح لا يظهر ما لم يصل رأس المال إلى رب المال . فأما هنا العوض مال فيظهر نصيب المضارب فيه إذا وصل رب المال رأس ماله وهو نظير الموصي له بالثلث لا حق له في القصاص ، فإن وقع الصلح عنه على مال ; ثبت فيه حق الموصي له . ولو كان المضارب اشترى العبد بألف المضاربة وهو يساوي ألفين فقتله رجل عمدا فلا قصاص عليه ، وإن اجتمع على طلبه رب المال والمضارب ; لأن رب المال لا ينفرد باستيفاء القصاص هنا للشركة التي كانت للمضارب في العبد حين قتل ، ولا يجوز أن يجتمعا على الاستيفاء ; لأن رب المال باستيفاء القصاص لا يصير مستوفيا رأس ماله ، فيؤدي إلى أن يستوفي المضارب شيئا لنفسه قبل أن يصل إلى رب المال رأس ماله ; فلهذا لا يجب القصاص أصلا . ومتى تعذر إيجاب القصاص في العمد المحض يجب بدل المقتول في مال القاتل ، وبدل المقتول قيمته هنا فيأخذ المضارب قيمة العبد من القاتل في ماله في ثلاث سنين ; لأن وجوب المال بنفس القتل فيكون مؤجلا ، وإن كانت العاقلة لا تعقله لكونه عمدا كالأب إذا قتل ابنه عمدا ثم هذه القيمة على المضاربة يشتري بها ، ويبيع بمنزلة ما لو غصب العبد غاصب وتلف في يده . ولو كانت قيمته ألف درهم ، أو أقل فقتل العبد رجلا عمدا فادعى ذلك أولياؤه على العبد ، وأقاموا عليه البينة بذلك ، والمضارب حاضر ورب المال غائب لم يقض على العبد بالقصاص حتى يحضر رب المال وكذلك إن حضر رب المال والمضارب غائب ما لم يقض بالقصاص حتى يحضر المضارب ; لأن الملك لرب المال ، واليد للمضارب وهي يد مستحقة له . ( ألا ترى ) أنه يتمكن من التصرف باعتبارها على وجه لا يملك رب المال نهيه عن ذلك ; فنزل هو منزلة المالك ، [ ص: 120 ] واشتراط حضور المالك في القضاء بالبينة على العبد بالقود قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وفي قول أبي يوسف الآخر لا يشترط ذلك ; لأن العبد في حكم دمه مبقى على أصل الحرية ، وعندهما للمولى حق الطعن في الشهود ، فلا يجوز تفويت ذلك الحق عليه بالقضاء بالبينة حال غيبته ، وقد بينا المسألة في الآبق ، فحال غيبة المضارب على الخلاف أيضا ، ولا خلاف أن العبد لو أقر بالقتل عمدا فإنه يقضى عليه بالقود حضرا أو لم يحضرا ; لأن الإقرار ملزم بنفسه ، وليس لهما حق الطعن في إقراره . ولو أقر العبد بذلك وهما حاضران يكذبانه فيه ، وللمقتول وليان فعفا أحدهما فإن حق ولي الآخر باطل ; لأن صحة إقراره باعتبار أن المستحق به دمه ، وهو خالص حقه ، وبعد عفو أحد الوليين المستحق للآخر هو المال ، وإقراره في استحقاق الملك والمالية على مولاه باطل ، كما لو أقر بجناية خطأ . وكذلك لو كان المضارب صدقه ; لأن العبد كله مشغول برأس المال فالمضارب فيه كالأجنبي ، وباعتبار لا ينفذ إقراره كالمرتهن إذا أقر بذلك على المرهون ، فإن كان في العبد فضل فقيل له ادفع نصف حصتك إلى الولي الذي لم يعف أو افده لأنه ملك حصته من الفضل . ولو أقر بجناية خطأ خوطب بالدفع أو الفداء ، فكذلك بجناية العمد بعد عفو أحد الوليين في نصيب الآخر فإذا احتال أحدهما بطلت المضاربة ; لأنه لو اختار الدفع فقد صار مملكه ذلك القدر من جهة نفسه لا على وجه التصرف في مال المضاربة ، وإن اختار الفداء فقد سلم له ذلك القدر بما أدى من الفداء ، وذلك يبطل عقد المضاربة فيه ، وإذا بطل حكم المضارب في بعض رأس المال ; بطل في كله فيأخذ رب المال من العبد قدر رأس ماله وحصته من الربح ، ويأخذ المضارب نصف حصته الذي بقي . ولو لم يكن في دفعه إلا إثبات الشركة للغير في مال المضاربة لكان ذلك مبطلا للمضاربة ، ولو كان المضارب أنكر ما أقر به العبد ، وأقر به رب المال وقيمته ألف أو أقل قيل لرب المال : ادفع نصفه أو افده بنصف الدية ; لأن العبد كله مملوك لرب المال فإقراره عليه بالجناية الموجبة للمال صحيح ، فإن دفعه ; كان النصف الباقي على المضاربة ، ورأس المال فيه خمسمائة ; لأنه في حق المضارب صار هو مستوفيا نصفه بالدفع فيكون ذلك محسوبا عليه من رأس ماله . وإن كانت قيمته أقل من ألف طرح من الألف قدر قيمة ما استهلك رب المال من العبد بالدفع ، ورأس ماله ما وراء ذلك والباقي على المضاربة ، يتمكن المضارب من التصرف فيه . ولو كانت قيمته ألفي درهم صدق رب المال على حصته من ذلك وهو ثلاثة أرباع العبد فيقال له : ادفع نصف حصتك أو افده ويسلم لرب المال [ ص: 121 ] نصف حصته من العبد ، ويكون للمضارب حصته من العبد وهو الربع ; لأن المولى حين أقر عليه بالجناية كان العبد مشتركا بينه وبين المضارب أرباعا ، فإنما يعمل إقراره في نصيبه دون نصيب المضارب . ولو اشترى المضارب بألف المضاربة عبدا قيمته ألف درهم فجنى جناية خطأ لم يكن للمضارب أن يدفعه بالجناية ; لأن العبد كله مملوك لرب المال ، فالدفع بالجناية تمليك لا بطريق التجارة فلا يملكه المضارب بعقد المضاربة ، كالتمليك بالهبة والصدقة وكإبطال الملك فيه بالإعتاق وإن فداه كان متطوعا في الفداء ; لأنه لا ملك له في العبد ، وهو غير مجبر على هذا الفداء فهو فيه كأجنبي آخر ، وكان العبد على المضاربة على حاله ; لأنه فرغ من الجناية بالفداء ، فإن كان رب المال حاضرا قيل له : ادفعه أو افده ; لأنه هو المالك لجميع العبد حين جنى ، والمالك هو المخاطب بالدفع أو الفداء ، فإن اختار الفداء ; أخذه ولم يكن للمضارب عليه سبيل ; لأنه سلم له العبد بما أدى من الفداء ، فصار هو في حق المضارب كالتاوي حين أبى المضارب أن يفديه فلا يبقى له حق فيه باعتبار يده ، وإن أراد دفعه فقال المضارب : أنا أفديه ويكون على المضاربة ; لأني أريد أن أبيعه فأربح فيه كان له ذلك ; لأن له في العبد يدا معتبرة ، وباعتبارها يتمكن من التصرف على وجه لا يملك رب المال منعه عن ذلك فيكون هو متمكنا من استدامة يده بأداء الفداء ; لأنه لا يبطل بالفداء شيئا من حق رب المال ، ورب المال بالدفع يبطل حق المضارب . ولو كان المضارب غائبا لم يكن لرب المال أن يدفعه ، وإنما له أن يفديه ; لأنه ليس في الفداء إبطال اليد المستحقة للمضارب فيه ، بل فيه تقرير يده بعد ما أشرفت على الفوات ، وفي الدفع تفويت يده فلا يملكه إلا بمحضر من المضارب ; لأن له أن يختار الفداء إذا حضر ، فلا يملك رب المال أن يبطل عليه خياره . ولو كان المضارب اشترى ببعض المضاربة عبدا فجنى جناية خطأ وفي يد المضارب من المضاربة مثل الفداء أو أكثر لم يكن له أن يفديه بالمال الذي في يده ; لأن الفداء من الجناية ليس من التجارة ، وليس له أن يتصرف في مال المضاربة على غير وجه التجارة ، وإنما له أن يفديه من مال نفسه إن أحب . ولو كان اشترى بألف المضاربة عبدا يساوي ألفين فجنى جناية خطأ تحيط بقيمته أو أقل منها لم يكن لواحد منهما أن يدفعه حتى يحضرا جميعا ; لأن العبد مشترك بينهما ربعه للمضارب ، وثلاثة أرباعه لرب المال ، وأحد الشريكين في العبد لا ينفرد بدفع جميع العبد ، وأيهما فداه فهو متطوع في الفداء ; لأن في نصيب شريكه هو غير مجبر على الفداء ، ولا مضطر إلى ذلك لإحياء ملكه فكان متبرعا فيه فإن حضرا واختارا [ ص: 122 ] الدفع دفعاه وليس لهما شيء ، وإن اختار الفداء فالفداء عليهما أرباعا على قدر ملكهما فيه ، وقد خرج العبد من المضاربة وليس للمضارب بيع نصيب رب المال منه ; لأنه إنما سلم له بما أدى من الفداء ، والمضارب قد رضي بفوات يده وحقه فيه حين أبى الفداء في حصة رب المال ، فإن اختار رب المال الفداء ، واختار المضارب الدفع فكل واحد منهما يختص بملك نصيبه وله ما اختار في نصيبه من دفع أو فداء ، وقد وقعت القسمة بينهما ، وخرج العبد من المضاربة ; لأن رب المال إن دفع نصيبه وفدى المضارب نصيبه ، فقد تميز نصيب أحدهما من الآخر ، وكذلك إن كان المضارب دفع نصيبه وتميز أحدهما من نصيب الآخر ; لا يكون إلا بعد القسمة ; فلهذا جعل ذلك قسمة بينهما وإبطالا للمضاربة ; ولأن بالتخيير في حق كل واحد يثبت في نصيبه حكم ، ليس ذلك من حكم المضاربة فيتضمن ذلك بطلان المضاربة بينهما ، والله أعلم . ![]()
__________________
|
|
#455
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 122الى صـــ 131 (455) ( قال - رحمه الله - ) : وإذا اشترى المضارب بألف المضاربة عبدا ، أو أمة ليس له أن يزوج واحدا منهما في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - يزوج الأمة ، ولا يزوج العبد لأن في تزويج الأمة اكتساب المال واسقاط نفقتها من مال المضاربة ، وذلك بمنزلة بيعها وإجارتها ، وتزويج العبد إضرار لا منفعة فيه للمضاربة ، ولهما أن المضارب فوض إليه التجارة في هذا المال ، والتزويج ليس من التجارة فإن التجار ما اعتادوه ، ولم نعرف في موضع من البلدان سوقا معدا للتزويج ، وفيما ليس بتجارة المضارب كغيره من الأجانب . ( ألا ترى ) أنه لا يكاتب ; لأن الكتابة ليست بتجارة وإن كان فيها اكتساب المال ، فكذلك تزويج الأمة وإن كاتب عبدا من المضاربة ، ولا فضل في قيمته على رأس المال فأدى الكتابة فهو عبد ; لأنه لو أعتقه كان عتقه باطلا ، فكذلك إذا استوفى منه بدل الكتابة ، وما أداه فهو من المضاربة ; لأنه كسب عند المضاربة ، والكسب يتبع الأصل ، فإذا كان المكتسب على المضاربة فكذلك كسبه ، وإذا كان كاتبه وفيه فضل على رأس المال ; فكتابته أيضا باطلة ; لأنه لا يمكن تنفيذها على المضاربة فإنها ليست بتجارة ، ولا يمكن تنفيذها في نصيب نفسه باعتبار ملكه ; لأن ذلك القدر يخرج من المضاربة ; فيؤدي إلى سلامة شيء للمضارب قبل وصول رأس المال ، إلى رب المال ثم هذا عبد مشترك بينهما ، وأحد الشريكين إذا كاتب فللآخر أن يفسخ الكتابة لدفع الضرر عن نفسه ، [ ص: 123 ] فهنا للمولى أن يبطل الكتابة أيضا ، فإن لم يبطلها حتى أدى البدل عتق نصيب المضارب منه ; لأنه كان علق عتقه بالأداء ، فعند استيفاء البدل منه يصير كالمعتق إياه ، وإعتاق المضارب في نصيب نفسه صحيح إذا كان في العبد فضل على رأس المال ، ثم حصة نصيب المضارب من المكاتب وهو الربع يسلم له ، وما وراء ذلك كسب ثلاثة أرباعه ، فيكون على المضارب يستوفي رب المال منه رأس المال ، وما بقي بعد ذلك اقتسماه على الشرط في الربح ، ثم رب المال بالخيار في قول أبي حنيفة - رحمه الله - إن شاء ضمن المضارب إن كان موسرا نصف قيمة العبد إذا كانت المضاربة بالنصف ، وإن شاء استسعى العبد ، وإن شاء أعتقه ; لأنه لما وصل إلى رب المال رأس المال بقي العبد كله ربحا ، فيكون بينهما نصفين ، وقد عتق نصيب المضارب منه بإعتاقه ، وهو موسر فيكون للثالث ثلاث خيارات كما هو أصل أبي حنيفة ولو كان المضارب أعتقه على ألفي درهم ولا فضل في قيمته على رأس المال فعتقه باطل ; لأنه لا يملك إعتاق شيء منه بغير عوض لانعدام ملكه في شيء من الرقبة ، فكذلك لا يملك الإعتاق بعوض . وإن كان فيه فضل عتق نصيبه منه بحصته من المال الذي أعتقه عليه ; لأنه في حصته يملك الإعتاق بغير عوض فيملك الإعتاق بعوض ، وشرط العتق قبول العبد جميع العوض ، وقد وجد وسلم تلك الحصة له ، ورب المال بالخيار وإن كان المضارب موسرا بين التضمين والاستسعاء والإعتاق . إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى ببعضها عبدا فرهنه المضارب بدين عليه من غير المضاربة لم يجز ، كان في العبد فضل على رأس المال ، أو لم يكن ; لأنه صرف مال المضاربة إلى حاجة نفسه ، والرهن نقيض الاستيفاء ، وليس له أن يوفي دين نفسه بمال المضاربة قبل القسمة ، فكذلك لا يرهن به ، فإن رهنه بدين من المضاربة وفيه فضل ، أو ليس فيه فضل فالرهن جائز ; لأنه يملك إيفاء دين المضاربة بمال المضاربة فيملك الرهن أيضا ، وهذا ; لأنه من صنيع التجار ، والمضارب فيما هو من صنيع التجار بمنزلة المالك ولو لم يرهنه ولكن العبد استهلك مالا لرجل أو قتل دابة فباعه المضارب في ذلك دون حضور رب المال ، أو دفعه إليهم بدينهم أو قضى الدين عنه من مال المضاربة فذلك جائز ; لأن ما فعله من صنيع التجار . أما البيع فلا يشكل ، وكذلك قضاء الدين عنه ; لأن فيه تخلص المالية فيكون بمنزلة فكاك الرهن بقضاء الدين ، وهذا بخلاف جنايته في بنى آدم ، فإن موجب الجناية الدفع ، أو الفداء ، وليس ذلك من التجارة فليس تستند المضاربة به . ولو أذن المضارب لهذا العبد في [ ص: 124 ] التجارة ولم يقل له رب المال في المضاربة . اعمل برأيك جاز ذلك على رب المال ; لأن الإذن في التجارة من التجارة وبمطلق العقد يملك المضارب ما هو من التجارة في مال المضاربة مطلقا ، فإن اشترى العبد عبدا من تجارته فجنى عبده جناية لم يكن للعبد أن يدفعه ، ولا يفديه حتى يحضر رب المال والمضارب ، وهذا بخلاف العبد المأذون من جهة مولاه إذا اشترى عبدا فجنى جناية ، فإن للمأذون أن يدفعه أو يفديه ; لأن هناك العبد استفاد الإذن ممن يخاطب بموجب جنايته ، فكذلك هو بعد انفكاك الحجر يخاطب بموجب جناية عبده فيخير بين الدفع والفداء . وأما عبد المضاربة فاستفاد الإذن من جهة من لا يكون مخاطبا بموجب جنايته ، فكذلك هو لا يكون مخاطبا بموجب جناية عبده في الدفع ، أو الفداء قبل حضور رب المال والمضارب وهذا ; لأن المأذون من جهة المضارب لا يكون أحسن حالا في التجارة من المضارب ، فإذا كان المضارب لا ينفرد بدفع عبد المضاربة بالجناية ولا بالفداء من مال المضاربة قبل أن يحضر رب المال ; فكذلك المأذون من جهته ; لأن كسب هذا المأذون مال المضاربة لنفسه . وإذا دفع الرجل مال ابنه الصغير مضاربة بالنصف ، أو بأقل ، أو بأكثر فهو جائز ; لأنه مأمور بقربان ماله بالأحسن ، وقد يكون الأحسن هذا ، فقد لا يجد من يحتسب بالتصرف في ماله ، ولا يتفرغ لذلك ; لكثرة أشغاله ، وإن استأجر من يتصرف في ماله وجب الأجر ، حصل الربح أو لم يحصل فكان أنفع الوجوه للصبي أن يجعل المتصرف شريكا في الربح التابع في النظر لأجل نصيب نفسه من الربح ، ولا يغرم الصبي له شيئا إن لم يحصل الربح . وكذلك لو أخذه لنفسه مضاربة ; لأن منفعة الصغير في هذا أبين فإنه أشفق على ماله من الأجنبي ، ويكون المال عنده محفوظا فوق ما يكون عند الأجنبي . ولو أخذ الأب لابنه الصغير مال رجل مضاربة بالنصف ، على أن يعمل به الأب للابن فعمل به الأب فربح فالربح بين رب المال والأب نصفان ، ولا شيء للابن من ذلك ; لأن الربح في المضاربة يستوجب بالعمل ، وإذا كان العمل مشروطا على الأب فما يقابله من الربح يكون له وهذا ; لأنه يعمل بمنافعه وهو العقد على منافع نفسه ، ولا يكون نائبا عن الابن فكانت الإضافة إلى الابن لغوا إذا كان العمل مشروطا على الأب . ولو كان مثله يشتري ويبيع فأخذه الأب على أن يشتري به الغلام ويبيع ، والربح نصفان فالمضاربة جائزة ، والربح بين رب المال والابن نصفان ; لأنه ممن يملك التصرف عند الإذن له في التجارة ، والأب نائب عنه فيما هو من عقود التجارة ، وفيما هو [ ص: 125 ] من عقود التجارة عليه ، وأخذ المال له المضاربة بتلك الصفة ، فمباشرة الأب له كمباشرته بنفسه أن لو كان بالغا . وكذلك لو عمل به الأب للابن بأمره ; ولأنه استعان بالأب في إقامة ما التزم من العمل بعقد المضاربة . ولو استعان بأجنبي آخر كان عمل الأجنبي له بأمره كعمله بنفسه ، فكذلك إذا استعان فيه نائبه وإن كان الابن لم يأمره بالعمل ; فهو ضامن للمال ; لأن رب المال إنما رضي بتصرف الصبي لا بتصرف أبيه فيكون الأب في التصرف فيه كأجنبي آخر ، بخلاف مال الصبي فله ولاية التصرف فيه شرعا لكونه قائما مقام الصبي ، وإن ثبت أنه في هذا التصرف كأجنبي آخر كان غاصبا ضامنا للمال ، والربح له يتصدق به ; لأنه استفاده بكسب خبيث ، والوصي في جميع ذلك بمنزلة الأب ; لأنه بعد موته قائم مقامه فيما يرجع إلى النظر للصغير في ماله . إذا دفع المكاتب مالا مضاربة بالنصف أو بأقل ، أو بأكثر ، أو أخذ مالا مضاربة فهو جائز ، وكذلك العبد المأذون له في التجارة ; لأن هذا من عمل التجار ، وكذلك الصبي المأذون له في التجارة ; لأنه منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار كالعبد ، وإن دفعه الصبي بغير إذن أبيه أو وصيه ، وهو غير مأذون في التجارة فعمل به المضارب فهو ضامن له ; لأنه غاصب للمال ، فإذن الصبي له في التصرف ودفعه المال إليه بدون رأي الولي باطل ، وإذا كان غاصبا ضمن المال وملك المضمون بالضمان ، والربح له ويتصدق به والله أعلم . ( قال رحمه الله ) : ولا بأس بأن يأخذ المسلم من النصراني مالا مضاربة ; لأنه من نوع التجارة والمعاملة ، أو هو توكيل من رب المال إياه بالتصرف فيه ، ولا بأس للمسلم أن يلي البيع والشراء للنصراني بوكالته ، ويكره للمسلم أن يدفع إلى النصراني مالا مضاربة وهو جائز في القضاء ، كما يكره أن يوكل النصراني بالتصرف في ماله وهذا ; لأن المباشر للتصرف هنا النصراني ، وهو لا يتحرز عن الزيادة ، ولا يهتدي إلى الأسباب المفسدة للعقد ، ولا يتحرز عنها اعتقادا . وكذلك يتصرف في الخمر والخنزير ، ويكره للمسلم أن ينيب غيره منابه في التصرف فيها ، ولكن هذه الكراهة ليست لعين المضاربة ، والوكالة فلا تمتنع صحتها في القضاء . ولا يكره للمسلم أن يدفع ماله إلى مسلم ونصراني مضاربة ; لأن النصراني لا يستبد بالتصرف في هذا المال دون المسلم ، والمسلم [ ص: 126 ] لا يمكنه من الربا والتصرف في الخمر ، فكان دفعه إليهما مضاربة كالدفع إلى المسلمين . ولا ينبغي للمضارب ولا لرب المال أن يطأ جارية اشتراها للمضاربة كان فيها فضل على رأس المال ، أو لم يكن ، ولا يقبلها ، ولا يلمسها ; لأنه إن لم يكن فيها فضل فهي ملك رب المال ، ليست بزوجة للمضارب ولا بملك يمين ، ولكن للمضارب فيها حق نسبة الملك ، حتى إن رب المال لا يملك أخذها منه ولا نهي المضارب عن التصرف فيها ، فكان المضارب ممنوعا عن التصرف ، والتي يختص بالملك فيها والوطء ودواعيه من هذه الجملة ، وكان رب المال ممنوعا من ذلك لقيام حق المضارب فيها ، وفي المضاربة الصغيرة قال : إذا لم يكن فيها فضل فأحب إلي أن لا يطأها رب المال ، ولا يعرض لها بشيء من هذا . ولو فعل لم يكن آثما فيه ; لأنه خالص ملكه . وحق المضارب في المالية وحل الوطء ينبني على ملك المتعة ، وإنما يستفاد ذلك بملك الرقبة دون ملك المالية . وإن كان فيها فضل فهي بمنزلة جارية مشتركة بين اثنين ، فلا يحل لواحد منهما أن يطأها ; لأن حل الوطء ينبني على ملك المتعة ، وإنما يستفاد ذلك بكمال ملك الرقبة وببعض العلة لا يثبت شيء من الحكم ولو زوجها رب المال من المضارب ، فإن كان فيها فضل ; فالنكاح باطل ; لأن المضارب يملك مقدار حصته منها ، وملك جزء منها كملك جميع الرقبة في المنع من النكاح ابتداء وبقاء ، وإذا بطل النكاح بقيت على المضاربة كما كانت ، وإن لم يكن فيها فضل جاز النكاح ، كما لو زوجها من أجنبي آخر ; لأن ولاية التزويج تستفاد بملك الرقبة كولاية الإعتاق ولو أعتقها رب المال ، أو دبرها نفذ ذلك منه ، فكذلك إذا زوجها وقد خرجت من المضاربة ; لأن التزويج ليس من التجارة ، وتنفيذ المولى فيها تصرفا ليس من التجارة ، بل يكون إخراجا لها من المضاربة ، فليس للمضارب أن يبيعها بعد ذلك . ( ألا ترى ) أن المولى لو زوج أمته من كسب عبده المأذون ولا دين عليه من المأذون أو غيره جاز النكاح ، وخرجت الجارية من التجارة حتى لا يملك المأذون بيعها بعد ذلك فكذلك المضارب . وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة جارية ثم أشهد بعد ذلك أنه اشتراها لنفسه شراء مستقلا بمثل ذلك المال أو بربح ، وكان رب المال أذن له أن يعمل فيه برأيه ، أو لم يأذن فإن شراءه لنفسه باطل ، ولا ينبغي له أن يطأها وهي على المضاربة على حالها ; لأنه يشتري من نفسه لنفسه وأحد لا يملك ذلك غير الأب في حق ولده الصغير ، وهذا المعنى يضاد الأحكام . وإن كان حين اشتراها بمال المضاربة أشهد أنه يشتريها لنفسه فإن كان رب المال أذن له في ذلك ; فذلك جائز وما اشترى فهو له ، وهو [ ص: 127 ] ضامن لرب المال ما نقد ; لأنه قضى بمال المضاربة دين نفسه ، فإن ثمن ما اشترى لنفسه يكون عليه . وإن كان رب المال لم يأذن له في ذلك ; فالجارية على المضاربة ; لأنه أضاف الشراء إلى مال المضاربة وهو لا يملك التصرف في مال المضاربة إلا للمضاربة ، والمأمور بالتصرف لا يعزل نفسه في موافقته أمر الآمر كالوكيل بشراء شيء بعينه ، إذا اشترى ذلك الشيء لنفسه ; يكون مشتريا لرب المال ; لأنه يريد عزل نفسه في موافقة أمر الآمر . فأما إذا كان أذن له في ذلك فيتمكن من التصرف في هذا المال إلا للمضاربة ، ويصير رب المال بهذا الإذن كالمقرض للمال منه إن اشترى به لنفسه . وإن كان اشتراها على المضاربة ، وفيها فضل فأراد المضارب أن يأخذها لنفسه فباعها إياه رب المال بربح ; فذلك جائز ويستوفي رب المال من ذلك رأس ماله ، وحصته من الربح ، وقد خرج المال من المضاربة ; لأن رب المال ولو باعها من غيره برضاه جاز ، فكذلك إذا باعها منه ، وأكثر ما فيه أن للمضارب فيها شركة ، وشراء أحد الشريكين من صاحبه جائز في نصيبه ، ثم قد خرج المال من المضاربة ; لأنه حين اشتراها لنفسه فقد تحول حكم المضاربة إلى ثمنها ، والثمن مضمون في ذمة المضاربة ومن شرط المضاربة كون المال أمانة في يد المضارب ، فإذا صار مضمونا عليه بطلت المضاربة . ولو كان رب المال أراد أخذ الجارية لنفسه فباعها إياه المضارب بزيادة على رأس المال ; فهو جائز عندنا ، وهو قول زفر لا يجوز ; لأن الملك فيها لرب المال حقيقة ، وللمضارب فيها حق وبيع الحق لا يجوز ، ولنا أن هذا تصرف مفيد ; لأنه يخرج به من المضاربة ما كان فيها ، ويدخل به في المضاربة ما لم يكن فيها وهو الثمن ، ومبنى التصرفات الشرعية على الفائدة ، فمتى كان مفيدا كان صحيحا كالمولى إذا اشترى عبدا من عبده المأذون المديون ، ويكون الثمن هنا على المضاربة ; لأن شرط المضاربة ما انعدم بصيرورة الثمن دينا في ذمة رب المال ، فإن العينية شرط ابتداء المضاربة ، فأما في حالة البقاء في ذمة رب المال وكونه في ذمة أجنبي آخر فسواء ، بخلاف الأول فيكون المال أمانة في يد المضارب بشرط بقاء العقد وابتدائه ، فإذا صار مضمونا عليه قلنا بأن المضاربة تبطل . وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فارتد المضارب ، أو دفعه إليه بعد ما ارتد ، ثم اشترى وباع فربح ، أو وضع ثم قتل على ردته ، أو مات ، أو قتل بدار الحرب جاز جميع ما فعل من ذلك ، والربح بينهما على ما اشترطا ; لأن توقف تصرفاته عند أبي حنيفة - رحمه الله - لتعلق حق ورثته بماله ، أو لتوقف ملكه باعتبار توقف نفسه ، وهذا المعنى لا يوجب تصرفه في مال المضاربة ; لأنه نائب فيه عن رب المال ، وهو [ ص: 128 ] متصرف في منافع نفسه ، ولا حق لورثته في ذلك ; فلهذا نفذ تصرفه ، والعهدة في جميع ما باع واشترى على رب المال في قول أبي حنيفة ; لأن حكم الردة نيط بردته ، وقد بينا ذلك في ردة الوكيل وهذا ; لأنه لو لزمته العهدة لكان قضى ذلك من ماله . فإذا نحيت العهدة عنه بأن قتل على ردته تعلق بما انتفع بتصرفه بمنزلة الصبي المحجور عليه إذا توكل بالشراء للغير ، أو بالبيع في قول أبي يوسف ومحمد ، وحاله في التصرف بعد الردة كحاله قبل الردة ، فالعهدة عليه ، ويرجع بذلك على رب المال ، وإن كان المضارب امرأة فارتدت ، أوكانت مرتدة حين دفع المال إليها ثم فعلت ذلك ; كانت العهدة عليها كما لو تصرفت لنفسها وهذا ; لأن المرتدة لا توقف نفسها ما دامت في دار الإسلام ولا يوقف مالها أو تصرفها أيضا ، بخلاف المرتد قال : ولو لم يرتد المضارب وارتد رب المال أو كان مرتدا ، ثم اشترى المضارب وباع فربح ، أو وضع ، ثم قتل المرتد أو مات أو لحق بدار الحرب فإن القاضي يجيز البيع ، والشراء على المضاربة والربح له ويضمنه رأس المال في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو على المضاربة ; لأن رب المال حين ارتد فقد توقفت نفسه ، وصار بحيث لا يملك التصرف بنفسه ، فكذلك لا يتملك المضارب التصرف له ، ولكن ينفذ تصرفه في الشراء والبيع على نفسه ، ويضمن ما نقد من مال المضاربة ، وعند أبي يوسف ومحمد : تصرفه نافذ على المضاربة ، ثم على قول أبي حنيفة - رحمه الله - ينفذ شراؤه على نفسه غير مشكل ، ولكن الإشكال في تنفيذ بيعه ، وإنما ينفذ بيعه ; لأن ردة رب المال بعد ما صار المال عروضا كموته ، وقد بينا أنه يملك البيع بعد موت رب المال ، فلا بد من تنفيذ بيعه لذلك ثم شراؤه بعد ذلك بالمال على نفسه . ولو لم يدفع ذلك إلى القاضي حتى رجع المرتد مسلما ، جاز جميع ذلك على المضاربة كما اشترطا ، وهذا بخلاف الوكالة فإن الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب ، ثم عاد مسلما جاز جميع ذلك على المضاربة كما اشترطا وهذا بخلاف الوكالة فإن الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلما لم يعد الوكيل على وكالته . أما إذا لم يتصل قضاء القاضي بلحاقه ; فلأن هذا بمنزلة الغيبة ، فلا يوجب عزل الوكيل ، ولا بطلان المضاربة ، وأما بعد الالتحاق والقضاء به فالوكيل إنما ينعزل بخروج محل التصرف عن ملك الموكل إلى ملك ورثته ، وذلك مبطل للوكالة ، والوكالة بعد ما بطلت لا تعود إلا بالتجديد ، وهو غير مبطل للمضاربة لمكان حق المضارب ، كما لو مات حقيقة وهذا الفرق فيما ينشأ من التصرف بعد عود رب المال ، فأما فيما كان أنشأ من التصرف ، فإن كان قد قضى [ ص: 129 ] القاضي بلحاقه لا ينفذ ذلك التصرف على المضاربة بعد ما نفذ على المضارب نفسه ، كما لو مات حقيقة فإن كان لم يقض القاضي بلحاقه فهو كما لو غاب ، ثم رجع قبل اللحوق بدار الحرب وأسلم ; فينفذ جميع ذلك على المضاربة . ولو كان لرب المال امرأة مرتدة كان جميع ذلك جائزا على المضاربة إن أسلمت ، أو لم تسلم ; لأنها تملك التصرف بعد الردة ، فكذلك ينفذ تصرف المضارب لها بعد ردتها . وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة بالنصف فارتد رب المال ، ولحق بدار الحرب فلم يقض في ماله بشيء حتى رجع مسلما ، وقد اشترى المضارب بالمال ، أو باع ورب المال في دار الحرب ، فذلك كله جائز على المضاربة ; لأن اللحوق بدار الحرب إذا لم يتصل به قضاء القاضي بمنزلة الغيبة . ولو كان المضارب هو الذي ارتد ولحق بدار الحرب واشترى به في دار الحرب وباع ، ثم رجع بالمال مسلما فإن له جميع ما اشترى وباع من ذلك ، ولا ضمان عليه في المال ; لأنه لما لحق بالمال دار الحرب فقد تم استيلاؤه عليها ; لأنه حربي أدخل مال المسلم دار الحرب بغير رضاه ، وهذا الاستيلاء يوجب الملك له في المال ، فتصرفه بعد ذلك لنفسه لا للمضاربة ولا ضمان عليه في المال ; لأنه صار مستوليا مخالفا بعد الإحراز بدار الحرب . ولو استهلك بعد ذلك لم يكن عليه ضمان ; لأن الموجب للتقوم في هذا المال كان هو الإحراز بدار الإسلام ، وقد انقطع ذلك . ( ألا ترى ) أنه لو لحق مرتدا ثم عاد فأخذ المال فاستهلكه لم يكن عليه ضمان ، فكذلك إذا أدخله مع نفسه في دار الحرب . وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى بها ، ثم ارتد رب المال ولحق بدار الحرب أو قتل مرتدا ، ثم باع المضارب العرض جاز بيعه على المضاربة ; لأنه لو مات رب المال حقيقة كان للمضارب بيع العروض بعد ذلك ، فكذلك إذا قتل أو مات مرتدا ، وإن كان المال في يده دراهم لم يكن له أن يشتري بها شيئا اعتبارا للموت الحكمي بالموت الحقيقي ، وإن كانت دنانير فليس له أن يشتري بها عين الدراهم ، وإن كان غيرهما كان له أن يبيعه بما بدا له حتى يصير في يده دراهم أو دنانير . وإذا دخل الحربي إلينا بأمان فدفع إليه مسلم مالا مضاربة بالنصف فأودعه الحربي مسلما ، ثم رجع إلى دار الحرب ، ثم دخل إلينا بعد ذلك بأمان وأخذ المال من المستودع فاشترى به وباع فهو عامل لنفسه ، ويضمن لرب المال رأس ماله ; لأنه لما عاد إلى دار الحرب التحق بحربي لم يكن في دارنا قط ، وذلك ينافي عقد المضاربة بينه وبين المسلم ; لأن ما هو أقوى من المضاربة وهو عصمة النكاح منقطع بتباين الدارين حقيقة وحكما ، فانقطاع المضاربة بهذا السبب أولى ، فإذا [ ص: 130 ] بطلت المضاربة كان هو في التصرف غاصبا ضامنا لرب المال رأس ماله . ولو أن الحربي دخل بالمال دار الحرب فاشترى به وباع هناك فهو له ولا ضمان عليه ; لأنه صار مستوليا على المال حين دخل دار الحرب بغير إذن رب المال ، وتم إحرازه لها فيكون متملكا متصرفا فيه لنفسه ، وبعد الإسلام هو غير ضامن لما يملكه على المسلم بالاستيلاء ، وإن كان رب المال أذن له في أن يدخل دار الحرب فيشتري به ويبيع هناك ، فإني أستحسن أن أجيز ذلك على المضاربة ، وأجعل الربح بينهما على ما اشترطا ، إن أسلم أهل الدار ، ورجع المضارب إلى دار الإسلام مسلما ، أو معاهدا ، أو بأمان وفي القياس هو متصرف لنفسه ; لأن المنافي للمضاربة قد تحقق برجوعه إلى دار الحرب وإن كان بإذن رب المال بعد تحقق المنافي لا يمكن تنفيذ تصرفه على المضاربة ، فيكون متصرفا لنفسه بطريق الاستيلاء على المال ، ووجه الاستحسان : أنه ما دخل دار الحرب إلا ممتثلا أمر رب المال ، ولا يكون مستوليا على ماله فيما يكون ممتثلا فيه أمره ، وإذا انعدم الاستيلاء كان تصرفه في دار الحرب وفي دار الإسلام سواء . ( ألا ترى ) أن رب المال لو بعث بماله إليه ليتصرف فيه له جاز ، وتكون الوديعة في ذلك التصرف على رب المال والربح له ، فكذلك إذا أدخله مع نفسه بإذن رب المال ، وإن ظهر المسلمون على تلك الدار ، والمال في يد المضارب فربح فيه واشترى عرضا - فيه فضل أو لا فضل فيه - قال رب المال : يستوفي من المضاربة رأس ماله وحصته من الربح ، وما بقي فهو فيء للمسلمين ; لأن الباقي حصة الحربي ، والحربي صار فيئا بجميع أمواله ، فأما قدر رأس المال وحصته من الربح ، فهو حق رب المال ، ورب المال مسلم ، ماله مصون عن الاغتنام كنفسه ، وقيل : هذا قول أبي حنيفة فأما عندهما فينبغي أن يكون جميع المال فيئا ; لأنه مال المسلم في يد الحربي ، ولا حرمة ليده ، وأصل الخلاف في مسلم أودع ماله عند حربي في دار الحرب ، ثم خرج إلى دار الإسلام ، ثم ظهر المسلمون على الدار فعند أبي حنيفة هذا ، وما لو أودعه عند مسلم أو ذمي سواء ، فلا يكون فيئا ، وعند أبي يوسف ومحمد يد المودع على الوديعة لا تكون أقوى من يده على مال نفسه ، ويد الحربي على مال نفسه لا تكون دافعة للاغتنام ، فكذلك يده على الوديعة . وإذا دخل الحربيان دار الإسلام بأمان ، فدفع أحدهما إلى صاحبه مالا مضاربة بالنصف ، ثم دخل أحدهما دار الحرب لم تنتقض المضاربة ; لأنهما من أهل دار الحرب ، والذي بقي منهما في دار الإسلام كأنه في دار الحرب حكما . ( ألا ترى ) أنه يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب وأن زوجته التي في دار الحرب ، لا تبين منه ، فانتقاض المضاربة بين المسلم [ ص: 131 ] والحربي الراجع إلى دار الحرب كان حكما لتباين الدارين ، وذلك غير موجود هنا . ولو أن أحد الحربيين دفع إلى مسلم مالا مضاربة بالنصف ، ثم دخل المسلم دار الحرب لم تنتقض المضاربة ، وكذلك إن كان المضارب ذميا ; لأنه من أهل دار الإسلام ، فإن دخل دار الحرب تاجرا حتى لا تبين زوجته التي في دار الإسلام فيكون هذا السفر في حقه بمنزلة السفر إلى ناحية أخرى من دار الإسلام . ولو دفع أحد الحربيين إلى صاحبه مالا مضاربة على أن له من الربح درهما فالمضاربة فاسدة ، وهما في ذلك بمنزلة المسلمين ، والذميين ; لأن المضاربة من المعاملات ، وقد التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات حين دخلوا دارنا بأمان للتجارة ، فما يفسد بين المسلمين يفسد بينهم ، إلا التصرف في الخمر والخنزير . وكذلك حكم المسلمين في المضاربة الفاسدة في دار الحرب ودار الإسلام سواء ; لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون ، فإذا دخل المسلم والذمي دار الحرب بأمان فدفع إلى حربي مالا مضاربة بربح مائة درهم ، أو دفعه إليه الحربي فهو جائز في قول أبي حنيفة ، ومحمد ، والربح بينهما على ما اشترطا حتى إذا لم يربح إلا مائة درهم ، فهي كلها لمن شرط له ، والوضيعة على رب المال ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - المضاربة فاسدة ، وللمضارب أجر مثله ، وحالهما في ذلك كحالهما في دار الإسلام ، وهو بناء على مسألة الربا فإنه لا يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب عن أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف - رحمه الله - والعقود الفاسدة كلها في معنى الربا . وإن كان ربح أقل من مائة درهم ، فذلك للمضارب ، ولا شيء على رب المال غيره ; لأنه إنما شرط له المائة من الربح ، فلا يلزمه أداء شيء من محل آخر ، وهكذا إن لم يربح شيئا فلا شيء له على رب المال ; لأن محل حقه قد انعدم ، ولا وجه لإثبات الحق له في محل آخر لانعدام السبب . وإذا دفع المسلم المستأمن في دار الحرب مالا مضاربة إلى رجل قد أسلم هناك ولم يهاجر إلينا بربح مائة درهم ، وأخذ منه ذلك جاز على ما اشترطا في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - المضاربة فاسدة ، وهو بمنزلة الربا أيضا ، فإن عند أبي حنيفة الذي أسلم ولم يهاجر في حكم الربا كالحربي ، وعندهما كالتاجر المسلم في دار الحرب ، وقد بينا المسألة في الصرف والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) : وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا مضاربة ، ولم يقل له : اعمل فيه برأيك ، فدفع [ ص: 132 ] المضارب المال إلى رجل وقال له : اخلطه بمالك هذا ، أو بمالي ثم اعمل بهما جميعا فأخذه الرجل منه ، فلم يخلطه حتى ضاع من يده فلا ضمان على المضارب ولا على الذي أخذه منه ; لأنه بمنزلة الوديعة في يده ما لم يخلطه ، والمضارب بمطلق العقد يملك الإيداع والإبضاع فلا يصير هو بالدفع مخالفا ، ولا القابض بمجرد القبض منه غاصبا ما لم يخلطه . ![]()
__________________
|
|
#456
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 132الى صـــ 141 (456) ولو كان رب المال حين دفع إليه المال مضاربة قال له : شارك به فدفعه المضارب إلى رجل مضاربة جاز ، ولا ضمان على واحد منهما فيه ; لأن المضاربة في معنى الشركة ، فإنه إشراك للمضارب في الربح ، وبمطلق العقد إنما كان لا يملك الدفع مضاربة لمعنى الاشتراك للثاني في الربح . ( ألا ترى ) أنه يملك الإبضاع ، واستئجار الأجراء للتصرف فيه ، فإذا أذن له في الإشراك كان ذلك إذنا له في الدفع مضاربة ، وإذا اشترى الآخر به وباع فهو على المضاربة بمنزلة ما لو كان قال له رب المال اعمل فيه برأيك . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ودفع إليه ألفا أخرى مضاربة بالثلث أيضا ولم يقل في واحد منهما اعمل فيه برأيك فخلطهما المضارب قبل أن يعمل بشيء منهما ، ثم عمل فربح أو وضع فلا ضمان عليه ، والوضيعة على رب المال ; لأن المالين على ملك رب المال ، والمضارب أمين فيهما ، والأمين بخلط الأمانة بعضها ببعض لا يصير ضامنا ; لأن الخلط إنما يكون موجبا للضمان باعتبار أن فيه معنى الاستهلاك لمال رب المال ، أو معنى الشركة فيه ، وذلك لا يوجد إذا خلط بماله ماله ، فإن ربح في المالين ربحا قسما نصف الربح نصفين ، والنصف الآخر أثلاثا ; لأن نصف الربح حصة الألف المدفوعة إليه مضاربة بالنصف ، والنصف الآخر حصة الألف المدفوعة إليه مضاربة بالثلث ، فما يكون من ربح كل واحد منهما بعد الخلط معتبر به قبل الخلط . وإن ربح في أحدهما ووضع في الآخر قبل أن يخلطهما فالربح بينهما على الشرط ، والوضيعة على المال الآخر ، ولا يدخل أحد المالين في المال الآخر ، ذكر هذا في كتاب المضاربة الصغيرة ; لأن كل واحد من المالين في يده بحكم عقد على حدة ، وهو مختص بحكم ، فهو وما لو كانا من جنسين مختلفين سواء في أن الوضيعة التي تكون في أحدهما لا تعتبر كماله من ربح ماله الآخر ، فإن خلطهما بعد ذلك صار ضامنا للمال الذي وضع فيه ، ولا ضمان عليه في مال الآخر ; لأنه صار شريكا في المال الذي ربح فيه بمقدار حصته من الربح ، فإنما يخلط الذي وضع فيه بمال نفسه في مقدار حصته من الربح ، وذلك موجب الضمان عليه ، فأما المال الذي ربح فيه فإنما خلطه بمال رب المال ; لأن الذي وضع فيه كله لرب المال ، وقد بينا أن خلط رب المال [ ص: 133 ] بماله لا يكون موجبا للضمان على المضارب ، فإن عمل بعد ذلك كان ربح المال الذي كان وضعه للمضارب يتصدق به ; لأنه بالضمان يملك ذلك المال فيملك ربحه أيضا ، ولكنه استفاده بكسب خبيث فيتصدق به ، وربح المال الآخر بينهما على الشرط ; لأنه أمين فيه ممتثل أمر رب المال في التصرف فيه . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة فاشترى المضارب بها وبألف من ماله جارية ، ثم خلط الألفين قبل أن ينقدهما بعد الشراء ، ثم نقدهما فلا ضمان عليه ; لأن حكم المضاربة بالشراء تحول من المال إلى الجارية ، وتعين عليه قضاء ثمن الجارية بالألفين ، ووجود الخلط قبل النقد في هذا الموضع وعدمه سواء . ( ألا ترى ) أنه لا يملك أن يصرف الألف إلى غيره ، بل عليه دفعها إلى البائع مع الألف من عنده ، وفي حق البائع لا فرق بين أن يأخذ الألفين مختلطا أو غير مختلط ، والاختلاط الذي في الجارية يثبت حكما لاتحاد الصفقة ، وقد بينا أن المضارب لا يصير مخالفا ضامنا بمثل ذلك ، فإن باعها بعد ذلك وقبض الثمن مختلطا ; فلا ضمان عليه فيه ; لأنه بالبيع استوجب ثمن الكل جملة ، فالاختلاط في الثمن حكمي بمنزلة الاختلاط في الجارية ، وله أن يشتري بالثمن بعد ذلك ، ويبيع فيكون نصفه على المضاربة ، حصة ما اشترى من الجارية بمال المضاربة ونصفه للمضارب حصة ما اشترى منها بمال نفسه ، وإن قسم المضارب المال بغير محضر من رب المال فقسمته باطلة ; لأنه شريك مع رب المال في هذا المال ، وأحد الشريكين لا ينفرد بالقسمة من غير محضر من صاحبه ; لأن القسمة للحيازة والإفراز ، وذلك لا يتم بالواحد ، وإنما يتحقق بين اثنين ، ولو أن المضارب حين أخذ الألف المضاربة خلطها بألف من ماله قبل أن يشتري بها كان مشتريا لنفسه ، وهو ضامن لمال المضاربة ; لأنه بالخلط بماله صار مستهلكا ، أو موجبا الشركة في مال المضاربة على حال لم يأمره به رب المال فيصير ضامنا ، وبعد ما صار ضامنا للمال لا تبقى المضاربة ; لأن شرطها كون رأس المال أمانة في يده ; فلهذا كان مشتريا لنفسه بها . ولو كان خلط المال بعد ما اشترى به ، ثم لم ينقد حتى ضاع في يده كان ضامنا لألف المضاربة حتى يدفعها من ماله إلى البائع ; لأنه كان أمينا في المال ، ما لم يسلمها إلى البائع ، والأمين إذا خلط الأمانة بمال نفسه كان ضامنا في حق صاحب الأمانة ، فما ضاع يكون مما له ، وعليه دفع الثمن إلى البائع ، كما لو التزمه بالشراء ولا يرجع على رب المال بشيء ; لأنه استوجب الرجوع بالألف على رب المال ، ولرب المال عليه مثله فصار قصاصا ، ولكن حكم المضاربة تحول من الألف إلى الجارية فلا تبطل المضاربة بخلط الألف بعد ذلك ، ولكنه إذا قبض الجارية [ ص: 134 ] كان نصفها على المضاربة ، ونصفها للمضارب ، وهذا نظير ما لو كانت الجارية مشتركة بين المضارب وبين الأجنبي ، فاشترى نصيب الأجنبي منها بمال المضاربة للمضاربة فذلك جائز ولا يصير هو مخالفا بشراء نصفها شائعا للمضاربة . ولو كان المضارب اشترى بألف المضاربة مع رجل ، وبألف مع عبد ذلك الرجل جارية ودفعها قبل أن يخلطاها ، ثم قبض الجارية فنصفها على المضاربة ، ونصفها لذلك الرجل ، وهذا الشيوع لا يجعل المضارب مخالفا في تصرفه على المضاربة ، فإن باعا بثمن واحد وقبضا الثمن مختلطا ; فهو جائز ، ولا ضمان على المضارب ; لأنه اختلاط ثبت حكما ; لكون الأصل مختلطا ، فإن قاسم المضارب ذلك الرجل الثمن ; فهو جائز على رب المال ; لأن القسمة إما أن تكون تمييزا ، أو مبادلة ، وكل واحد منهما يملكه المضارب في حق رب المال ، فإن خلط مال المضاربة بمال ذلك الرجل بعد القسمة ، فالمضارب ضامن للمضاربة ; لأن بالقسمة تميز أحد المالين من الآخر فالخلط بعد ذلك اشتراك ، أو استهلاك حكمي باشره المضارب قصدا ، فيصير ضامنا للمضاربة . وإن شارك المضارب بمال المضاربة بإذن رب المال ، ثم قال المضارب للشريك : قد قاسمتك ، والذي في يدي من المضاربة كذا ، وكذبه الآخر فالقول قول الشريك مع يمينه ; لأن المضارب يدعي الإيفاء وقطع الشركة ، فلا يصدق إلا بحجة ، ويدعي الاختصاص بما بقي دون شريكه بعد ما علم أنه كان مشتركا ، فلا يقبل قوله إلا بحجة . وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألفا مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيها برأيه فعمل فربح ألفا ، ثم أعطاه ألفا أخرى مضاربة بالثلث فعمل فيها برأيه فخلط خمسمائة من هذه الألف بالمضاربة الأولى ، ثم هلك منها ألف فالهالك في قول أبي يوسف هو ربح المال ، وقال محمد - رحمه الله - : يهلك من ذلك كله بالحساب ، ولم يذكر قول أبي حنيفة - رحمه الله - في الكتاب ، وقوله كقول أبي يوسف - رحمه الله - هو بناء على مسألة الأيمان إذا أعطى في يمينين كل مسكين صاعا على قول أبي حنيفة - رحمه الله - وأبي يوسف - رحمهما الله - لا يجزئه إلا عن يمين واحدة ، وفي قول محمد يجزئه عنهما ، وجه قول محمد : أن حكم المالين مختلف ; لأن المال الأول مدفوع إليه مضاربة بالنصف بعقد على حدة ، والذي خلطه من المال الثاني في يده مضاربة بالثلث بعقد على حدة ، فالسبيل أن يجعل الهالك من المالين جميعا ، والباقي من المالين بالحساب . ( ألا ترى ) أنه لو كان دفع الألف الأخرى إلى آخر مضاربة يعمل فيه برأيه ، والمسألة بحالها كان الهالك من المالين بالحصة ، فكذلك إذا كان المدفوع إليه واحدا وأبو يوسف يقول الكل في حق رب المال كمال واحد ، وقد اشتمل [ ص: 135 ] على أصل وتبع فيجعل الهالك من التبع دون الأصل . ( ألا ترى ) أنه لو هلك من المال ألف قبل أن يخلط بالخمسمائة يجعل الهالك كله من الربح ، فكذلك بعد الخلط وهذا ; لأنا لو جعلنا شيئا من الهالك من الخمسمائة يؤدي إلى أن يسلم للمضارب شيء من الربح قبل وصول جميع رأس المال إلى رب المال ، وذلك لا يجوز ; لأن المستحق للربح واحد ، سواء كان المالان دفعهما إليه رب المال بعقد واحد ، أو بعقدين بخلاف ما إذا كان المضارب في الألف الأخرى رجلا آخر ; لأن لكل واحد من المضاربين بالمال المدفوع إليه حقا معتبرا ، وعند اختلاف المستحق لا بد من أن يعتبر اختلاف السبب ، فجعلنا الهالك من المالين ، فأما عند اتحاد المستحق فلا حاجة إلى ذلك ، وهو نظير العبد المأذون مع المولى وأجنبي إذا تنازعا في شيء في أيديهم ، فإن لم يكن على العبد دين فهو بين المولى والأجنبي نصفان لاتحاد المستحق فيما في يد المولى ، والعبد بخلاف ما إذا كان على العبد دين فالمستحق لكسب العبد هناك غرماؤه فلا بد من اعتبار يد كل واحد منهم على حدة . ولو لم يهلك حتى عمل فربح ألفا أخرى ; فخمس هذا الربح من المضاربة الأخيرة ، وأربعة أخماسه على المضاربة الأولى ; لأن الربح نماء الربح ، وخمس الربح نماء الخمسمائة التي خلطها من الألف الأخرى بالمال ، فيكون بينهما على الثلث والثلثين ، وأربعة أخماسه على المضاربة الأولى فيكون مع الربح الأول بينهما نصفان . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف يعمل فيها برأيه فعمل فربح ألفا وأعطى رب المال رجلا آخر ألف درهم مضاربة بالنصف يعمل فيها برأيه ، ودفع المضارب الثاني الألف إلى هذا الرجل أيضا مضاربة بالثلث يعمل فيها برأيه فخلط الألف بالألفين ، فلا ضمان عليه ; لأن الأمر من المضاربين كان مفوضا إلى رأيه على العموم ، وقد صح منهما كما يصح من رب المال ، فيمنع ذلك وجوب الضمان عليه بالخلط ، فإن ربح - على ذلك كله - ألفا أمسك ثلثه لنفسه ، وقسم الثلثين الباقيين المضاربان الأولان ثلاثا باعتبار ما دفعا إليه من المال ; لأن أحدهما دفع إليه الألفين ، والآخر دفع إليه ألفا ، فإذا أخذ صاحب الألفين الثلثين من ذلك دفع إلى رب المال رأس ماله ألف درهم ، وما بقي فلرب المال نصف ما كان ربح المضارب الأول في المال من شيء ، وذلك خمسمائة ، نصف ذلك للمضارب ، ولرب المال أيضا ثلاثة أرباع ما كان من الربح الثاني ; لأن المضارب الأول أوجب للثاني ثلث الربح ، وذلك من نصيبه خاصة ، وقد كان له نصف الربح فإنما بقي من حقه سهم ، وحق رب المال في النصف وهو ثلثه فيجعل هذا الباقي مقسوما بينهما على مقدار حقهما ثلاثة أرباعه لرب المال ، وربعه للمضارب ، [ ص: 136 ] ويأخذ المضارب الآخر من المضارب الثاني ثلث الثلثين ، ثم يدفع إلى رب المال رأس ماله ويقاسمه الربح أرباعا : ثلاثة أرباعه لرب المال ، وربعه له لما بينا أنه أوجب الثلث للمضارب المتصرف ، وذلك من نصيبه خاصة فإنما بقي من حقه ثلث النصف : وهو سهم من ستة ، وحق رب المال في ثلثه ، فيجعل الربح مقسوما بينهما أرباعا . ولو كان المضارب الأول لم يربح شيئا حتى دفع المال مضاربة بالثلث ، وأمره أن يعمل فيها برأيه فعمل فربح ألفا ، ثم دفع إليه المضارب الثاني الألف التي في يده مضاربة بالثلث وأمره أن يعمل فيه برأيه فعمل فخلطها بألفين ، ثم عمل وربح ألفا ثم دفع إليه المضارب الثاني الألف التي في يده مضاربة بالثلث وأمره أن يعمل فيه برأيه فخلطها بألفين ثم عمل فربح ألفا فإن الربح على ثلاثة ، والوضيعة على ثلاثة بحسب المال ، فنصيب الألف ثلث الربح ، ويأخذ المضارب الآخر حصته من ذلك الثلث ، ثم يأخذ رب المال منه رأس ماله ألفا ، واقتسما ما بقي بينهما لرب المال : ثلاثة أرباعه وللمضارب ربعه ; لأنه أوجب ثلث الربح للمضارب الآخر ، وذلك من نصيبه خاصة وما أصاب الألفين من الربح وهو الثلثان من ذلك أخذ المضارب الآخر منه ، ومن الألف التي هي ربح والألف الأول ثلثه ; لأن ذلك حصة من الربح ، ورد ما بقي على المضارب الأول ، ويأخذ منه رب المال رأس ماله وثلاثة أرباع ما يبقى بعده من الربح ، وللمضارب ربعه ; لأنه قد أوجب ثلث الربح للمضارب الآخر ، وذلك من نصيبه خاصة وإنما يقسم الباقي على مقدار ما بقي من حق كل واحد منهما . وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم فقال : نصفها قرض عليك ونصفها معك مضاربة بالنصف فأخذها المضارب فهو جائز على ما سمي ; أما في حصة المضاربة فغير مشكل ; لأن الشيوع لا يمنع صحة المضاربة ، فإن شرطها كون رأس المال أمانة في يد المضارب ، وذلك في الجزء الشائع يتحقق ، وأما القرض فلأنه تمليك بعوض ، والشيوع لا يمنع صحته كالبيع بخلاف الهبة ، فإن الهبة تبرع محض ، والتبرع ينفي وجوب الضمان على المتبرع ، وبسبب الشيوع فيما يحتمل القسمة يجب ضمان المقاسمة على المتبرع ، فأما القبض بجهة القرض فلا ينفي وجوب الضمان إلا أنه يدخل على هذه الهبة بشرط العوض ، فإنه لا يجوز في مشاع يحتمل القسمة ، وقبل الشيوع إنما يمنع صحة الهبة ; لأنه لا يتم القبض فيما يحتمل القسمة مع الشيوع ، وهذا لا يتحقق هنا ، فالمال كله في يد المستقرض فيتم قبضه في المستقرض ، وهذا ليس يقوى فإن هبة المشاع من الشريك لا تجوز فيما يحتمل القسمة ، وكون النصف في يده بطريق المضاربة [ ص: 137 ] لا تكون أقوى مما يكون في يده بطريق الملك ، والأوجه أن نقول : القرض أخذ شبها من الأصلين من الهبة باعتبار أنه تبرع ، ومن البيع باعتبار أنه مضمون بالمثل على كل حال فيوفر حظه على الشبهين ، فلشبهه بالتبرع يشترط فيه أصل القبض ، وبشبهه بالمعاوضة لا يشترط فيه ما يتم القبض به ، وهو القسمة بخلاف الهبة بشرط العوض ، فإنه تبرع في الابتداء وإنما يصير معاوضة بعد تمامه بالقبض من الجانبين فإن هلك قبل أن يعمل به فهو ضامن لنصفه لأنه تملك نصف المقبوض بجهة القرض ، وكان مضمونا عليه بمثله ، والنصف الباقي أمانة في يده وهو ما أخذه بطريق المضاربة . ولو عمل به فربح كان نصف الربح للعامل ، ونصفه على شرط المضاربة بينهما ، وإن قسم المضارب المال بينه وبين رب المال بعد ما عمل به ، أو قبل أن يعمل به بغير محضر من رب المال فقسمته باطلة ; لما بينا أن الواحد لا ينفرد بالقسمة ، فإن هلك أحد القسمين قبل أن يقبض رب المال نصيبه ; هلك من مالهما جميعا ; لأن القسمة صارت كأن لم تكن ، وإن لم يهلك حتى حضر رب المال فأجاز القسمة فالقسمة جائزة ، ومعنى قوله أجاز القسمة أي قبض نصيبه ، فيكون ذلك بمنزلة القسمة تجري بينهما ابتداء ; لأن معنى الحيازة والإفراز قد تم حين وصل إلى رب المال مقدار نصيبه ، فإن لم يقبض رب المال نصيبه الذي حصل له حتى هلك ; رجع بنصف المضارب ; لأن نصف رب المال لم يسلم له ، وإنما يسلم للمضارب نصيبه ; إذا سلم لرب المال نصيبه ; فإذا لم يسلم كان الهالك من النصيبين ، والباقي من النصيبين . ولو كان هلك نصيب المضارب لم يرجع المضارب في نصيب رب المال بشيء ; لأنه قد قبض منه نصيبه ، وذلك منه حيازة في نصيبه ، إلا أن شرط سلامة ذلك له في سلامة الباقي لرب المال ، وقد وجد ذلك ، وإن هلك النصيبان جميعا بعد رضا رب المال بالقسمة ; رجع رب المال على المضارب بنصف ما صار للمضارب ; لأن شرط سلامة النصف له سلامة الباقي لرب المال ولم يوجد ، والمضارب قبض تلك الحصة على سبيل التملك لنفسه ; فلهذا يضمن نصفها لرب المال ، ولرب المال على المضارب قرض : خمسمائة على حالها ; لأنه قبض نصف الألف بحكم القرض ، وقد بينا أن ذلك مضمون عليه بالمثل . ولو قال خذ هذه الألف على أن نصفها قرض عليك ، وعلى أن تعمل بنصفها الآخر مضاربة على أن الربح كله لي فهذا مكروه ; لأنه قرض جر منفعة فإنه أقرضه نصف الألف ، وشرط عليه منفعة العمل له في النصف الآخر { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرض جر منفعة } فإن عمل مع هذا فربح ، أو وضع فالربح [ ص: 138 ] والوضيعة بينهما نصفان ; لأن نصف المال ملكه فقد قبضه بجهة القرض والنصف الآخر بضاعة في يده ، فقد قبضه أن يعمل فيه لصاحبه . ولو دفعها إليه على أن نصفها مضاربة بالنصف ، ونصفها هبة للمضارب وقبضها المضارب غير مقسومة فهي هبة فاسدة ; لأنه هبة المشاع فيما يحتمل القسمة ، وبهذا تبين أن الصحيح من المذهب أن هبة المشاع بعد اتصال القبض بها فاسدة ، بخلاف ما ظنه بعض المتأخرين - رحمهم الله - أنها تكون بمنزلة الهبة قبل القبض ، ولكن الصحيح أنها فاسدة ; لأن القبض الموجب للملك قد وجد مع الشيوع . ( ألا ترى ) أن هذا القبض فيما لا يحتمل القسمة يوجب الملك لكن شرط صحته القسمة فلانعدام شرط الصحة تكون الهبة فاسدة ، والمقبوض بحكمها مملوك للموهوب له ، وهو مستحق الرد عليه للفساد ; فلهذا كان مضمونا عليه ، بخلاف المقبوض بهبة صحيحة ، فإن هلك المال في يده قبل العمل ، أو بعده ; ضمن نصفه لهذا المعنى ، فإن ربح في المال ; كان نصف الربح حصة الهبة للمضارب ، والنصف الآخر على ما اشترطا في المضاربة بينهما ، فإن وضع فالوضيعة عليهما نصفين ; لأن نصف المال مملوك للمتصرف فله ربح ذلك النصف وعليه وضيعته والنصف الآخر مضاربة في يده . ولو دفعها إليه على أن نصفها بضاعة ، ونصفها مضاربة بالنصف فهو كما قال ; لأن الشيوع لا يمنع صحة دفع المال مضاربة ، ولا صحة دفعه بضاعة . ولو دفعها إليه على أن نصفها وديعة في يد المضارب ، ونصفها مضاربة بالنصف ، فذلك جائز على ما سمي ; لأنه لا منافاة بينهما ، فمال المضاربة أمانة في يد المضارب كالوديعة ، فإن تصرف في جميع المال ; كان ضامنا للنصف حصة الوديعة ; لأنه خالف بالتصرف فيه ، وربح ذلك النصف له وعليه وضيعته وإن قسم المضارب المال نصفين ، ثم عمل بأحد النصفين على المضاربة فربح ، أو وضع ; فالوضيعة عليه ، وعلى رب المال نصفين ; لأنه لا ينفرد بالقسمة فالنصف الذي تصرف فيه من النصفين جميعا نصفه مما كان مضاربة في يده ونصفه كان وديعة فله ربح حصة الوديعة من ذلك وعليه وضيعته ; لأنه صار مخالفا ضامنا ، والبعض في هذا الحكم معتبر بالكل نقول : فإن أراد أن يشتري بالمضاربة ولا يضمن اشترى بنصف الألف غير مقسوم ، وكان البائع شريكا في الألف حتى يحضر رب المال فيقاسمه ، ومراده أن يشتري بنصفه ويسلمه على سبيل الشيوع ; لأن الضمان في الوجه الأول إنما كان يلزمه بالتسليم لا بنفس الشراء فطلب السلامة في هذا الموضع من الضمان الذي كان يلحقه في الوجه الأول ، ثم قد صار نصف المال شائعا مملوكا للبائع ، ونصفه وديعة في يد المضارب ، والمودع لا يملك [ ص: 139 ] المقاسمة فلا بد من أن يحضر رب المال ليقاسمه . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأشهد عليه في العلانية أنها قرض يتوثق بذلك ، فعمل المضارب بالأمر فإن تصادقوا أن الأمر كان على ذلك وأنهم إنما شهدوا بالقرض على جهة الثقة ، فالمال على حكم المضاربة ; لأن تصادقهما حجة تامة في حقهما . وكذلك إن تكاذبا فقامت البينة أنه دفعه مضاربة وأشهد عليه بالقرض ، وقالوا : أخبرانا أنهما إنما أشهدا بالقرض على وجه التوثق ، وليس بقرض إنما هو مضاربة ، فإن الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصمين ، أو أقوى منه ، وإن شهد شاهدان بالمضاربة ، وشاهدان بالقرض ، ولم يفسروا شيئا غير ذلك ; فالبينة بينة الذي يدعي القرض ; لأنه لا تنافي بينهما ، فيجعل كأن الأمرين كانا ، والقرض يرد على المضاربة ، والمضاربة لا ترد على القرض ، فيجعل كأنه دفع المال إليه مضاربة أولا ، ثم أقرضه منه ، وفي بينة من يدعي القرض إثبات الزيادة وهو الملك في المقبوض للقابض ، واستحقاق القرض عليه إذا دفع الرجل إلى رجل جراب هروي فباع نصفه بخمسمائة ، ثم أمره بأن يبيع النصف الباقي ، ويعمل بالثمن كله مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان ، فباع المضارب نصف الجراب بخمسمائة ، ثم عمل بها وبالخمسمائة التي عليه ، فالربح والوضيعة نصفان في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن من أصله أن من قال لمديون : اشتر لي متاعا بمالي عليك لا يصح هذا التوكل ، فإذا اشترى المديون ; كان مشتريا لنفسه ، وهنا أمره إياه بالشراء بالخمسمائة التي هي دين عليه لا يصح ، فكان هو عاملا لنفسه فيما اشتراه بتلك الخمسمائة ، له ربحه وعليه وضيعته وأما عندهما فأمره المديون بالشراء بما عليه من الدين صحيح ، ذلك لا على وجه المضاربة ; لأن شرط صحة المضاربة أن يكون رأس المال أمانة في يد المضارب ، ولا يوجد هذا الشرط فيما هو دين في ذمته فكان نصف ما اشترى للآمر ، له ربحه وعليه وضيعته والنصف الآخر على المضاربة . ولو كان رب المال أمره أن يعمل بالمالين مضاربة على أن للمضاربة ثلثي الربح فعمل به ; كان للمضارب ثلثا الربح ; لأنه في النصف مشتر لنفسه فاستحق نصف الربح بذلك ، والنصف الآخر إنما دفعه إليه مضاربة بثلث ربح هذا النصف وذلك صحيح . ولو كان رب المال اشترط لنفسه الثلثين من الربح ، وللمضارب الثلث ، والمسألة بحالها ; كان الربح بينهما نصفين والوضيعة عليهما نصفين ; لأن من أصله أن المضارب صار مشتريا بالدين لنفسه ، فنصف الربح له باعتبار ملكه نصف المشتري ، وقد شرط رب المال لنفسه ثلث ذلك النصف من الربح ، وليس [ ص: 140 ] له في ذلك النصف مال ولا عمل ; فلا يستحق شيئا من ربح ذلك النصف ; لأنه أسباب المعدوم ، فهو بمنزلة رجل دفع إلى آخر خمسمائة مضاربة بالنصف ، وأمره أن يخلطها بخمسمائة من ماله ، ثم يعمل بها على أن للمضارب ثلث الربح ، ولرب المال الثلثان فعمل بها فالربح بينهما نصفان ، فكذلك في الفصل الأول والله أعلم . ( قال رحمه الله ) : وإذا مات المضارب وعليه دين ، ومال المضاربة في يده معروف وهو دراهم ، وكان رأس المال دراهم بدئ برب المال قبل الغرماء بأخذ رأس المال وحصته من الربح ; لأنه وجد عين ماله ، ومن وجد عين ماله فهو أحق به ، ثم دين المضارب إنما يتعلق بتركته بعد موته ، وتركته ما كان مملوكا عند موته وهو حصته من الربح ، فأما مقدار رأس المال ، وحصة رب المال من الربح فهو ملكه ليس من تركة المضارب في شيء ، فإن قال ورثة المضارب والغرماء : الدين الذي على المضارب من المضاربة وكذبهم رب المال فالقول قول رب المال ; لأنهم يدعون استحقاق ملكه بالدين الذي هو على المضارب في الظاهر ، فلا يقبل قولهم إلا بحجة ، ورب المال منكر لدعواهم فالقول قوله مع يمينه ، وإنما استحلف على علمه ; لأنه استحلاف على فعل الغير . وإن كانت المضاربة حين مات المضارب عروضا ، أو دنانير فأراد رب المال أن يبيعها مرابحة لم يكن له ذلك ; لأنه في حال حياة المضارب كان هو ممنوعا عن أخذها وبيعها ; لحق المضارب ، وحقه بموته لا يبطل ، والذي يلي بيعها وصي المضارب ; لأنه قائم مقامه فيبيعها لتحصيل جنس رأس المال ، فإن لم يكن له وصي جعل القاضي له وصيا ببيعها فيوفي رب المال رأس ماله وحصته من الربح ، ويعطي حصة المضارب من الربح غرماءه ; لأن الميت عجز عن النظر لنفسه والقيام باستيفاء حقه ، فعلى القاضي أن ينظر له بنصيب الوصي ، وقال في المضاربة الصغيرة : يبيعها وصي الميت ورب المال ، ووجهه : أن رب المال ما كان راضيا بتصرف الوصي في ماله ، والمال وإن كان عروضا أو دنانير فالملك لرب المال فيه ثابت ، فلا ينفرد الوصي ببيعها ، ولكن رب المال يبيعها معه وما ذكر هنا أصح ; لأن الوصي قائم مقام الموصي وكان للموصي أن ينفرد ببيعها ، فكذلك لوصيه وهذا ; لأن رب المال لو أراد بيعها بنفسه لم يملك فلا معنى لاشتراط انضمام رأيه إلى رأي الوصي في البيع ، وإن كانت المضاربة [ ص: 141 ] لا تعرف بعينها في يد المضارب ، وعليه دين في الصحة فرب المال أسوة الغرماء في جميع تركته ، ولا ربح للمضارب ; لأن مال المضاربة كان أمانة في يده ، وقد صار مجملا بترك التعيين عند موته ، فيكون متملكا ضامنا لها ، وهذا دين لزمه بسبب لا تهمة فيه ، فيكون رب المال مزاحما لغرماء الصحة في جميع تركته ، وتركته ما كان في يده ; لأن الأيدي المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فأقر المضارب عند موته أنه قد عمل بالمال فربح ألفا ، ثم مات والمضاربة غير معروفة ، وللمضارب مال فيه وفاء بالمضاربة وبالربح فإن رب المال يأخذ من مال المضارب رأس ماله ، ولا شيء له من الربح ; لأن المضارب لم يقر بأن الربح وصل إليه ، إنما أقر أنه ربح ألفا وليس لرب المال أن يأخذ من تركته شيئا من الربح ما لم يثبت وصوله إلى يده . ولو كان أقر أن ذلك وصل إليه أخذ رب المال حصته منه مع رأس المال ; لأن حصة رب المال من الربح كانت أمانة في يد المضارب مع رأس المال ، وقد مات مجملا للملك فصار ذلك دينا عليه يستوفيه رب المال من مال المضاربة . ولو قال المضارب في مرضه : قد ربحت ألف درهم ووصلت إلي فضاع المال كله ، وكذبه رب المال فالقول قول المضارب مع يمينه ; لأنه أمين أخبر بما هو مسلط على الإخبار به ، فإن لم يستحلف على ذلك حتى مات فهو بريء من المال ; لأخباره بضياع المال ، ولرب المال أن يستحلف ورثته على علمهم بضياع المال ; لأنهم لو أقروا بما ادعاه رب المال كانوا ضامنين له من التركة ، فإذا أنكروا استحلفهم على العلم لرجاء نكولهم وهو استحلاف على فعل الغير بأن يدهم ما وصلت إلى المال ، ولذلك لو قال في مرضه : قد دفعت رأس المال إلى رب المال وحصته من الربح فهو مخبر بما هو مسلط عليه فيقبل قوله في براءته عن ذلك ، إلا أن قوله غير مقبول في الحكم بإيصال المال إلى رب المال حقيقة فيأخذ حصة المضارب من الربح فيكون له من رأس ماله ; لأن ما وراء ذلك كالتاوي حين لم يثبت وصوله إلى رب المال ، ولم يكن المضارب ضامنا ، فإن كان على المضارب دين يحيط بماله ، وحصة المضارب من الربح غير معروفة ، وقد علم أن المضارب قد ربح ألف درهم ، ووصلت إليه فإن رب المال يحاص الغرماء بحصة المضارب من الربح ; لأن ذلك القدر قد صار دينا له في تركته بسبب لا تهمة فيه ، فيكون صاحبه مزاحما لغرماء الحصة . ولو أقر المضارب عند موته ، وعليه دين يحيط بماله أنه ربح في المال ألف درهم ، وإن المضاربة والربح دين على فلان ثم مات ، فإن أقر الغرماء بذلك فلا حق لرب المال فيما ترك المضارب ; لأنه عين مال المضاربة بما أقر به ، [ ص: 142 ] وذلك يمنع صيرورة المال دينا في تركته ، ولكن يتبع رب المال المديون برأس ماله فيأخذه ويأخذ نصف ما بقي منه أيضا حصة من الربح ، واقتسم نصفه غرماء المضارب مع ماله وإن قال غرماء المضارب : إن المضارب لم يربح في المال شيئا ، وليس الدين الذي على فلان من المضاربة كان ذلك الدين مع سائر تركته بين الغرماء ورب المال بالحصص يضرب رب المال برأس ماله ، ولا يضرب بشيء من الربح ; لأن ذلك الدين واجب بمعاملة المضارب ، فيكون في الظاهر له كالمال الذي في يده ، وإقراره به لرب المال كإقراره بعين في يده لإنسان ، ومن عليه الدين المستغرق إذا أقر في مرضه بعين لإنسان وكذبه الغرماء لم يصح إقراره ، فهذا مثله إلا أن بقدر رأس المال ، قد علمنا وجوبه في تركته وصيرورته دينا عليه حين لم يعمل بيانه ، فهذا القدر دين لزمه لسبب لا تهمة فيه ، فأما حصة رب المال من الربح لو لزمه إنما يلزمه بإقرار المضارب به ، وإقرار المضارب بالدين غير صحيح في مزاحمة غرماء الصحة . ![]()
__________________
|
|
#457
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 142الى صـــ 151 (457) ولو أقر في مرضه بمال في يده أنه مضاربة لفلان ولا يعرف إلا بقوله بدئ بدين الصحة ; لأن المريض محجور عن الإقرار بالدين ، والعين بحق غرماء الصحة ، فإن لم يكن عليه دين في الصحة ، وإنما أقر بالدين في مرضه قبل إقراره بالمضاربة حاص رب المال الغريم برأس ماله ; لأن إقراره بمضاربة بعينها كالإقرار الوديعة ، وقد بينا في كتاب الإقرار أن المريض إذا أقر بالدين أولا ، ثم الوديعة يتحاصان ; لأن حق الغريم متعلق بماله ، فيمنع ذلك سلامة العين للمقر له بالعين ، ويصير هذا كالإقرار الوديعة مستهلكة . ولو كان بدأ الإقرار بالمضاربة بعينها بدئ بها ; لأن العين صار مستحقا لرب المال ، وخرج من أن يكون مملوكا للمضارب ، فإقراره بالدين بعد ذلك يكون شاغلا لتركته لا لأمانة الغير في يده ، وإن أقر لها بغير عينها تحاصا ; لأن الإقرار بالمضاربة المجهولة كالإقرار بالدين ، فكأنه أقر بدين ثم بدين وإن أقر بها بعينها ، ثم أقر بالدين ، ثم أقر بعد ذلك أن المضاربة في هذه الألف بعينها تحاصا ; لأن إقراره بالعين كان بعد الإقرار بالدين ، فلا يكون مقبولا في استحقاق المقر له بالعين واختصاصه به بعد ما صار مشغولا بحق المقر له بالدين . وإن قال هذه الألف مضاربة لفلان عندي ، ولفلان عندي وديعة كذا ، ولفلان كذا من الدين بدئ بالمضاربة ; لأنه أقر بها بعينها فبنفس الإقرار صارت العين مستحقة لرب المال ، فلا يتغير ذلك بما يعطف عليه الإقرار بوديعة غير معينة بالدين . ولو لم يقر بها بعينها كان جميع مال المضاربة بين صاحب الدين وصاحب الوديعة وصاحب المضاربة بالحصص ; لأن إقراره بأمانة غير معينة بمنزلة إقراره بالدين . ولو قال : لفلان عندي ألف درهم مضاربة وهي في هذا [ ص: 143 ] الصندوق ، ولفلان علي ألف درهم فلم يوجد في الصندوق شيء ، كان ما تركه المضارب بين رب المال والغريم بالحصص ; لأنه حين لم يوجد في الصندوق شيء فقد ظهر أن تعيينه كان لغوا بقي إقراره بمضاربة غير معينة وبالدين . ولو وجد في الصندوق ألف كان رب المال أحق بها ; لأن تعيينه كان صحيحا ، فإن التعيين وجد منه قبل الإقرار بالدين ، فكأنه أقر ابتداء بالمضاربة بعينها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقال إذا لم يوجد في الصندوق شيء أن لا يكون لرب المال شيء لفوات محل حقه ، قلنا : هذا أن لو صح تعيينه مع فراغ الصندوق عنه ، ولم يصح ذلك بل هو تجهيل منه ، والمضارب بالتجهيل ضامن . وقال في المضاربة الصغيرة : إذا لم يشهد الشهود أن هذه الألف كانت في الصندوق يوم أقر جعلناها بين الغرماء ورب المال بالحصص ، والقياس ما قاله ثمة ; لأن الموجود من المضارب تعيين الصندوق ، ولم يوجد منه تعيين مال المضاربة إذا لم يعلم أن الألف كانت في الصندوق يومئذ ، وطريق العلم به شهادة الشهود ، وما ذكر هنا استحسان ; لأن الصندوق محل لما فيه من المال فتعيينه كتعيين المال ; فلهذا كان رب المال أحق بها . ولو وجد في الصندوق ألفان فلرب المال ألف منها خاصة ، والباقي بين الغرماء ; لأن تعيينه صحيح لما وجد في الصندوق من جنس حق رب المال مقدار حقه وزيادة ، وسواء كانت الألفان مخلطة أو غير مخلطة ; لأن المضارب أمين في مال المضاربة ، واختلاط الأمانة بمال الأمين من غير صنعه لا يكون موجبا للضمان ، فإن علم أن المضارب هو الذي خلط المال بغير أمر رب المال ; كان المال كله بينهم بالحصص في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد نصفه لرب المال ، ونصفه للغرماء وهو بناء على ما تقدم بيانه : أن الأمين إذا خلط الوديعة بمال نفسه صار مستهلكا للمخلوط ، وصارت الأمانة دينا عليه عند أبي حنيفة - رحمه الله - فيكون رب المال صاحب دين كغيره من الغرماء ، وأما عندهما فبالخلط يصير ضامنا ، ولكن لا يصير متملكا فلرب المال أن يرضى بالخلط ويختار المشاركة فيأخذ نصف المخلوط برأس ماله ، ونصفه للغرماء . ولو قال لفلان عندي ألف درهم مضاربة وهي التي على فلان ولفلان علي ألف درهم ولا مال له غيره فذلك الدين لرب المال ; لأن تعيينه للمضاربة التي على غيره كتعيينه ألفا في صندوقه ، أو في كيسه ، أو بيته ، فإذا حصل ذلك قبل الإقرار بالدين ; اختص رب المال به . وإن جحد المضارب المضاربة في صحة أو مرض ، ثم أقر بها فهي دين في ماله ; لأن الإقرار بعد الإنكار صحيح ، ولكن الأمين بالجحود يصير ضامنا ، فإقراره بعد ذلك كالإقرار بالدين . وكذلك لو جحد شيئا من الربح ، ثم أقر ، [ ص: 144 ] ثم قال : لم يصل إلي ضمن ما جحد من الربح . وإن كان دينا قال عيسى - رحمه الله - : هذا غلط وإن جحد الدين لم يضمنه حتى يقبضه على الجحود ; لأن الجحود إنما يكون موجبا للضمان عليه باعتبار أن المال في يده ، وأنه متملك له مستول عليه بهذا الجحود ، وهذا لا يتحقق فيما هو دين على الغير ما لم يقبضه فإن قبضه على الجحود فهو ضامن ، وإن رجع إلى الإقرار ثم قبضه فلا ضمان عليه ، وقيل : يحتمل أن مراد محمد - رحمه الله - قوله لرب المال لك ثلث الربح ولي ثلثاه ليس بإقرار ، وفي المختصر للكافي قال : ليس إقراره بأن له النصف ، وقيل في تأويله : إنه أقر له بالثلث ، ثم بالنصف بعد ذلك ، فيكون مقرا بالسدس بعد الجحود فيجب عليه الضمان ، وذكر القاضي أبو عاصم في شرحه فقال : جحوده الربح إقرار بإبراء الغريم . ولو صرح بالإبراء فإنه يضمن الربح ، وإن لم يصل إلى يده كذلك ، هذا إقرار بأن له النصف فيكون ضامنا ، ثم سلم بما سلم من ذلك على ذلك ، والأصح أن يقول : حق القبض فيما وجب بمعاملته له خاصة فكونه في ذمة الغريم ، وكونه في يده سواء في أنه صار متملكا مقدار ما جحده متويا حق رب المال فيه ، فكان قبضه على الجحود وعلى الإقرار بعد الجحود في إيجاب الضمان عليه لأجل الإقرار سواء . وإذا دفع إلى رجلين مالا مضاربة فمات أحدهما ، وقال الآخر : هلك المال صدق في نصيبه لكونه أمينا فيه ، وكان نصيب الآخر دينا في تركته ; لأنه مات مجهلا لنصيبه فإن علم أن الميت كان أودع نصيبه صاحبه الحي فقال الحي : قد هلك فهو مصدق على جميعه ; لأن المضارب يملك الإيداع ، فقول مودعه قد هلك بمنزلة قول المضارب في حياته إنه قد هلك ، وإن قال قد دفعت ذلك إلى صاحبي كان مصدقا مع يمينه ; لكونه أمينا فيه ، وكان ذلك دينا في مال صاحبه ; لأن صاحبه مات مجهلا فإنه إن ثبت وصوله إليه فلا إشكال ، وإن لم يثبت وصوله إليه من يد الحي فالحي كان مسلطا من جهته على الرد ، وإنما قبل قوله في ذلك لأجل التسليط فيكون للمضارب الميت مجهلا له على كل حال ذلك دينا في تركته . وإذا ربح المضارب في المال ربحا فأقر به وبرأس المال ، ثم قال : قد خلطت مال المضاربة بمالي قبل أن أعمل وأربح لم يصدق ; لأن الربح صار مستحقا لرب المال فهو بهذه المقالة يبطل استحقاقه ، ويدعي ملك جميع الربح لنفسه بالخلاف الحاصل منه بالخلط ، فلا يقبل قوله إلا بحجة ; ولأن الربح نماء المال ، فيكون ملكا لصاحب المال باعتبار الظاهر ، فلا يستحقه غيره إلا بالشرط . ( ألا ترى ) أن المضارب لو ادعى زيادة فيما شرط له من الربح لم يقبل قوله فيه إلا بحجة ، فإذا ادعى سببا يملك به جميع الربح [ ص: 145 ] فلأن لا يقبل قوله من غير حجة كان أولى ، فإن هلك المال في يده بعد ذلك ضمن رأس المال لرب المال ، وحجته من الربح لإقراره على نفسه بالسبب الموجب للضمان ; ولأنه لما زعم أنه خلطه بماله ، ثم ربح بعد ذلك فقد ادعى أن الربح كله ملكه ، والأمين إن ادعى الملك لنفسه في الأمانة يصير ضامنا . وإذا أقر المضارب بدين في المضاربة لولده ، أو والده ، أو زوجته ، أو مكاتبه ، أو عبده ، وعليه دين أو لا دين عليه لزمه ذلك في ماله خاصة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - إلا ما أقر به لعبده ، ولا دين عليه فإنه لا يلزمه منه شيء ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إقراره لهؤلاء صحيح على المضاربة إلا لعبده ، أو لمكاتبه وهذا ; لأن المضارب نائب في التصرف كالوكيل ، وقد بينا في البيوع أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - الوكيل لا يملك التصرف مع من لا تجوز شهادته له في حق الموكل ; لكونه متهما في ذلك ، وعندهما يملك ذلك إلا في عبده ، ومكاتبه ، فالمضارب كذلك وهذا ; لأنه يلزمه لهؤلاء حق في مال رب المال بمجرد قوله ; فيكون في معنى الشاهد لهم على غيره بمال ، وشهادته لهؤلاء لا تقبل فكذلك قراره ، إلا أن الدين بالمعاملة يجب في ذمته ، وهو غير متهم فيما يلزمه لهؤلاء ، فلذا لزمه ذلك في ماله خاصة فأما العبد الذي لا دين عليه ، فهو ليس من أهل أن يستوجب دينا عليه ، وعندهما إقراره لعبده ومكاتبه كإقراره لنفسه ; لأنه يملك كسب عبده ، وله حق الملك في كسب مكاتبه ، وأما إقراره لابنه وأبيه كإقراره لأخيه من حيث إنه لا يثبت له في المقر به ملكا ولا حق ملك ; فيصح في حق رب المال ، وقال في المضاربة الصغيرة في قول أبي حنيفة : إذا كان في المضاربة فضل لزم المضارب ما أقر به من حصته وهو صحيح ; لما بينا أنه غير متهم في حق نفسه ، وإن كان متهما في حق غيره . ولو أقر المضارب في مرضه بمضاربة بعينها ، ثم أقر بها بعينها وديعة لآخر ، ثم أقر بدين ثم مات بدئ بالمضاربة ; لأن رب المال استحق ذلك بإقراره عينا كما أقر به ، ثم هو أقر للثاني بوديعة قد استهلكها بإقراره فيها بالمضاربة ، والإقرار الوديعة المستهلكة إقرار بالدين ، فكأنه أقر بدين ، ثم بدين فيتحاص صاحب الوديعة والدين فيما بقي من تركته . ( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى المضارب بها دارا تساوي ألفا ، أو أقل منها ، أو أكثر ، ورب المال شفيعا بدار له فله أن يأخذها بالشفعة [ ص: 146 ] من المضارب ، ويدفع إليه الثمن فيكون على المضاربة ; لأن أكثر ما فيه أن المضارب اشتراها لرب المال ومن اشتري أو اشترى له فهو على شفعته وإنما تسقط شفعة من باع ، أو بيع له ، ثم الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ; لأنه يملك الدار عليه بما يعطيه من الثمن وقد بينا أن رب المال لو اشترى من المضارب دارا اشتراها للمضاربة جاز شراؤه ; لكونه مفيدا فكذلك إذا أخذها بالشفعة . ولو اشترى المضارب دارا ببعض المضاربة ، ثم اشترى رب المال دارا لنفسه إلى جنبها فللمضارب أن يأخذها بالشفعة بما بقي من مال المضاربة ; لأن أكثر ما فيه أن المضارب يأخذها لرب المال ، ورب المال مشتر ، والشراء لا يكون مبطلا شفعة الشفيع ، ثم أخذه بالشفعة كالشراء المبتدأ ، وشراء المضارب بمال المضاربة دارا من رب المال يكون صحيحا ; لكونه مفيدا من حيث إنه يدخل فيه في المضاربة ما لم يكن فيها ، ويخرج من المضاربة ما كان فيها . ولو اشترى بألف مضاربة دارا تساوي ألفا ، ورب المال شفيعا فتسلم الشفعة ، ثم باع المضارب الدار فلا شفعة لرب المال فيها ; لأن المضارب نائب عن رب المال في بيعها ، ومن بيع له لا يستوجب الشفعة ، كما لا يستوجبها من باع ، وكذلك لو باع رب المال داره لم يكن للمضارب فيها شفعة بدار المضاربة ; لأنه لو أخذها ; أخذها للمضاربة ، ومال المضاربة لرب المال ، ورب المال بائع لهذه الدار فكما لا يكون له أن يأخذها بالشفعة بدار أخرى له ، لا يكون لمضاربه أن يأخذها بدار المضاربة . ولو اشترى المضارب بألف المضاربة دارا تساوي ألفين ، ورب المال شفيعا فسلم الشفعة ، ثم باعها المضارب بألفي درهم لم يكن لرب المال أن يأخذ شيئا منها بالشفعة ، أما مقدار رأس المال وحصته من الربح ; فلأن البيع فيه وقع من المضارب لرب المال وأما حصة نصيبه من الربح ; فلأنه لو أخذها رب المال تفرقت الصفقة على المشتري ، وليس للشفيع أن يفرق الصفقة على المشتري ، ولأن حق المضارب في الربح تبع ، وإذا لم تجب الشفعة فيما هو الأصل لا تجب في التبع ، ولهذا لا يستحق البناء بدون الأصل في الشفعة ; لأن البناء يمنع الأصل . ولو لم يبعها المضارب ، ولكن باع رب المال داره فأراد المضارب أن يأخذها بالشفعة لنفسه من الربح الذي له في مال المضاربة بحصته من الربح كان له ذلك ; لأن رب المال ما باع داره للمضارب ، والمضارب حاز الدار المبيعة بحصته من الربح ، فإنه تملك حصته قبل القسمة حقيقة ; ولهذا تجب عليه الزكاة فيه فيكون له أن يأخذها بالشفعة لنفسه بذلك السبب . ولو اشترى المضارب ببعض المال دارا في قيمتها فضل على رأس المال فباع رجل إلى جنبها دارا ، وفي يد [ ص: 147 ] المضارب من مال المضاربة مثل ثمن الدار التي بيعت إلى جنب دار المضاربة ، فأراد المضارب أن يأخذ الدار بالشفعة لنفسه لم يكن له ذلك ، وإنما يأخذها على المضاربة أو يدع ; لأن حق رب المال أصل ، وحق المضارب تبع وهو متمكن من أخذها بما هو الأصل ، والتبع لا يظهر مع ظهور الأصل وهذا ; لأن في أخذها للمضاربة مراعاة الحقين جميعا : حق رب المال ، وحق المضارب وفي أخذها لنفسه إبطال حق رب المال ، وليس للمضارب أن يقدم حق نفسه في الربح ، ويبطل حق رب المال فتسلم المضارب الشفعة فأراد رب المال أن يأخذها بالشفعة لنفسه ، لم يكن له ذلك ; لأن المضارب إذا كان متمكنا من الأخذ بالشفعة يصح منه التسليم في حق نفسه وفي حق رب المال جميعا ، فإن التسليم من التجارة كالأخذ ، قيل : هذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف - رحمهما الله - فأما عند محمد - رحمه الله - فينبغي أن لا يصح تسليمه في حق رب المال ، كما في الأب والوصي إذا سلما شفعة الصبي ، والأصح أن هذا قولهم جميعا ; لأن فيما هو من صنيع التجار ، المضارب نائب عن رب المال على الإطلاق ، وتسلم الشفعة من صنيع التجار . ولو لم يكن في يد المضارب من مال المضاربة شيء يأخذ به الدار التي بيعت كان له أن يأخذها بالشفعة لنفسه ; لأنه غير متمكن من أخذها للمضاربة هنا ; لأنه لو أخذها للمضاربة كان استدانة منه على المال ، والمضارب لا يملك ذلك فإذا لم يثبت له الحق باعتبار الأصل ظهر حكم التبع ، وهو أنه جار للدار المبيعة بملكه في نصيبه من الربح ، فيكون له أن يأخذ بالشفعة لنفسه ، وإن لم يكن فيها فضل على رأس المال لم يكن للمضارب أن يأخذها لنفسه ; لأنه لا ملك له فيها وإنما جواره من حيث اليد دون الملك وبه لا يستحق الشفعة ، وإن أراد رب المال أن يأخذها لنفسه فله ذلك ; لأن ما في يد المضارب ملك لرب المال حقيقة ، فيكون به جارا للدار المبيعة ، فإن سلم المضارب الشفعة فتسليمه باطل ، ورب المال على شفعته ; لأن تسليم الشفعة إنما يصح ممن يكون متمكنا من الأخذ بالشفعة ، والمضارب هنا لم يكن متمكنا من الأخذ فليس له تسليم الشفعة . ولو كان في الدار التي من المضاربة فضل على رأس المال ، وليس في يد المضارب من مال المضاربة شيء فأراد المضارب ورب المال أن يأخذ الدار المبيعة إلى جنب دار المضاربة بالشفعة لأنفسهما فلهما أن يأخذاها نصفين ; لأن كل واحد منهما جار لها بملكه في حصته من دار المضاربة ، واستحقاق الشفعة باعتبار عدد رءوس الشفعاء لا باعتبار مقدار الأنصباء ، فإن سلم أحدهما كان للآخر أن يأخذها كلها ; لأن لكل واحد من الشفيعين سببا تاما لاستحقاق جميع الدار المبيعة ، ولكن [ ص: 148 ] للمزاحمة عند طلبهما يأخذ كل واحد منهما النصف ، فإذا انعدمت هذه المزاحمة بتسليم أحدهما ، كان للآخر أن يأخذها كلها ، فإن كان بقي في يد المضارب من المضاربة قدر ثمن الدار التي بيعت فأراد المضارب ، أو رب المال أن يأخذها بالشفعة لم يكن له ذلك ; لأن حق المضاربة في هذه الدار هو الأصل قبل القسمة ; لما في الأخذ للمضاربة من مراعاة الحقين ، وفي أخذ أحدهما لنفسه إبطال حق الآخر وإذا كان الأخذ باعتبار الحق الأصلي ممكنا يوجب ترجيح ذلك ، فيكون للمضارب أن يأخذها للمضاربة ، وليس لواحد منهما أن يأخذها لنفسه ، فإن سلم المضارب الشفعة ; لم يكن لواحد منهما أن يأخذها بالشفعة بعد ذلك ; لأن المضارب كان متمكنا من أخذه لهما ، فيعمل تسليمه أيضا في حقهما ، أرأيت لو أخذها للمضاربة ، ثم باعها من الذي أخذها منه ، أو ردها عليه بحكم الإقالة أما كان يصح ذلك منه في حق رب المال فكذلك إذا ردها عليه بتسليم الشفعة له . ولو لم يعلم المضارب بالشفعة حتى تناقضا المضاربة واقتسما الدار التي من المضاربة على قدر رأس المال والربح ، ثم أرادا أن يأخذا الدار المبيعة بالشفعة لأنفسهما فلهما ذلك ; لأن سبب الاستحقاق لكل واحد منهما يتقرر بالقسمة ، ولا ينعدم ، فإن السبب كونه جارا للدار المبيعة بملكه في دار المضاربة ، وبالقسمة يتقرر ملك كل واحد منهما ، إلا أن حق المضاربة كان مقدما ، فإذا انعدم ذلك بقسمتها كان لكل واحد منهما حق الأخذ لنفسه ، بالشفعة كالشريك إذا سلم الشفعة فللجار أن يأخذها ، فإن طلباها جميعا فهي بينهما نصفان ، وأيهما سلم أخذ الآخر الدار كلها ; لما قلنا . وإذا دفع الرجل إلى الرجلين مالا مضاربة فاشتريا به دارا ، ورب المال شفيعا فله أن يأخذ حصة أحدهما بالشفعة دون حصة الآخر ; لأن الصفقة تتفرق بتعدد الشريكين في حكم الشفعة . ( ألا ترى ) أنهما لو اشترياها لأنفسهما كان للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر قبل القبض في ظاهر الرواية ، وقد بينا هذا في الشفعة ، فكذلك إذا كان المشتريان مضاربين . وكذلك لو كان الشفيع أجنبيا فإن المضاربين في شرائهما للمضاربة في حق الشفيع كالمشتريين لأنفسهما ، حتى كان له أن يأخذها منهما بالشفعة وإن لم يحضر رب المال ، وكذلك الوكيلان . ولو كان المضارب واحدا فأراد الشفيع أن يأخذ بعض الدار بالشفعة لم يكن له ذلك ، سواء كان الشفيع رب المال أو أجنبيا لما فيه من تفريق الصفقة على المشتري . وإذا دفع الرجلان إلى رجل مالا مضاربة فاشترى بها دارا ، وأحد صاحبي المال شفيعها فأراد أن يأخذ بعضها بالشفعة فليس له ذلك ، إما أن يأخذها كلها أو يدع ; لأن المشتري لما كان [ ص: 149 ] واحدا كانت الصفقة في حكم الشفعة متحدة ، فلا يكون للشفيع أن يفرقها بأخذ البعض سواء كان الشفيع أجنبيا ، أو أحد ربي المال . وكذلك الرجلان يوكلان رجلا بشراء دار كان للشفيع أن يأخذها من الوكيل جملة ، وإن كان الآمران غائبين وليس له أن يأخذ نصيب أحد الآمرين . وإن كان المأمور اثنين فله أن يأخذ نصيب أحد الآمرين دون الآخر ; لأن المشتري لغيره في حق الشفيع كالمشتري لنفسه ، فإن المعتبر في تفريق الصفقة واجتماعها حال العاقد لا حال من وقع العقد له ، وإذا وجبت الشفعة للمضاربة فسلم أحد المضاربين الشفعة لم يكن للآخر أن يأخذها ; لأن الأخذ بالشفعة شراء ، وأحد المضاربين لا ينفرد بالشراء دون صاحبه فكذلك في الأخذ في الشفعة . ( ألا ترى ) أنه ليس لأحدهما أن يأخذ بالشفعة دون صاحبه وإن لم يسلما فبعد تسليم أحدهما أولى . وإن كان رأس المال ألف درهم فاشترى بها المضارب دارا تساوي ألفا ، أو أقل ، أو أكثر ، وشفيعها رب المال بدار له ، ورجل أجنبي أيضا شفيعها بدار له ، أخرى ، فلهما أن يأخذا الدار نصفين ; لأن كل واحد منهما لو انفرد لاستحق الكل بالشفعة ، فإذا اجتمعا وطلباها أخذاها بينهما نصفين ، فإن سلم رب المال الشفعة ، وأراد الأجنبي أن يأخذها فالقياس أن يأخذ الأجنبي نصف الدار بالشفعة ، وليس له غير ذلك ; لأن المضارب إنما اشتراها لرب المال ، وشراء الشفيع لنفسه يكون أخذا بالشفعة ، فكذا شراء غيره له ، وأحد الشفيعين إذا سلم بعد الأخذ فليس للآخر أن يأخذ إلا النصف ، بخلاف ما إذا سلم قبل الأخذ ; لأن مزاحمته في الأخذ تنعدم بالتسليم قبل الأخذ لا بعده وفي الاستحسان للأجنبي أن يأخذ الدار كلها ، أو يدع ; لأن المضارب إنما اشترى للمضاربة ، وذلك حق آخر غير حق رب المال فيما له على الخصوص والمزاحمة بينهما باعتبار الحق الخالص لكل واحد منهما ، ولم يوجد من رب المال ، أخذ باعتبار هذا الحق ، ولا من غيره له فإنما سلم قبل الأخذ ، والدليل عليه أنه لو تمكن الأجنبي من أخذ النصف تفرقت الصفقة به على المشتري ، وليس للشفيع حق تفريق الصفقة على المشتري بالأخذ بالشفعة فلهذا يأخذ كلها أو يدع . ( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر : عشرة دراهم كل شهر فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع [ ص: 150 ] الربح أجرا ; لأنه شريك في المال بحصته من الربح ، وكل من كان شريكا في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل ; لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال باعتبار عمله له ، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله أيضا أجرا مسمى عليه ، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له ، وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله ، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجرا ، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ، ولا أجر للمضارب في ذلك ; لأنه ما سلم عمله بحكم الإجارة على رب المال ، والمضاربة شركة ، والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله ، وقد طعن عيسى - رحمه الله - في هذه المسألة ، وقال يجب أن يكون للمضارب أجر مثله فيما عمل ; لأن شرط الأجر المسمى ينافي موجب المضاربة فإن المضاربة جائزة غير لازمة ، فلكل واحد منهما أن يفسخها ، واشتراط الأجر المسمى يجعل العقد لازما ، وكل شرط يضاد موجب المضاربة فهو مفسد للمضاربة ، كما لو شرط للمضارب مائة درهم من الربح ، واستدل بما قاله في كتاب المزارعة في نظير هذه المسألة : أن المزارعة تفسد ، والخارج كله لصاحب البذر ، وقد قيل في الفرق بينهما : إنه قال في مسألة المزارعة على أن للمزارع أجر مائة درهم ، ولم يقل : كل شهر فصار الأجر شرطا على العمل الذي قد اشترط له نصيبه من الزرع عليه ، وفي المضاربة قال : على أن له أجرا : عشرة دراهم كل شهر ، فالأجر هناك مشروط بمقابلة منافعه لا بمقابلة العمل . ( ألا ترى ) أن بمضي المدة بعد تسليم النفس يجب الأجر وإن لم يعمل له شيئا ، وشرط الربح بمقابلة العمل فكانا في حكم عقدين ، إذا فسد أحدهما لم يفسد الآخر ، به وقيل في الفرق بينهما : المزارعة إجارة ; ولهذا شرط التوقيت فيها ، والإجارة تبطل بالشروط الفاسدة ، فأما المضاربة فشركة حتى لا يشترط فيها التوقيت ، والشركة لا تبطل بالشروط الفاسدة قوله : هذا الشرط يضاد موجب المضاربة ، قلنا : الشرط لا يضاد ذلك ، ولكن صحة الشرط واستحقاق الأجر به يوجب اللزوم ، وهذا الشرط غير صحيح هنا ، بل هو لغو كما ذكرنا فتبقى المضاربة بينهما صحيحة كما هو موجب المضاربة ، ولذلك إذا شرط ذلك الآجر لعبد له يعمل معه في المضاربة ، أو لبيت يشتري فيه ويبيع فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ، ولا لبيته ; لأن المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ، ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا ; ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون ، وعبد المضارب الذي لا دين [ ص: 151 ] عليه كسبه لمولاه ، فالمشروط له من الأجر كالمشروط للمضارب . ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين ، أو كان مكاتب المضارب ، أو ولده ، أو والده فهو جائز على ما اشترطا ، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا ; لأنه من كسب هؤلاء كالأجنبي ، وله أن يستأجرهم للعمل معه ، ويكون أجرهم في مال المضاربة ، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة ، وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ، ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة ، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطا فاسدا . ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا : عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه فهذا شرط فاسد ; لأن عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه . ولو شرط عمل رب المال معه بأجر لم يجز ذلك ، ولا أجر له فيما عمل ، فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه ، والربح بينهما على الشرط ; لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد ، بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر ; لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال ، وهنا الشرط لا يعدم التخلية ، فإن العبد أجير المضارب ، ويد الأجير كيده . ولو كان عبد رب المال عليه دين فاشترط له أجرا : عشرة دراهم كل شهر ، أو اشترط ذلك لمكاتبه أو لابنه جاز ; لما بينا أن هؤلاء كأجنبي آخر فيما يشترط لهم من الأجر على العمل . وإذا استأجر رجل رجلا عشرة أشهر كل شهر بعشرة دراهم يشتري له البز ويبيع ذلك فهو جائز ; لأنه عقد على منافعه في مدة معلومة ببدل معلوم ، فإن دفع إليه رب المال في هذه العشرة الأشهر مالا يعمل به على أن الربح بينهما نصفان فعمل به الأجير ; فالربح لرب المال ، والوضيعة عليه ، ولا شيء للأجير من الربح في قول أبي يوسف ، وقال محمد : ربح المضاربة بينهما على ما اشترطا ، ولا أجر للأجير ما دام يعمل بهذا ، وإذا عمل بغيره من ملك رب المال ; فله أجر عشرة دراهم في كل شهر حتى تنقضي هذه الشهور ; لأن اتفاقهما على المضاربة بمنزلة الفسخ منهما للإجارة ، ولكن هذا الفسخ في ضمن المضاربة فيقتصر على المنافع التي يعمل بها في مال المضاربة ، ولا تتعدى إلى ما يعمل به في غيره من مال رب المال فيستوجب الشركة في الربح باعتبار المضاربة ، والأجر بمنافعه المصروفة إلى عمله لرب المال من غير مال المضاربة ; ولأن المضاربة شركة . ولو أن الأجير شارك رب المال بألف من ماله خلطه بمال رب المال بإذنه على أن يعمل بالمالين ، فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان كانت الشركة جائزة على ما اشترطا ، ولا أجر للأجير ما دام يعمل بهذا المال ، [ ص: 152 ] فكذلك في المضاربة ، وأبو يوسف يقول : عقد الإجارة لا ينتقض بالمضاربة ; لأن المضاربة دون الإجارة ، فالإجارة لازمة من الجانبين ، والمضاربة غير لازمة ، ولا ينتقض الشيء بما هو دونه ; ولأن المعقود عليه في الإجارة منافعه ، وفي المضاربة العمل ، وأحدهما غير الآخر ، والعقد المضاف إلى محل لا يبطل عقدا مضافا إلى محل آخر هو أقوى منه ، ومع بقاء الإجارة لا يجوز أن تثبت له الشركة في الربح إذا اجتمع له الأجر والشركة في الحاصل بعمله ، وذلك لا يجوز ; ولأن المضارب إنما يستحق الشركة في الربح بإزاء عمل نفسه بمنافع هي له ، وهنا منافعه بعقد الإجارة مستحقة للمستأجر ، فلا يوجد ما هو موجب استحقاق الشركة في الربح ، وهذا بخلاف الشركة فإن الشريك يستحق الربح بماله لا بعمله ، فبالإجارة السابقة بينهما لا ينعدم ما به يستحق الشريك ، ولأن الشريك يعمل لنفسه في مال نفسه فلا يستوجب الأجر بهذا العمل على المستأجر ، والمضارب يعمل لرب المال وهو بعمله بالمال يستوجب الأجر هنا ، فلا يجوز أن يستوجب الشركة في الربح ، وعقد الإجارة يرد على منافعه كما قال ، ولكن المقصود هو العمل ، فإذا وجد ما هو المقصود كان البدل بمقابلته . وإن كان تسليم النفس عند عدم العمل يقام مقامه في استحقاق الأجر كالصداق ; فإنه بمقابلة ما هو المقصود ، وإن كان تسليم المرأة نفسها قد يقام مقام ما هو المقصود في تأكيد المهر به لدفع الضرر عنها . ![]()
__________________
|
|
#458
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 152الى صـــ 161 (458) ولو كان الأجير دفع إلى رب المال مالا مضاربة يعمل به على النصف جاز والأجير على الإجارة ، والمستأجر على المضاربة ; لأن عقد الإجارة لا يوجب للأجير حقا في منافع رب المال ولا في عمله ، فدفعه المال إليه مضاربة بعد الإجارة كدفعه إليه قبل الإجارة ، فإن استبضع رب المال الأجير مال المضاربة ، يشتري به ويبيع على المضاربة ، فقبضه الأجير فاشترى به وباع ، فهو جائز على ما اشترطا في المضاربة ; لأن عمل المستبضع كعمل المبضع ، كما لو أبضعه المضارب مع أجنبي آخر ، والأجر على حاله للأجير ; لأنه قد تحقق منه تسليم نفسه في المدة للعمل به ، وهو يستوجب الأجر بذلك ، وعقد المضاربة لا يفسد هنا ، بخلاف ما إذا اشترط عمل رب المال بالمال ; لأن ذلك الشرط يعدم التخلية . فأما الإبضاع فلا يعدم التخلية المستحقة لتمكن المضارب من استرداد المال منه متى شاء . وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف على أن يعمل معه رب المال ، على أن لرب المال أجرا : عشرة دراهم كل شهر فهذا الشرط يفسد عقد المضاربة ; لأنه يعدم التخلية وقد بينا أنه لو شرط عمل رب المال مع المضارب بغير أجر فسد العقد ، فإذا شرط عمله مع المضارب كان أولى ، وإذا فسد العقد [ ص: 153 ] كان الربح كله لرب المال ، والوضيعة عليه ، وللمضارب أجر مثله فيما عمل وهو الحكم في المضاربة الفاسدة ، ولا أجر لرب المال ; لأنه عامل في مال نفسه لنفسه وهو في ذلك لا يكون أجيرا لغيره ; فلهذا لا يستوجب الأجرة به والله أعلم . ( قال رحمه الله ) رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن ما كان في ذلك من ربح فهو بينهما نصفان ، فاشترى رب المال عبدا بخمسمائة وباعه من المضارب بألف المضاربة جاز ذلك ; لكون العقد مفيدا بينهما ، فإن باعه المضارب مساومة باعه كيف شاء ، وإن باعه مرابحة باعه على خمسمائة ، وهو ما اشتراه به رب المال دون الألف الذي اشتراه به المضارب ; لأن الذي يجري بين رب المال والمضارب في الحقيقة لم يكن بيعا ، فإن البيع مبادلة ملك إنسان بملك غيره ، وهذا كان مبادلة ملك رب المال بملكه ، ولكن جعل بمنزلة العقد في حق ما بينهما ; لكونه مفيدا في حقهما . فأما في حكم بيع المرابحة فالعقد هو الأول ، وهو شراء رب المال إياه بخمسمائة فيبيعه مرابحة على ذلك ، يوضحه أن المضارب متهم في حق رب المال بالمسامحة وترك الاستقصاء ، وبيع المرابحة بيع أمانة ينفي عنه كل تهمة وخيانة ، وانتفاء التهمة في أقل الثمنين ، فبيعه مرابحة على ذلك ، إلا أن يبين الأمر على وجهه ، فحينئذ يبيعه كيف شاء ; ولأن المضارب يبيعه بالمال فينبغي أن يطرح ربح رب المال عند انضمام أحد العقدين إلى آخر ، وربح رب المال خمسمائة فيطرح ذلك من الثمن ويبيعه مرابحة على ما بقي . ولو كان رب المال اشترى العبد بألف فباعه من المضارب بخمسمائة درهم من المضاربة باعه المضارب مرابحة على خمسمائة ; لأنه أقل الثمنين ، والذي جرى بينهما عقد في حقهما ، فإن لم يكن في الحقيقة عقدا فيعتبر هذا الجانب إذا كان أقل الثمنين عند اعتباره ، وانتفاء التهمة ، إنما يكون في الأقل . ولو كان رب المال ملك العبد بغير شيء فباعه من المضارب بألف المضاربة لم يبعه مرابحة حتى يبين أنه اشتراه من رب المال ; لما بينا أن الذي جرى بينهما ليس ببيع في الحقيقة ، وليس لرب المال على هذه العين شراء سوى هذه ليبيعه المضارب به مرابحة باعتبار ذلك ، فإن بين الأمر على وجهه فقد انتفت التهمة . ولو عمل المضارب بألف المضاربة فربح فيها ألفا ، ثم اشترى رب المال عبدا يساوي ألفي درهم ، فباعه من المضارب بالألفين فله أن يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن مقدار [ ص: 154 ] الخمسمائة في العقد الثاني ربح رب المال ، فيطرح ذلك من الثمن الثاني إذا لم يخرج ذلك القدر من ملك رب المال ، وإنما بقي من الثمن ربح المضارب فيه وهو خمسمائة ، وما اشتراه به رب المال وهو ألف ، فيبيعه مرابحة على ذلك ; لأن المضارب إنما يبيعه لرب المال في مقدار رأس ماله وحصته من الربح ولهذا لو لحقه عهدة في ذلك رجع به عليه فيطرح مقدار ربح رب المال لذلك . ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة ، والمسألة على حالها باعه المضارب مرابحة على ألف درهم خمسمائة منها التي اشترى بها رب المال العبد ، وخمسمائة ربح . فأما ألف المضارب التي طرحت من الثمن بخمسمائة درهم تمام رأس مال رب المال والعقد في ذلك لرب المال فيعتبر أقل الثمنين فتطرح الزيادة إلى تمام رأس مال رب المال ، وخمسمائة درهم ربح رب المال ، فلا يحتسب بشيء من ذلك ، ويبيعه مرابحة على ما اشتراه به رب المال ، وعلى حصة المضارب من الربح إلا أن يبين الأمر على وجهه . ولو كان رب المال اشتراه بألف وقيمته ألف ، فباعه من المضارب بألفين باعه المضارب مرابحة على الألف ; لأن قيمته إذا كانت مثل رأس المال فلا ربح للمضارب منه . ( ألا ترى ) أنه لو أعتقه لم يجز عتقه ، وربح رب المال يطرح من بيع المضارب ، فإنما يبيعه مرابحة على ما اشتراه به رب المال ، وهو ألف درهم ، وإن كان اشتراه رب المال بخمسمائة ، وقيمته ألف فباعه من المضارب بالألفين باعه المضارب مرابحة على خمسمائة ; لأنه لا ربح في قيمته ، فإنما يبيعه لرب المال كله فإن قيل : كيف ينفذ هذا الشراء بالغبن الفاحش من المضارب على المضاربة ؟ قلنا : لأنه اشتراه من رب المال ، وشراؤه بالزيادة الفاحشة من غيره إنما لا ينفذ على المضاربة ; لحق رب المال ، فإذا كان العامل معه رب المال ; فهو راض بذلك . ولو كان رب المال اشتراه بألفين ، وقيمته ألف فباعه من المضارب بألفين ، باعه المضارب مرابحة على ألف ، على أنه لا فضل فيه على رأس المال ، وفي حق رب المال إنما يعتبر أقل الثمنين ، وذلك مقدار قيمته فبيعه مرابحة على الألف كذلك ، فإن قيل : رب المال اشتراه بألفين ، والمضارب اشتراه منه كذلك بألفين ، فقولكم أقل الثمنين ألف من أين ؟ قلنا : نعم رب المال اشتراه بألفين ، وقد عاد إليه ألف زائدة على قيمته بالعقد الذي جرى بينه وبين المضارب ، فإنما بقي له فيه بقدر رأس مال المضاربة ، وذلك ألف درهم . ولو كان العبد يساوي ألفا وخمسمائة ، وقد اشتراه رب المال بألف ، والمسألة بحالها باعه المضارب مرابحة على ألف ومائتين وخمسين ; لأن الربح فيه خمسمائة : نصف ذلك لرب المال ، وقد بينا أن ربح المال يطرح ، وإنما يعتبر قدر رأس المال وربح المضاربة ، وذلك ألف [ ص: 155 ] ومائتان وخمسون . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى المضارب بها عبدا ، فباعه من رب المال بألفي درهم ، باعه رب المال مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن خمسمائة من الألفين حصة رب المال من الربح ، فيطرح ذلك من الثمن ; لأن المضارب إنما كان اشترى العبد له ، فيعتبر في حقه أقل الثمنين ، وذلك ما اشترى به المضارب وهو ألف ، وحصة المضارب من الربح معتبرة لا محالة ، فيبيعه رب المال مرابحة على ألفي درهم وخمسمائة . ولو كان المضارب اشترى العبد بخمسمائة من المضاربة ، فباعه من رب المال بألفي درهم فإنه يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ، الثمن الذي اشتراه به المضارب ، وخمسمائة ربح المضارب ، ويطرح عنه خمسمائة : ربح رب المال ، وخمسمائة ربح رب المال أيضا مما يكمل به رأس المال . وإن كان بقي من المضاربة خمسمائة في يد المضارب لم يحتسب بها في ثمن هذا العبد ، وقد بينا أن في حق كل جنس من المال يجعل كأنه ليس في المضاربة غيره . ( ألا ترى ) أن تلك الخمسمائة لو ضاعت كان رأس مال المضاربة كله ثمن هذا العبد ; فلهذا حسب جميع رأس المال في ثمن هذا العبد ، فطرح تمام رأس المال من ثمن العبد الذي اشتراه به رب المال وهو خمسمائة ، وربح رب المال باعه مرابحة على الثمن الذي اشترى به المضارب وهو خمسمائة ، وعلى ربح المضارب وهو خمسمائة ، ويشتري إن كانت قيمة العبد أقل من ذلك ، أو أكثر في هذا الوجه ; لأنه لا معتبر بقيمة العبد ، فإنه إنما يصل إلى المضارب في هذا الوجه الثمن دون العبد . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة ، فاشترى بها عبدا فباعه من رب المال بألفي درهم ، ثم باعه رب المال من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف ، ثم اشتراه المضارب من الأجنبي بالألفين اللذين أخذهما من رب المال ثمنا للعبد ، فإنه لا يبيعه مرابحة في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - أصلا ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يبيعه المضارب مرابحة على الثمن الأخير الذي اشتراه به من الأجنبي وهو ألفا درهم ، وهذا بناء على ما بينا في كتاب البيوع : أن عند أبي حنيفة يضم بعض العقود إلى البعض ، ثم ينظر إلى حاصل الضمان فيه ، فعلى ذلك يباع مرابحة فهنا الثمن الأول كان ألف درهم فلما باعه المضارب بألفين من رب المال كان المعتبر من ذلك مقدار رأس المال وهو ألف ، وحصة المضارب من الربح وهو خمسمائة ، فلما باعه رب المال بثلاثة آلاف ; فقد ربح فيه ألفا وخمسمائة ، فلا بد من أن يطرح ذلك من رأس المال بعد ما اشتراه المضارب من الأجنبي ليبيعه مرابحة لرب المال على ما بقي ، وإذا طرحت ذلك من رأس المال لم يبق شيء ; فلهذا لا يبيعه مرابحة أصلا ، إلا أن يبين الأمر على وجهه ، وعندهما [ ص: 156 ] لا يعتبر ضم العقود بعضها إلى بعض في المعاملة مع الأجنبي ، فيبيعه مرابحة على ما اشتراه من الأجنبي ، وذلك ألفا درهم . ولو كان المضارب باع العبد من رب المال بألف وخمسمائة ، ثم باعه رب المال من أجنبي بألف وستمائة ، ثم عمل المضارب بالألف وخمسمائة ، حتى صارت ألفين فاشترى بها العبد من الأجنبي بألف وستمائة ثم عمل المضارب بألف وخمسمائة حتى صارت ألفين فاشترى بها العبد من الأجنبي ، فإن بيعه مرابحة في قولهما على ألفين ، وهو ظاهر . وأما في قياس قول أبي حنيفة فإنه يبيعه مرابحة على ألف وأربعمائة ; لأن المضارب كان ربح في البيع الأول مائتين وخمسين ، وكان المعتبر رأس المال ، وحصة المضارب من الربح ، فحين باعه رب المال بألف وستمائة فثلثمائة وخمسون من ذلك ربح المال ، فيطرح ذلك من الألفين ، ويطرح أيضا ما ربح المضارب على رب المال ، وذلك مائتان وخمسون درهما ، فإذا طرحت ذلك من الألفين ; يبقى ألف وأربعمائة درهم ، فعلى ذلك يبيعه المضارب مرابحة ، وإنما يطرح ما ربح المضارب على رب المال ; لأنه لو ربح ذلك في معاملته مع الأجنبي بيعا وشراء لكان يطرح ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - في بيع المرابحة ، فلأن يطرح ذلك عند معاملته مع رب المال أولى . وإذا دفع إلى رجل مالا مضاربة بالنصف فاشترى بألف منها عبدا يساوي ألفين فولاه رب المال ، فهذا جائز عند أبي حنيفة لا يشكل ; لأنه يملك البيع بالمحاباة ، وعندهما بيعه بالمحاباة الفاحشة من غير رب المال لا يجوز ; لحق رب المال فلا يكون ذلك مانعا من جواز المعاملة بينه وبين رب المال ، فإن باعه رب المال من أجنبي بألف وخمسمائة مرابحة ، ثم اشتراه المضارب من الأجنبي مرابحة بألفي درهم من المضاربة ، ثم حط رب المال عن الأجنبي من الثمن ثلثمائة ، فإن الأجنبي يحط عن المضارب مثل ذلك من الثمن ، وحصته من الربح ، وذلك كله أربعمائة ; لأن العقدين جميعا كانا مرابحة فإذا خرج القدر المحطوط من أن يكون ثمنا في حق الأجنبي بحط رب المال عنه ، يخرج ذلك القدر وحصته من الربح من أن يكون ثمنا في عقد المضارب أيضا ، والمحطوط في عقد رب المال خمس الثمن ، وفي عقد المضارب جملة الثمن ألفان ، فيحط عنه خمس الثمن ، وفي عقد المضارب جملة الثمن ألفان فيحط عنه خمسها أيضا ، وهو أربعمائة ، ثم يبيعه لمضارب مرابحة على ما بقي من الألفين في قول أبي يوسف ومحمد وهو ألف وستمائة ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - يبيعه مرابحة على ألف ومائتي درهم ; لأن رب المال كان ربح فيه خمسمائة ، فلما حط ثلثمائة كان الحط من جميع الثمن : ثلثاه من رأس المال ، وثلثه من الربح ، فبقي ربحه على الأجنبي أربعمائة درهم ، فيطرح [ ص: 157 ] المضارب هذه الأربعمائة ، مع الأربعمائة التي سقطت عنه من الألفين ; لأنه يبيعه مرابحة لرب المال ; فلهذا باعه مرابحة على ألف ومائتين ، إلا أن يبين الأمر على وجهه . ولو كان المضارب حط عن رب المال من الثمن الذي ولاه به العقد مائتي درهم ، فإن رب المال يحط المائتين وحصتها من الربح ، وهو مائة درهم عن الأجنبي ; لأن المضارب حط عنه خمس الثمن ، وبيعه من الأجنبي كان مرابحة بألف وخمسمائة ، فيطرح عنه أيضا خمس الثمن ، وذلك ثلثمائة ، ثم يحط الأجنبي عن المضارب هذه الثلثمائة : حصتها من الربح ، وهو مائة لما قلنا ، فيبقى العبد في يد المضارب بألف وستمائة شراء من الأجنبي ، فإن أراد أن يبيعه مرابحة باعه في قول أبي حنيفة مرابحة على ألف ومائتين لما بينا أنه يطرح ما ربح رب المال عن الأجنبي ، وهو أربعمائة ; لأنه بقي حاصل ضمانه الأول فيه ثمانمائة ، وحاصل ما سلم له من الأجنبي ألف ومائتان ، فعرفنا أن ربحه كان أربعمائة فيحط المضارب ذلك في بيع المرابحة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يبيعه مرابحة ، وهو على ألف وستمائة لما بينا . والله أعلم . ( قال - رحمه الله - ) : رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيه برأيه ، أو لم يأمره فعمل فربح ألف درهم ، ثم إنه دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيها برأيه ، أو لم يأمره فخلط هذه الألف الأخيرة بالألف الأولى ، ثم عمل بالمال كله فربح ألفا ، فإن كان لم يأمره أن يعمل في الأخيرة برأيه فالمضارب ضامن للألف الأخيرة بالخلط ; لأن له في المال من الربح خمسمائة ، فهذا منه خلط مال المضاربة بمال نفسه ، وذلك موجب للضمان عليه في المضاربة المطلقة ، فإن كان ربح بعد هذا الخلط ألف درهم فثلث ذلك حصة الألف الأخيرة ، وقد ضمنها المضارب ، فيكون ربحها له ، فيأخذ من المال هذه الألف ، وربحها ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وما بقي من المال فهو على المضاربة الأولى بينهما ; لأن في حق المضاربة الأولى إنما خلط رب المال بماله ، وذلك لا يوجب الضمان عليه . ولو ضاع المال قبل القسمة لم يضمن المضارب إلا الألف الأخيرة ; لأن سبب الضمان وهو الخلط بمال نفسه إنما وجد فيها خاصة . ولو كان أمره في المضاربة الثانية أن يعمل فيها برأيه ، ولم يأمره بذلك في الأولى ، أو أمره والمسألة بحالها فلا ضمان عليه ، والمال كله مضاربة على ما اشترطا ; لأن الأمر [ ص: 158 ] في المضاربة الأخيرة مفوض إلى رأيه على العموم ، فلا يصير ضامنا لها بالخلط ، وفي المضاربة الأولى إنما خلط مال رب المال بماله ، وذلك غير موجب للضمان عليه ; فلهذا كان المال كله مضاربة في يده على ما اشترطا . ولو لم يأمره أن يعمل في واحد من المالين برأيه فخلطهما قبل أن يربح في واحد منهما شيئا فلا ضمان عليه ; لأنه إنما خلط مال رب المال بماله ، وذلك ليس بسبب موجب للضمان عليه في المضاربة المطلقة . ولو كان ربح في كل واحد ربحا ، ثم خلطهما ضمنهما جميعا مع حصة رب المال من الربح الذي كان قبل الخلط ; لأن في كل واحد من المالين وجد سبب وجوب الضمان وهو خلط ملك رب المال بملك نفسه ، وذلك حصته من الربح في كل مال ، وما ربح فيهما بعد ما خلطهما فهو للمضارب ; لأنه يملك المالين بالضمان ، فما ربح عليهما بعد ذلك يكون له ، ويتصدق به ; لأنه حصل له ذلك بسبب حرام إلا حصة ربحه قبل أن يخلطها فإنها حلال له ، لأن ذلك حصل له بسبب لا حنث فيه ، وفي قول أبي يوسف لا يتصدق بشيء من الربح ; لأنه حصل على ضمانه ، وأصل الخلاف في المودع إذا تصرف في الوديعة وربح ، وإذا كان أمره فيهما جميعا أن يعمل برأيه كان ذلك كله مضاربة بينهما على الشرط ; لوجود تفويض الأمر إلى رأيه في المضاربتين على العموم ، والجواب في المضاربين إذا خلطا المالين قبل أن يربح واحد منهما شيئا ، أو بعد ما ربح أحدهما في مضاربته شيئا ، نحو الجواب في المضارب الواحد لاستواء الفصلين في المعنى الذي أشرنا إليه . والله أعلم . ( قال - رحمه الله - ) : وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى أحدهما عبدا بخمسمائة من المضاربة ، فباعه من المضارب الآخر بجميع الألف : المضاربة فهو جائز وإن كان المالان لواحد ; لأن هذا البيع مفيد ، فإنه يدخل في مضاربة كل واحد منهما ما لم يكن فيها ، وللمشتري أن يبيعه مساومة كيف شاء ، وإن أراد أن يبيعه مرابحة باعه على أقل الثمنين ، وهو خمسمائة التي اشتراه بها المضارب الأول ; لأن ما زاد على ذلك لم يتم خروجه من ملك رب المال ، فإن ما في يد المضارب الأول ، وما في يد المضارب الآخر كله ملك رب المال ، وكل واحد منهما عامل له ، فإنما يبيعه مرابحة على ما يتيقن بخروجه من ملكه وهو الخمسمائة التي دفعها الأول إلى البائع . ولو كان المشتري [ ص: 159 ] اشترى العبد بألف المضاربة ، وبألف من ماله ثم أراد أن يبيعه مرابحة باعه على ألف ومائتين وخمسين ; لأنه اشترى نصفه لنفسه بألف من ماله فيبيعه على ذلك مرابحة ، ويشتري النصف الآخر للمضاربة ، فإنما يبيعه مرابحة على أقل الثمنين فيه ، وثمن هذا النصف في العقد الأول كان مائتين وخمسين ، فيبيع العبد كله مرابحة على ألف ومائتين وخمسين ، فإن بين الأمر على وجهه باعه مرابحة على الألفين ; لأن تهمة الجناية تنعدم ببيان الأمر على وجهه . ولو دفع ألف درهم إلى رجل مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف فاشترى المدفوع إليه الألف عبدا بها ، وباعه من آخر بألفي درهم المضاربة ; فلهذا كان للثاني أن يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن المضارب الأول ربح ألف درهم ، حصته من ذلك خمسمائة ، وحصة رب المال خمسمائة ، إلا أن حصة رب المال من الربح تطرح في بيع المرابحة ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه فإنما يعتبر حصة المضارب الأول من الربح ، والألف التي غرمها المضارب الأول في ثمنه فيه ، فيبيعه الآخر مرابحة على ألف وخمسمائة لهذا . ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة من المضاربة ، وباعه من الثاني بألفي المضاربة باعه مرابحة على ألف درهم : خمسمائة منها رأس مال المضاربة الأول الذي نقد في العبد ، وخمسمائة ربح المضارب الأول ، وقد بطلت حصة رب المال من الربح وهو خمسمائة ، وخمسمائة أخرى تمام رأس مال رب المال من المضاربة الأولى ; لأنا قد بينا : أنه يعتبر رأس المال في كل جنس كأنه ليس معه غيره . ( ألا ترى ) أنه لو هلكت الخمسمائة الأخرى كان جميع رأس المال محسوبا من هذا الثمن ، بمقدار ما يكمل به رأس مال رب المال ، ويطرح في بيع المرابحة ، كما يطرح حصة رب المال من الربح ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه ، والمضارب الآخر إنما اشتراه لرب المال ، والأول كذلك باعه لرب المال ، وإذا ثبتت أنه يطرح من الثمن الثاني ألف درهم باعه مرابحة على ألف . ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة ، ثم باعه من الثاني بألفي المضاربة وألف من ماله ; فله أن يبيعه مرابحة على ألفين ومائة وستة وستين درهما وثلثي درهم ; لأنه اشترى ثلثه لنفسه بألف درهم فيبيعه مرابحة على ذلك ، واشترى ثلثيه بألفي المضاربة ، ورأس مال المضاربة الأولى فيه ثلثا الألف ، وربح المضارب الأول فيه خمسمائة ، فإذا ضممت خمسمائة إلى ثلثي الألف ; يكون ألفا ومائة وستة وستين وثلثين ، ويضم إليه الألف التي هي ثمن ثلث العبد ، فيبيعه مرابحة على ذلك ويطرح ما سواه يعني : حصة رب المال من الربح ، وذلك خمسمائة ، وما يكمل به رأس ماله في المضاربة الأولى [ ص: 160 ] من هذا المال ، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، فتبين أن المطروح من ثلاثة آلاف ثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث . ولو كان المضارب الأول اشترى العبد بخمسمائة ، وقيمته ثلاثة آلاف ، والمسألة بحالها فإن للآخر أن يبيعه مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثين درهما وثلث ; لأن الآخر اشترى ثلثه لنفسه بألف درهم ، وذلك معتبر كله ، واشتري ثلثه للمضاربة ، وإنما يعتبر فيه حصته من الثمن الأول وهو ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وحصة المضارب من الربح وهو خمسمائة ، فإذا جمعت ذلك كان مقداره ما بيناه ، ويطرح حصة رب المال من الربح وهو خمسمائة ، وما يكمل به رأس ماله في المضاربة الأولى من هذا المال وهو ستمائة وستة وستون وثلثان ، فإذا طرحت من ثلاثة آلاف ألفا ومائة وستة وستين وثلثين يبقى ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ثم دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف ، فعمل الآخر بالمال حتى صارت ألفين ، ثم اشترى الأول بألف المضاربة عبدا فباعه من الآخر بالألفين اللتين في يده ، وقيمته ألفا درهم ، فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن رأس مال الأول فيه ألف درهم فيعتبر ذلك ، ويعتبر حصة الأول من الربح وهو خمسمائة ، وتبطل حصة رب المال من الربح في المضاربة الأولى ; لأن ذلك لم يخرج من ملكه بالعقد الثاني ; فلهذا باعه الثاني مرابحة على ألف وخمسمائة . ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة من المضاربة ، وخمسمائة من ماله ، والمسألة على حالها باعه مرابحة على ألف وخمسمائة ; لأن الأول اشترى نصفه لنفسه بخمسمائة ، وباعه من الثاني بألف ، فيبيع ذلك النصف مرابحة على ألف ، واشترى الأول النصف الآخر وباعه من الآخر بألف ، ولا فضل فيه على رأس مال المضاربة في العقد الأول ، فإنما يبيع هذا النصف مرابحة على الثمن الأول ، وهو خمسمائة . ولو كان الأول اشتراها بألف من عنده ، وخمسمائة من المضاربة ، والمسألة بحالها ; باعه الآخر مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول اشترى ثلثيه لنفسه ، وباع ذلك من الآخر بثلث الألفين ، وذلك ألف وثلثمائة وثلاثون وثلث ، فيعتبر ذلك كله ، وأما الثلث الذي اشتراه للمضاربة وباعه من الآخر للمضاربة بما لا فضل فيه على رأس مال المضاربة الأولى ، فإنما يبيع هذا الثلث مرابحة على الثمن الأول ، وهو خمسمائة ، وإذا ضممت الخمسمائة إلى الألف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; كانت جملته ألفا وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا . ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة وبخمسمائة من ماله ; فإن الآخر يبيعه أيضا مرابحة على ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول [ ص: 161 ] اشترى لنفسه ثلثه ، وباعه بثلث الألفين فيعتبر ذلك ، واشترى ثلثه للمضاربة ، وباعه بثلثي الألفين فيعتبر من ذلك مقدار رأس المال ، وهو ألف درهم ، وحصة المضارب من الربح ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، ويطرح حصة رب المال من الربح خاصة ، وإذا طرحت من الألفين مائة وستة وستين وثلثين ; كان الباقي ألفا وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة ، وإلى آخر ألفي درهم مضاربة ، فاشترى الأول بألف عبدا من ماله وبخمسمائة من المضاربة ، ثم باعه من الآخر بثلاثة من ماله وألفي المضاربة ، فإن الآخر يبيعه مرابحة على ألفين وستمائة وستة وستين درهما وثلثي درهم ; لأن الأول اشترى ثلثي العبد لنفسه ، وباعه من الآخر بألفي درهم فيعتبر جميع ذلك ، واشترى ثلثه للمضاربة ، ثم إن الآخر اشترى منه ثلث هذا الثلث لنفسه بثلثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، لا ينتقص من ذلك شيء واشترى ثلثي هذا الثلث منه للمضاربة ، فيعتبر فيه حصة من الثمن الأول ، وذلك ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث هذا هو المعتبر فيه ويطرح ما زاد على ذلك فإن جمعت ذلك كله كان ألفي درهم وستمائة وستة وستين وثلثين فيبيعه مرابحة على ذلك ، وحاصل ما طرح ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وذلك ربح ثلثي هذا الثلث ; لأنه مشغول برأس المال كله ، ولم يخرج من ملك رب المال بالعقد الثاني . ولو كان الأول اشترى العبد وقيمته خمسة آلاف درهم بألف المضاربة ، وبخمسمائة من ماله والمسألة بحالها ، باعه الثاني مرابحة على ألفين وخمسمائة ; لأن الأول اشترى ثلث العبد لنفسه ، وباعه من الثاني بألف فيبيعه مرابحة على ذلك ، فاشترى الثلثين للمضاربة ، ثم إن المضارب الآخر اشترى منه ثلث الثلثين لنفسه بستمائة وستة وستين وثلثين ، فلا ينقص منه شيء ، واشترى منه ثلث الثلثين للمضاربة بألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، فالمعتبر من ذلك رأس المال في العقد الأول ، وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان ، وحصة المضارب الأول من الربح وهو : مائة وستة وستون وثلثان ، فإذا جمعت ذلك كله كان ألفين وخمسمائة ، والمطروح من ذلك حصة رب المال من الربح وهو : مائة وستة وستون وثلثان ، وما يكمل به رأس المال في المضاربة الأولى ، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع إلى آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى الأول جارية بألف من ماله ، وخمسمائة من المضاربة ، وباعها من الآخر بثلاثة آلاف درهم : ألف من المضاربة ، وألفين من ماله ; فإنه يبيعها مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الأول اشترى ثلثيها لنفسه ، وباع ذلك من الثاني بألفي [ ص: 162 ] درهم فيعتبر ذلك كله ، واشترى ثلثها للمضاربة ، ثم باع ثلثي هذا الثلث من الثاني ، واشترى الثاني لنفسه بستمائة وستة وستين وثلثين ، فيعتبر ذلك أيضا ، واشترى ثلث هذا الثلث للمضاربة فإنما يعتبر حصة هذا الجزء من الثمن الأول ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان ، فإذا جمعت هذا كله كان ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا ، فإذا قبض الثمن أخذ لنفسه من الثمن حصته : ألف درهم ، وكان ما بقي من المضاربة ; لأن الثمن في بيع المرابحة مقسوم على الثمن الأول ، وثلث الثمن الأول كان من مال المضارب الآخر . ![]()
__________________
|
|
#459
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 162الى صـــ 171 (459) فإن كان الثمن الذي باعها به أربعة آلاف درهم ; كان له خاصة من ذلك اثنا عشر جزءا ، والباقي يكون من المضاربة ; لأن مقدار الألفين من ماله ، وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث مال المضاربة ، فالسبيل أن يجعل كل مائة وستة وستين وثلثين وسهم ، فصار الألفان اثني عشر وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا خمسمائة ، فتكون الجملة سبعة عشر سهما ، للمضاربة من ذلك خمسة ، وللمضارب الآخر اثنا عشر فعلى ذلك يقسم الأربعة آلاف . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، ودفع آخر ألفي درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى الأول جارية بألف المضاربة ، وبخمسمائة من ماله ، وباعها من الآخر بألف المضاربة وبألفين من ماله فإنه يبيعها مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ; لأن الثاني اشترى ثلث الثلث الباقي لنفسه ، وباع ذلك بثلث الألف ، فيعتبر ذلك كله في بيع المرابحة ، والأول كان اشترى ثلث الثلث الباقي لنفسه ، وباع ذلك بثلث الألف فيعتبر ذلك كله أيضا ، وكان اشترى ثلثي الثلث للمضاربة ، وباعها للمضارب بثلثي الألف ، وإنما يعتبر من ذلك رأس مال هذا الجزء وفي العقد الأول وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وحصة المضارب من الربح وذلك مائة وستة وستون وثلثان ويطرح حصة رب المال من الربح ، وذلك مائة وستة وستون وثلثان فيبيعه مرابحة على ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث بهذا ، فإذا قسم الثمن على سبعة عشر سهما بينه وبين المضارب كما بينا في الفصل الأول . قال عيسى - رحمه الله - : هذا الجواب خطأ ، فإنما يبيعها مرابحة على ألفين وستمائة وستة وستين وثلث ; لأن ثلث الثلثين باعه الأول من المضاربة ، واشتراه منه الثاني للمضاربة أيضا ، فلا يعتد بربح رب المال فيه ، وذلك إذا تأملت مائة وستة وستون وثلثان ، فتبين أن المطروح من ثلاثة آلاف : مائة وستة وستون وثلثان مرتين ، فيكون الباقي ألفين وستمائة وستين وثلثين ، وقيل : إنما يصح ما ذهب إليه عيسى - رحمه الله - أن لو كان مقدار ذلك الثلث من الثلثين مقررا في مملوك ، أو في مبيع على حدة ، فأما إذا كان [ ص: 163 ] في جملة مملوك قد بيع بيعا واحدا ، وسائر رأس المال فيه مجمل ، فلا يصح ذلك ولكن يجب اعتبار جميع ثمن الثلثين ; لأن المضارب الآخر اشترى الثلثين لنفسه بألفين من ماله ، فلا بد من اعتبار جميع ذلك في بيع المرابحة والله أعلم . ( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، وأمره أن يعمل فيها برأيه ، أو لم يأمره فاشترى بالألف ابن رب المال فهو مشتر لنفسه ; لأن رب المال إنما أمره بأن يشتري بالمال ما يمكنه بيعه ، فإن المقصود الاسترباح ، ولهذا أوجب له الشركة في الربح ، وذلك لا يحصل إلا بالبيع بعد الشراء ، فعرفنا أنه مأمور بشراء ما يمكنه بيعه ، وقريب رب المال لو قال جاز شراؤه منه على المضاربة عتق ولا يمكنه بيعه ، فلم يكن هذا من جملة ما تناوله الأمر ، كما لو قال : اشتر لي جارية أطؤها فاشترى أخت الموكل من الرضاع ، أو جارية مجوسية ، لم تلزم الآمر لهذا ، وإذا لم ينفذ شراؤه على رب المال صار مشتريا لنفسه ، وقد نقد ثمنها من مال المضاربة فيخير رب المال بين أن يسترد المقبوض من البائع ويرجع المضارب على البائع بمثله ، وبين أن يضمن المضارب مثل ذلك ; لأنه قضى بالمضاربة دينا عليه . ولو كان اشترى دين نفسه ، وقيمته ألف درهم ، أو أقل جاز على المضاربة وهو عبد ; لأنه لا يملك المضارب شيئا منه ، ولا ربح فيه فهو متمكن من بيعه ، فإذا زادت قيمته على ألف عتق ويسعى في رأس المال ، وحصة رب المال من الربح ; لأنه لما ظهر في قيمته فضل على رأس المال ملك المضارب نصيبه من الفضل فيعتق ذلك الجزء عليه ; لأنه ملك جزءا من قريبه ، ولا ضمان على المضارب فيه لرب المال ; لأنه لا صنع للمضارب في هذه الزيادة ، بل عتق حكما وعليه السعاية في رأس المال ، وحصة رب المال من الربح لتتميم العتق ; لأنه احتبس ذلك القدر عنده من ملك رب المال فعليه أن يسعى له في ذلك . ولو كانت قيمته يوم اشتراه أكثر من ألف درهم كان مشتريا لنفسه ; لأنه اشترى للمضاربة مالا يمكنه بيعه ، فإنه يعتق منه بقدر نصيبه من الربح ، كما ينفذ شراؤه على المضاربة ; فلهذا كان مشتريا لنفسه فيعتق عليه ، ولرب المال الخيار في تضمين مال المضاربة أيهما شاء ، كما بينا . ولو كان اشترى بالألف عبدا يساوي ألفي درهم لا يعرف له نسب ، فقال المضارب لرب المال : هذا ابنك ، وقال رب المال : كذبت فإن الغلام يعتق ; لأن المضارب مالك مقدار ربع [ ص: 164 ] منه بحصته من الربح ، وقد أقر بفساد الرق فيه حين زعم أنه ابن رب المال فيعتق لذلك ، ويسعى الغلام في جميع قيمته بينهما أرباعا : ثلاثة أرباعها لرب المال . وربعها للمضارب ، فإن قيل : كان ينبغي أن لا يعتق ; لأن رب المال يزعم أن المضارب كاذب ، وأن العبد مملوك لهما على المضاربة ، والمضارب يزعم أنه مملوك له اشتراه لنفسه ; لأنه ابن رب المال ، قلنا : نعم ولكن العبد في الظاهر مشترى على المضاربة ، وباعتبار هذا الظاهر يكون المضارب مقرا بفساد الرق فيه ، ورب المال مقر بصحة إقرار المضارب فيه باعتبار نصيبه ، فيكون هذا بمنزلة عبد مشترك بين اثنين ، أحدهما مقر على صاحبه بالعتق في نصيبه . ولو قال المضارب لرب المال هذا ابنك ، وقال رب المال بل هذا ابنك ، وقال صدقت فهو مملوك للمضارب ، أما إذا قال صدقت فقد تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه ; لأنه ابن رب المال بمنزلة ما لو اشترى ابنه المعروف ، وأما إذا قال : بل هو ابنك فقد تصادقا على أنه اشتراه لنفسه ; لأنه إذا كان في قيمته فضل فالمضارب يصير مشتريا لنفسه ، سواء كان ابنه ، أو ابن رب المال ، ثم كان رب المال شاهدا على المضارب للعبد بالعتق والنسب ، وبشهادة الفرد لا تتم الحجة ; فلهذا كان مملوكا للمضارب ، وعلى المضارب أن يرد رأس المال على رب المال ، بخلاف الأول فهناك المضارب يدعي أنه اشتراه لنفسه ، وقد كذبه رب المال في ذلك ، وكان العبد مشتركا بينهما باعتبار الظاهر ; فلهذا يفسد الرق فيه بإقرار المضارب . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى عبدا يساوي ألفا ، فقال المضارب لرب المال : هو ابنك وكذبه رب المال فالعبد على حاله في المضاربة ; لأن المضارب لا يملك شيئا منه حين لم يكن في قيمته فضل على رأس المال ، فلا يفسد الرق فيه بإقراره ، ويبقى على حاله في المضاربة ، فإن لم يبعه حتى زاد فصار يساوي ألفي درهم عتق لإقرار المضارب أنه ابن رب المال ، وأنه أقر بما لا يحتمل الفسخ ، فيصير كالمجدد لإقراره بعد ما ظهر الفضل في قيمته ، فيفسد الرق فيه لذلك ، ويسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأنه في معنى الشاهد على رب المال بالعتق ، أو فساد الرق فيه كان حكما عند ظهور الفضل فيه ، فلا يوجب الضمان على المضارب ، ولا يسقط به حقه عن شيء من نصيبه من السعاية ; فلهذا يسعى في قيمته بينهما أرباعا . ولو قال رب المال : صدقت ولا فضل فيه على رأس المال فالغلام للمضارب ، ويضمن رأس المال لرب المال ; لتصادقهما على أن المضارب اشتراه لنفسه . ولو قال رب المال كذبت ، ولكنه ابنك فهو على المضاربة ; لأن المضارب يدعي أنه اشتراه لنفسه ، ورب المال ينكر ويزعم أنه اشتراه على المضاربة ، إذ لا فضل فيه على [ ص: 165 ] رأس المال ، والمضارب يشتري ابن نفسه على المضاربة إذا لم يكن فيه فضل على رأس المال ، والظاهر شاهد لرب المال فيما يقول إنه اشتراه على المضاربة ، فإن لم يبعه حتى زادت قيمته فصار يساوي ألفي درهم استسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأن كل واحد منهما في معنى الشاهد على صاحبه بالعتق ، والمضارب يزعم أنه ابن رب المال ، وأن نصيبه منه قد عتق ورب المال يزعم أنه ابن المضارب ، وأن نصيبه منه قد عتق ، وهذه الشهادة منهما تفسد الرق ، فلا تسقط شيئا من السعاية عن العبد حقيقة فيسعى في جميع قيمته بينهما أرباعا : ثلاثة أرباعها لرب المال ، وربعها للمضارب . ولو كان اشترى بألف عبدا يساوي ألفين ، فقال رب المال للمضارب : هذا ابنك ، وقال المضارب كذبت ، فإنه يعتق ويسعى في حصة المضارب من الربح خمسمائة ، ولا سعاية عليه لرب المال ; لأن رب المال يتبرأ من السعاية ، ويزعم أن المضارب اشتراه لنفسه ، وأنه عتق كله عليه ، وأنه ضامن له بمثل رأس المال ، إلا أنه لا يصدق فيما يدعي من الضمان على المضارب ، فلا يسعى العبد له في شيء ; لأنه لا يدعي عليه السعاية ، وإنما سعى للمضارب في خمسمائة ; لأنه يدعي سعايته ، ويقول قد فسد الرق فيه بشهادة رب المال عليه كاذبا ولم يجب لي ضمان عليه وإنما حقي في استسعاء العبد في نصيبي ; فلهذا يستسعى له في خمسمائة . ولو كان المضارب صدقه في ذلك ثبت نسبه منه لتصادقهما عليه ، ويكون حرا على المضارب ; لأنه صار مشتريا إياه لنفسه باعتبار الفضل على رأس المال في قيمته ، ويكون ضامنا لرب المال رأس ماله . ولو قال رب المال للمضارب هو ابنك ، وقال المضارب ، بل هو ابنك فهو مملوك للمضارب ، وضمن له رأس ماله ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، فإنه إن كان ابن رب المال كما ادعاه المضارب ; فقد اشتراه المضارب لنفسه . ولو كان ابن المضارب كما زعم رب المال ; فقد اشتراه لنفسه باعتبار الفضل فيه ; فلهذا ضمن لرب المال رأس ماله فيه ، وهو مملوك للمضارب ; لأنه أقر بحريته بإقراره بنسبه لرب المال . ( ألا ترى ) أن رب المال لو صدقه في ذلك يثبت نسبه منه ، ولم يعتق فرب المال شهد عليه بالعتق في ملكه ، وبشهادته لا تتم الحجة . ولو كان اشترى بها عبدا يساوي ألفا فقال رب المال للمضارب : هو ابنك ، وقال المضارب كذبت فالعبد على المضاربة بحاله ; لأنه وإن كان هو ابن المضارب فقد صار مشتريا له على المضاربة ، إذ لا فضل فيه على رأس المال ، وإنما بقي إقرار رب المال بنسبه للمضارب ، وقد كذبه في ذلك فلم يثبت النسب منه ، فإن زادت قيمته حتى صارت ألفي درهم عتق ويسعى في قيمته بينهما أرباعا ; لأن رب المال أقر بما لا يحتمل الفسخ ، فيصير [ ص: 166 ] كالمجدد لإقراره بعد ما زادت قيمته ، وقد صار الربع منه مملوكا للمضارب ، ففي زعم رب المال أن الرق فيه قد فسد بملك المضارب جزءا منه ; فلهذا عتق ، ويسعى في قيمته بينهما أرباعا . وإن كان المضارب صدقه ولا فضل في الغلام ; فهو ابنه مملوك له في المضاربة بمنزلة ما لو اشترى ابنه المعروف ، ولا فضل فيه على رأس المال ، فإن لم يبعه حتى بلغت قيمته ألفي درهم ; عتق وسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال ; لأن الربع منه صار مملوكا للمضارب ، فيعتق عليه لثبوت نسبه منه ، ولكن هذا العتق حصل منه حكما لظهور الزيادة من غير صنع للمضارب فيه ، فلا يكون ضامنا لرب المال شيئا ، ولكن العبد يسعى في حصة رب المال باعتبار رأس المال ، وحصته من الربح ، وذلك ثلاثة أرباعه . ولو كان اشترى عبدا يساوي ألفين فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال كذبت ثبت نسبه من المضارب ; لأنه مالك له بعد مقدار حصته من الربح ، وذلك يكفي لصحة دعواه النسب فيه ، ثم هذه دعوى تحرير ; لأن أصل العلوق به ما كان في ملكه فيكون بمنزلة الإعتاق . ولو أعتقه المضارب عتق نصيبه ، ورب المال في نصيبه بالخيار - إن كان المضارب موسرا - : بين الإعتاق ، والاستسعاء ، والتضمين ، وإن كان معسرا فله الخيار : بين الإعتاق ، والاستسعاء ، والولاء بينهما أرباعا ; لأن ثلاثة أرباعه عتقت على رب المال حين أعتقه ، أو استسعاه ، وربعه عتق من جهة المضارب . ولو كان رب المال صدقه في ذلك عتق على المضارب ، ويضمن المضارب رأس المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه وإن لم يصدقه ، ولكنه ادعى ثبوته بعد ذلك فهو ابن المضارب يعتق عليه ، ويضمن رأس المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه ، فإنه إن كان ابن رب المال كما زعم ; فقد اشتراه المضارب لنفسه . وإن كان ابن المضارب فكذلك ، وإذا كان مشتريا لنفسه ترجحت دعواه بالسبق ، وبالملك فيعتق عليه ، ويضمن رب المال . ولو كان اشترى عبدا يساوي ألفا ، فقال المضارب : هو ابني وكذبه رب المال لم يثبت نسبه ، وهو على حاله في المضاربة ; لأنه مشتر له على المضاربة بمنزلة ابنه المعروف ، ولا ملك له فيه لتصح دعواه باعتباره مع تكذيب رب المال ; فلهذا لم يثبت نسبه منه ، فإن صارت قيمته ألفين عتق ربعه ، وثبت نسبه من المضارب ; لأن بظهور الفضل صار هو مالكا لربعه ، وهو كالمجدد لدعوى النسب ; لأن النسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته ، فيثبت نسبه منه ، ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن العتق حصل حكما بظهور الفضل في قيمته من غير صنع للمضارب فيه . ولو كان صدقه رب المال وقيمته ألف ثبت نسبه منه وهو على المضاربة ; لأنه [ ص: 167 ] مملوك لرب المال ، وقد أقر بنسبه للمضارب ; فيثبت نسبه منه وهو على المضاربة بمنزلة ابنه المعروف ، فإن صارت قيمته ألفين عتق ربعه ; لأن المضارب صار مالكا ربعه ، وهو ثابت النسب منه ، ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال . ولو زادت قيمته حتى صارت ألفين قبل دعوى المضارب ، ثم ادعى أنه ابنه وكذبه رب المال ثبت نسبه منه ; لأنه مالك لربعه حين ادعى نسبه ، ويكون هذا بمنزلة إعتاق ربعه ، فيخير رب المال : بين أن يضمن المضارب ثلاثة أرباع قيمته ، وبين الاستسعاء ، والإعتاق إن كان موسرا ، وإذا ضمن المضارب لم يرجع المضارب بها على الغلام ; لأنه ملك بالضمان ثلاثة أرباعه فعتق عليه لثبوت نسبه منه ، وإذا اختار الاستسعاء أو الإعتاق ; فلرب المال ثلاثة أرباع ولائه ; لأن ثلاثة أرباعه عتقت من قبله . ولو كان رب المال صدقه ; فلا ضمان له على المضارب ، وله أن يستسعى الغلام ، أو يعتقه ; لأنهما تصادقا على أنه عتق على المضارب ربعه حكما عند ظهور الفضل فيه ، فهو بمنزلة ابن معروف له . ولو لم تزد قيمته على ألف فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال كذبت ، ولكنه ابني فهو ابن رب المال حر من ماله ; لأنه في الظاهر مشترى على المضاربة وهو مملوك لرب المال كله فتصح دعواه لمصادفته ملكه ، ويعتق من ماله ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن رب المال يدعي عليه أنه ضامن رأس ماله ، ومشتري الابن لنفسه ، ولا يصدق في ذلك إلا بحجة ، وإن لم يدعه واحد منهما حتى صارت قيمته ألفين ، فقال المضارب : هو ابني ، وقال رب المال : كذبت ولكنه ابني فهو ابن المضارب ; لأنه حين ادعى نسبه كان مالكا لربعه فثبت نسبه منه ثم رب المال ادعى نسبه منه ، بعد ذلك ، وهو ثابت النسب فلا يثبت نسبه منه ، وقد عتق منهما جميعا ، والولاء بينهما أرباعا ، ولا ضمان على واحد منهما لصاحبه ; لأن رب المال يدعي أنه لا سعاية له على العبد ، وأنه حر كله بإقرار المضارب ، وأن حقه في تضمين المضارب رأس ماله ، وهو غير مصدق في التضمين إلا بحجة ، ولكن كل واحد منهما يصير كالمعتق بحصته منه ، أما المضارب فلا إشكال فيه ، ورب المال بدعواه النسب يصير كالمعتق لنصيبه ; لأن من ادعى نسب مملوكه وهو معروف النسب من الغير يكون ذلك بمنزلة الإعتاق منه ; فلهذا كان الولاء بينهما أرباعا . ولو كان العبد يساوي ألفين يوم اشتراه ، ونقد ثمنه ، فقال رب المال : هو ابني وكذبه المضارب ثبت نسبه من رب المال ، وعتق ثلاثة أرباع العبد بدعواه إياه ، والمضارب بالخيار في الربع كما وصفنا في رب المال ; لأن رب المال صار بمنزلة المعتق له ، فإن دعوى التحرير كالإعتاق ولو لم يكذبه المضارب ، ولكن صدقه فالغلام ابن لرب المال وعبد للمضارب ، [ ص: 168 ] ويضمن المضارب رأس مال رب المال ; لأنهما تصادقا على أن المضارب اشتراه لنفسه فيكون عبدا له ، ولكن نقد ثمنه من مال المضاربة ، فيصير ضامنا لرب المال ولو لم يصدقه المضارب ، ولكنه قال : كذبت بل هو ابني ، فهو ابن المضارب حر من ماله ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، وقد ادعى نسبه فهو حر من ماله ، ويضمن رأس المال لرب المال . ولو كان يساوي ألفا فقال رب المال : هو ابني ، وكذبه المضارب فهو ابنه حر من ماله ; لأنه مالك لجميعه في الظاهر ، وقد أقر بنسبه ، ولو صدقه المضارب ، كان ابن رب المال وهو عبد للمضارب ; لأنهما تصادقا أن المضارب اشتراه لنفسه ، وقد أقر بنسبه لرب المال فثبت نسبه منه ، ويكون عبدا للمضارب ، وهو ضامن رأس المال لرب المال ولو لم يصدقه المضارب ، ولكنه قال كذبت ولكنه ابني فهو ابن رب المال حر من قبله ; لأنه هو المالك له في الظاهر ، وقد ادعى نسبه فيثبت نسبه منه ، ويعتق عليه ، ولا ضمان على واحد لصاحبه ; لأن المضارب ما كان يملك منه شيئا ، فلا يضمن رب المال له شيئا من قيمته . ولو لم يقولا ذلك حتى صارت قيمته ألفي درهم فقال رب المال : هو ابني ، وقال المضارب كذبت ثبت نسبه منه ، وعتق ثلاثة أرباعه لإقراره بنسبه ، والمضارب بالخيار في الربع ; لأنه مالك حصته من الربح ، ورب المال صار كالمعتق فيتخير المضارب في نصيبه كما بينا . ولو صدقه المضارب بما قال فهو ابن رب المال ، وهو عبد للمضارب لتصادقهما على أن المضارب اشتراه لنفسه ، ويكون ضامنا لرب المال رأس ماله ولو لم يصدقه رب المال ، ولكنه قال : كذبت بل هو ابني فالغلام ابن رب المال ; لأنه سبق بالدعوى فيثبت نسبه منه ، وعتق ثلاثة أرباعه من قبله ، ثم المضارب ادعى نسبه وهو ثابت النسب من رب المال فلا يثبت منه ، ولكنه صار كالمعتق لنصيبه فلا ضمان لواحد منهما على صاحبه ، وكان ولاؤه بينهما أرباعا . ( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها شيئا ، ثم ضاعت الألف قبل أن ينقدها المضارب البائع ، فإن المضارب يرجع بمثلها على رب المال ; لأن رأس المال كان أمانة في يده بعد الشراء ، كما قبله فهلك من مال رب المال ، ولم يبطل الشراء بهلاك الألف ، والمضارب عامل لرب المال في هذا الشراء فيرجع عليه بما لحقه من العهدة ; فلهذا يرجع بألف أخرى على رب المال فيدفعها إلى البائع ، فإن قبضها من رب المال فلم [ ص: 169 ] يدفعها إلى البائع حتى ضاع ، رجع بمثلها أيضا . وكذلك كل ما ضاع مما يقبضه قبل أن ينقده البائع كان ما يقبضه من رب المال يكون أمانة في يد المضارب . ( ألا ترى ) أن عند حصول الربح يحصل جميع رأس المال وهو ما قبضه في المرات كلها ، ورأس المال يكون أمانة في يد المضارب ; فلهذا يرجع مرة بعد أخرى حتى يصل الثمن إلى البائع ، بخلاف الوكيل فإنه إذا رجع بالثمن على الموكل مرة بعد البيع لم يرجع مرة أخرى ; لأن بالشراء يجب الثمن للبائع على الوكيل ، وللوكيل على الموكل فيصير الوكيل بالقبض من الموكل مقتضيا دين نفسه ، فيكون المقبوض مضمونا عليه ، وهنا قبض المضارب لا يكون اقتضاء لدين وجب له ، كيف يكون كذلك والمقبوض رأس مال المضاربة وهو في قبض رأس مال المضاربة عامل لرب المال . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها عبدا يساوي ألفين فقبضه ، وباعه بألفين ، ثم اشترى بالألفين جارية ولم ينقد الألفين حتى ضاعا ، فإن المضارب يرجع على رب المال بألف وخمسمائة ، ويغرم من ماله خمسمائة ; لأن المضارب في شراء ربع الجارية عامل لنفسه باعتبار حصته من الربح ، فلا يرجع بما يلحقه من العهدة في ذلك الربع على رب المال وفي شراء ثلاثة أرباعها كان عاملا لرب المال فيرجع عليه بالعهدة في ذلك القدر ، فإذا دفع الألفين إلى البائع وقبض الجارية فباعها بخمسة آلاف درهم فله ربع ثمنها وهو : حصة ما اشترى لنفسه ، ونقد الثمن من ماله ، وثلاثة أرباع ثمنها من مال المضاربة فيأخذ منها رب المال رأس ماله ألفين وخمسمائة ; لأنه غرم ذلك مرتين ، وقد بينا أن جميع ما يأخذ المضارب من المال يكون رأس ماله ، والربح لا يظهر إلا بعد وصول رأس المال إلى رب المال ، فإذا أخذ جميع رأس ماله كان الباقي ربحا على الشرط . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف ، فضاعت قبل أن يشتري بها شيئا فقد بطلت المضاربة لفوات محلها ، بخلاف ما إذا ضاعت بعد الشراء بها ; لأن حكم المضاربة بالشراء تحول إلى المشتري ، فهلاك الألف بعد ذلك لا يفوت محل المضاربة . وإن اشترى بالألف جارية فضاعت الألف ، فقال رب المال ضاعت قبل أن يشتري بها ، وقال المضارب بعد ما اشتريت بها فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يدعي لنفسه حق الرجوع على رب المال بألف في ذمته ، ورب المال ينكر ذلك ، فإن قيل : هلاك ذلك المال عارض ، ورب المال يدعي فيه سبق تاريخ ، والمضارب ينكره ، قلنا : هذا متعارض ، فالمضارب يدعي سبق التاريخ في شراء الجارية على هلاك المال ، ورب المال ينكره ، فعند التعارض كان الترجيح فيما قلنا ; لأن كون هلاك المال محالا به [ ص: 170 ] على أقرب الأوقات نوع من الظاهر ، وبالظاهر يرفع الاستحقاق ، ولا يثبت الاستحقاق ، وحاجة المضارب إلى استحقاق الرجوع على رب المال ، فإن أقام رب المال البينة أنها ضاعت قبل أن يشتري بها ، وأقام المضارب البينة أنه اشترى بها قبل أن يضيع ، فالبينة بينة المضارب ; لأنه يثبت الاستحقاق لنفسه ببينة ، ورب المال ينفي ذلك ولو لم يهلك الألف ، ولم ينقدها في ثمن الجارية ، ولكنه اشترى بها جارية أخرى على المضاربة ، وقال : أبيعها فأنقد الثمن الأول ، فإنما اشترى الجارية الأخيرة لنفسه ، ولا تكون من المضاربة ; لأن ما في يده من المال مستحق في ثمن الجارية الأولى ، فقد اشترى الأخرى وليس في يده من مال المضاربة شيء من ثمنها ، فلو نفذ شراؤها على المضاربة ، كان هذا استدانة منه على المضاربة ، والمضارب بمطلق المضاربة لا يملك الاستدانة ولو اشترى بالجارية التي قبض جارية أخرى جاز ، وكانت على المضاربة لما بينا : أن حكم المضاربة تحول بالشراء من الألف إلى الجارية ، فإنما أضاف العقد الثاني إلى مال المضاربة ، والمضارب كما يملك البيع والشراء بالنقد يملك ذلك بالعرض ; فلهذا كانت الأخرى على المضاربة . ( ألا ترى ) أن ثمنها لا يصير دينا على المضارب في هذا الفصل ، وفي الفصل الأول ثمن الجارية الأخرى دين على المضاربة ، فلو نفذ شراؤه على المضاربة لصار عليه دين ألفا درهم في ثمن المشتري للمضاربة ، ورأس مال المضاربة ألف درهم ، فكأنه اشترى جارية أو جاريتين بالألفين ابتداء . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة فاشترى جارية بألف درهم ، ولم يقل بهذه الألف ، وقال : أردت بذلك المضاربة فالقول قوله ; لأن المأخوذ عليه الشراء للمضاربة لا إضافة العقد إلى ألف المضاربة ، فإن النقود لا تتعين في العقود بالتعيين ، وإذا لم يتعين الألف لم يبق في التعيين فائدة ، فيكتفي ببينته للمضاربة كما في حق الوكيل ، وما في ضميره لا يعرف إلا من جهته ; فيقبل قوله فيه . ولو اشتراها بألف درهم نسيئة سنة يريد بها المضاربة جاز على المضاربة أيضا ; لأن في يده من المال مثل ما اشترى به ، والشراء بالنسيئة وبالنقد من صنيع التجار فيملك المضارب النوعين جميعا بمطلق العقد ، فإن قبضها فاشترى بها شيئا فهو على المضاربة ; لأن حكم المضاربة تحول إلى الجارية المشتراة ، فإنما أضاف الشراء الثاني إلى مال المضاربة . ولو لم يشتر بالجارية ، ولكنه اشترى بالألف التي في يده كان مشتريا لنفسه ; لأن حكم المضاربة تحول إلى الجارية المشتراة ، فلما أضاف الشراء الثاني إلى ألف المضاربة فقد أضافه إلى غير محل المضاربة ، فكان مشتريا لنفسه ; ولأن الألف صارت مستحقة عليه في ثمن الجارية الأولى عند حل الأجل ، فلو صار مشتريا الأخرى على المضاربة [ ص: 171 ] لكان ذلك منه استدانة ، وإذا اشترى بألف المضاربة حنطة ، أو غيرها ، ثم اشترى مما في يديه عبدا بألف درهم وهو يريد أن يبيع بعض ما في يده ، وينقد الألف ، وفي يده وفاء بالألف وفضل فهو مشتر لنفسه ; لأن الذي في يده غير ما اشترى به يعني : أن حكم المضاربة تحول إلى الحنطة ، وهي تتعين في العقد بالتعيين ، فإذا اشترى بالدراهم فقد اشترى بغير مال المضاربة فكان مشتريا لنفسه إذ لو جاز شراؤه بالدراهم على المضاربة كان في معنى الاستدانة منه . ولو اشترى بالألف حنطة ، ثم اشترى جارية بكر حنطة وسط نسيئة شهر ، وهو يريد أن يكون على المضاربة ، وفي يده حنطة مثل ما اشترى به أو أكثر فهذا جائز على المضاربة ; لأنه اشترى بجنس ما في يده من مال المضاربة ، وله في ترك الإضافة إلى العين غرض صحيح وهو : ثبوت الأجل في ثمن المشترى ; لأن العين لا تقبل الأجل ، ولا فرق في حق رب المال بين أن يشتري بتلك الحنطة بعينها ، وبين أن يشتري بمثلها من حنطة وسط . ( ألا ترى ) أنه عند حلول الأجل يملك إيفاء الثمن بغير ما في يده من مال المضاربة ; فلهذا نفذ شراؤه على المضاربة . وإذا كانت المضاربة ألف درهم فاشترى عليها جارية بخمسين دينارا ، وقبضها وصرف الدراهم فنقدها البائع ، فالقياس فيه أن يكون مشتريا لنفسه ، وهو قول زفر - رحمه الله - ولكن استحسن علماؤنا الثلاثة - رحمهم الله - وقالوا : هو مشتر للمضاربة ، وكذلك لو كانت المضاربة دنانير فاشترى عليها بدراهم فصرفها ، ونقد الدراهم ، وجه القياس في الفصلين : أنه اشترى بجنس آخر غير ما في يده من مال المضاربة ; لأن الدراهم ، والدنانير جنسان حقيقة وحكما ; ولهذا لا يحرم التفاضل بينهما ، فكان هذا بمنزلة ما لو اشترى بالحنطة والمال في يده دراهم ، أو دنانير . ( ألا ترى ) أنه لا يملك إيفاء الثمن من مال المضاربة إلا بالمبادلة ، أو رضا البائع به كما في المكيل ، والموزون ، وحجة الاستحسان : أن الدراهم والدنانير جنسان صورة ، ولكنهما جنس واحد معنى ، ومقصودا ; لأن المعنى المطلوب بهما الثمنية ، والمقصود هو الرواج والنفاق وهما في ذلك كشيء واحد . وكذلك في حكم المضاربة هما كشيء واحد ، تصح المضاربة بهما بخلاف سائر الأموال ، فإن الشراء بها يكون شراء محضا بثمن في ذمة المشتري ، ويسير عليه إذ ما يلزمه من أحد النوعين في ذمته بالآخر الذي في يده ; لأن الإنسان في مصارفة أحدهما بالآخر لا يحتاج إلى مؤنة كثيرة ، فهي بمنزلة ما لو كانت المضاربة دراهم بختية لها فضل في الصرف ، فاشترى المضارب بألف درهم غلة البلد جارية ، وصرف الدراهم بالدنانير ، ثم صرفها بدراهم غلة البلد ، وأعطاها البائع فذلك جائز استحسانا وزفر - رحمه الله - يخالف [ ص: 172 ] في هذا الفصل أيضا ، ولكن من عادة محمد - رحمه الله - الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام . وكذلك لو دفع إلى رجل ألف دينار مضاربة فاشترى بخمسين دينارا منها جارية ، وقبضها ثم اشترى بها وبدراهم أو فلوس طعاما يأكله ، فإن ذلك من المضاربة ، ولا فرق بين أن يشتري طعاما بالدنانير ، أو بالدراهم ، أو بالفلوس ، بخلاف ما إذا اشترى بشيء آخر ، وهذا في الفلوس بناء على الرواية التي قلنا : إن المضاربة بالفلوس يصح ، وهو كالنقود في الصلاحية لرأس مال المضاربة . ولو كان الذي في يده من المضاربة سوى هذه الثلاثة الأصناف ، ثم اشترى عليها بدراهم ، أو دنانير أو فلوس ، أو صنف آخر غير ما في يده كان مشتريا لنفسه ; لأنه لا مجانسة بين ما في يده من مال المضاربة ، وبين ما اشترى به في الصورة ، والمعنى المقصود ; فلهذا كان مشتريا لنفسه . ![]()
__________________
|
|
#460
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 172الى صـــ 181 (460) وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفين فقبضها ، ولم ينقد الدراهم حتى باع الجارية بألفي درهم ، وقبض الألفين ، ثم هلكت الدراهم قبل أن ينقد الثمن ، وهلكت الجارية مع ما في يده معا ، فعلى رب المال أن يؤدي ألفا أخرى مكان الألف الأولى التي اشترى بها الجارية فيدفعها المضارب إلى الذي باعه الجارية ، ويغرم رب المال أيضا ألفا وخمسمائة ، فيدفعها إلى المضارب فيؤديها المضارب مع خمسمائة من ماله إلى مشتري الجارية ; لأن الألف الأولى كانت أمانة في يد المضارب ، قد هلكت ، وكان المضارب في شراء الجارية عاملا لرب المال فيرجع عليه بألف أخرى ليؤدي منها ثمنها به حين باع الجارية ، وقبض ثمنها كان هو في ثلاثة أرباعها عاملا لرب المال ، وكان في الربع عاملا لنفسه ، وهو مقدار حصته من الربح ، وبهلاك الجارية قبل التسليم انفسخ البيع فيجب عليه رد المقبوض من الثمن ، وقد هلكت في يده فيرجع على رب المال بمقدار ما كان عمله فيه لرب المال ، وذلك ألف وخمسمائة ، ويغرم من مال نفسه مقدار ما كان عمله فيه لنفسه ، وذلك خمسمائة ، فإن هلكت الدراهم الأولى أولا ، ثم هلكت الدراهم المقبوضة ، والجارية بعد ذلك فالثلاثة الآلاف كلها على رب المال ; لأن الدراهم الأولى حين هلكت استوجب المضارب الرجوع بمثلها على رب المال ، وكان ذلك دينا لحق المضارب ، ويصير رأس مال رب المال به ألفي درهم . ( ألا ترى ) أنه إن استوفى من رب المال ألفا أخرى ، ثم تصرف في ثمن الجارية ، وربح يحصل رأس ماله ألفا درهم أولا ، فيتبين أنه لا ربح فيما في يده ، وأنه في بيع جميع الجارية وقبض الثمن عامل لرب المال ، فيرجع عليه بالعهدة في جميعه ، يوضحه أن ألفا من الألفين المقبوضة وجب دفعها إلى بائع [ ص: 173 ] الجارية ، والألف الأخرى مشغولة برأس المال ، فظهر أنه لا ربح فيها ، والمضارب إنما يغرم من ماله شيئا باعتبار حصته من الربح . ولو هلكت الجارية أولا ، ثم هلك المال الأول والآخر معا ، فعلى رب المال ألفان وخمسمائة ، وعلى المضارب خمسمائة ، وهذا هلاك المال كله معا سواء ; لأن بهلاك الجارية لا يزداد رأس مال المضاربة ، ولا يلحق المضارب دين ، فلا يخرج المضارب من أن يكون عاملا لنفسه في قبض ربع ثمن الجارية . وكذلك إن هلكت الجارية أولا ، ثم هلك المال الآخر ، ثم هلك المال الأول ; فهذا وما لو هلك المالان بعد هلاك الجارية معا سواء ; لاستواء الفصلين في المعنى . وإذا كانت المضاربة ألف درهم فاشترى عليها جارية بخمسمائة ، وكر حنطة وسط فقبض الجارية وهلكت الدراهم عند المضارب ، فالمضارب مشتر للجارية لنفسه وعليه ثمنها ; لأنه ليس في يده جنس ما اشترى من مال المضاربة صورة لا معنى فيكون شراؤه للمضاربة استدانة عليها وهو لا يملك ذلك ولا ضمان عليه في المضاربة ; لأنه اشترى الجارية لنفسه بثمن في ذمته ، وهذا التصرف منه لا يمس مال المضاربة ، وهو إنما يصير مخالفا ضامنا إذا تصرف في مال المضاربة ، على خلاف ما أمر به ، فإذا لم يمس تصرفه مال المضاربة ; لا يكون ضامنا . ولو كان اشتراها بخمسين دينارا فقبضها ، ولم ينقد الثمن حتى ضاعت الدراهم ; رجع على رب المال بخمسين دينارا استحسانا ; لما بينا : أن المجالسة بين ما اشترى به ، وبين ما في يده من مال المضاربة موجود معنى ; فصار مشتريا للمضاربة ، وقد هلكت الدراهم في يده بصفة الأمانة ; فيرجع على رب المال بما اشترى به الجارية ، وذلك خمسون دينارا فيعطيها بائع الجارية ، فإذا باعها بعد ذلك بثلاثة آلاف ، أو أقل ، أو أكثر استوفى رب المال رأس ماله : ألف درهم وخمسين دينارا ، والباقي ربح بينهما ، وكذلك لو كان رأس المال نقدا ثبت المال فاشترى الجارية بألف غلة . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها جارية تساوي ألفا فقبض الجارية ولم ينقد الدراهم حتى باعها بألفين ، فقبضهما ولم يدفع الجارية حتى اشترى بالألفين جارية تساوي ألفين فقبضها ، ولم يدفع الدراهم فهلكت الدراهم كلها ، والجاريتان جميعا فعلى المضارب أن يؤدي إليهم خمسة آلاف : إلى بائع الجارية الأولى ، ثمنها ألف درهم ، ويرد على مشتري الجارية الأولى ما قبض منه من ثمنها ، وذلك ألفا درهم بانفساخ البيع فيها بالهلاك قبل التسليم ، وإلى بائع الجارية الثانية ألفي درهم ثمنها ; لأنه حين قبضها دخلت في ضمانه ، وتقرر عليه جميع الثمن بقبضها ، ثم يرجع على رب المال من هذه الجملة بأربعة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى ، وألف وخمسمائة مما قبض [ ص: 174 ] من ثمن الجارية الأولى بعد بيعها ; لأنه في قبض الألفين كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعها ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح ، وكذلك في شراء الجارية الثانية وقبضها ، كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعها ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح ; فلهذا يغرم ألفا من ماله ، ويرجع على رب المال بأربعة آلاف . ولو هلكت الألف الأولى ثم هلك ما بقي معا يرجع بجميع الخمسة آلاف على رب المال ; لأن بهلاك الألف الأولى لحق المضاربة دين بقدر ألف ، وصار رأس مال المضاربة ألفي درهم للطريقين اللذين بيناهما ، فتبين أنه في بيع جميع الجارية ، وقبض ثمنها كان عاملا لرب المال . وكذلك في شراء الجارية الثانية ; فلهذا يرجع بالكل على رب المال . ولو هلكت الجارية الأخيرة أولا ، ثم هلك ما بقي معا رجع على رب المال بأربعة آلاف درهم ; لأن بهلاك الجارية الأخيرة لا يلحق مال المضاربة دين ، فلا يخرج المضارب من أن يكون عاملا لنفسه في الربع ، وكذلك لو هلكت الجارية الأولى أولا ، أو هلكت الألفان أولا ثم هلك ما بقي فهذا وما لو هلك الكل معا في المعنى سواء . ولو دفع إليه الألف مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفا وقبضها ولم ينقد الثمن ، ثم اشترى بالجارية عبدا يساوي ألفين وقبضه ولم يدفع الجارية ، ثم اشترى بالعبد جراب هروي يساوي ثلاثة آلاف درهم وقبضه ولم يدفع العبد ، فهلكت هذه الأشياء كلها ، ورأس مال الأول معا فعلى المضارب ستة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى ، وألفان قيمة العبد ; لأنه اشتراه بالجارية ، وقد انفسخ البيع بهلاك الجارية قبل التسليم ، وتعذر عليه رد العبد بهلاكه في يده ; فعليه رد قيمته ، والثلاثة آلاف قيمة الجراب ; لأنه اشترى الجراب بالعبد ، وقد انفسخ العقد بهلاك العبد قبل التسليم ، وتعذر عليه رد الجراب بهلاكه في يده ; فيغرم قيمته ثلاثة آلاف درهم ، ويرجع على رب المال من ذلك بأربعة آلاف وخمسمائة ; لأنه في شراء العبد كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعه ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح فيرجع عليه بألف وخمسمائة من قيمة العبد الأول ، وفي شراء الجراب كان عاملا لنفسه في الثلث ; لأن الثلث مشغول منه برأس المال والثلثان ربح بينهما نصفين ، فكان عاملا لنفسه في شراء الجراب في الثلث ، فحاصل ما استقر على المضارب ربع قيمة العبد ، وثلث قيمة الجراب ، وذلك ألف وخمسمائة فيرجع على رب المال بما سوى ذلك . ولو هلك رأس المال أولا ، ثم هلك ما سواه معا رجع المضارب على [ ص: 175 ] رب المال بخمسة آلاف وخمسمائة ; لأنه حين هلك رأس المال أولا فقد لحق مال المضاربة دين : ألف درهم ، وصار رأس المال ألفين ، فهو في شراء جميع العبد عامل لرب المال ، وأما في شراء الجراب فهو عامل لنفسه في السدس : باعتبار حصته من الربح ، وفيما سوى ذلك عامل لرب المال فيغرم من ماله قيمة سدس الجراب وهو خمسمائة ، ويرجع بما سوى ذلك على رب المال . ولو هلك الجراب أولا ، ثم هلك ما بقي معا ; رجع على رب المال بأربعة آلاف وخمسمائة ; لأنه لهلاك الجراب لا يلحق مال المضاربة دين يوجب زيادة في رأس المال . وكذلك لو هلك العبد أولا ، ثم هلك ما بقي رجع على رب المال بأربعة آلاف وسبعمائة وخمسين ; لأن الجارية لو هلكت أولا انفسخ البيع في العبد ، ووجب على المضارب قيمة العبد ; لأنه أتلف العبد حين باعه بالجراب ، وقيمة العبد ألفا درهم فلما وجبت عليه قيمته كان في القيمة فضل ألف درهم على رأس المال ، فذلك ربح بينهما ، فعليه غرم حصته من ذلك وهو : خمسمائة ، وذلك ربعه فقد استوجب الرجوع على رب المال بألف وخمسمائة من قيمة العبد وبالألف الأولى ، ثم كان مشتريا ربع الجراب لنفسه فعليه قيمة ذلك عند انفساخ البيع فيه ، وذلك سبعمائة وخمسون ، فحاصل ما عليه من الغرم في ماله ألف ومائتان وخمسون ، وعلى رب المال ثلاثة أرباع قيمة الجراب ; لأن رأس ماله في الجراب ألفان وخمسمائة ، وقيمته ثلاثة أرباع الجراب دون رأس ماله ، فظهر أنه لا ربح فيها ; فلهذا رجع عليه بثلاثة أرباع قيمة الجراب ، وذلك ألفان ومائتان وخمسون مع الألفين والخمسمائة ، فيكون جملة ذلك أربعة آلاف وسبعمائة وخمسين . ( ألا ترى ) أنه لو لم يملك غير الجارية ، وغرم قيمة العبد أرباعا ، ثم باع الجراب بثلاثة آلاف درهم ; أخذ المضارب ربعها لنفسه ، واحتاج رب المال إلى الألفين وخمسمائة من بقية ثمن الجارية ولا وفاء فيه فيأخذ ما بقي فقط ، وبهذا تبين أنه لا ربح له في الجراب . ولو اشترى بالألف جارية تساوي ألفا فقبضها ، ثم اشترى بالجارية جاريتين تساوي كل واحدة منهما ألفا فقبضهما ، ثم هلكت الجواري ورأس المال الأول معا ، فعلى المضارب ثمن الجارية الأولى ألف درهم ، وألفان قيمة الجاريتين ; لأن البيع قد انفسخ فيهما بهلاك الجارية قبل التسليم ، وقد تعذر عليه ردها ; فيرد قيمتها ، ويرجع بجميع ذلك على رب المال ; لأن كل واحدة من الجاريتين كانت مشغولة برأس المال ، إذ لا فضل في قيمة كل واحدة منهما على رأس المال ، وقد بينا أنه تعتبر كل واحدة منهما على حدة ; ولهذا لو أعتق المضارب واحدة منهما ; لم ينفذ عتقه ، فكان هو عاملا لرب المال في جميع كل واحدة [ ص: 176 ] منهما ، بخلاف ما لو كان اشترى بالجارية الأولى جارية تساوي ألفين وقبضها فهلكت الجاريتان ورأس المال معا ، فإن على المضارب ثلاثة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى وألفان قيمة الجارية الثانية ، ويرجع على رب المال بألفين وخمسمائة ; لأن في قيمة الجارية الثانية فضلا على رأس المال بقدر الألف ، فكان المضارب في ربعها عاملا لنفسه ; فيغرم ربع قيمتها من ماله . وكذلك لو هلكت إحدى الجاريتين أولا ، ثم هلك ما بقي معا ; لأن الجارية الأولى إن هلكت أولا فبهلاكها ينتقض البيع ولم يلحق رأس المال دين ; لأن الواجب رد الجارية الأولى وإن هلكت الأخرى أولا لم ينتقض البيع بهلاكها ; لأن المضارب قبض لها . ولو هلكت الألف الأولى أولا ، ثم هلك ما بقي معا رجع بالثلاثة آلاف كلها على رب المال ; لأن بهلاك الألف الأول لحق رأس المال دين : ألف درهم ، فظهر أنه في شراء الجارية الثانية عامل لرب المال في جميعها إذ لا فضل في قيمتها على رأس المال . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها جارية تساوي ألفا وقبضها ، ثم باعها بألفي درهم ، وقبض الثمن ولم يدفع الجارية ، ثم اشترى بالألفين وبالألف الأولى وهي في يديه جارية تساوي أربعة آلاف وقبضها ، ثم دفع رأس المال الأول إلى صاحب الجارية الأولى ، ودفع الألفين إلى الذي اشترى منه الجارية الأخيرة فإن عليه غرم ألف درهم من ماله للذي اشترى منه الجارية الأخيرة ; لأنه اشتراها منه بثلاثة آلاف درهم : ألفان منها في المضاربة وهما الألفان الأخريان ، وألف منها على نفسه ; لأن الألف الأولى مستحقة عليه في ثمن الجارية الأولى ، فشراؤه بها مرة أخرى يكون استدانة على المضاربة ، وهو لا يملك ذلك فصار مشتريا ثلث الجارية الأخيرة لنفسه فعليه ثمنها ، وثلثاها على المضاربة ، فإن لم ينقد الألف الأولى حتى هلك ، وباع الجارية الأخيرة بستة آلاف درهم كان له من ثمنها ألفا درهم حصة ثلثها الذي كان اشترى لنفسه ، ويكون أربعة آلاف درهم على المضاربة ، يؤدي منها ألف درهم إلى الذي اشترى الأول منه ، ثم يأخذ رب المال رأس ماله ألف درهم من الباقي ، وما بقي وهو ألفا درهم ربح بينهما على الشرط ، فإن كان المضارب لم ينقد الألفين اللتين اشترى بهما الجارية الأخيرة حتى ضاعت والمسألة بحالها ; فإنه يؤدي ذلك أيضا من ثلثي الجارية الأخيرة ، ولا يبقى فيه ربح ; لأن ثلثي ثمنها أربعة آلاف ، وقد دفع ألفا من ذلك إلى بائع الجارية الأولى ، وألفين إلى بائع الجارية الأخيرة ، وألف يأخذه رب المال بحساب رأس ماله . ولو اشترى وباع بالألف المضاربة حتى صار في يده ألفا درهم ، فاشترى بها جارية وقبضها ، ثم باعها بأربعة [ ص: 177 ] آلاف درهم نسيئة منه ، وقيمتها يوم باعها ألف درهم ، أو أكثر أو أقل فدفعها إلى المشتري ، ثم هلكت الألفان الأوليان قبل أن ينقد الثمن بائع الجارية الأولى ; فإنه يرجع بألف وخمسمائة على رب المال فيؤديها مع خمسمائة من ماله إلى بائع الجارية ; لأنه في شراء ربع الجارية كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح في مال المضاربة ، فإذا خرجت الأربعة آلاف كان للمضارب ربعها من غير المضاربة ; لأنه لما استقر عليه ربع ثمنها فقد ظهر أنه كان مشتريا ربعها لنفسه من غير المضاربة ، ويأخذ رب المال من الثلاثة الأرباع رأس ماله : ألفين وخمسمائة ; لأنه غرم هذا المقدار في دفعتين ، والباقي ربح بينهما . ولو اشترى بألف المضاربة جارية قيمتها أكثر من ألف درهم ، ونقد الدراهم ثم باعها بجارية تساوي ألفا فقبضها ، ثم هلكت الجاريتان جميعا : فعلى المضارب قيمة الجارية الأخيرة لانفساخ البيع فيها بهلاك ما يقابلها قبل التسليم ، ويرجع بها على رب المال ; لأنه لا فضل في قيمتها على رأس المال ، فكان هو في شرائها عاملا لرب المال في الكل ، ولا ينظر إلى الفضل فيما اشترى به في هذه الجارية ; لأن الواجب عليه قيمة الجارية ، ولا فضل فيها . ولو عمل بالمضاربة حتى صارت ألفي درهم ، ثم اشترى بها جارية قيمتها أقل من ألفين ، وقبضها فهلك ذلك كله عنده معا : فعلى المضارب ألفا درهم ثمن الجارية ; لأنه تقرر عليه بقبضها وهلاكها في يده ، ويرجع على رب المال بثلاثة أرباعها ; لأن الربع من ذلك حصته من الربح فيكون عاملا لنفسه في ذلك ، ولا ينظر إلى قيمة الجارية هنا ; لأن الثمن هو الواجب دون قيمتها ، بخلاف الأول . ولو عمل بالمضاربة حتى صارت أربعة آلاف : ألفان منها دين ، وألفان عين في يده ، فاشترى بهاتين الألفين جارية فلم يقبضها حتى هلكت الألفان : فإنه يرجع بثلاثة أرباعها على رب المال ; لأن رأس المال في هاتين الألفين ألف درهم ، فإن الدين ، والعين في معنى جنسين ، وقد بينا أنه يعتبر جميع رأس المال في كل جنس كأنه ليس معه غيره . ( ألا ترى ) أن الدين لو توى كان رأس المال كله في الألفين ، فعرفنا أن ربحه في الألفين بقدر الربع ، فكان هو عاملا لنفسه في الشراء بربعها ، ولرب المال في الشراء بثلاثة أرباعها ، ويرجع على رب المال بألف وخمسمائة ، وإذا أخذ الجارية كان له ربعها من غير المضاربة ; لأنه أدى ربع ثمنها من مال نفسه ، فإن هلكت الجارية في يده ، ثم خرج الدين بعد ذلك كان كله لرب المال ; لأنه دون رأس المال ، فرأس ماله ألفان وخمسمائة ولا يرجع المضارب في هاتين الألفين بشيء ; لأنه صار له ربع الجارية باعتبار ما نقد ، وقد هلكت الجارية في يده فقدر الربع منها هلك في ضمانه . ( ألا ترى ) أنها لو لم تهلك ، وباعها [ ص: 178 ] بعشرة آلاف كان له ربع ثمنها من غير المضاربة ; فلهذا لا يرجع بشيء مما نقد من مال نفسه في الدين الذي خرج . ( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف وأمره أن يستدين على المال فهو جائز ; لأن الاستدانة شراء بالنسيئة . قال الله تعالى { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } فقد وكله بالشراء بالنسيئة على أن يكون المشترى بينهما نصفين . ولو وكله بالشراء بالنسيئة على أن يكون المشترى كله للموكل جاز ، فكذلك النصف فإن اشترى بالمضاربة غلاما ، ثم اشترى على المضاربة جارية بألف درهم دينا ، وقبضها ثم باعها بألفي درهم فقبض المال ثم هلك ما قبض ولم يدفع ما باع وما كان عنده فإن المضارب يلحقه نصف ثمن الجارية ، ويكون على رب المال نصف ثمنها ; لأنه فيما استدان كان مشتريا نصفه لنفسه ، ونصفه لرب المال على المضاربة ، فإن الشرط بينهما في المضاربة المناصفة ولا تكون المناصفة في الربح في المشترى بالنسيئة إلا بعد أن يكون المشترى بينهما نصفين ، وقد قررنا هذا في كتاب الشركة في شركة الوجوه فإذا ثبت أنه اشترى نصفها لنفسه ; كان عليه نصف ثمنها ، ونصف ثمنها كان على رب المال ; لأنه اشترى نصفها له بأمره ولو لم تهلك الجارية كانت بينهما نصفين يؤديان من ثمنها ما عليه من الثمن ، والباقي عليهما نصفان ، فإن لم يبع المضارب الجارية ولكنه أعتقها ولا فضل فيها على رأس المال فعتقه جائز في نصفها ; لأنه ملك نصفها بالشراء لنفسه ، فهي بمنزلة جارية بين رجلين أعتقها أحدهما ، وهذا بخلاف العبد المشترك بالمضاربة فإنه مملوك لرب المال إذا لم يكن فيه فضل على رأس المال ، فلا ينفذ عتق المضارب فيه . ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة ، وأمره أن يستدين على المال على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما : للمضارب ثلثاه ، ولرب المال ثلثه ، فاشترى المضارب بالألف جارية تساوي ألفين ، ثم اشترى على المضاربة غلاما بألف درهم يساوي ألفين فباعهما جميعا بأربعة آلاف ، فإن ثمن الجارية يستوفي منه رب المال رأس ماله ، وما بقي فهو ربح بينهما على ما اشترطا : ثلثاه للمضارب ، وثلثه لرب المال . وأما ثمن الغلام فيؤدي منه ثمنه ، والباقي بينهما نصفان ; لأن الأمر بالاستدانة كان مطلقا ، فالمشترى بالدين يكون مشتركا بينهما نصفين ، ومع المناصفة بينهما في المشترى لا يصح شرط التفاوت في الربح . ( ألا ترى ) أن رجلين لو اشتركا [ ص: 179 ] بغير مال على أن يشتريا بالدين ويبيعا ، فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما أثلاثا فاشتريا ، وباعا وربحا كان الربح بينهما نصفين فاشتراطهما الثلثين ، والثلث في الربح يكون لغوا ; لأنه لو صح ذلك استحق أحدهما جزءا من ربح ما ضمنه صاحبه ، وذلك لا يجوز ، فكذلك المضارب إذا أمره رب المال أن يستدين على المضاربة ، وشرط الثلث والثلثين في الربح لا في أصل الاستدانة ، فإن كان أمره أن يستدين على المال على أن ما اشترى بالدين من شيء فلرب المال ثلثه ، وللمضارب ثلثاه على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان ، فاشترى المضارب بالمضاربة جارية تساوي ألفين ، واشترى على المضاربة جارية بألف دينا تساوي ألفين ، فباعهما بأربعة آلاف درهم فحصة جارية المضاربة يأخذ منه رب المال رأس ماله : ألف درهم ، والباقي بينهما نصفان على ما اشترطا ، وثمن الجارية المشتراة بالدين بينهما أثلاثا على قدر ملكيهما ; لأنه إنما وكله بالاستدانة على أن يكون ثلث ما يستدين لرب المال ، وثلثاه للمضارب ، فيكون الثمن بينهما على قدر ذلك ، واشتراط المناصفة في الربح في هذا يكون باطلا ; لأن أحدهما يشترط لنفسه ربح ما قد ضمن صاحبه وذلك باطل . ولو دفع إليه الألف مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما كذلك أيضا ، فاشترى بالمضاربة جارية تساوي ألفين ، ثم اشترى على المضاربة جارية بألف دينار تساوي ألفين فباعهما بأربعة آلاف ، فأما حصة المضاربة فتكون بينهما على شرطهما بعد ما يستوفي رب المال رأس ماله ، وحصة الجارية المشتراة بالدين بينهما ; لأن ضمانها عليهما نصفين ; لإطلاق الأمر بالاستدانة ، فاشتراط كون الربح بينهما أثلاثا بعد المساواة في الضمان يكون باطلا . وكذلك لو كان أمره أن يستدين على رب المال ; لأن قوله استدن على المضاربة ، وقوله استدن على سواء في المعنى ، وما استدان سواء كان بقدر مال المضاربة ، أو أقل أو أكثر ، فهو بينهما نصفان فربحه ووضيعته بينهما نصفان ، حتى لو هلكت المشتراة بالدين كان ضمان ثمنها عليهما نصفين . ولو كان أمره أن يستدين على نفسه ، كان ما اشتراه المضارب بالدين له خاصة دون رب المال ; لأنه في الاستدانة على نفسه يستغني عن أمر رب المال فكان وجود أمره فيه وعدمه سواء بخلاف ما إذا أمره أن يستدين على المال أو على رب المال ; لأنه في الاستدانة على رب المال ، أو على المال لا يستغني عن أمر رب المال ، فلا بد من اعتبار أمره في ذلك ، وأمره بالاستدانة على المال كأمره بالاستدانة على رب المال ; لأن ملك المال لرب المال ، والمال محل لقضاء الواجب لا للوجوب فيه ، فالواجب يكون على رب المال ، ثم أمره [ ص: 180 ] بالاستدانة عليه مطلقا يقتضي الشركة بينهما فيما يستدين ، ولا تكون هذه الشركة بطريق المضاربة ; لأن المضاربة لا تصح إلا برأس مال عين ، فكانت هذه الشركة في معنى شركة الوجوه ، فيكون المشترى مشتركا بينهما نصفين ، فلا يصح منهما شرط التفاوت في الربح مع مساواتهما في الملك في المشترى . ولو كان أمره أن يستدين على المال ، أو على رب المال فاشترى بالمضاربة جارية ، ثم استقرض المضارب ألف درهم على المضاربة ، واشترى بها جارية فهو مشتر لنفسه خاصة ، والقرض عليه خاصة منهم ، من يقول : إن الاستدانة هو الشراء بالنسيئة والاستقراض غيره ؟ فلا يدخل في مطلق الأمر بالاستدانة ، والأصح أن يقول : الأمر بالاستقراض باطل . ( ألا ترى ) أنه لو أمر رجلا أن يستقرض له ألفا من فلان فاستقرضها كما أمره كان الألف للمستقرض دون الآخر وهذا ; لأن القرض مضمون بالمثل في ذمة المستقرض ، وإذا كان البدل في ذمته ; كان المستقرض مملوكا له ، وهو غير محتاج في ذلك إلى أمر الآمر ، وما كان الأمر بالاستقراض إلا نظير الأمر بالتكدي وهو باطل ، وما يحصل للمتكدي يكون له دون الآمر إذا ثبت هذا ، فنقول ما استقرضه المضارب يكون مملوكا له ، فإذا اشترى به جارية فقد أضاف العقد إلى ملك نفسه فكان مشتريا الجارية لنفسه . ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالثلث ، وأمره أن يعمل في ذلك برأيه ، وأمره أن يستدين على المال ، فاشترى بألف ثيابا فأسلمها إلى صباغ يصبغها صفرا بمائة درهم ، ووصف له شيئا معروفا فصبغها ، ثم إن المضارب باع الثياب مرابحة بألفي درهم ، فإن رب المال يأخذ رأس ماله : ألف درهم ، ويؤدي المضارب أجر الصباغ : مائة درهم ، وما بقي من الربح قسم على أحد عشر سهما : عشرة أسهم من ذلك حصة المضاربة بينهما أثلاثا على الشرط ، وسهم حصة المائة التي بينهما نصفان ; لأنه لما أمره أن يعمل برأيه فقد ملك به خلط مال المضاربة بمال آخر ، والصبغ عين مال قائم في الثوب ، وهو في الصبغ مستدين بأمره ، فلا يصير مخالفا بخلط ما استدان بمال المضاربة ، ثم الثمن في بيع المرابحة يكون مقسوما على الثمن الأول ، وقد كان ثمن ثياب المضاربة ألف درهم ، وثمن الصبغ مائة درهم ، فيحصل من ثمن الباقي رأس مال المضاربة لرب المال ، ويعطي المائة ثمن الصبغ ، والباقي ربح ، فيكون مقسوما على أحد عشر سهما : عشرة من ذلك حصة ربح مال المضاربة ، فيكون بينهما أثلاثا على الشرط ، وسهم من ذلك ربح ما استدان ، فيكون بينهما نصفين ; لاستواء ملكيهما فيما استدان . ولو كان باع الثياب مساومة قسم الثمن على قيمة الثياب ، وعلى ما زاد الصبغ فيها ; لأن في بيع [ ص: 181 ] المساومة الثمن بمقابلة الملك ، والملك الذي تناوله البيع أصل الثياب ، والصبغ القائم فيها فيقسم الثمن جملة على قيمة الثياب غير مصبوغة ، وعلى ما زاد الصبغ فيها ، فما يخص قيمة الثياب فهو مال المضاربة يعطى منه رب المال رأس ماله ، ويقسم الباقي بينهما أثلاثا على الشرط ، وما أصاب قيمة الصبغ يعطى منه أجر الصباغ مائة درهم ، والباقي بينهما نصفان ; لأنه ربح حصة الاستدانة . ولو اشترى المضارب بألف المضاربة ثيابا ، واستقرض على المال مائة درهم ، فاشترى بها زعفرانا فصبغ به الثياب ، ثم باعها مرابحة على مال المضاربة ، وعلى ما استقرض بألفي درهم ، فإنها تقسم على أحد عشر سهما : عشرة أسهم منها مال المضاربة على شرطهما ، وسهم للمضارب خاصة ; لأن ما استقرض كان على نفسه خاصة ، وما اشترى به من الزعفران مملوك له ، إلا أنه لا يصير مخالفا إذا صبغ الثياب بها ; لأنه أمره أن يعمل في المال برأيه ، والثمن في بيع المرابحة مقسوم على الثمن الأول ، فيكون على أحد عشر سهما : عشرة أسهم حصة مال المضاربة ، وسهم حصة الصبغ وهو للمضارب خاصة ، فيكون بدله له . ولو باعها مساومة قسم الثمن على قيمة الثياب ، وعلى ما زاد الصبغ في الثياب ، فما أصاب قيمة الثياب كان على المضاربة ، وما أصاب قيمة الصبغ كان للمضارب ، وكان عليه أداء القرض ; لأن في بيع المساومة الثمن بمقابلة الملك ، فإنما يقسم على قدر الملك . ولو كان اشترى الزعفران بمائة درهم نسيئة فصبغ الثياب به ، كان هذا والذي كان استأجر الصباغ بمائة ليصبغها سواء في جميع ما ذكرنا ; لأن شراء الزعفران بالنسيئة استدانة ، فينفذ على رب المال وعلى المستدين ، ويكون الصبغ مشتركا بينهما نصفين ، فهو ومسألة استئجار الصباغ لنصفها سواء . ولو خرج المضارب بالمال إلى مصر فاشترى بها كلها ثيابا ثم ، استكرى عليها بغالا بمائة درهم فجعله إلى مصره ، فله أن يبيعها مرابحة على ألف ومائة ; لأن الكراء مما جرى الرسم به بين التجار بإلحاقه برأس المال ، وقد بينا في البيوع إنما جرى العرف به بين التجار في إلحاقه برأس المال فله أن يلحقه به في بيع المرابحة ، وعلى هذا أجر السمسار ، فإن باعه مرابحة بألفي درهم كانت حصة المضارب من ذلك من كل أحد عشر سهما عشرة أسهم بينهما على شرطهما ، وحصة الكراء سهم واحد بينهما نصفان ; لأن الثمن في بيع المرابحة مقسوم على رأس المال الأول ، وذلك ألف درهم التي غرمها في شراء الثياب ، والمائة التي غرمها في الكراء ، فإذا جعلت كل مائة سهما ، كان على أحد عشر سهما : سهم من ذلك حصة الكراء وهو استدانة فيكون بينهما نصفين . ولو باعها مساومة كان جميع الثمن في المضاربة على الشرط بينهما ; لأن الثمن في بيع [ ص: 182 ] المساومة بمقابلة الملك ، والملك الذي تناوله البيع الثياب دون منفعة الحمل من مصر إلى مصر ، وقد كان جميع الثياب على المضاربة ، فيكون الثمن كله في المضاربة على الشرط بينهما ، بخلاف ما تقدم من مسألة الصبغ ; لأن الصبغ عين مال قائم في الثوب يتناوله البيع ، ثم غرم الكراء على المضارب ورب المال نصفان ; لأن المضارب كان مستدينا فيها بأمر رب المال ، ففعله كفعلهما جميعا ; فلهذا كان غرم الكل عليهما نصفين . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |