|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#141
|
||||
|
||||
|
الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن (142) - الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ يظن بعض المسلمين أن العبادة الأفضل دائما هي الأشق والأكثر تعبا، في حين أن النصوص الشرعية تقرر أن بعض الأعمال اليسيرة قد تدرك فضل الأعمال الشاقة إن لم تفضلها؛ وذلك أن العبرة ليست بالمشقة، بل بما يقوم في قلب العابد العامل من الإخلاص وتعظيم الله تعالى، والله تعالى قد فتح أبواب الخيرات المتنوعة ليدخلها المكلفون كل على حسب طاقته وظروفه، فلا يحرم أحد من الأجر والفضل لفقره أو عجزه أو مرضه، وإنما العبرة بما يكون في القلوب من تقوى الله تعالى وتعظيمه. ومما يدل على هذا الأصل ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلاَ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: «أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ بأمر إِنْ أَخَذْتُمْ به أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ» الحديث متفق عليه.فضل الغني الشاكر قال النووي: «وفي هذا الحديث دليل لمن فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر». وقال ابن حجر: «وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق». وقال: «وفيه أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي خلافا لمن قال:إن المتعدي أفضل مطلقا». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من أحب، فمن ضن بالمال أن ينفقه، وخاف العدو أن يجاهده، وهاب الليل أن يكابده، فليكثر من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». رواه الطبراني وصححه الألباني. فضل الذكر ومعنى الحديث أن من ابتلي بشيء من هذا جُعل له ما يعوضه من الذكر المأثور. وقال النبي[: «إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر» أخرجه الحاكم وصححه الألباني، وعند البخاري في الصحيح معلقا، وابن خزيمة في الصحيح بلفظ: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ». والحديث عند الترمذي وغيره بلفظ: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» وبعضهم بلفظ : «له مثل أجر» أخرجه الترمذي وابن ماجه، وصححهما الألباني. شكر الطاعم قال ابن حبان في صحيحه: «شكر الطاعم الذي يقوم بإزاء أجر الصائم الصابر هو أن يطعم المسلم ثم لا يعصي باريه، يقويه ويتم شكره بإتيان طاعاته بجوارحه؛ لأن الصائم قرن به الصبر لصبره عن المحظورات، وكذلك قرن بالطاعم الشكر؛ فيجب أن يكون هذا الشكر الذي يقوم بإزاء ذلك الصبر يقاربه أو يشاكله، وهو ترك المحظورات على ما ذكرناه». وفي شرح الترمذي: «أي الطاعم الشاكر لله -تعالى- بمنزلة الصائم الصابر؛ لأن الطعم فعل والصوم كف, فالطاعم بطعمه يأتي ربه بالشكر، والصائم بكفه عن الطعم يأتيه بالصبر». أقل الشكر قال القاري: «أقل شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد إذا فرغ، وأقل صبره أن يحبس نفسه عن مفسدات الصوم». وفي شرح سنن ابن ماجه للسندي قوله: «الطاعم الشاكر»، أي: الذي يعرف قوة ذلك الطعام في طاعته -تعالى- «بمنزلة الصائم» في أن كلا منهما في الطاعة المقصودة من خلق الإنسان، فإن المقصود من خلق الإنسان الطاعة لا خصوص الصوم، وظاهر الحديث الآتي المساواة في الأجر، لكن الظاهر أن يراد في أنهما متساويان في أن كلا منهما مأجور». ثواب الصائم الصابر وقال الحافظ ابن حجر: «قال ابن التين: الطاعم هو الحسن الحال في المطعم. وقال ابن بطال: هذا من تفضل الله على عباده أن جعل للطاعم إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه ثواب الصائم الصابر». وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: التَّشْبِيه هُنَا فِي أَصْل الثَّوَاب لَا فِي الْكَمِّيَّة وَلَا الْكَيْفِيَّة, وَالتَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِم الْمُمَاثَلَة مِنْ جَمِيع الْأَوْجُه. وَقَالَ الطِّيبِي: رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّم أَنَّ ثَوَاب الشُّكْر يَقْصُر عَنْ ثَوَاب الصَّبْر، فَأُزِيل تَوَهُّمه, أَوْ وَجْه الشَّبَه اِشْتِرَاكهمَا فِي حَبْس النَّفْس , فَالصَّابِر يَحْبِس نَفْسه عَلَى طَاعَة الْمُنْعِم، وَالشَّاكِر يَحْبِس نَفْسه عَلَى مَحَبَّته. وقال الحافظ: في الحديث الحث على شكر الله على جميع نعمه؛ إذ لا يختص ذلك بالأكل. الغني والفقير سواء وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغني الشاكر والفقير الصابر وأنـهما سواء، كذا قيل، ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل أن المشبه به أعلى درجة من المشبه. والتحقيق عند أهل الحذق ألا يجاب في ذلك بجواب كُلِّي بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نَعَم عند الاستواء من كل جهة وفَرْضِ رَفْعِ العَوَارِضِ بأسرها؛ فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعْدَلَ بالسلامة شيءٌ والله أعلم». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والغني الشاكر والفقير الصابر أفضلهما أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة». أفضلهما اقتاهما قال ابن القيم -رحمه الله-: «والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله -تعالى- فإن فُرِض استواؤهما فى التقوى استويا فى الفضل، فإن الله -سبحانه- لم يُفَضِّل بالفقر والغِنَى، كما لم يفضل بالعافيةِ والبلاء، وإنما فَضَّلَ بالتقوى، كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات: 13)، وقد صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربى على عجمى ولا فضل لعجمى على عربى إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب». والتقوى مبنيةٌ على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغَنِي والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبْرُه وشُكْرُه أتم كان أفضل». فإن: قيل فإذا كان صبرُ الفقير أتم، وشكرُ الغني أتم، فأيهما أفضل؟ قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البتة. اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#142
|
||||
|
||||
|
الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن(143) - المؤمن مـرآة المؤمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حق المسلم على المسلم ست. قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» يرسخ الإسلام في نفوس المؤمنين معاني الأخوة الإيمانية، ويؤكد قوة الارتباط بين المسلمين، فيصور المسلم مع أخيه نفساً واحدة كما قال تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} أي: لا يَعِبْ ولا يَطعَن بعضكم بعضا،وقال تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة}(النور: 61)، قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: «فليسلم بعضكم على بعض»، وقوله سبحانه: {ولا تقتلوا أنفسكم} قال القرطبي: «أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا». وفي السنة تأصيل لهذا المعنى أيضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا» متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» متفق عليه.لوازم الإخوة ومن لوازم الأخوة الإيمانية الصادقة بذل النصح، وصدق المشورة، والتنبيه على مواطن النقص، وستر العيوب، وعلاج الأخطاء، ليكمل المرء نفسه وإخوانه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يصور المسلم لأخيه كالمرآة التي يبصر بها نفسه، فيرى فيها ما لا يراه بعينه من المحاسن والمثالب فيقول: «المؤمن مرآة المؤمن» أخرجه الطيالسي وصححه الألباني. وعن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني. قال المناوي: «يكف عليه ضيعته» أي: يجمع عليه معيشته ويضمها له، وضيعة الرجل ما منه معاشه. (ويحوطه من ورائه) أي: يحفظه ويصونه، ويذب عنه، ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضررا، ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك». وقال صلى الله عليه وسلم : «المؤمن مرآة أخيه إذا رأى فيها عيبا أصلحه» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني. قال المناوي: «أي: يبصر من نفسه بما لا يراه بدونه، ولا ينظر الإنسان في المرآة إلا وجهه ونفسه، ولو أنه جهد كلَّ الجهد أن يرى جرم المرآة لا يراه؛ لأنَّ صورة نفسه حاجبة له». والمعنى فليزل ذلك الأذى عنه أي: عن أخيه؛ إما بإعلامه حتى يتركه أو بالدعاء له حتى يرفع عنه وهذا وجه قول عمررضي الله عنه : «رحم الله امرأ أهدى إلي بعيوب نفسي». وقال الطيبي: إنَّ المؤمن في إراءة عيب أخيه إليه، كالمرآة المجلُوَّة التي تحكي كلَّ ما ارتسم فيها من الصور، ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن إذا نظر إلى أخيه يستشف من وراء حاله تعريفات، وتلويحات، فإذا ظهر له منه عيب قادح كافحه، فإن رجع صادقه» وقال العامري: «معناه كن لأخيك كالمرآة تريه محاسن أحواله، وتبعثه على الشكر، وتمنعه من الكبر، وتريه قبائح أموره بلين في خفية، تنصحه ولا تفضحه». الهمس بالعيوب في أذن أخيك فمن النصح للأخ المسلم الإسرار إليه بعيوبه، والهمس إليه بأخطائه لتقويمه وليس لانتقاصه، كما أن المرآة تظهر العيوب في صمت؛ فلا تفضح ولا تثرب، كما أنها لا تضخم النقص ولا تهول من الأخطاء، كذلك على الناصح أن يضع كل عيب في قدره المناسب دون تهوين ولا تهويل. وقد أكد السلف ضرورة الإسرار بالنصيحة فقال أبو الدرداء: «من وعظ أخاه بالعلانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه». وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «النصح بين الملأ تقريع»، وقال الفضيل: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير». وقال عبد العزيز بن أبي رواد: «كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا، يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه، فيستغضب أخاه ويهتك ستره». وقيل لبعض السلف: أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا». النصح من الدين ومن النصح للأخ المسلم شكره إذا أحسن، وتشجيعه على الخير إذا بدر منه، فالمرآة تبدي المحاسن والجمال، كما تظهر العيوب والنقائص. وكما أن الإنسان يتقبل صورته في المرآة، ولا يتهمها بالكذب، أوبقصد الإساءة إليه، كذلك على المنصوح أن يتقبل نصيحة أخيه ويشكره عليها، ولا يكابر فيرفض الاعتراف بالخطأ، أو ينتحل الأعذار الكاذبة ليحمي صورته الظاهرة من الاهتزاز. ومن النصح للأخ المسلم نصره بظهر الغيب، والدفع عن عرضه بالحق، فعلى المسلم إذا سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، ولاسيما إن كان ذلك المسلم من أهل الفضل والصلاح، فعن أبي الدرداء أن النبي[ قال: «من رد عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة «أخرجه الترمذي وصححه الألباني. عن جَابِر وَأَبَي طَلْحَة بْن سَهْل الْأَنْصَارِيّ يَقُولانِ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ امْرِىءٍ يَخْذُل امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِع تُنْتَهَك فِيهِ حُرْمَته وَيُنْتَقَص فِيهِ مِنْ عِرْضه إِلَّا خَذَلَهُ اللَّه -تَعَالَى- فِي مَوَاطِن يُحِبّ فِيهَا نُصْرَته، وَمَا مِنْ امْرِىءٍ يَنْصُر اِمْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِع يُنْتَقَص فِيهِ مِنْ عِرْضه وَيُنْتَهَك فِيهِ مِنْ حُرْمَته إِلَّا نَصَرَهُ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- فِي مَوَاطِن يُحِبّ فِيهَا نُصْرَته». أخرجه أبو داود وحسنه الألباني. فالنصح للمسلمين من أبرز قواعد الدين وأهم أخلاق المؤمنين، فعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الدين النَّصِيحَة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» أخرجه مسلم. وهو من حقوق المسلم على أخيه المسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حق المسلم على المسلم ست. قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» أخرجه مسلم. اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#143
|
||||
|
||||
|
الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن(144) - الرَّأْيُ كَثِيرٌ، وَالْحَزْمُ قَلِيلٌ قال ابن عاشور: «وأولو العزم : أصحاب العزم، أي المتصفون به، والعزم: نية محققة على عمل أو قول دون تردد. والعزم المحمود في الدين: العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة يربي الإسلام المؤمنين على الجزم واليقين، والبعد عن الأوهام ، أوالريب والتردد سواء في مجال العقيدة أم في العبادات أم في المعاملات أم في القضاء أم حتى في الأخلاق . ففي العقيدة لابد من اليقين والاعتقاد الجازم بما يؤمن به المسلم من أركان الإيمان كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا }(الحجرات: 15). قال الشوكاني: «أي: لم يدخل قلوبهم شيء من الريب ولا خالطهم شك من الشكوك». ومن شروط كلمة التوحيد (اليقين) كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة».وفي العبادات لابد من نية جازمة قبل الدخول في العبادة، فلا تصح النية المعلقة أو المترددة، وشكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، متفق عليه؛ فنهى عن العمل بالشك حتى يقوم الدليل الجازم على وجود الحدث. وفي المعاملات الجزم في صيغة العقود؛ مما يدل على إرادة التعاقد والرضا بآثاره. وفي القضاء يشترط في الدعوى أن تكون بصيغة جازمة، وكذلك جواب المدعى عليه في حال إقراره أو إنكاره لابد من أن يكون جازما، وشهادة الشاهد لابد أن تكون جازمة أيضا، وحكم القاضي لابد أن يكون جازما. وفي نقل الأخبار لابد من التيقن فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6). قال الشيخ ابن سعدي: «الواجب عند خبر الفاسق التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه كذب، ولم يعمل به». وقال حذيفة لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في «زعموا»؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بئس مطية الرجل زعموا»، جاء في شرح الأدب المفرد : «فقه الحديث: إن الإخبار بخبر مبناه على الشك والتخمين دون الجزم واليقين قبيح، بل ينبغي أن يكون لخبره سند وثبوت، ويكون القائل على ثقة من ذلك، لا مجرد حكاية على ظن وحسبان، وفي المثل: (زعموا: مطية الكذب). فالحزم مطلوب والتردد مذموم، والحزم هو اتخاذ القرار بفعل أو ترك. من قولهم: حَزَمَ أَمْرَهُ: أَخَذَ الأَمْرَ بِشِدَّةٍ وَضَبَطَهُ. ويقال: حزَم في رأيه أو في أمره: ضبطه وأتقنه وأظهر عزيمتهَ فيه، ويقال:الحَزْم قبل العَزْم . فبعض الناس يكون عاجز الرأي، فاتر العزم، كثير التردد، لايحزم أمره، ولا يأخذ قراره، وهذا مذموم في عرف الناس، مخالف لهدي الإسلام. فقد قال الله -تعالى- موجها نبيه الكريمصلى الله عليه وسلم : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران: 159). قال قتادة: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ، ويستقيم على أمر الله ، ويتوكل على الله». وقال ابن عطية : «الحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، والعزم قصد الإمضاء; والله تعالى يقول:{وشاورهم في الأمر فإذا عزمت} فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم . والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم». قال ابن عاشور: «والتقدير: فإذا عزمت فبادر ولا تتأخر وتوكل على الله؛ لأن للتأخر آفات ، والتردد يضيع الأوقات». وقال ابن رجب: فالعبد يحتاج إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه في تحصيل العزم، وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم، قال الله:{فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}. وتأمل توجيه الله -تعالى- ليحيى -عليه السلام-؛ حيث قال له:{يا يحيى خذ الكتاب بقوة}. قال ابن كثير: «أي : تعلم الكتاب {بقوة} أي: بجد وحرص واجتهاد، {وآتيناه الحكم صبيا} أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث السن». وأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتأسي بأصحاب الحزم فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. قال ابن عباس: «ذوو الحزم والصبر». وقال ابن عاشور: «وأولو العزم : أصحاب العزم، أي المتصفون به، والعزم: نية محققة على عمل أو قول دون تردد. والعزم المحمود في الدين: العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة، وقوامه الصبر على المكروه وباعثه التقوى، وقوته شدة المراقبة بألا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه». وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «الرَّأْيُ كَثِيرٌ، وَالْحَزْمُ قَلِيلٌ». يشير -رضي الله عنه- إلى أن الأقوال كثيرة، والأفكار متعددة، ولكن الرأي الصواب، والنظر العميق، والفهم الدقيق، بعد الدراسة والمشورة قليل، وهذا حال كثير من الناس كثير الكلام، قليل الحزم، ضعيف العزم . قيل للمهلب بن أبي صفرة: بم نلت ما نلت؟ قال: «بطاعة الحزم وعصيان الهوى». وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين: «الحزم أن تشاور ذا رأى ثم تطيعه». وسئل عمرو بن العاص: «ما الحزم؟ قال: أن تنظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك». فعلى المسلم أن يكون ذا رأي سديد، وعزم صادق، إذا عرض له أمر، نظر فيه من كل جوانبه، ووازن بين مصالحه ومفاسده، واسترشد بهدي الشرع المطهر، واستشار العاقل المؤتمن، واستخار الله -تعالى- في أمره، واستعان به في تحقيق مطلوبه، ثم أقدم على مراده موجها إليه عزمه، كما أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» أخرجه مسلم. قال الشيخ ابن سعدي: فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها وسلك أسبابَها وطرائقَها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها، كان ذلك كمالَه وعنوان توفيقه.ومتى فاته واحدٌ من هذه الأمور الثلاثة؛ فاته من الخير بحسبها. فمَن لم يكن حريصًا على الأمور النافعة، بل كان كسلان عن النافع له في أمور دينِه ودنياه؛ لم يدرك شيئًا. فالكسل أصل الخيبة والفشل؛ فالكسلان لا يدرك خيرًا، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بِدِين ولا دنيا. ومن كان حريصًا لكن على غير الأمور النافعة -إما على أمور ضارة، أو أمور مفوِّتة للمنافع والكمال-، كان ثمرة حرصه الخيبة وفوات الخيرات، وحصول الشرور و المضرَّات». اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#144
|
||||
|
||||
|
الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن (145) (وتعاونوا عل البر والتقوى) (المائدة: 2) يلاحظ الإنسان في الآونة الأخيرة أمورا غريبة جدت في تصرفات الناس، وطرأت على المجتمع لم تكن معهودة من قبل، فالتفكير الفردي، والسلوكيات الأنانية، واحتقارالآخرين، والتعدي على النظام العام، وترسيخ الفوضى، وعدم احترام الناس، وغيرها من مظاهر مؤذية، وأخلاق سيئة يجدها الإنسان في الشارع، وفي العمل، وفي المدرسة، وفي السوق، بل وللأسف حتى في المساجد. وبالتأمل تجد أن سبب ذلك يعود إلى جهل ديني ودنيوي، وتربية قاصرة ومقصرة، وجرأة مقيتة على المعاصي والنظام والأخلاق.والإسلام يحرص على بناء الإنسان بناء يحقق مصالحه الفردية والجماعية في تكامل وتوازن؛ فالدين الحنيف لا يقر الأنانية، ولا يرضى بالأثرة، بل يحث على التعاون والتكافل والتناصر بين المسلمين في المجتمع الإسلامي، والقيام بالقسط مع النفس والآخرين من الأقربين والأبعدين. فالله -تعالى- بين أسباب النجاة ومنها التواصي بالحق فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(العصر: 1-3). قال ابن عاشور: «وعطف على عمل الصالحات (التواصي بالحق والتواصي بالصبر) وإن كان ذلك من عمل الصالحات، عطف الخاص على العام للاهتمام به؛ لأنه قد يغفل عنه يظن أن العمل الصالح هو ما أثره عمل المرء في خاصته، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدي وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر. وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنا لهم. وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته». وقال الشيخ ابن سعدي: «عمم الله الخسار لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات : الإيمان بما أمر الله الإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم فهو فرع عنه لا يتم إلا به، والعمل الصالح وهذا شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده، الواجبة والمستحبة، والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي يوصي بعضهم بعضا بذلك، والتواصي بالصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأولين يكمل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم». وأمر سبحانه بما فيه صلاح المجتمع فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(المائدة: 2). قال ابن كثير: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البرُّ، وترك المنكرات وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصر على الباطل، والتَّعاون على المآثم والمحارم». وقال الماورديُّ: «ندب الله سبحانه إلى التَّعاون بالبرِّ، وقرنه بالتَّقوى له؛ لأنَّ في التَّقوى رضا الله تعالى، وفي البرِّ رضا النَّاس، ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا النَّاس فقد تمَّت سعادته، وعمَّت نعمته». وأمر -سبحانه- بالتمسك بالدين القويم وعدم التفرق والاختلاف فيقوله عزَّ وجلَّ: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران: 103). قال الطَّبري: «يعني وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، مِن الألفة والاجتماع على كلمة الحقِّ، والتَّسليم لأمر الله». وقال السعدي: «فإنَّ في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكَّنون مِن كلِّ أمر مِن الأمور، ويحصل لهم مِن المصالح التي تتوقَّف على الائتلاف ما لا يمكن عدُّها مِن التَّعاون على البرِّ والتَّقوى». وقد حثَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على التَّعاون ودعا إليه، فقال صلى الله عليه وسلم : «يد الله مع الجماعة» أخرجه الترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال:بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. أخرجه مسلم قال النووي: « فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْجُودِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرُّفْقَةِ وَالْأَصْحَابِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِ الْأَصْحَابِ، وَأَمْرُ كَبِيرِ الْقَوْمِ أَصْحَابَهُ بِمُوَاسَاةِ الْمُحْتَاجِ». وشبَّه المؤمنين في اتِّحادهم وتعاونهم بالجسد الواحد، فقال صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى». متفق عليه قال ابن حجر: « فيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا». من عناية الدين بالتعاون حثُّه على معونة الخدم ومساعدتهم، فقال صلى الله عليه وسلم مبينا حقوق العمالة: «ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم».متفق عليه قال النووي: «وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره». وقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا» متفق عليه قال ابن بطَّال: «تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا في أمور الدُّنْيا والآخرة مندوبٌ إليه بهذا الحديث». وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة» متفق عليه قال ابن بطَّال: «الحديث حضٌّ على التَّعاون، وحسن التَّعاشر، والألفة، والسِّتر على المؤمن، وترك التَّسمع به، والإشهار لذنوبه». وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». أخرجه مسلم قال ابن دقيق العيد: «هذا الحديث عظيم جامع لأنواعٍ مِن العلوم والقواعد والآداب، فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسَّر مِن عِلْم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك». قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: « هذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين, والتراحم والتعاطف, والتعاون على كل خير, وفي تشبيههم بالبناء الواحد, والجسد الواحد, ما يدل على أنهم بتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم تجتمع كلمتهم، وينتظم صفهم، ويسلمون من شر عدوهم». وقال ابن تيمية مبينا أنواع التعاون: فإنَّ التَّعاون نوعان: - الأوَّل: تعاونٌ على البرِّ والتَّقوى: مِن الجهاد وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقِّين؛ فهذا ممَّا أمر الله به ورسوله. ومَن أمسك عنه خشية أن يكون مِن أعوان الظَّلمة فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية متوهِّمًا أنَّه متورِّعٌ. وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كلٌّ منهما كفٌّ وإمساكٌ. - والثَّاني: تعاونٌ على الإثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصومٍ، أو أخذ مالٍ معصومٍ، أو ضرب مَن لا يستحقُّ الضَّرب، ونحو ذلك؛ فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله». فالقرآن يبني الإنسان، ويرسخ فيه معاني التعاون على البر والتقوى والاجتماع على الطاعة والخير. اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
|
#145
|
||||
|
||||
|
الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن (146) «إن الله يبغض الفاحش البذيء» يبتلى المرء أحيانا في بعض المجالس بإنسان مستقبح اللفظ، فاحش اللسان، بذيء المنطق، خلع جلباب الحياء، إذا تكلم انزوى منه الجليس، وانقبض الأنيس، ومجته الأذواق السليمة، وللأسف فبعض الحضور يأنس بذلك، ويشجعه على المزيد من البذاءة وفحش القول، كأن الرجولة مرتبطة بالبذاءة، فكلما زادت الوقاحة والتهتك زادت الرجولة والفروسية. والإسلام يأمرنا بالعفة والحياء ويعد ذلك من الإيمان، ويحذرنا من البذاءة والوقاحة ويعد ذلك من النفاق، والأحاديث في ذلك كثيرة ودلالتها صريحة على ذلك.الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ فعَنْ قُرَّةَ بن إياس قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فَذُكِرَ عِنْدَهُ الْحَيَاءُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الْحَيَاءَ الْعَفَافُ، وَالْعِيَّ عِيُّ اللِّسَانِ لا عِيُّ الْقَلْبِ، والفقه مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ، وَيَنْقُصْنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا، وإن الشح والعجز والبذاء من النفاق، وإنهن يزدن في الدنيا، وينقصن من الآخرة، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن من الدنيا» أخرجه الطبراني وقال الألباني: صحيح لغيره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» أخرجه أحمد وقال الألباني: حسن صحيح. عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق».أخرجه الترمذي وصححه الألباني قال النووي: «حَقِيقَةُ الحَياء خُلُقٌ يبْعثُ على تَرْكِ الْقَبِيحِ ، ويمْنَعُ منَ التقْصير في حَقِّ ذِي الحَقِّ». أما البذاء فهو كما قال الكفوي: هو التعبير عن الأمور المستقبحة، بالعبارات الصريحة. وقال الراغب: «الفحش، والفحشاء، والفاحشة: ما عظم قبحه، من الأفعال، والأقوال». قال الترمذي موضحا مفردات الحديث: «والعي قلة الكلام» أي: تحرزا عن الوقوع في الإثم أو فيما لا ينبغي، والبذاء هو الفحش في الكلام، والبيان هو كثرة الكلام مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسعون في الكلام، ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله». وقوله: «الحياء والعي» أي: العجز في الكلام، والمراد به في هذا المقام هو السكوت عما فيه إثم من النثر والشعر، لا ما يكون للخلل في اللسان قاله القاري. وقال في المجمع: «العي التحير في الكلام، وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال، والتحرز عن الوبال». قوله: «شعبتان من الإيمان» أي أثران من آثاره، فإن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء فيترك القبائح حياء من الله -تعالى- ويمنعه عن الاجتراء على الكلام شفقة عن عثرة اللسان، فهما شعبتان من شعب الإيمان، والحاصل أن الإيمان منشؤهما ومنشأ كل معروف وإحسان. (والبذاء) فحش الكلام أو خلاف الحياء (والبيان) أي: الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان من التعمق في النطق وإظهار التفاصح للتقدم على الأعيان، وقال في المجمع: أراد بالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان والتحرز عن الزور والبهتان». (شعبتان من النفاق) قال في التيسير: «أي: هما خصلتان منشؤهما النفاق أو مؤديان إليه، وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام، والتكلف للناس بكثرة التملق والثناء عليهم، وإظهار التفصح، ذلك ليس من شأن أهل الإيمان، وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته». وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه. ليس المؤمن بالطعان وعن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء» أخرجه الطبراني وقال الألباني: صحيح لغيره. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه» أخرجه الترمذي وصححه الألباني. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» أخرجه الحاكم وصححه الألباني. وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء» أخرجه الترمذي. قال ابن بطال في قوله: «ولا الفاحش». أي: فاعل الفحش أو قائله. «ولا البذيء» وهو الذي لا حياء له، فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا يلزم التكرار، أو يحمل على العموم، والثاني يكون تخصيصًا بعد تعميم بزيادة الاهتمام به؛ لأنه متعد. وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء» أخرجه الترمذي وصححه الألباني. قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «ألأَمُ خُلق المؤمن، الفحش»، وقال: «من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله». وقال الأحنف بن قيس: «أولا أخبركم بأدوأ الداء: اللسان البذيء، والخلق الدنيء». سبيل الجنة فمما تقدم من الأحاديث الثابتة تبين أن الحياء من الإيمان وأنه سبيل للجنة، وأن البذاء من النفاق وأنه سبيل للنار؛ فعلى الإنسان أن يعود لسانه على العفة وقلبه على الحياء، ويتوقى الفحش في القول، ويحذر من أصحاب الوقاحة والتهتك؛ لأن التدرب على الأمرين سهل، فمن أمثال العرب: «اللسان مركب ذلول»، يعني أن الإنسان يقدر على قول الخير والشر، فلا يعود لسانه على مقالة السوء فقد قال ابن حبان البستي: «إنَّ الوقح إذا لزم البذاء، كان وجود الخير منه معدومًا، وتواتر الشر منه موجودًا؛ لأنَّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها». اعداد: د.وليد خالد الربيع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |