المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 33 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         البكاء من خشية الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أخطاء يقع فيها بعض الأئمة في القنوت للتراويح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          المريض في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الهلال بين رؤية شرعية ورؤية فلكية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          رمضان ونعيم الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التوبة فرج! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الغاية من الصناعات والمخترعات، وموقف الإسلام منها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          المخدرات أزمة حضارية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الدروس المستفادة من حديث موعظة النبي للنساء يوم العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الصفح الجميل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #321  
قديم 18-12-2025, 03:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 122الى صـــ 131
(321)





( ألا ترى ) أنه قد كان في بعض نساء الرسل كافرة كامرأة نوح ولوط عليهما السلام { وما بغت امرأة نبي قط هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } ، وكذلك إذا أرادوا سفرا فتأبى أن تخرج معهم فهذا عذر ; لأنه لا يتعذر الخروج للسفر عند الحاجة لما عليهم من ذلك من الضرر ولا تجبر هي على الخروج معهم ; لأنها ما التزمت تحمل ضرر السفر ولا يمكنهم ترك الصبي عندها ; لأن غيبتهم عن الولد توحشهم فلدفع الضرر يكون لهم أن يفسخوا الإجارة

وليس للظئر أن تخرج من عندهم إلا من عذر ، وعذرها من مرض يصيبها لا تستطيع معه الرضاع ; لأنها تتضرر بذلك وربما يصيبه انضمام تعب الرضاع إلى المرض ولهم أن يخرجوها إذا مرضت ; لأنها تعجز بالمرض عما هو مقصودهم وهو الإرضاع فربما يقل بسببه لبنها أو يفسد ، وكذلك إن لم يكن زوجها سلم الإجارة فله أن يخرجها لما بينا ، وكذلك إن لم تكن معروفة بالظئورة فلها أن تفسخ ; لأنها ربما لا تعرف عند ابتداء العقد ما تبتلى به من المقاساة والسهر ، فإذا جربت ذلك تضررت ولأنها تغيرت من هذا العمل على ما قيل : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، وما كانت تعرف ما يلحقها من الذل ، إذا لم تكن معروفة بذلك فإذا عملت كان لها أن تفسخ العقد ، وإن كان أهل الصبي يؤذونها بألسنتهم كفوا ; لأن ذلك ظلم منهم ، والكف عن الظلم واجب ، وإن ساءوا أخلاقهم معها كفوا عنها ; لأن سوء الخلق مذموم ، فإذا لم يكفوا عنها كان لها أن تخرج ; لأنها تتضرر بالصبر على الأذى وسوء الخلق

ولو كان زوجها قد سلم الإجارة فأرادوا منعه من غشيانها مخافة الحبل وأن يضر ذلك بالصبي ، فلهم أن يمنعوه ذلك في منزلهم ; لأن المنزل لهم فلا يكون له أن يدخله إلا بإذنهم ، وإن لقيها في منزله فله أن يغشاها ; لأن ذلك مستحق له بالنكاح ، وبتسليم الإجارة لا يسقط حقه عما كان مستحقا له فلا تستطيع الظئر أن تمنع نفسها ولا يسع أهل الصبي أن يمنعوها عن ذلك ، ولا يسع الظئر أن تطعم أحدا من طعامهم بغير أمرهم [ ص: 123 ] لأنها في ذلك كغيرها من الأجنبيات فإن زارها أحد من ولدها فلهم أن يمنعوه من الكينونة عندها ; لأن المنزل لهم ، ولهم أن يمنعوها من الزيارة إذا كانت تضر بالصبي دفعا للضرر عنه ; لأنها قد التزمت ما يرجع إلى إصلاح الصبي ودفع الضرر عنه ، وما كان من ذلك لا يضر بالصبي فليس لهم منعها ; لأنها حرة مالكة أمر نفسها فيما وراء ما التزمت لهم .
ويجوز للأمة التاجرة أن تؤاجر نفسها ظئرا كما أن لها أن تؤاجر نفسها لعمل آخر ; لأن رأس مالها بتجارتها منافعها ، وكذلك المكاتبة ، وكذلك العبد التاجر ، أو المكاتب يؤاجر أمته ظئرا ، أو يستأجر ظئرا لصبي له ; لأن الإجارة من عقود التجارة ولأن التدبير فيما يرجع إلى إصلاح كسبه إليه ، فكما يشتري لصبي له طعاما ، فكذلك يستأجر له الظئر لترضعه ، وكما يبيع أمته ، فكذلك له أن يؤاجرها فإن رد في الرق بعد الاستئجار انتقضت الإجارة فإن كان هو أجر أمته لم تنتقض الإجارة في قول أبي يوسف رحمه الله وقال محمد تنتقض وجه قول محمد رحمه الله أن المنافع بالإجارة استحقت على المكاتب وبعجزه بطل حقه ، وصار الحق في المنافع للمولى فتبطل الإجارة كما لو مات وهذا ; لأن المكاتب صار بمنزلة الحر في ملك التصرف والكسب حتى يختص هو بالتصرف دون المولى فعجزه يكون ناقلا الحق منه إلى المولى بمنزلة موت الحر وبهذا الطريق يبطل استئجاره ، وبه فارق العبد المأذون فإن الكسب كان مملوكا للمولى وكان متمكنا من التصرف فيه فالحجر عليه لا يكون ناقلا الحق إلى مولاه ( ألا ترى ) أن استئجاره لا يبطل فكذلك إجارته وهذا بخلاف ما إذا أعتق المكاتب ; لأن بالعتق يتقرر حقه في ملك الكسب والتصرف

والدليل على الفرق أن المكاتب إذا استبرأ أمته ، ثم عتق فليس عليه استبراء جديد ولو عجز كان على المولى فيها استبراء جديد وأن المكاتب لو اشترى قريب نفسه من والد ، أو ولد امتنع بيعه ولو اشترى قريب المولى لا يمتنع عليه بيعه وأنه يجوز دفع الزكاة إلى المكاتب وإن كان مولاه غنيا فعرفنا أن الكسب له ما دام مكاتبا فبالعجز ينتقل إلى مولاه

والدليل عليه أنه لو مات عاجزا بطلت الإجارة فكذلك إذا عجز وأبو يوسف رحمه الله يقول : بعجزه انقلب حق الملك حقيقة الملك فلا تبطل الإجارة كما إذا عتق ، وتقريره أن الكسب دائر بين المكاتب والمولى لكل واحد منهما فيه حق الملك لا حقيقة الملك ولهذا لو اشترى المكاتب امرأة مولاه ، أو امرأة نفسه لا يفسد النكاح ، ولو تزوج المولى أمة من كسب مكاتبه لم يجز ، كما لو تزوج المكاتب أمة من كسبه فعرفنا أن لكل واحد منهما حق الملك وجانب المولى في حقيقة الملك يترجح على جانب المكاتب ; لأنه أهل لذلك [ ص: 124 ] والمكاتب ليس بأهل

ولو أدى مكاتب المكاتب البدل كان الولاء لمولى الأول ، ولو أعتق المولى من يكاتب على المكاتب من أقربائه نفذ عتقه فيه ولا ينفذ عتق المكاتب فعرفنا أن في حقيقة الملك يترجح جانب المولى ، ثم إذا تحقق الملك للمكاتب بالعتق لا تبطل الإجارة فإذا تحقق للمولى بالعجز أولى وهذا ; لأنه لم يتبدل من استحق عليه المنفعة بعقد الإجارة بخلاف ما إذا مات الحر وقد قبل الاستئجار على الخلاف أيضا والأصح أن أبا يوسف رحمه الله يفرق بينهما فيقول استئجار المكاتب كان لحاجته دون حاجة مولاه وقد سقطت حاجته بعجزه

فأما إجارته كانت لتحصيل الأجرة وفيه حق للمولى كما للمكاتب ، فبعجزه لا ينعدم ما لأجله لزمت الإجارة ، ثم يسلم أن المكاتب منفرد بالتصرف ; لأن المولى حجر على نفسه من التصرف في كسبه ولكن بطلان الإجارة باعتبار انتقال الملك دون تبدل المنصرف ( ألا ترى ) أن العبد المأذون المديون يتصرف في كسبه دون المولى ، ثم بالحجر وسقوط الدين يتبدل المتصرف ولا تبطل به الإجارة لانعدام انتقال الملك ، وكذلك لا يبطل الاستئجار هناك ; لأنها وقعت لحاجة المولى فهو أحق بكسبه إذا قضى الدين من موضع آخر فيما يرجع إلى إصلاح ملكه يكون من حاجته ، والصحيح أنه إذا مات المكاتب عاجزا فالإجارة لا تنفسخ عند أبي يوسف رحمه الله كما لو عجز في حياته ، فأما فصل الاستبراء فذلك ينبني على ملك اليد والتصرف دون حقيقة الملك .

( ألا ترى ) أن المبيعة إذا حاضت قبل القبض فليس للمشتري أن يجتزئ بتلك الحيضة ، ونحن نسلم أن ملك اليد والتصرف للمكاتب ، وكذلك امتناع البيع ينبني على ملك اليد والتصرف للمكاتب فإن المكاتب لما كان يملك الكتابة في كسبه يتكاتب عليه قريبه ، ولما كان لا يملك العتق في كسبه لا يعتق عليه قريبه ، فأما المولى فلا يملك الكتابة في كسبه ولا العتق ; فلهذا لا يتكاتب قريب المولى إذا اشتراه المكاتب ، وكذلك حل الصدقة ينبني على انعدام ملك اليد والتصرف .

( ألا ترى ) أن ابن السبيل يحل له أخذ الصدقة والمولى ، وإن كان غنيا فلا يد له في كسب المكاتب فلهذا جاز صرف الزكاة إلى مكاتب الغني ، فأما بطلان الإجارة فينبني على انتقال ملك العين من المؤاجر إلى غيره كما قررنا فإن مات أب الصبي الحر لم تنتقض إجارة الظئر ; لأنها وقعت لحاجة الصبي والأب فيه كالنائب عنه ولهذا يؤدي الأجر من مال الصبي إذا كان له مال

وأجر الظئر بعد موت الأب في ميراث الصبي ; لأنه ماله ولو كان له في حياة أبيه مالا كان للأب أن يؤدي أجر الظئر منه ، فكذلك يؤدي معنى ميراثه بعده .

ولو استأجروها أن [ ص: 125 ] ترضع صبيين لهم كل شهر بكذا فمات أحدهما رفع عنهم نصف الأجر ; لأن جميع الأجر بمقابلة إرضاع الصبيين فيتوزع عليهما نصفين ; لأن التفاوت يقل في عمل الإرضاع أو ينعدم وقد بطل العقد في حق الميت منهما ; فلهذا يرفع عنهم نصف الأجر .
ولو استأجروا ظئرين يرضعان صبيا واحدا فذلك جائز ويتوزع الأجر بينهما على لبنهما فإن كان لبنهما واحدا فالأجر بينهما نصفان ، وإن كان متفاوتا فبحسب ذلك وبهذا تبين أن المعقود عليه اللبن وأن البدل بمقابلته فإن ماتت إحداهما بطل العقد في حقها لفوات المعقود عليه وللأخرى حصتها من الأجر

ولا يجوز بيع لبن بني آدم على وجه من الوجوه عندنا ولا يضمن متلفه أيضا وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه ويضمن متلفه ; لأن هذا لبن طاهر أو مشروب طاهر كلبن الأنعام ولأنه غذاء للعالم فيجوز بيعه كسائر الأغذية وبهذا يتبين أنه مال متقوم فإن المالية والتقوم بكون العين منتفعا به شرعا وعرفا والدليل عليه أنه عين يجوز استحقاقه بعقد الإجارة فيجوز بيعه ويكون مالا متقوما كالصبغ في عمل الصباغة والحبر في الوراقة والحرض والصابون في غسيل الثياب بل أولى ; لأن العين للبيع أقبل منه للإجارة .

( وحجتنا ) في ذلك أن لبن الآدمية ليس بمال متقوم فلا يجوز بيعه ولا يضمن متلفه كالبزاق والمخاط والعرق وبيان الوصف أن المال اسم ; لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو غيرنا ، فأما الآدمي خلق مالكا للمال وبين كونه مالا وبين كونه مالكا للمال منافاة وإليه أشار الله تعالى في قوله { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ، ثم لأجزاء الآدمي من الحكم ما لعينه .

( ألا ترى ) أن شعر الآدمي لا ينتفع به إكراما للآدمي بخلاف سائر الحيوانات وأن غائط الآدمي يدفن وما ينفصل من سائر الحيوانات ينتفع به واللبن جزء متولد من عين الآدمي .

( ألا ترى ) أن الحرمة تثبت باعتباره وهي حرمة الرضاع كما تثبت حرمة المصاهرة بالماء الذي هو أصل الآدمي والمتولد من الأصل يكون بصفة الأصل فإذا لم يكن الآدمي مالا في الأصل ، فكذلك ما يتولد منه من اللبن بمنزلة الولد .

( ألا ترى ) أن ولد الأضحية يثبت فيه الحكم تبعا وأن لبن الأضحية إذا حلبت يتصدق به ولهذا روي عن أبي يوسف رحمه الله قال : يجوز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة اعتبارا للبن الولد ولكن هذا ليس بقوي ; لأن جواز بيع الولد بصفة الرق ، فأما الآدمي بدون هذا الوصف لا يكون محلا للبيع ولا رق في اللبن ; لأن الرق فيما تحله الحياة ; فإنه عبارة عن الضعف ولا حياة في اللبن والدليل عليه أن الصحابة رضوان الله عليهم في المغرور لم يوجبوا قيمة اللبن فلو كان اللبن مالا [ ص: 126 ] متقوما كان ذلك للمستحق وكان له القيمة للإتلاف في يد المغرور ، ولا يدخل على شيء مما ذكر المنافع فإنها تقبل العقد من الحر ; لأن المنافع لا تتولد من العين ولكنها أعراض تحدث في العين شيئا فشيئا ، فكانت غير الآدمي ، ثم نحن نجعل اللبن كالمنفعة إلا أن عندنا المنفعة لا تضمن بالإتلاف وتستحق بالإجارة دون البيع ، فكذلك لبن الآدمي وبهذا تبين أن اللبن ليس بمال متقوم مقصود ; لأنه عين والعين الذي هو مال مقصود لا يستحق بالإجارة كلبن الأنعام بخلاف الصبغ فصاحب الثوب هناك لا يستحق بالإجارة عين الصبغ بل ما يحدث في الثوب من اللون وكذلك الخبز

وكذلك الحرض والصابون المستحق لصاحب الثوب إزالة الدرن والوسخ عن الثوب حتى أن القصار بأي شيء أزال ذلك استحق الأجر وهنا المستحق بالإجارة عين اللبن حتى لو ربت الصبي بلبن الأنعام لا تستحق الأجر ولا نسلم أن اللبن غذاء على الإطلاق وإنما هو غذاء في تربية الصبيان لأجل الضرورة فهم لا يتربون إلا بلبن الجنس عادة كالميتة تكون غذاء عند الضرورة ولا يدل على أنها مال متقوم وهذا نظير النكاح فإن البضع يتملك بالعقد للحاجة إلى اقتضاء الشهوة وإقامة النسل ، ولا يحصل ذلك إلا بالجنس ، ثم ذلك لا يدل على أنه مال متقوم مع أن الغذاء ما في الثدي من اللبن ، وذلك لا يحتمل البيع بالاتفاق ، فأما ما يحلب القوارير قل ما يحصل به غذاء الصبي وفي تجويز ذلك فساد ; لأنه يؤجر به الصبيان فتثبت به حرمة الرضاع بينهم وبين من كان اللبن منها ولا يعلم ذلك فإن قيل سائر أجزاء الآدمي متقوم حتى يضمن بإتلاف ، فكذلك هذا الجزء قلنا قد بينا أن الآدمي في الأصل ليس بمال متقوم ولا نقول يضمن بالإتلاف أجزاء الآدمي بل يجب الضمان بالنقصان المتمكن في الأصل حتى لو اندملت الجراحة بالبرء ونبتت السن بعد القلع لا يجب شيء ; لأنه لا نقصان في الأصل ، فكذلك الإتلاف في اللبن لا يتمكن نقصان في الأصل ; ولهذا لا يجب الضمان فإن قيل لا كذلك فالمستوفى بالوطء في حكم جزء لم يضمن بالإتلاف عند الشبهة ، وإن لم يتمكن نقصان في الأصل قلنا المستوفى بالوطء في حكم النفس من وجه ; ولهذا لا يجعل البدل في إسقاط الواجب بإتلافه واللبن ليس نظيره .

( ألا ترى ) أنه لا يضمن بالإتلاف بعد البدل ومثله لا يضمن إذا لم يكن متقوما وقد بينا أنه ليس بمال متقوم ولا بأس بأن يستعطي الرجل بلبن المرأة ويشربه للدواء ; لأنه موضع الحاجة والضرورة ولو أصاب ثوبا لم ينجسه ; لأن الآدمي طاهر في الأصل فما تولد منه يكون طاهرا إلا ما قام الدليل الشرعي على نجاسته .

( ألا ترى ) أن عرقه [ ص: 127 ] وبزاقه يكون طاهرا ولأن المنفصل من أجزاء الحي إنما يتنجس باعتبار الموت ولا حياة في اللبن ولا يحله الموت ولأن المستحيل من الغذاء إلى فساد ونتن رائحة يكون نجسا واللبن ليس بهذه الصفة ; فلهذا كان طاهرا .

وإن أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع لهم صبيا ولا يعلم أهلها الأولون بذلك فأرضعت حتى فرغت فإنها قد أثمت وهذه جناية منها ; لأن منافعها صارت مستحقة للأولين فإنها بمنزلة الأجير الخاص فصرف تلك المنافع إلى الآخرين يكون جناية منها ولها الأجر كاملا على الفريقين ; لأنها حصلت مقصود الفريقين ولا تتصدق بشيء منه ; لأن ما أخذت من كل فريق إنما أخذته عوضا عن ملكها فإن منافعها مملوكة لها .
ولا بأس بأن يستأجر المسلم الظئر الكافرة أو التي قد ولدت من الفجور ; لأن خبث الكفر في اعتقادها دون لبنها والأنبياء عليهم السلام والرسل صلوات الله عليهم فيهم من أرضع بلبن الكوافر ، وكذلك فجورها لا يؤثر في لبنها .
فإن استأجرها ترضع صبيا له في بيتها فدفعته إلى خادمها فأرضعته حتى انقضى الأجل ولم ترضعه بنفسها فلها أجرها ; لأنها التزمت فعل الإرضاع فلا يتعين عليها مباشرته بنفسها فسواء أقامت بنفسها أو بخادمها فقد حصل مقصود أهل الصبي وكذلك لو أرضعته حولا ، ثم يبس لبنها فأرضعت خادمها حولا آخر فلها الأجر كاملا ، وكذلك لو كانت ترضعه هي وخادمها فلها الأجر تاما ولا شيء لخادمها ; لأن المنافع لا تتقوم إلا بالتسمية ففيما زاد على المشروط لا تسمية في حقها ولا في حق خادمها ، ولو يبس لبنها فاستأجرت له ظئرا كان عليه الأجر المشروط ولها الأجر كاملا استحسانا ، وفي القياس لا أجر لها ; لأنها بمنزلة أجير الخاص وليس للأجير الخاص أن يستأجر غيره لإقامة العمل وفي الاستحسان لها الأجر ; لأن المقصود تربية الصبي بلبن الجنس وقد حصل ، ولأن مدة الرضاع تطول فلما استأجروها مع علمهم أنها قد تمرض أو ييبس لبنها في بعض المدة فقد رضوا منها بالاستئجار لتحصيل مقصودهم وتتصدق بالفضل ; لأن هذا ربح حصل لا على ضمانها { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } .
وإذا استأجر امرأته على إرضاع ولده منها فلا أجر لها عندنا وقال الشافعي رحمه الله لها الأجر ; لأنه استأجرها لعمل غير مستحق عليها بالنكاح حتى لا تطالب به ولا تجبر عليه إذا امتنعت فيصح الاستئجار كالخياطة وغيرها من الأعمال والنفقة مستحقة لها بالنكاح لا بمقابلة الإرضاع بدليل أنها ، وإن أبت الإرضاع كان لها النفقة فهو نظير نفقة الأقارب لا تكون مانعة من صحة الاستئجار على الإرضاع .

( وحجتنا ) في ذلك [ ص: 128 ] قوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } معناه ليرضعن فهو أمر بصيغة الخبر والأمر يفيد الوجوب فظاهره يقتضي أن يكون الإرضاع واجبا عليها شرعا والاستئجار على مثل هذا العمل لا يجوز وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { : مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الأجر كمثل أم موسى عليه السلام كانت ترضع ولدها وتأخذ الأجر من فرعون } ، ثم قال الله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } والمراد النفقة ففي هذا العطف إشارة إلى أن النفقة لها بمقابلة الإرضاع وقد دل عليه قوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } والمراد ما يكون بمقابلة الإرضاع فإذا استوجب عوضا بمقابلة الإرضاع لا يستوجب عوضا آخر بالشرط والمعنى فيه : أن هذا العمل مستحق عليها دينا ، وإن لم يكن مستحقا عليها دينا فإنها تطالب به فتوى ولا تجبر عليه كرها والاستئجار على مثله لا يجوز كالاستئجار على كنس البيت والتقبيل واللمس وما أشبه ذلك وهذا ; لأن بعقد النكاح يثبت الاتحاد بينهما فيما هو المقصود من النكاح والولد مقصود بالنكاح فكانت هي في الإرضاع عاملة لنفسها معنى فلا تستوجب الأجر على الزوج بالشرط كما في التقبيل واللمس والمجامعة وهكذا نقول في سائر أعمال البيت من الطبخ والخبز والغسل وما يرجع منفعته إليهما فهو لا يستوجب عليه الأجر بالشرط وما يكون لتجارة الزوج فهو ليس بمستحق عليها دينا ولا يرجع منفعته إليها

وكذلك لو استأجرها بعد الطلاق الرجعي ; لأن النكاح باق بينهما ببقاء العدة فمعنى الاتحاد قائم ، فأما بعد انقضاء العدة الاستئجار صحيح لأنها صارت أجنبية منه وإرضاع الولد على الأب كنفقته بعد الفطام ، وكذلك في العدة من طلاق بائن لو استأجرها جاز عندنا وعند الحسن بن زياد رحمه الله لا يجوز ; لأنها في نفقته فكانت هذه الحال كما قبل الطلاق ولكنا نقول معنى الاتحاد الذي كان بالنكاح قد زال بالطلاق البائن والإرضاع بعد هذا لا يكون مستحقا عليها دينا بمنزلة سائر أعمال البيت فيجوز استئجارها عليه وذكر ابن رستم عن محمد رحمهما الله أنه كان للرضيع مال استأجرها في حال قيام النكاح بمال الرضيع يجوز ; لأن نفقتها ليس في مال الرضيع فيجوز أن يستوجب الأجر في ماله بمقابلة الإرضاع بالشرط بخلاف مال الزوج فإن نفقتها عليه وهو إنما التزم نفقتها لهذه الأعمال فلا تستوجب عليه عوضا آخر ، وكذلك إذا استأجر خادمها لذلك لأن منفعة خادمها ملكها وبدلها كمنفعة نفسها ، وإن استأجر مكاتبها كان لها الأجر ; لأن المكاتبة كالحرة في منافعها ومكاسبها يوضحه أنه كما تجب على الزوج نفقتها تجب نفقة خادمها ولا تجب عليه نفقة مكاتبتها
ولو [ ص: 129 ] استأجرها ترضع صبيا له من غيرها جاز وعليه الأجر لأن هذا العمل غير مستحق عليها دينا حتى لا تؤمر به فتوى وهو ليس من مقاصد النكاح القائم بينهما بخلاف ولده منها .

ولو استأجر أمه أو ابنته أو أخته ترضع صبيا له كان جائزا وعليه الأجر ، وكذلك كل ذات رحم محرم منه ; لأن الإرضاع غير مستحق على واحدة دينا حتى لا تؤمر به فتوى فيجوز استئجارها عليه فإن استأجرها ، ثم أبت بعد ذلك وقد ألفها الصبي لا يأخذ إلا منها فإن كانت معروفة بذلك لم يكن لها أن تترك الإجارة إلا من عذر ، وإن كانت لا تعرف بذلك فلها أن تأبى وقد بينا هذا في الأجنبيات أنها إذا لم تعرف بذلك العمل فإنما تأبى لدفع الضرر عن نفسها فيكون ذلك عذرا لها ، فكذلك في المحارم .
ولو استأجر ظئرا لترضع له صبيا في بيتها فجعلت تؤجر لبن الغنم وتغذوه بكل ما يصلحه حتى استكمل الحولين ولها لبن أو ليس لها لبن فلا أجر لها ; لأن البدل بمقابلة الإرضاع وهي لم ترضعه إلا بما سقته لبن الغنم ولأن مقصودهم عمل مصلح للصبي وما أتت به مفسد فالآدمي لا يتربى تربية صالحة إلا بلبن الجنس ، وإن جحدت ذلك وقالت قد أرضعته فالقول قولها مع يمينها ; لأن الظاهر شاهد لها فصلاح الولد دليل على أنها أرضعته لبن الآدمية ، وإن أقام أهل الصبي البينة على ما ادعوا فلا أجر لها ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، وإن أقاموا جميعا البينة أخذت بينتها ; لأنها تثبت الأجر دينا في ذمة من استأجرها ويثبت إيفاء العمل المشروط والمثبت من البينتين يترجح على الباقي .
وإذا التقط الرجل لقيطا فاستأجر له ظئرا فهو جائز ; لأنه هو الذي يقوم بإصلاحه واستئجار الظئر من إصلاحه وعليه الأجر ; لأنه التزمه بالعقد وهو متطوع في ذلك ; لأنه لا ولاية له عليه في إلزام الدين في ذمة اللقيط وكل يتيم ليس له أم لترضعه فعلى أوليائه كل ذي رحم محرم أن يستأجروا له ظئرا على قدر مواريثهم ; لأن أجر الظئر كالنفقة بعد الفطام والنفقة عليهم بقدر الميراث كما قال الله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } وفي قوله وليس له أم ترضعه إشارة إلى أن الإرضاع عليها إذا كانت حية ولها لبن دون سائر الأقارب ; لأنها مؤسرة في حكم الإرضاع وسائر القرابات بمنزلة المعسر في ذلك فكان عليها دونهم بخلاف النفقة فإن كان لا ولي له فأجرة الظئر على بيت المال بمنزلة نفقته بعد الفطام والله أعلم .
. باب إجارة الدور والبيوت

( قال : رحمه الله وإذا استأجر الرجل من الرجل دارا سنة بكذا ولم يسم الذي يريدها [ ص: 130 ] له فهو جائز ) ; لأن المقصود معلوم بالعرف فإنما يستأجر الدار للسكنى ويبنى لذلك .

( ألا ترى ) أنها تسمى مسكنا والمعلوم بالعرف كالمشروط بالنص وله أن يسكنها ويسكنها من شاء ; لأن السكنى لا تتفاوت فيها الناس ولأن سكناه لا تكون إلا بعياله وأولاده ومن يعولهم من قريب أو أجنبي وكثرة المساكن في الدار لا تضر بها بل تزيد في عمارتها ; لأن خراب المسكن بأن لا يسكنه أحد وله أن يضع فيها ما بدا له من الثياب والمتاع والحيوان ; لأن سكناه لا تتم إلا بذلك فإن ذلك معلوم بالعرف ويعمل فيها ما بدا له من الأعمال يعني الوضوء وغسل الثياب وكسر الحطب ونحو ذلك ; لأن سكناه لا تخلو عن هذه الأعمال عادة فهي من توابع السكنى والمعتاد منه لا يضر بالبناء ما خلا الرحا أن ينصب فيه أو الحداد أو القصار فإن هذا يضر بالبناء فليس له أن يفعله إلا برضاء صاحب البيت ويشترط عليه في الإجارة والمراد رحا الماء أو رحا الثور ، فأما رحا اليد فلا يمنع من أن ينصبه فيه ; لأن هذا لا يضر بالبناء وهو من توابع السكنى في العادة ، والحاصل أن كل عمل يفسد البناء أو يوهنه فذلك لا يصير مستحقا للمستأجر بمطلق العقد إلا أن يشترطه وما لا يفسد البناء فهو مستحق له بمطلق العقد ; لأن السكنى التي لا توهن البناء بمنزلة صفة السلامة في المبيع فيستحقه بمطلق العقد وما يوهن البناء بمنزلة صفة الجودة أو الكتبة أو الخبز في المبيع فلا يصير مستحقا إلا بالشرط ، وعلى هذا كسر الحطب بالقدر المعتاد منه لا يوهن البناء فإن زاد على ذلك وكان بحيث يوهن البناء فليس له أن يفعله إلا برضاء صاحب الدار .

، وإن استأجرها للسكنى كل شهر بكذا فله أن يربط فيه دابته وبعيره وشاته وهذا إذا كان في الدار موضع معد لذلك وهو المربط فإن لم يكن فليس له اتخاذ المربط في ديارنا ; لأن المنازل ببخارى تضيق عن سكنى الناس فكيف تتسع لإدخال الدواب فيها وإنما هذا الجواب بناء على عرفهم في الكوفة لما في المنازل بها من السعة وله أن يسكنها من أحب ; لأنه قد يأتيه ضيف فيسكن معه أياما وقد يحتاج إلى أن يسكنها صديقا له بأجر أو بغير أجر ، وقد بينا أن ذلك لا يضر بالبناء فلا يمنع منه ، فإن أجرها بأكثر مما استأجرها به تصدق بالفضل إلا أن يكون أصلح منها بناء أو زاد فيها شيئا فحينئذ يطيب له الفضل وعلى قول الشافعي رحمه الله يطيب له الفضل على كل حال بناء على أصله أن المنافع كالأعيان الموجودة حكما فتصير مملوكة له بالعقد مسلمة إليه بتسليم الدار فكان بمنزلة من اشترى شيئا وقبضه ، ثم باعه وربح فيه فالربح يطيب له ; لأنه ربح على ملك حلال له ، ولكنا نقول : المنافع لم تدخل في ضمانه ، وإن قبض الدار ; بدليل أنها [ ص: 131 ] لو انهدمت لم يلزمه الأجر فهذا ربح حصل لا على ضمانه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } ، ثم المنافع في حكم الاعتياض إنما تأخذ حكم المالية والتقوم بالتسمية بدليل أن المستعير لا يؤاجر وهو مالك للمنفعة فإن المعير يقول له ملكتك منفعتها وجعلت لك منفعتها

ولو أضاف الإعارة إلى ما بعد الموت يثبت ملك المنفعة للموصى له فكذلك إذا أوجبها له في حياته ومع ذلك يؤاجر ; لأنه ليس بمقابلتها تسمية فكذلك هنا وفيما زاد على المسمى في العقد الأول لا تسمية بمقابلة المنفعة في قصده فلا يكون له أن يستفضل ، وبهذا تبين أنها ليست كالعين فإن من يملك العين بالهبة يجوز له أخذ العوض بالبيع إلا أن يكون زاد فيه شيئا فحينئذ يجعل الفضل بمقابلة تلك الزيادة فلا يظهر الفضل الخالي عن المقابلة ، وكذلك إذا أجره بجنس آخر ; لأن الفضل عند اختلاف الجنس لا يظهر إلا بالتقوم والعقد لا يوجب ذلك ، فأما عند اتحاد الجنس يعود إليه ما غرم فيه بعينه ويتيقن بالفضل فعليه أن يتصدق به لأنه حصل له بكسب خبيث بمنزلة المستعير إذا أجر فعليه أن يتصدق بالأجر .

وإن كان استأجرها كل شهر فلكل واحد منهما أن ينقض الإجارة عند رأس الشهر لأن كلمة كل متى أضيفت إلى ما لا يعلم منتهاه تتناول الأدنى ، فإنما لزم العقد في شهر واحد فإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة فإن سكنها من الشهر الثاني يوما أو يومين لم يكن لكل واحد منهما أن يترك الإجارة إلى تمام الشهر إلا من عذر ; لأن التراضي منهما بالعقد في الشهر الثاني يتم إذا سكنها يوما أو يومين فيلزم العقد فيه بتراضيهما كما لزم في الشهر الأول وفي ظاهر الرواية الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الداخل ويومها ; لأن ذلك رأس الشهر وبعض المتأخرين رحمهم الله يقول : الخيار لكل واحد منهما حين يهل الهلال حتى إذا مضى ساعة فالعقد يلزمهما وهذا هو القياس ، ولكنه فيه نوع حرج فلدفع الحرج قال : الخيار لكل واحد منهما في اليوم الأول من الشهر .
وإذا استأجرها كل شهر بكذا ولم يسم أول الشهر فهو من الوقت الذي استأجرها عندنا وقال الشافعي لا يصح الاستئجار إلا أن يتصل ابتداء المدة بالعقد ولا يتصل إلا بالشرط ; لأنه إذا أطلق ذكر الشهر فليس بعض الشهور لتعيينه للعقد بأولى من بعض وجهالة المدة مفسدة لعقد الإجارة وهذا ; لأنه نكر الشهر والشهر المتصل بالعقد معين فلا يتعين باسم النكرة .

( ألا ترى ) أنه لو قال لله علي أن أصوم شهرا لا يتعين الشهر الذي يعقب نذره ما لم يعينه ، ولكنا نقول : الأوقات كلها في حكم الإجارة سواء وفي مثله يتعين الزمان الذي يعقب السبب كما في الآجال [ ص: 132 ] والأيمان إذا حلف لا يكلم فلانا شهرا وهذا ; لأن التأخير عن السبب الموجب لا يكون إلا بمؤخر ، والمؤخر ينعدم فيما تستوي فيه الأوقات بخلاف الصوم ; فإنه يختص الشروع فيه ببعض الأوقات حتى أن الليل لا يصلح لذلك ، وكذلك يوم العيدين وأيام التشريق يوضحه أن الشروع في الصوم لا يكون إلا بعزيمة منه وربما لا يقترن ذلك بالسبب ، فأما دخول المنفعة في العقد لا يستدعي معنى من جهته سوى العقد فما يحدث بعد العقد يكون داخلا في العقد إلا أن يمنع منه مانع ، ثم إن كان العقد في اليوم الأول من الشهر فله شهر بالهلال تم أو نقص ، وإن كان ذلك اليوم في بعض الشهر فله ثلاثون يوما لأن الأهلة أصل في الشهور قال الله تعالى { يسألونك عن الأهلة } والأيام تدل على الأهلة وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما } وإنما يصار إلى البدل إذا تعذر اعتبار الأصل فإن كان استأجرها شهرا حين أهل الهلال فاعتبار الأصل هنا ممكن فكان له أن يسكنها إلى أن يهل الهلال من الشهر الداخل وإذا كان في بعض الشهر فقد تعذر اعتباره بالأهلة فيعتبر بالأيام ثلاثين يوما .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #322  
قديم 18-12-2025, 03:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 132الى صـــ 141
(322)




، وإن استأجرها أكثر من شهر فالمذهب عندنا أنه إذا استأجرها مدة معلومة صح الاستئجار طالت أو قصرت وفي قول الشافعي رحمه الله لا يجوز الاستئجار أكثر من سنة واحدة وفي قول آخر يجوز إلى ثلاثين سنة ولا يجوز أكثر من ذلك وفي قول آخر يجوز أبدا ، وجه قوله الأول أن جواز الاستئجار للحاجة والحاجة في بعض الأشياء لا تتم إلا بسنة كما في الأراضي ونحوها وفيما وراء ذلك لا حاجة وعلى القول الثاني يقول : العادة أن الإنسان قل ما يسكن بالإجارة أكثر من ثلاثين سنة ; فإنه يتخذ المسكن ملكا إذا كان قصده الزيادة على ذلك وعلى القول الآخر يقول : المنافع كالأعيان القائمة فالعقد على العين يجوز من غير التوقيت ، فكذلك العقد على المنفعة وحجتنا في ذلك أن إعلام المعقود عليه لا بد منه ، والمنفعة لا تصير معلومة إلا ببيان المدة فإنها تحدث شيئا فشيئا فكانت المدة للمنفعة ، فالكيل والوزن فيما هو مقدر فكما لا يصير المقدار هنا معلوما إلا بذكر الكيل والوزن لا يصير المقدار هنا معلوما إلا بذكر المدة ، وبعد إعلام المدة العقد جائز قل المعقود عليه أو كثر ، وقد دل على ذلك جواز الاستئجار أكثر من سنة قوله تعالى { على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك } ولأن كل مدة تصلح أجلا للبيع فإنها تصلح مشروطة في عقد الإجارة كالسنة وما دونها والمعنى فيه وهو أن الشرط الإعلام فيها على وجه لا يبقى بينهما منازعة .
فإن استأجرها [ ص: 133 ] سنة مستقبلة وذلك حين يهل الهلال تعتبر سنة بالأهلة اثني عشر شهرا ، وإن كان ذلك في بعض الشهر يعتبر سنة بالأيام ثلثمائة وستين يوما في قول أبي حنيفة رحمه الله وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله وعند محمد يعتبر شهرا بالأيام وإحدى عشر شهرا بالأهلة وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله ووجه هذا القول أن الأهلة أصل والأيام بدل ففي الشهر الواحد تقدر الأهلة وفي إحدى عشر شهرا اعتبار ما هو أصل ممكن فلا معنى للمصير إلى البدل ، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن ابتداء المدة يعتبر بالأيام بالاتفاق ، فكذلك جميع المدة ; لأن ثبوت الكل بتسمية واحدة وهذا ; لأنه ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني فإذا كان ابتداء الشهر الأول في بعض فتمامه في بعض الشهر الداخل أيضا وإنما يدخل الشهر الثاني في بعض الشهر فيجب اعتباره بالأيام ، وكذلك في كل شهر وقد ذكر في كتاب الطلاق في باب العدة أنها تعتبر بالأيام فعلى قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهما الله لا حاجة إلى الفرق وهو قول محمد وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهما الله الفرق بين الأصلين أن الإجارة عقود متفرقة فإذا أهل الهلال يتجدد العقد عند ذلك فيجعل ذلك كأنهما جددا العقد في هذه الحالة ; فلهذا تعتبر أحد عشر شهرا بالهلال ولا يوجد مثل ذلك في العدة ; لأن الكل في حكم شيء واحد فتغير كلها بالأيام ، ثم قال إذا استأجرها سنة أولها هذا اليوم وهو رابع عشرة مضين من الشهر فإنه يسكنها بقية هذا الشهر وإحدى عشر شهرا بالأهلة وستة عشر يوما من الشهر الباقي وهذا غلط والصحيح ما ذكر في بعض الروايات استأجرها لأربع عشرة بقين من الشهر ; لأنه إذا كان الماضي من الشهر الأول أربع عشرة فقد سكنها بعد العقد ستة عشر يوما في ذلك الشهر فلا يسكنها في آخر المدة أربعة عشر يوما لتمام ثلاثين يوما وقد قال يسكنها ستة عشر يوما فعرفنا أن الصحيح لأربع عشرة بقين من الشهر .

وإذا استأجر بيتا في علو دار ومنزلا على ظلة على ظهر طريق فهو جائز ; لأنه مسكن معد للانتفاع به من حيث السكنى ولو استأجر بيتا على أن يقعد فيه قصارا فأراد أن يقعد فيه حدادا فله ذلك إن كانت مضرتهما واحدة أو كانت مضرة الحداد أقل ، وإن كانت أكثر مضرة لم يكن له ذلك ، وكذلك الرحالان التقييد إذا كان مفيدا يعتبر ، وإن كان غير مفيد لا يعتبر ، والفائدة في حق صاحب الدار بأن ما لا يوهن بناءه ولا يفسده فلا تكون مضرته مثل المشروط أو أقل منه فقد علمنا أنه لا ضرر فيه على صاحب الدار والمنفعة صارت مملوكة للمستأجر وللإنسان أن يتصرف في [ ص: 134 ] ملك نفسه على وجه لا يضر بغيره كيف شاء ، وإن كان أكثر مضرة فهو يريد أن يلحق به ضررا لم يرض به صاحب الدار فيمنع من ذلك . والمسلم والذمي والحربي والمستأمن والحر والمملوك التاجر والمكاتب كلهم سواء في الإجارة لأنها من عقود التجارة وهم في ذلك سواء .
وإن استأجر الذمي دارا سنة بالكوفة بكذا درهما من مسلم فإن اتخذ فيها مصلى لنفسه دون الجماعة لم يكن لرب الدار أن يمنعه من ذلك ; لأنه استحق سكناها وهذا من توابع السكنى ، وإن أراد أن يتخذ فيها مصلى للعامة ويضرب فيها بالناقوس فلرب الدار أن يمنعه من ذلك وليس ذلك من قبل أنه يملك الدار ولكن على سبيل النهي عن المنكر ; فإنهم يمنعون من إحداث الكنائس في أمصار المسلمين فلكل مسلم أن يمنعه من ذلك كما يمنعه رب الدار وهذا ; لقوله صلى الله عليه وسلم { ، لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة } والمراد نفي إحداث الكنائس في أمصار المسلمين ، وفي الخصاء تأويلان .

( أحدهما ) خصاء بني آدم فذلك منهي عنه وهو من جملة ما يأمر به الشيطان قال الله تعالى { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } ، والامتناع من صحبة النساء على قصد التبتل والترهب والحاصل أنهم لا يمنعون من السكنى في أمصار المسلمين فيجوز بيع الدور وإجارتها منهم للسكنى إلا أن يكثروا على وجه تقل بسببه جماعات المسلمين فحينئذ يؤمرون بأن يسكنوا ناحية من المصر غير الموضع الذي يسكنه المسلمون على وجه يأمنون اللصوص ولا يظهر الخلل في جماعات المسلمين ، ويمنعون من إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين فإذا أراد أن يتخذ مصلى العامة فهذا منه إحداث الكنيسة وكذلك يمنعون من إظهار بيع الخمور في أمصار المسلمين ; لأن ذلك يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين وما أعطيناهم الذمة على أن يظهروا ذلك فكان الإظهار فسقا منهم في التعاطي فلكل مسلم أن يمنعهم من ذلك صاحب الدار وغيره فيه سواء ، وكذلك يمنعون من إظهار شرب الخمر وضرب المعازف والخروج سكارى في أمصار المسلمين ; لما فيه من الاستخفاف بالمسلمين أيضا ولو كان هذا في دار بالسواد أو بالجبل كان للمستأجر أن يصنع فيها ما شاء ، كان أبو القاسم الصفار رحمه الله يقول : هذا الجواب في سواد الكوفة فإن عامة من يسكنها من اليهود والروافض - لعنهم الله - فأما في ديارنا يمنعون من إحداث ذلك في السواد كما يمنعون في المصر ; لأن عامة من يسكن القرى في ديارنا مسلمون وفيها الجماعة والدرس ومجلس الوعظ كما في الأمصار ، فأما وجه ظاهر الرواية أن الأمصار موضع إعلام الدين نحو إقامة الجماعات وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام في إحداث البيع في الأمصار معنى المقابلة [ ص: 135 ] للمسلمين ، فأما القرى فليست بمواضع أعلام الدين فلا يمنعون من إحداث ذلك في القرى .

( قال : ) رضي الله عنه والقول الأول عندي أصح فإن المنع من ذلك في الأمصار لا يفتتن به بعض جهال المسلمين .

( ألا ترى ) أنهم إذا لم يظهروا لم يمنعوا من أن يضعوا من ذلك بينهم ما شاءوا ، وخوف الفتنة في إظهار ذلك في القرى أكثر فإن الجهل على أهل القرى أغلب وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { أهل القبور هم أهل الكفور } والدليل على أن المعنى ما قلنا قوله : صلى الله عليه وسلم { أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا ترائى ناراهما } وقوله : صلى الله عليه وسلم { : لا تستضيئوا بنار المشركين } .

ولو كان المستأجر مسلما فظهر منه فسق في الدار أو دعارة أو كان يجمع فيها على الشرب منعه رب الدار من ذلك كله لا لملكه الدار بل على سبيل النهي عن المنكر فإنه فرض على كل مسلم صاحب الدار وغيره فيه سواء ، وليس لرب الدار أن يخرجه من الدار من أجل ذلك مسلما كان أو ذميا ; لأن عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعذر والعذر ضرر يزول بفسخ الإجارة وهذا ليس من تلك الجملة فلا تفسخ الإجارة لأجله أرأيت لو كان باعه الدار كان يفسخ البيع ; لما ظهر منه لا سبيل له إلى ذلك ، فكذلك الإجارة ، وإذا سقط حائط من الدار فأراد المستأجر ترك الإجارة نظر من ذلك فإن كان لا يضر بالسكنى فليس له أن يخرج ; لأن المستحق بالعقد منفعة السكنى ولم يتغير بما حدث فهو كما لو استأجر عبدا للخدمة فاعور العبد ، وذلك لا ينقص من خدمته ، وإن كان يضر ذلك بالسكنى فله أن يخرج لتمكن الخلل في مقصوده والعيب الحادث في المعقود عليه للسكنى بمنزلة العبد المستأجر للخدمة إذا مرض وهذا ; لما تقدم أن بقبض الدار لا تدخل المنفعة في ضمان المستأجر فحدوث المغير بعد قبض الدار وقبله سواء إلا أن ينتبه صاحب الدار قبل فسخ المستأجر العقد فحينئذ لا يكون للمستأجر أن يفسخ لزوال العيب وارتفاع المغير كالعبد إذا برأ وإنما يكون له حق الفسخ بحضرة رب الدار فإن كان غائبا فليس له أن يفسخ لأن هذا بمنزلة الرد بالعيب فلا يكون إلا بمحضر من الآجر ; لما فيه من إلزام حكم الرد الآخر فيستوي في ذلك ما قبل القبض وما بعده كما في رد المبيع بالعيب .
ولو خرج في حال غيبة رب الدار فالأجر واجب عليه كما لو سكن ; لأن العقد وهو متمكن من استيفاء المنفعة مع التغير فلزمه الأجر ، وكذلك إن سكن مع حضرة رب الدار ; لأن التغير في وصف المعقود عليه فإذا رضي به لا يحط شيء من الأجر كالمشتري إذا رضي بالعيب .
وإن سقطت الدار كلها فله أن يخرج شاهدا كان صاحب الدار أو غائبا وفيه [ ص: 136 ] طريقان لمشايخنا رحمهم الله .

أحدهما أن العقد انفسخ بسقوط جميع البناء لفوات المعقود عليه وهو منفعة السكنى ; فإنه بالبناء كان مسكنا بخلاف الأول فهناك دخل المعقود عليه تغير .

( ألا ترى ) أن استئجار الحراب للسكنى لا يجوز ابتداء ، فكذلك لا يبقى العقد وإذا انفسخ العقد سقط الأجر سواء كان رب الدار شاهدا أو غائبا ; لأن اشتراط حضوره للفسخ قصدا لا للانفساخ حكما .

( وطريق ) آخر وهو الأصح أن العقد لا ينفسخ بالانهدام وقد نص عليه كتاب الصلح .

( قال : ) ولو صالح على سكنى دار فانهدمت الدار لا يبطل الصلح وروى هشام عن محمد قال استأجر بيتا فانهدم فبناه المؤاجر وأراد المستأجر أن يسكنه في بقية المدة فليس للمؤجر منعه من ذلك فهذا دليل على أن العقد لم ينفسخ ولأن أصل الموضع مسكن بعد انهدام البناء يتأتى فيه السكنى بنصب الفسطاط والخيمة فيبقى العقد لهذا ولكن لا أجر على المستأجر لانعدام تمكنه من الانتفاع على الوجه الذي قصده بالاستئجار فإن التمكن من الانتفاع شرط لوجوب الأجر .

( ألا ترى ) أنه لو منعه غاصب من السكنى لا يجب عليه الأجر ، فكذلك إذا انهدم البناء بخلاف ما إذا سقط حائط منها فالتمكن من الانتفاع هناك على الوجه الذي قصده بالعقد قائم فيلزمه الأجر ما لم يفسخ العقد بمحضر من رب الدار .

وإذا استأجر دارا سنة فلم يسلمها إليه حتى مضى الشهر وقد طلب التسليم أو لم يطلب ، ثم تحاكما لم يكن للمستأجر أن يمتنع من القبض في باقي السنة عندنا ولا للمؤاجر أن يمنعه من ذلك وقال الشافعي رحمه الله للمستأجر حق فسخ العقد فيما بقي وهو بناء على الأصل الذي بينا أن عنده المنافع في حكم الأعيان القائمة فإذا فات بعض ما تناوله العقد قبل القبض يجبر فيما بقي لاتحاد الصفقة فإنها إذا تفرقت عليه قبل القبض تخير فيما بقي لاتحاد الصفقة فإنها تفرقت عليه قبل التمام ، وذلك مثبت حق الفسخ كما لو اشترى شيئين فهلك أحدهما قبل القبض يوضحه أن الإنسان قد يستأجر دارا وحانوتا سنة ومقصوده من ذلك شهرا واحدا كالحاج بمكة في أيام الموسم فإذا منعه في المدة التي كانت مقصودة له لو قلنا يلزمه التسليم بعد ذلك تضرر به فلدفع الضرر أثبتنا له حق الفسخ ، وعندنا عقد الإجارة في حكم عقود متفرقة حتى يتجدد انعقادهما بحسب ما يحدث من المنفعة على ما بينا ، فلا يتمكن تفرق الصفقة مع تفرق العقود وفوات المعقود عليه في عقد لا يؤثر في عقد آخر بخلاف البيع يوضحه أنه لو استأجر دارين وقبضهما فانهدمت إحداهما لا يتخير في الآخر ، والمنافع بقبض الدار لم تدخل في ضمانه فقد تفرقت الصفقة عليه قبل التمام ; لأن تمام الصفقة [ ص: 137 ] بدخول المعقود عليه في ضمانه ومع ذلك لا يثبت له حق الفسخ ، فكذلك إذا كان الانهدام قبل القبض ، وإن سلمها إليه إلا بيتا كان مشغولا بمتاع المؤاجر رفع منه من الأجر بحساب ذلك ; لأن الأجر إنما يجب باستيفاء المنفعة ، فإنما يلزم بقدر ما استوفى ، وكذلك لو سلمها إليه كلها ، ثم انتزع منها بيتا ; لأنه زال تمكنه من استيفاء منفعة السكنى في البيت حين انتزع منه فكأنه لم يسلمه إليه في الابتداء .

( ألا ترى ) أنه لو انتزع الكل منه لم يجب عليه الأجر فالجزء معتبر بالكل ، ولو غصب الدار من المستأجر الأجنبي سقط عنه الأجر في مدة الغصب لزوال تمكن المستأجر من استيفاء المعقود عليه .

ويجوز استئجار الدار بالموصوف من المكيل والموزون شرط له أجلا أو لم يشترطه وهذا ; لأن الأجرة بمنزلة الثمن في البيع فإن الإجارة نوع بيع فما يصلح بدلا في البيع يصلح في الإجارة ، والمكيل والموزون يصلح بدلا في البيع موصوفا حالا كان أو مؤجلا والثياب لا تصلح موصوفة إلا مؤجلة والحيوان لا يصلح إلا أن يكون معينا ، فكذلك في الإجارة وهذا على الطريق الذي يقول : المنفعة مال ، وإن كان دون العين ظاهرا ; لأن الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عوضا عما هو مال وعلى الطريق الذي يقول : ليس بمال فالحيوان إنما يثبت في الذمة بدلا عما ليس بمال في العقود المبينة على التوسع في البدل ، وهو ما لم يشرع في الأصل لتحصيل المال ، فأما الإجارة مبينة على الاستقصاء في البدل مشروعة لتحصيل المال كالبيع والحيوان بغير عينه يكون مجهول مقدار المالية ; فلهذا لا يثبت في الإجارة .
وإن استأجر دارا بعبد بعينه فأعتقه رب الدار قبل أن يتقابضا لم يجز عتقه ; لما بينا أن الأجرة إذا كانت عينا لا تملك بنفس العقد وعتق الإنسان فيما لا يملك باطل ، فإن كان المستأجر دفع إليه العبد ولم يقبض الدار حتى أعتقه رب الدار فعتقه جائز ; لأن الأجرة تملك بالتعجيل فإن قبض الدار وتمت السكنى فلا شيء عليه ، وإن انفسخ العقد باستحقاق الدار أو موت أحدهما أو غرق الدار أو انعدم التمكن من الانتفاع بالهدم فعلى المعتق قيمة العبد ; لأن العقد لما انفسخ وجب عليه رد العبد ، وقد تعذر رد العبد لنفوذ العتق فيه فيلزمه قيمته وهذا ; لأن عتقه لا يبطل بما حدث ; لأن المستأجر سلط عليه وملكه إياه بالتسليم إليه حال قيام العقد فنفذ عتقه والعتق بعد ما نفذ لا يمكن نقضه ، ولو لم يقبض العبد حتى سكن الدار شهرا ، ثم أعتقا جميعا العبد وهو في يد المستأجر ، فإنه يجوز عتق رب الدار بقدر أجر الشهر ، ويجوز عتق المستأجر فيما بقي منه ; لأن رب الدار ملك منه حصة ما استوفى المستأجر من المنفعة فكان العبد مشتركا [ ص: 138 ] بينهما فإذا أعتقاه عتق ، وتنتقض الإجارة فيما بقي ; لأن جوازها باعتبار مالية العبد وقد فات بالعقد فهو كما لو مات العبد قبل التسليم إلا أن في الموت على المستأجر أجر مثل الدار بقدر ما سكن ; لأن العقد انتقض بهلاك المعقود عليه قبل التسليم فبقيت المنفعة في تلك المدة مستوفاة بعقد فاسد فعليه رد بدلها وهو أجر المثل ، وفيما أعتقاه لا يلزمه ذلك لأن رب الدار صار قابضا ; لما يخص المستوفي من المنفعة من العبد ، ولو استكمل السكنى ، ثم مات العبد قبل أن يدفعه إليه أو استحق كان عليه أجر مثلها ; لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد ، ولو كان المستأجر دفع العبد ولم يسكن الدار حتى أعتقه فعتقه باطل ; لأن العبد خرج من ملكه بالتسليم إلى رب الدار فإنما أعتق مالا يملكه .

ولو استأجر دارا سنة فسكنها ، ثم استحقت فالأجر للمؤاجر دون المستحق عندنا ; لأنه تبين أنه كان غاصبا وقد بينا في كتاب الغصب أن الغاصب إذا أجر المغصوب فالأجر له ; لأنه وجب بعقده وهو الذي ضمن تسليم المعقود وعليه أن يتصدق به لأنه حصل له بكسب خبيث ، وفي قياس قول أبي يوسف الأول لا يتصدق ; لأنه كان يقول : العقار يضمن بالغصب ، ومن مذهبه أن من استربح على ضمانه لا يلزمه التصدق به كما في المودع إذا تصرف في الوديعة ، ولو انهدمت من السكنى ضمن الساكن ; لأنه متلف والعقار يضمن بالإتلاف ويرجع به على المؤاجر ; لأنه مغرور من جهته بعقد معاوضة وقد كان ضمن سلامة المعقود عليه عن عيب الاستحقاق فإذا لم يسلم رجع كما يغرم بسببه .
ولو أجر داره من رجل فامي سنة بدراهم معلومة ، ثم استقرض رجل من رب الدار شهرين فأمر الفامي أن يعطيه ذلك فكان الرجل يشتري به من الفامي الدقيق والزيت وغيره حتى استوفى أجر الشهرين فهو جائز ; لأن رب الدار أقامه مقام نفسه وهو بنفسه لو عامل الفامي بذلك يجوز ، وليس للفامي على المستقرض شيء ; لأنه قائم مقام رب الدار فتسليمه إليه كتسليمه إلى رب ، الدار ولكنه قرض لرب الدار على المستقرض بمنزلة ما لو قبض بنفسه ، ثم أقرضه منه ، وكذلك لو أخذ دينارا فيما أخذ وقد بينا اختلافهم في المصارفة في الأجر مع رب البيت فكذلك مع من قام مقامه وهو المستقرض ، ولو كان للفامي على الرجل دينار أو أجر البيت عشرة دراهم في كل شهر فمضى شهران ، ثم أمر رب الدار الفامي أن يدفع أجر الشهرين إلى المستقرض وقاصه بالدينار الذي له عليه ، وأخذ بالفضل شيئا فهو جائز بمنزلة ما لو فعله رب البيت فإن أجر الشهرين قد وجب والمقاصة بالدينار بعد وجوبها تجوز بالتراضي وليس هذا [ ص: 139 ] تصرف فيما بين رب البيت والمستقرض ولكنه صرف فيما بين المستقرض والفامي حتى يرجع رب البيت على المستقرض بالدراهم بمنزلة ما لو كان اشترى به الفامي شيئا ولو كان رب البيت أقرض الدراهم على أن يرد عليه دينارا بعشرة دراهم لم يجز ; لأن القرض مضمون بالمثل وشرط شيء آخر مكانه باطل

وإن أحاله على هذا الوجه بالدراهم فقاصه بالدينار فإنما للمقرض على المستقرض عشرون درهما ; لأن ما جرى بينهما من الشرط كان صرفا بالنسيئة وهو باطل ، ولو كان أقرضه أجر الشهرين قبل أن يسكن شيئا وأمره أن يجعله وطابت نفس الفامي بذلك وأعطاه به دقيقا أو زيتا أو دينارا بعشرة دراهم منها ، ثم مات رب البيت قبل السكنى أو انهدم البيت أو استحق لم يرجع الفامي على المستقرض بشيء ; لما بينا أنه قائم مقام رب البيت فيما قبضه منه ولكنه يرجع على رب البيت بالدراهم ورب البيت على المستقرض بالدراهم ، وقال أبو يوسف رحمه الله أخيرا في حصة البيت هكذا ، فأما في حصة الدينار فإنه يرجع بالدينار بعينه على الذي كان عليه الأصل ; لأن المصارفة كانت قبل وجوب الأجر وقد بطلت بالافتراق قبل التقابض فيرجع عليه بالدينار كما كان في ذمته ، فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد وجب الأجر على الفامي بشرط التعجيل فإنه قال : وأمره أن يعجله قلنا : شرط التعجيل إنما يعتبر إذا كان مذكورا في العقد وقوله : وأمره أن يعجله على سبيل الالتماس لا على سبيل الشرط . ( ألا ترى ) أنه كان قال : وطابت نفس الفامي بذلك .
ولا يجوز استئجار السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة ويجوز استئجار السكنى بالخدمة والركوب عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز على كل حال اتفقت جنس المنفعة أو اختلفت بناء على أصله أن المنافع كالأعيان القائمة ، ومبادلة العين بالعين من جنسه أو من خلاف جنسه صحيح عند المساواة على كل حال وعند التفاوت في غير الأموال الربوية ، والمنافع ليست بمال الربا فيجوز مبادلة بعضها بالبعض ، وإن جاز الاعتياض عن كل واحد منهما بالدراهم جاز معاوضة على كل واحد منهما بالآخر كما إذا اختلف جنس المنفعة ، ولنا فيه طريقان .

( أحدهما ) منقول عن محمد رحمه الله قال : مبادلة السكنى بالسكنى كبيع القوهي بالقوهي نسأة ومعنى هذا أن المعقود عليه ما يحدث من المنفعة ، وذلك غير موجود في الحال فإذا اتحد الجنس كان هذا مبادلة الشيء بجنسه يحرم نسيئة وبالجنس يحرم النسأ عندنا بخلاف ما إذا اختلف الجنس ، فإن قيل النسأ ما يكون عن شرط في العقد والأجل هنا غير مشروط كيف والمنافع في حكم الأعيان دون الديون ; لأنها لو كانت في حكم الدين لم يجز مع اختلاف الجنس فالدين بالدين حرام ، وإن اختلف الجنس [ ص: 140 ] قلنا : لما كان المعقود عليه مما يحدث في المدة لا يتصور حدوثه جملة بل يكون شيئا فشيئا فهذا بمنزلة اشتراط الأجل أو أبلغ منه ، فإن المطالبة بالتسليم تتأخر بالأجل ، فكذلك المطالبة بتسليم جميع المعقود عليه لا تثبت في الحال بل تتأخر إلى حدوث المنفعة ، وهذا أبلغ من ذلك ; لأن بالأجل لا يتأخر انعقاد العقد وهنا يتأخر انعقاد العقد في حق المعقود عليه ولكن ليس بدين على الحقيقة ; لأن الدين ما يثبت في الذمة والمنافع لا تثبت في الذمة والمحرم الدين بالدين فلكون المنفعة ليست بدين جوزنا العقد عند اختلاف الجنس وللجنسية أفسدنا العقد عند اتفاق الجنس ، والطريق الآخر أن جواز عقد الإجارة للحاجة فإنما يجوز على وجه ترتفع به الحاجة وفي مبادلة المنفعة بجنسها لا يتحقق ذلك ; لأنه كان متمكنا من السكنى قبل العقد ولا يحصل له بالعقد إلا ما كان متمكنا منه باعتبار ملكه ، فأما عند اختلاف جنس المنفعة الحاجة متحققة وبالعقد يحصل له ما لم يكن حاصلا قبله فصاحب السكنى قد تكون حاجته إلى خدمة العبد أو ركوب الدابة ، ثم إن عند اتحاد الجنس إذا استوفى أحدهما المنفعة فعليه أجر المثل في ظاهر الرواية .

وذكر الكرخي عن أبي يوسف رحمهما الله أنه لا شيء عليه ; لأن تقوم المنفعة بالتسمية والمسمى بمقابلة المستوفى من المنفعة والمنفعة ليست بمال متقوم في نفسها ، وجه ظاهر الرواية أنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد فعليه أجر المثل كما لو استأجر دارا ولم يسم الأجر وسكنها وهذا ; لأن الفاسد من العقد معتبر بالجائز فكما أن المنفعة تتقوم بالعقد الجائز ، فكذلك بالعقد الفاسد .

وإذا أجر داره من رجل شهرا بثوب بعينه فسكنها لم يكن له أن يبيع الثوب من المستأجر ولا من غيره قبل القبض ; لأن الأجرة إذا كانت ثوبا بعينه فهو كالمبيع وبيع المبيع قبل القبض لا يجوز من البائع ولا من غيره قال .

( ألا ترى ) أنه لو هلك كان على المستأجر أجر مثلها وهذا إشارة إلى بقاء الغرر ، والمكيل في الملك المطلق للتصرف وكذلك كل شيء بعينه من العروض والحيوان أو الموزون وتبر الذهب والفضة ، وفي هذا إشارة إلى أن التبر يتعين بالتعيين وقد بينا اختلاف الروايات في كتاب الشركة ، وإن كان الأجر شيئا من المكيل والموزون بغير عينه موصوفا كان له أن يبيعه من المستأجر قبل أن يقبضه منه ; لأن المكيل والموزون يثبت في الذمة ثمنا والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز ، فكذلك بالأجر فإن ابتاع به منه شيئا بعينه جاز إن قبضه في المجلس أو لم يقبضه لأنهما افترقا عن عين بدين ، وإن ابتاع منه شيئا بغير عينه فلا يفارقه حتى يقبض منه فإن فارقه قبل أن يقبضه انتقض البيع ; لأنهما افترقا عن دين بدين وهو الحكم [ ص: 141 ] في ثمن البيع ، وليس له أن يبيعه من غيره فإن بيع الدين من غير من عليه الدين لا يجوز إلا على قول مالك رحمه الله وهو يقول : كما يجوز بيعه ممن عليه ، فكذلك من غيره ، ولكنا نقول إذا باعه منه يصير قابضا له بذمته وإذا باعه من غيره فهو لا يقدر على تسليمه ما لم يستوف ولا يدري متى يستوفي فإنما يبيع ما لا يقدر على تسليمه وقد شرط للتسليم أجلا مجهولا وهو إلى أن يخرج ، وذلك مبطل للبيع ولو استأجر بيتا بثوب فأجره بدراهم أكثر من قيمة الثوب طاب له الفضل لأن عند اختلاف الجنس لا يظهر الفضل إلا بالتقويم ، والعقد لا يوجب ذلك ، وكذلك كل ما اختلف الجنس فيه حتى لو استأجره بعشرة دراهم وأجره بدينارين طاب له الفضل أيضا ; لأنه لا يظهر الفضل بين الدنانير والدراهم إلا بالتقويم .

( ألا ترى ) أن مبادلة عشرة دراهم بدينارين تجوز في عقد واحد ولا يظهر بينهما الفضل الخالي عن المقابلة ففي عقدين أولى ، وإذا كان أجر الدار عشرة دراهم أو قفيز حنطة موصوفة وأشهد المؤاجر أنه قبض من المستأجر عشرة دراهم أو قفيز حنطة ، ثم ادعى أن الدراهم نبهرجة وأن الطعام معيب فالقول قوله ; لأنه منكر استيفاء حقه فإن ما في الذمة يعرف بالصفة ويختلف باختلاف الصفة ولا مناقضة في كلامه فاسم الدراهم يتناول النبهرجة واسم الحنطة يتناول المعيب ، وإن كان حين أشهد قال : قد قبضت من أجر الدار عشرة دراهم أو قفيز حنطة لم يصدق بعد ذلك على ادعاء العيب والزيف ، وكذلك لو قال : استوفيت أجر الدار ، ثم قال : وجدته زيوفا لم يصدق ببينة ولا غيرها ; لأنه قد سبق منه الإقرار بقبض الجياد فإن أجر الدار من الجياد فيكون هو مناقضا في قوله وجدته زيوفا والمناقض لا قول له ولا تقبل بينته ، ولو كان الأجر ثوبا بعينه فقبضه ، ثم جاء يرده بعيب فقال المستأجر ليس هذا ثوبي فالقول قول المستأجر ; لأنهما تصادقا على أنه قبض المعقود عليه ; فإنه كان شيئا بعينه ، ثم ادعى الآخر لنفسه حق الرد والمستأجر منكر لذلك فالقول قوله ، فإن أقام رب الدار البينة على العيب رده سواء كان العيب يسيرا أو فاحشا على قياس المبيع ، ثم ينفسخ العقد برده لفوات القبض المستحق بالعقد فيأخذ منه قيمة السكنى وهو أجر مثل الدار لأن العقد لما فسد لزمه رد المستوفى من السكنى ورد السكن برد أجر المثل ، وإن كان حدث به عيب لم يستطع رده رجع بحصة العيب من أجر مثل الدار ; لأن الرجوع بحصة العيب عند تعذر الرد يكون من البدل كما في البيع .

وإذا خرج المستأجر من الدار وفيها تراب ورماد من كناسة فعلى المستأجر إخراجه ; لأنه اجتمع بفعله وهو الذي شغل ملك الغير به فعليه تفريغه إذا خرج من [ ص: 142 ] الدار ولكن ما أشبه ذلك مما هو ظاهر على وجه الأرض ، فأما البالوعة وما أشبهها فليس على المستأجر تنظيفها استحسانا وفي القياس هذا كالأول ; لأنه اجتمع بفعل المستأجر وللاستحسان وجهان .

( أحدهما ) العرف فإن الناس لم يتعارفوا تكليف المستأجر تنظيف البالوعة إذا خرج من المنزل وقد بينا أن العرف معتبر في الإجارة .

( والثاني ) أن البالوعة مطوية فتحتاج للتنظيف وإلى الحفر ، وذلك تصرف من المستأجر فيما لا يملكه فلا يلزمه ذلك ، فأما ما كان ظاهرا فهو لا يحتاج في التفريغ إلى نقض بناء وحفر فعليه إخراج ذلك ، وإن اختلفا في التراب الظاهر فالقول قول المستأجر أنه استأجرها وهو فيها ; لأن رب الدار يدعي لنفسه حقا قبله وهو تفريغ ذلك الموضع ويدعي إحداث شغل ملكه والمستأجر منكر فالقول قوله ، فأما مسيل ماء الحمام ظاهرا كان أو مسقفا فعلى المستأجر كنسه إذا امتلأ هو المتعارف بين الناس ولأنه ظاهر على وجه الأرض وإنما يسقف لكي لا يتأذى الناس برائحته ولأنه لا يملأ ليترك بل ليفرغ إذا امتلأ وكان التفريغ على من ملأه بخلاف البالوعة فقضاء الحاجة في بئر البالوعة لا يكون لقصد النقل والتفريغ بل يترك ذلك عادة ; فلهذا لا يجب على المستأجر .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #323  
قديم 18-12-2025, 03:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 142الى صـــ 151
(323)






ولو اشترط رب الدار على المستأجر حين أجره إخراج ما أحدثه فيها من تراب أو سرجين كان جائزا ; لأن ذلك عليه بدون الشرط فالشرط لا يزيده إلا وكادة . .
وإذا استأجر فامي من رجل بيتا فباع فيه زمانا ، ثم خرج منه واختلفا فيما فيه من الأواني والرفوف والتحاتح التي قد بنى عليه البناء فقال المستأجر أنا أحدثتها وقال رب البيت كانت فيه حين أجرته فالقول قول المستأجر لأن الظاهر شاهد له فهو الذي يتخذ ذلك عادة لحاجته إليه فرب البيت مستغن عن ذلك ; فإنه يبني البيت ليؤاجره ممن يستأجر منه ، ثم كل عامل يتخذ فيه ما يكون من أداة عمله ، وعند المنازعة القول قول من يشهد له الظاهر ولأن هذه الأشياء موضوعة في البيت وفي الموضوع القول قول المستأجر كسائر الأمتعة وكذلك الطحان إذا خرج من البيت فأراد أن يأخذ من متاع الرحى وما تحتها من بنائها وخشبها التي فيها وأسطواناتها فذلك كله للطحان ; لأنه من أداء عمله ، وكذلك القصاب والقلاء والحداد وما أشبهه من الأوعية والأداة التي تكون للصانع ، ولو استأجر أرضا ليطبخ فيها الآجر والفخار ، ثم اختلفا في الأتون التي يطبخ فيها الآجر ففي القياس القول قول رب الأرض ; لأنه بناء كسائر الأبنية وفي البناء القول قول رب الأرض لأنه تبع لأرضه وفي الاستحسان القول قول المستأجر قال : لأني رأيت المستأجر هو الذي بنى وإنما يبنى الحكم على ما يعرف عند المنازعة [ ص: 143 ] ثم هذا البناء لحاجة المستأجر ليس لحاجة رب الأرض بخلاف سائر الأبنية .

( ألا ترى ) أن كل عامل من هذا الجنس يبني الأتون على الوجه الذي يتخذه أهل صنعته ، ولو اختلفا في بناء سوى ما ذكرنا أو في باب أو خشبة أدخلت السقف فالقول قول رب الدار أنه أجرها وهي كذلك ، وكذلك الآجر المفروش والغلق والميزاب فالظاهر أن رب الدار هو الذي يتخذ ذلك ; لأن الساكن به يتمكن من السكنى في الدار وعلى رب الدار تمكين المستأجر من الانتفاع فهو الذي يحدث ما به ليتم تمكنه من الانتفاع به ، وما كان في الدار من لبن موضوع أو آجر أو جص أو جذع أو باب موضوع فهو للمستأجر ; لأنه بمنزلة المتاع الموضوع غير مركب في البناء ولا هو تبع للأرض والبناء ، فإن أقاما البينة ففي كل شيء جعلنا القول فيه قول المستأجر فالبينة بينة رب الدار ; لأنها مثبتة لحقه .

ولو كان في الدار بئر ماء مطوية أو بالوعة محفورة فقال المستأجر أنا أحدثتها وأنا أقلعها فالقول قول رب الدار ; لأن هذا من توابع البناء ومما لا يتأتى بدونه السكنى ولأنه يحتاج في قلعها إلى نقض البناء والمستأجر لا يملك ذلك إلا بحجة وهي البينة ، وكذلك الخص والسترة والخشب المبني في بناء والدرج فالمراد من الدرج ما يكون مبنيا منه ، فأما ما يكون موضوعا فيه كالسلم فالقول قول المستأجر ; لأنه لا يحتاج في رفعه إلى قلع البناء وهو موضوع كالأمتعة .

( قال ) وكذلك التنور ، وكذلك الأتون التي يطبخ فيها الآجر أن القول قول المستأجر وفي التنور القول قول رب الدار ولا فرق بينهما إلا بالعرف ، ثم التنور من توابع البناء في الدار فيحتاج إليه كل ساكن ، فأما الأتون فإنما يحتاج إليه من يطبخ الآجر دون من يعمل في الأرض عملا آخر ، فالظاهر هناك أن المستأجر هو الذي بناه والظاهر هنا أن رب الدار هو الذي يبني التنور ، ولو كان في الدار كوارت نحل أو حمامات فذلك كله للمستأجر كالمتاع الموضوع ، ولو أقر رب الدار أن المستأجر خصصها أو فرشها بالآجر أو ركب فيها بابا أو غلقا كان للمستأجر أن يقلع من ذلك ما لا يضر قلعه بالدار ; لأنه عين ملكه ، فأما ما يضر بها فليس له أن يقلعه دفعا للضرر عن رب الدار .

( ألا ترى ) أن رب الدار لو فعل ذلك غصبا لم يكن لمالك ذلك العين أن يقلعه فإذا فعله المالك أولى ولكن قيمة ذلك على رب الدار يوم يختصمون ; لأن ذلك العين احتبس عنده فيغرم قيمته كما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ الغير فأراد صاحب الثوب أن يأخذه وإنما اعتبر قيمته عند الخصومة ; لأنه عند ذلك تملكه على صاحبه ، ولو انهدم بيت من الدار فاختلفا في نقضه فإن كان يعرف أنه من بيت انهدم فهو لرب الدار ; لأنهما لو اختلفا قبل الانهدام كان القول [ ص: 144 ] قول رب الدار فكذلك بعده ، وإن لم يعرف ذلك وقال المستأجر هو لي فالقول فيه قوله ; لأنه موضوع كسائر الأمتعة ولو كان رب الدار أمره بالبناء في الدار على أن يحبسه له من الأجر فاتفقا على البناء واختلفا في مقدار النفقة فالقول قول رب الدار والبينة بينة المستأجر ; لأن حاصل اختلافهما فيما صار المستأجر موفيا من الأجر فهو يدعي الزيادة فالبينة بينته ورب الدار ينكرها فالقول قوله ، وكذلك لو قال رب الدار لم تبن أو بنيت بغير إذني ; لأن المستأجر يدعي عليه الأمر وبه يصير موفيا الأجر عند البناء فالقول قول رب الدار لإنكاره ، ولو كان على باب منها مصراعان فسقط أحدهما وقال المستأجر هما لي أو قال : هذا الساقط لي ويعرف أنه أخو المغلق فالقول قول رب الدار ; لأن الظاهر شاهد له ، أما في المغلق غير مشكل

والساقط إذا كان أخ المغلق فهما كشيء واحد مضى في معنى الانتفاع حتى لا ينتفع بأحدهما دون الآخر ، والبينة بينة المستأجر ; لأنه هو المحتاج إلى إقامتها ، وكذلك لو كان فيها بيت مصور بجذوع مصورة فسقط جذع منها فكان في البيت مطروحا فقال رب الدار هو من سقف هذا البيت وقال المستأجر بل هو لي ويعرف أن تصاويره موافق لتصاوير البيت فالقول في ذلك قول رب الدار لشهادة الظاهر له ، وهو نظيره ما لو اختلفا الزوجان في متاع البيت فما يصلح للرجال يجعل القول قول الزوج وما يصلح للنساء فهو للمرأة لشهادة الظاهر لها ، ثم موافقة التصاوير وكون موضع ذلك الجذع من السقف ظاهرا دليل فوق اليد ، وإذا جعل القول قول ذي اليد لشهادة الظاهر له فهذا أولى ، وعمارة الدار وتطيينها وإصلاح الميزاب وما وهي من بنائها على رب الدار ; لأن به يتمكن المستأجر من سكنى الدار ، وكذلك كل سترة يضر تركها بالسكنى ; لأن المستأجر بمطلق العقد استحق المعقود عليه بصفة السلامة فإن أبى أن يفعل فللمستأجر أن يخرج منها لوجود العيب بالمعقود عليه إلا أن يكون استأجرها وهي كذلك وقد رآها فحينئذ هو راض بالعيب فلا يردها لأجله ، وإصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج على رب الدار ، وإن كان امتلأ من فعل المستأجر ; لما بينا أنه يحتاج في ذلك إلى هدم البناء ، ولكن لا يجبر رب الدار على ذلك ولا المستأجر ، وإن شاء المستأجر أن يصلح ذلك فعل ولا يحتسب له من الأجر ، وإن شاء خرج إذا أبى رب الدار أن يفعله ; لأن الإنسان لا يجبر على إصلاح ملكه ولكن العيب في عقود المعاوضات يثبت للعاقد حق الفسخ فيما يعتمد لزومه تمام الرضاء .

ولو استأجر من رجل نصف أرض غير مقصود أو نصف عبد أو نصف دابة فالعقد فاسد عند أبي حنيفة رحمه الله [ ص: 145 ] والشيوع فيما يحتمل القسمة وما لا يحتمل القسمة سواء عنده في إفساد الإجارة وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله جائز ويتهايآن فيه ، وحجتهم في ذلك أن هذا معاوضة مال بمال فتلزم في المشاع كالبيع وهذا ; لأن موجب الإجارة ملك المنفعة وللجزء الشائع منفعة .

( ألا ترى ) أنه لو أجر من شريكه يجوز العقد لهذا المعنى ولو أجر من رجلين تجوز العقود وكل واحد من المستأجرين يملك منفعة النصف شائعا والدليل عليه أنه لو أعار نصف داره من إنسان جاز ذلك وتأثير الشيوع في المنع من عقد التبرع أكثر منه في المنع من المعاوضة كما في الهبة مع البيع فإذا جاز تمليك منفعة نصف الدار بطريق التبرع فبطريق المعاوضة أولى وأبو حنيفة رحمه الله يقول : التزم بعقد المعاوضة تسليم ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز كما لو باع الآبق أو أجره وبيان ذلك أن عقد الإجارة يرد على المنفعة وتسليم المنفعة يكون باستيفاء المستأجر ولا يتحقق استيفاء المنفعة من النصف شائعا إنما يتحقق من جزء معين ; فإنهما إن تهايآ على المكان فإنما يسكن كل واحد منهما ناحية بعينها ، وإن تهايآ على الزمان فإنما يسكن كل واحد منهما جميع الدار في بعض المدة فعرفنا أن استيفاء المنفعة في الجزء الشائع لا يتحقق فكان بإضافة العقد إلى جزء شائع ملتزما تسليم ما لا يقدر على تسليمه ويحكى عن أبي طاهر الدباس رحمه الله أنه كان يقول إذا أجر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي يصح عند أبي حنيفة رحمه الله وإذا أجر المالك نصف أرضه لا يصح وكان يفرق فيقول : يحتاجان إلى المهايأة ، فإما أن يعود إلى يد الأجير جميع المستأجر في بعض المدة إذا تهايآ على الزمان أو بعض المستأجر في جميع المدة إذا تهايآ على المكان وعود المستأجر إلى يد الأجير يمنع استيفاء المنفعة بحكم الإجارة كما لو أعاره المستأجر من الأجير أو أجره منه فاستحقاق ذلك بسبب يقترن بالعقد يبطل الإجارة

فأما إذا أجر أحدهما نصيبه من أجنبي فالمهايأة تكون بين المستأجر والشريك فلا يعود المستأجر إلى يد الأجير وإنما يعود إلى يد أجنبي وذلك جائز في الإجارة كما لو أعاره المستأجر أو أجره من أجنبي والأصح أنه لا فرق بينهما عنده والعقد فاسد ; لما بينا ولأن استيفاء المعقود عليه لا يتأدى إلا بالمهايأة والمهايأة عقد آخر ليس من حقوق عقد الإجارة فبدونه لا تثبت القدرة على قبض المعقود عليه وذلك مانع من جواز العقد ، فإن استوفى المنفعة مع الفساد استوجب أجر المثل ; لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد وهذا ; لأن العجز عن التسليم يفسد العقد ولا يمنع انعقاده كما في بيع الآبق فإذا استوفى فقد تحقق الاستيفاء بعد انعقاد . [ ص: 146 ] العقد وهذا بخلاف البيع ; لأن التسليم هناك بالتخلية يتم ، وذلك في الجزء الشائع يتم ، فأما إذا أجره من شريكه فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز ذلك وجعله كالرهن في هذه الرواية ; لأن استيفاء المنفعة التي يتناولها العقد لا يتأتى إلا بغيرها وهو منفعة نصيبه ، وذلك مفسد لعقد الإجارة كمن استأجر أحد زوجي المقراض لمنفعة قرض الثياب لا يجوز ; لأن استيفاء المعقود عليه مما يتناوله العقد لا يمكن إلا بما لم يتناوله العقد

وفي ظاهر الرواية يجوز ; لأن استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي استحقه بالعقد يتأتى هنا ; فإنه يسكن جميع الدار فيصير مستوفيا منفعة نصيبه بملكه ومنفعة المستأجر بحكم الإجارة بخلاف ما إذا أجره من غير شريكه فهناك يتعذر الاستيفاء على الوجه الذي أوجبه العقد وهو نظير بيع الآبق ممن هو في يده يجوز بكون التسليم مقدورا عليه بيده ومن غير من في يده لا يجوز لعجزه عن التسليم وهذا بخلاف الرهن فبالشيوع هناك ينعدم المعقود عليه ; لأن المعقود عليه هو الحبس المستدام ولا تصور لذلك في الشائع وفي هذا الشريك والأجنبي سواء ، فأما هنا بالشيوع لا ينعدم المعقود عليه وهو المنفعة إنما ينعدم التسليم ، وذلك لا يوجد في حق الشريك وبه فارق الهبة أيضا فالشيوع فيما يحتمل القسمة يمنع تمام القبض الذي به يقع الملك ، والهبة من الشريك ومن غيره في ذلك سواء

وأما إذا أجر من رجلين فتسليم المعقود عليه كما أوجبه العقد مقدور عليه للمؤاجر ، ثم المهايأة بعد ذلك تكون بين المستأجرين بحكم ملكيهما وهو نظير الراهن من رجلين فهو جائز لوجود المعقود عليه باعتبار ما أوجبه الراهن لهما فإن مات أحد المستأجرين حتى بطل العقد في نصيبه فقد ذكر الطحطاوي عن خالد بن صبيح عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه يفسد العقد في النصف الآخر ; لأن الإجارة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنفعة فكان هذا في معنى شيوع يقترن بالعقد ، وفي ظاهر الرواية يبقى العقد في حق الآخر ; لأن تجدد الانعقاد في حق المعقود عليه ، فأما أصل العقد فمنعقد لازم في الحال وباعتبار هذا المعنى الشيوع طارئ والطارئ من الشيوع ليس نظير المقارن كما في الهبة إذا وهب له جميع الدار وسلمها ، ثم رجع في نصفها وهذا بخلاف الإعارة ; لأنه لا يتحقق بها استحقاق التسليم والمؤثر العجز عن التسليم فإنما يؤثر في العقد الذي يتعلق به استحقاق التسليم .

رجل تكارى دارا من رجل على أن جعل أجرها أن يكسوه ثلاثة أثواب فهذا فاسد ; لأن المسمى مجهول الجنس والصفة ، والثياب بمطلق التسمية لا تصلح عوضا في البيع فلا تصلح أجرة وعليه أجر مثلها فيما سكن لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد .
[ ص: 147 ] ولو تكارى منزلا كل شهر بدرهم فخلى بينه وبين المنزل ولم يفتح له الباب فجاء رأس الشهر وطلب الأجر فقال المستأجر لم يفتحه ولم أنزله ، فإن كان يقدر على فتحه فالكراء واجب عليه لتمكنه من استيفاء المعقود ; فإنه في الامتناع بعد التمكن قاصد إلى الإضرار بالأخير فيرد عليه قصده ، وإن كان لا يقدر على فتحه فلا أجر له عليه لأنه ما تمكن من الاستيفاء وعلى المؤاجر أن يمكنه من استيفاء المعقود فلا يستوجب الأجر بدونه إذا لم يستوف .
ولو تكارى منزلا في دار وفي الدار سكان فخلى بينه وبين المنزل فلما جاء رأس الشهر طلب الأجر فقال : ما سكنته حال بيني وبين المنزل فيه فلان الساكن ، والساكن مقر بذلك أو جاحد ; فإنه بحكم الحال فإنه كان المستأجر فيه في الحال فالأجر عليه وإذا كان الغاصب فيه فلا أجر عليه ، والقول فيه قوله ; لأن الاختلاف وقع بينهما فيما مضى والحال معلوم فيرد المجهول إلى المعلوم ويحكم فيه الحال كالمستأجر مع رب الرحا إذا اختلفا في انقطاع الماء في المدة بحكم الحال فيه ، وإن لم يكن في المنزل ساكن في الحال فالمستأجر ضامن الأجر لأنه متمكن من استيفاء المنفعة في الحال فذلك دليل على أنه كان متمكنا فيما مضى فيلزمه الأجر والمانع لا يثبت بمجرد قوله من غير حجة
ولو تكارى بيتا ولم يسم ما يعمل فيه فهو جائز ; لأن المعقود عليه معلوم بالعرف وهو السكنى في البيت ، وذلك لا يتفاوت فلا حاجة إلى تسمية ، وليس له أن يعمل فيه القصارة ونظائرها ; لأن ذلك يضر بالبناء وقد بينا أنه لا يستحقه بمطلق العقد فإن عملها فانهدم البيت فهو ضامن ; لما انهدم من عمله ; لأنه متلف متعد ولا أجر عليه فيما ضمن لأن الأجر والضمان لا يجتمعان ; فإنه يتملك المضمون بالضمان مستندا إلى وقت وجوب الضمان ، فلا يجب عليه الأجر فيما استوفى من منفعة ملك نفسه ، وإن سلم فعليه الأجر استحسانا وفي القياس لا أجر عليه ; لأنه غاصب فيما صنع ; ولهذا كان ضامنا ، ولا أجر على الغاصب في المنفعة وجه الاستحسان أنه استوفى المعقود عليه وزيادة وإنما كان ضامنا باعتبار تلك الزيادة فإذا سلم سقط اعتبار تلك الزيادة حكما فيلزمه الأجر باستيفاء المعقود عليه وإذا انهدم فقد وجب اعتبار تلك الزيادة لإيجاب الضمان عليه ; فلهذا لا يلزمه الأجر .
وإن قال المستأجر : استأجرته منك لأعمل فيه القصارة وقال رب البيت : أكريتك لغير ذلك فالقول قول رب البيت ; لأنه هو الموجب ولو أنكر الإيجاب والإذن أصلا كان القول قوله إذا أقر بشيء دون شيء ولأن المستأجر يدعي زيادة فيما استحقه بالعقد فعليه أن يثبت ذلك بالبينة ورب الدار منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإن سكنه وأسكن [ ص: 148 ] فيه معه غيره فانهدم من سكنى غيره لم يضمن لأنه غير متعد فيما صنع وكثرة الساكنين في الدار لا توهن البناء ولكنها تزيد في عمارة الدار .
وإذا طلب رب البيت أجر ما سكن فقال الساكن أسكنتنيه بغير أجر فالقول قوله والبينة بينة رب الدار لأنه يدعي الأجر في ذمة الساكن فعليه إثباته بالبينة ، والساكن منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه وهذا بخلاف العين إذا قال : بعته منك وقال الآخر وهبته لي وقد هلك في يده لأن العين متقوم في نفسه ولا تسقط قيمته إلا بالإيجاب بطريق التبرع ولم يوجد ، فأما المنفعة لا تتقوم إلا بشرط البدل ولم يثبت ذلك ، وإن قال الساكن الدار لي أو قال : هي دار فلان وكلني بالقيام عليها فالقول قول الساكن ; لأن اليد له والبينة بينة الطالب لأنه يثبت ملكه والساكن خصم له لظهورها في يده فلا تندفع الخصومة عنه بمجرد قوله هي دار فلان ولأن الطالب يدعي عليه فعلا وهو استيفاؤها منه بحكم الإجارة ، وإن قال الساكن وهبتها لي لم يصدق على الهبة ; لأنه أقر بالملك له وادعى تمليكها عليه ولا أجر عليه لأنه في حق الآخر منكر والبينة بينته إن أقامها ; لأنه يثبت سبب الملك لنفسه هنا وهو الهبة فإن أقر بأصل الكراء وادعى الهبة فدعواه باطل والكراء لازم لإقراره له بالسبب الموجب له إلا أن يقيم البينة على ما ادعى من الهبة .
رجل تكارى من رجلين منزلا بعشرة دراهم كل سنة فخرج الرجل منه وعمد أهله فأكروا من المنزل بيتا وأنزلوا إنسانا بغير أجر فانهدم المنزل الذي سكنوه فلا ضمان على الآخر ; لأن أكثر ما فيه أنه غاصب والعقار لا يضمن بالغصب ولا ضمان على المستأجر الثاني إلا أن ينهدم من عمله فحينئذ يكون متلفا وإذا انهدم من عمله وضمنه رجع به على الذي أجره ; لأنه صار مغرورا من جهته بعقد ضمان باشره .

رجل تكارى منزلا كل شهر بدرهم ، ثم طلق امرأته وذهب من المصر فلا كراء على المرأة ; لأنها لم تستأجر ولم تلتزم شيئا من الأجر والكراء على الزوج ; لتمكنه من الاستيفاء بمن أقامه مقام نفسه في السكنى في المنزل ولا تخرج من المنزل حتى يهل الهلال ; لأن العقد في الشهر الواحد لزم بهذا اللفظ فلا ينفرد أحدهما بالفسخ ، فإن تكارى على أن ينزله وحده لا ينزله غيره ، وتزوج امرأة أو امرأتين فله أن ينزلها معه وليس الشرط بشيء ; لأنه غير مفيد ، فكلما كان السكان في الدار أكثر كان ذلك أعمر لها .
وإن حفر المستأجر في الدار بئرا للماء أو الوضوء فعطب فيها إنسان أو دابة فإن حفر بإذن رب الدار فلا ضمان عليه ، وإن حفر بغير إذنه فهو ضامن ; لأن المسبب إنما يضمن إذا كان متعديا في السبب وهو في الحفر بغير إذنه متعد ، فأما في الحفر بإذنه لا يكون [ ص: 149 ] متعديا ولكن يجعل فعله كفعل رب الدار .
وإن تكارى دارا كل شهر بعشرة على أن يعمرها ويعطي أجر حارسها ونوابها فهذا فاسد ; لأن ما يعمر به الدار على رب الدار والثانية كذلك عليه فهي الجباية بمنزلة الخراج فهي مجهولة فقد شرط لنفسه شيئا مجهولا مع العشرة وضم المجهول إلى المعلوم يجعل الكل مجهولا ، فأما أجر الحارس فهو على الساكن ; لأنه هو المنتفع بعمله وإذا سكن الدار فعليه أجر مثلها بالغا ما بلغ ; لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد ورب الدار ما رضي بالمسمى حين ضم إليه شيئا آخر لنفسه ; فلهذا لزمه أجر المثل بالغا ما بلغ والإشهاد على المرتهن والمستأجر والمستعير في الحائط الواهي باطل ; لأن الإشهاد إنما يصح على من يتمكن من هدم الحائط ; فإنه يطالبه بتفريغ ما اشتغل من الهواء بالحائط المائل ، وهؤلاء لا يتمكنون من التفريغ بالهدم فلا تتوجه عليهم المطالبة .
رجل تكارى منزلا في دار وفي الدار سكان غيره فأدخل دابة في الدار وأوقفها على بابه فضربت إنسانا فمات ، أو هدمت حائطا ، أو دخل ضيف له على دابة فوطئ إنسانا من السكان فلا ضمان على الساكن ولا على الضيف ; لأنه غير متعد في إدخال الدابة وإيقافها في الدار ، فإن للساكن أن يربط دابته فيها إلا أن يكون هو على الدابة حين أوطأت إنسانا فحينئذ يضمن ; لأنه مباشر للإتلاف ، وإن تكاراها سنة وقبضها لم يكن لرب الدار أن يربط فيها دابته من غير رضى الساكن ; لأن الساكن فيما يرجع إلى الانتفاع كالمالك ، والمالك كالأجنبي فإن فعل فهو ضامن لما أصابت لكونه متعديا في التسبب ولو تكارى دارا يسكنها شهرا بخدمة عبد شهرا فإن كان العبد بغير عينه فالإجارة فاسدة لجهالة أحد العوضين ، وإن كان بعينه فالإجارة جائزة لاختلاف جنس المنفعة فإن مات العبد قبل أن يخدم وسكن الدار فعليه أجر مثل الدار ; لأن بموت العبد فات المعقود عليه من الخدمة قبل الاستيفاء فيفسد العقد في حق السكنى وبقيت السكنى مستوفاة بعقد فاسد وكان على المستوفي أجر المثل .
رجل تكارى دارا سنة بمائة درهم على أن لا يسكنها ولا ينزل فيها فالإجارة فاسدة ; لأنه نفى موجب العقد بالشرط ، ومثل هذا الشرط لا يلائم العقد فإن سكنها فعليه أجر مثلها ولا ينقص مما سمى ; لأن المستأجر التزم المسمى بدون أن يسكنها فالتزامه لها إذا سكن أظهر ، ورب الدار إنما رضي بالمسمى إذا لم يسكنها فعند السكنى لا يكون راضيا بها ; فلهذا أعطاه أجر مثلها بالغا ما بلغ فإن تكاراها على أن يسكنها فلم يسكنها ولكنه جعل فيها حيوانا وقال رب الدار ردها علي .

( قال : ) هذا يخربها فليس له ذلك حتى تنقضي المدة ; لأن ما فعل من السكنى .

( ألا ترى ) أنه لو سكنها كان له أن يجعل فيها من الحبوب مع [ ص: 150 ] نفسه ما يحتاج إليه فهذا مما صار مستحقا بعقد الإجارة فلا يمنعه رب الدار منه ولا يفسخ العقد لأجله ، وإذا أنزل المستأجر زوج ابنته معه في الدار فلما انقضت المدة طالبه بالأجر فليس له ولا لرب الدار أن يأخذ الزوج بشيء من ذلك ; لأن العقد لم يجر بينه وبين رب الدار ، والمستأجر أسكنه من غير أن يشرط عليه أجرا ولو أسكنه ملكه لم يطالبه بالأجر ، فكذلك إذا أسكنه دارا يكتريها فإن تكارى منزلا في دار فيها سكان فأمره صاحب المنزل أن يكنس البئر التي في الدار ففعل وطرح ترابها في الدار فعطب بذلك إنسان فلا ضمان عليه ; لأن فعله بأمر رب الدار كفعل رب الدار بنفسه وكذلك إن فعله بغير أمر رب الدار ; لأن هذا من توابع السكنى فإن الساكن مرتفق بالبئر ولا يتأتى له ذلك إلا بالكنس فلم يكن متعديا فيما صنع ; فلهذا لا يضمن ، إلا أن يخرج التراب إلى الطريق فحينئذ هو متعد في إلقاء التراب في الطريق فكان ضامنا .

رجل تكارى دارا سنة على أنه فيها بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز عندنا وفي أحد قول الشافعي رحمه الله لا يجوز بناء على الأصل الذي بينا أن جواز الإجارة بطريق أن المنافع جعلت كالأعيان القائمة وإنما يكون ذلك إذا اتصل ابتداء المدة بالعقد وباشتراط الخيار ينعدم ذلك ; لأن ابتداء المدة من حين سقط الخيار ، وإن جعل ابتداء المدة من وقت العقد فشرط الخيار فيه غير ممكن أيضا ; لأن الخيار مشروط للفسخ فلا بد من أن يتلف شيء من المعقود عليه في مدة الخيار ، وذلك مانع من الفسخ ، ثم شرط الخيار في البيع ثابت بالنص بخلاف القياس والإجارة ليست في معناه فلا يجوز شرط الخيار فيها ; ولهذا لم يجز شرط الخيار في النكاح ، فكذلك في الإجارة والجامع بينهما أنه عقد معاوضة يقصد به استيفاء المنفعة وحجتنا في ذلك أن هذا عقد معاوضة مال بمال فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع وتأثيره أنه لما كان المقصود المال وقد يقع نفيه قبل أن يروي المرء النظر فيه فهو محتاج إلى شرط الخيار فيه ; ليدفع الغبن عن نفسه والإجارة في هذا كالبيع .

( ألا ترى ) أنه في الرد بالعيب يجعل كالبيع ، فكذلك في الرد بخيار الشرط وأنه يحتمل الفسخ بالإقالة كالبيع ويعتمد لزومه تمام الرضا بخلاف النكاح ، ثم إن كان ابتداء المدة من وقت العقد فالمنفعة لا تدخل في ضمان المستأجر إلا بالاستيفاء وما يتلف قبل ذلك يتلف على ضمانه فلا يمنعه من الفسخ ، وإن اشتغل بالاستيفاء سقط خياره عندنا والحقيقة أن ابتداء المدة من حين يتم رضاه بالعقد ، وذلك عند اشتغاله باستيفاء المنفعة أو عند مضي مدة الخيار ، فإن سكنها في المدة فقد تم رضاه باشتغاله بالتصرف فيسقط خياره والله أعلم ، وإن كان شرط لنفسه الخيار [ ص: 151 ] ثلاثة أيام فإن رضيها أخذها بمائة درهم وإن لم يرضها أخذها بخمسين فالإجارة فاسدة ; لجهالة الأجرة ، وإن سكنها فعليه أجر مثلها ولا ضمان عليه فيما انهدم منها اعتبارا للعقد الفاسد بالجائز وإذا أجر الوصي دار اليتيم مدة طويلة جازت الإجارة ; لأنه قائم مقامه لو كان بالغا في كل عقد نظرا له إلا أن ينتقص من أجر مثلها ما لا يتغابن الناس فيه فلا يجوز اعتبارا للإجارة بالبيع وهذا ; لأنه مأمور بقربان ماله بالأحسن وبما يكون أصلح له قال الله تعالى { : قل إصلاح لهم خير } ويجوز لوكيل الكبير أن يؤاجرها بما قل وكثر في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمه الله إلا بما يتغابن الناس في مثله وهو نظير البيع في ذلك . .

رجل تزوج امرأة وهي في منزل بكراء فمكث معها سنة فيه ، ثم طلب صاحب المنزل الكراء ، وقد أخبرت المرأة الزوج أن المنزل معها بكراء أو لم تخبره فالإجارة على المرأة دون الرجل ; لأنها هي التي باشرت سبب وجوب الأجر وهو العقد فإن كان قال لها لك علي مع نفقتك أجر المنزل كذا ، وكذا وضمنه لرب المنزل فهو عليه ; لأنه يضمن دينا واجبا لرب المنزل ، وإن أشهد لها به ولم يضمنه لرب المنزل ، ثم لم يعطها فله ذلك ; لأن الأجر عليها لا لها فلا يكون هو ضامنا لها ذلك بل هذا بمنزلة الهبة منه فإن شاء أعطى ، وإن شاء لم يعط .
، وإذا تكارى دارا لم يرها فله الخيار إذا رآها ; لأن الإجارة كالبيع يعتمد تمام الرضا فكما لا يتم الرضا في البيع قبل الرؤية ، فكذلك في الإجارة ، ورؤية المعقود عليه وهو المنفعة لا تتأتى ولكن يصير ذلك معلوما برؤية الدار فإن منفعة السكنى تختلف باختلاف الدار في الضيق والسعة ; ولهذا لو كان رآها قبل ذلك فلا خيار له فيها إلا أن يكون انهدم منها شيء يضر بالسكنى فحينئذ يتخير للتغير وإذا استأجر دارا سنة كل شهر بمائة درهم لم يكن لواحد منهما أن يفسخ الإجارة قبل كمال السنة ; لأن الصفقة واحدة باتحاد العاقدين فبالتفصيل في ذكر البدل لا تتفرق الصفقة ولكن هذا التفصيل وجوده كعدمه فيكون العقد لازما في جميع السنة لا يفسخه أحدهما إلا بعذر ، وإن قال المستأجر استأجرتها شهرا فالقول قوله ; لأنه ينكر الإجارة فيما زاد على الشهر ولو أنكر أصل العقد كان القول قوله مع يمينه فكذلك إذا أنكر الزيادة والبينة بينة المؤاجر ; لأنها تثبت الزيادة ، وإن استأجرها شهرا بدرهم فسكنها شهرين فعليه كراء الشهر الأول ولا كراء عليه في الشهر الثاني ; لأنه غاصب في السكنى ، والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد وعند ابن أبي ليلى رحمه الله عليه أجر مثلها في الشهر الثاني وقد بينا نظيره في العارية فإن انهدمت من سكناه فقال : إنما انهدمت في [ ص: 152 ] الشهر الأول فالقول قوله لإنكاره وجوب الضمان والبينة بينة رب الدار ; لأنه يثبت السبب الموجب للضمان عليه ، وكذلك إن زاد على الشهر يوما أو يومين ; لأنه غاصب فيما زاد فيستوي فيه قليل المدة وكثيرها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #324  
قديم 18-12-2025, 04:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 152الى صـــ 161
(324)







وإذا أجر البيت من رجل وسلم إليه المفتاح فلما انقضت المدة قال المستأجر لم أقدر على فتحه ولم أسكنه فالقول قول صاحب البيت والبينة بينته أيضا ، أما جعل القول قوله لشهادة الظاهر له فالمفتاح ما اتخذ إلا لفتح الباب ، والظاهر أنه من وصل إليه المفتاح يتمكن من فتح الباب إما بنفسه أو بمن يعينه وأما ترجيح بينته ; فلأنه يثبت الأجر في ذمة المستأجر بإثباته السبب الموجب وهو التمكن من استيفاء المنفعة بعد العقد والمستأجر ينفي ذلك .
وإذا تكارى دارا شهرا فأقام معه صاحب الدار فيها إلى آخر الشهر فقال المستأجر لا أعطيك الأجر لأنك لم تحل بيني وبين الدار ( قال : ) عليه من الأجر بحساب ما كان في يده ; لأنه استوفى بعض المعقود عليه وهو منفعة المنزل الذي في يده فليلزمه الأجر بقدره اعتبارا للجزء بالكل .
رجلان استأجرا حانوتا يعملان فيه بأنفسهما فعمد أحدهما فاستأجر خفيرا فأقعده في الحانوت وأبى الآخر أن يدعه .

( قال : ) له أن يقعد في نصيبه من شاء ما لم يدخل على شريكه في نصفه ضررا بينا ; لأن لكل واحد منهما ملك منفعة النصف فله أن يتصرف فيما يملكه كيف شاء إلا أنه إذا أدخل ضررا على شريكه فحينئذ يمنع من ذلك ; لأن تصرفه متعد إلى نصيب شريكه وفيه ضرر عليه ، وكذلك إن كان أحدهما أكثر متاعا من الآخر ، وإن أراد أحدهما أن يبني وسط الحانوت حائطا لم يكن له ذلك لأن البناء تصرف في العين فإن ما يملك مالك الرقبة وهما يملكان المنفعة دون الرقبة ، فإن تكارى بيتا ودكانا على بابه كل شهر بدرهم والدكان في طريق المسلمين فحيل بينه وبين أن يترفق بالدكان فالكراء جائز في الدار ويرفع عنه بحساب الدكان لأنه أضاف العقد فيهما إلى محله وهو عين منتفع به .

( ألا ترى ) أنه لو لم يتعرض له إنسان حتى استوفى منفعتهما سنة كان عليه الأجر كاملا فأحيل بينه وبين الترفق بالدكان فيرفع عنه بحسابه من الأجر كما كانا بيتين فغصب أحدهما غاصب .
رجلان استأجرا منزلا واشترطا فيما بينهما أن ينزل أحدهما في أقصاه والآخر في مقدمه ولم يشترطا ذلك في أصل الإجارة فالإجارة جائرة ولصاحب الأقصى أن ينزل في مقدمه مع صاحبه ; لأن المواضعة التي بينهما بعدما ملك المنفعة بالإجارة بمنزلة المهايأة والمهايأة لا تكون واجبة فلا يكون أحدهما أحق بالانتفاع بالمقدم من الآخر وإذا تكارى دارا لينزلها بنفسه وأهله فلم ينزلها ولكن أنزل فيها دواب وبقرا [ ص: 153 ] فانهدمت من عملهم فلا ضمان عليه لأن هذا ليس بخلاف منه فإن ما فعل من توابع السكنى وعليه الأجر وقيل هذا إذا كان منزلا تدخل الدواب مثل ذلك المنزل عادة ، فإن كان بخلاف ذلك فهو غاصب ضامن ; لما ينهدم بعمله وإذا مات أحد المكاريين انتقضت الإجارة عندنا وقال الشافعي : لا تنتقض بموتهما ولا بموت أحدهما إلا في خصلة واحدة وهي إذا شرط على الخياط أنه يخيط بنفسه فمات الخياط بناء على أصله أن المنافع جعلت كالأعيان القائمة ، ثم العقد على العين لا يبطل بموت أحد المتعاقدين فكذلك العقد على المنفعة وهذا ; لأنه لما جعل كالعين فقد تم الاستحقاق في الكل فبموت الأجير لا يتغير ذلك ; لأن وارثه يخلفه فيما كان مستحقا له وقاس بالأرض المستأجرة إذا زرعها المستأجر ثم مات فإن الإجارة لا تنتقض بالإنفاق بل يخلفه وارثه في تربية الزرع فيها إلى وقت الإدراك ولأن هذا عقد معاوضة يقصد به استيفاء المنفعة فلا يبطل بموت العاقد إلا أن يتضمن هذا المعقود عليه كالنكاح فإن زوج أمته ، ثم مات المولى لا يبطل العقد وبموت أحد الزوجين يرتفع العقد لتضمنه فوات المعقود عليه ; ولهذا تبطل الإجارة بموت الخياط إذا شرط عليه العمل بيده لفوات المعقود عليه وتبطل الكتابة بموت المكاتب عنده لفوات المعقود عليه ولا تبطل بموت المولى بالاتفاق ولنا طريقان .

( أحدهما ) في موت الأجير فنقول المستحق بالعقد المنافع التي تحدث على ملك الأجير وقد فات ذلك بموته فتبطل الإجارة لفوات المعقود عليه وبيان ذلك أن رقبة الدار تنتقل إلى الوارث والمنفعة تحدث على ملك صاحب الرقبة .

( ألا ترى ) أنه لو باع الدار برضاء المستأجر بطلت الإجارة لانتقال الملك فيها إلى غيره توضيحه أنه فيما يحدث فيها من المنفعة بعد الموت هو مضيف للعقد إلى الغير وليس له ولاية إلزام العقد في ملك الغير وهذا ; لأن الإجارة تتجدد في ملك المعقود عليه بحسب ما يحدث من المنفعة فإن .

( قيل ) فعلى هذا ينبغي أن تعمل الإجارة فيها من المورث .

( قلنا ) إنما لا تعمل إجارته لأنه لم يتوقف على حقه عند العقد فما كان يعلم عند ذلك أن العقد مضاف إلى محل حقه وهذا بخلاف النكاح ; لأن ملك النكاح في حكم ملك العين فلا يثبت للوارث بملك رقبة الأمة حق فيما هو حق الزوج كما لو باعها المولى لا يبطل النكاح والطريق الآخر في موت المستأجر وهو أنه لو بقي العقد بعد موته إنما يبقى على أن يخلفه الوارث والمنفعة المجردة لا تورث .

( ألا ترى ) أن المستعير إذا مات لا يخلفه وارثه في المنفعة وقد بينا أن [ ص: 154 ] المستعير مالك للمنفعة وفي حكم التوريث لا فرق بين الملك ببدل وبغير بدل كالعين ; ولهذا لو مات الموصى له بالخدمة تبطل الوصية ; لأن المنفعة لا تورث والدليل عليه لو أوصى برقبة عبده لإنسان وبخدمته لآخر فرد الموصى له بالخدمة الوصية كانت الخدمة لصاحب الرقبة دون ورثة الموصي لأن المنفعة المجردة لا تورث وهذا لأن الوراثة خلافة فلا يتصور ذلك إلا فيما يبقى ليكون ملك المورث في الوقت الأول ويخلفه الوارث فيه في الوقت الثاني والمنفعة الموجودة في حياة المستأجر لا تبقى والتي لا تحدث لا تبقى لتورث والتي تحدث بعد موته لم تكن مملوكة له ليخلفه الوارث فيها فالملك لا يسبق الوجود ، وإذا ثبت انتفاء الإرث تعين بطلان العقد فيه كعقد النكاح يرتفع بموت الزوج ; لأن وارثه لا يخلفه فيه وفصل الأرض المزروعة ، والسفينة إذا كانت في لجة البحر فمات صاحب السفينة في القياس تبطل الإجارة فيهما ولكن في الاستحسان لا تبطل للحاجة إلى دفع الضرر فإن مثل هذه الحاجة لا تعتبر لإثبات عقد الإجارة ابتداء حتى لو مضت والزرع بقل بعقد بينهما عقدت الإجارة إلى وقت الإدراك لدفع الضرر فلأن يجوز إبقاء العقد لدفع هذا الضرر أولى والمستحسن من القياس لا يورد نقضا على القياس إذا عرفنا هذا فنقول رجلان أجرا دارا ، ثم مات أحدهما فالعقد ينتقض في حصته فإن رضي الوارث وهو كبير أن تكون حصته على الإجارة ورضي به المستأجر فهو جائز ; لأن هذا عقد بينهما في حصته بالتراضي ، وذلك جائز ، وإن كان مشاعا ; لأنه يؤاجر من شريكه ففي نصيب الحي منهما العقد باق ; لما بينا أن الشيوع الطارئ لا يرفع الإجارة إلا زفر رحمه الله ; فإنه سوى بين الشيوع الطارئ والمقارن فقال بموت : أحدهما تبطل الإجارة فيهما ، وكذلك لو مات أحد المستأجرين فبطلان العقد في نصيب الآخر بيننا وبين زفر رحمه الله على الخلاف وقد بينا رواية فيه عن أبي حنيفة رحمه الله كقول زفر رحمه الله .

فإن تكارى دارا سنة على أن يجعل له الأجر فسكن الدار شهرا فقال رب المنزل عجل لي الأجر كما شرطت عليك فأبى أن يعطيه فأراد أن يخرجه قبل السنة .

( قال : ) يأخذه بالأجر حتى يعجله وليس له أن يخرجه حتى تمضي السنة ; لأن العقد لازم كالبيع والمشتري إذا امتنع من إيفاء الثمن فالبائع يطالبه به ولا يتمكن من فسخ البيع لأجله ، فكذلك في الإجارة بعد شرط التعجيل يطالبه بالأجرة ولا يتمكن من فسخ الإجارة لأجله ، وإذا بنى المستأجر في الدار تنورا يخبز فيه بإذن رب الدار أو بغير إذنه فاحترق بيت بعض الجيران من تنوره أو بعض بيوت الدار فلا ضمان عليه ; لأنه غير متعد في هذا التسبب فإن [ ص: 155 ] اتخاذ التنور من توابع السكنى وللساكن أن يضعه في موضعه بغير إذن رب الدار ففعله في ذلك كفعل رب الدار .

فإن تكارى منزلا شهرا بدرهم فسكنه أياما ، ثم خرج وتركه ولم يخبر رب المنزل حتى مضى الشهر فإن خرج بعذر فعليه أجر بحساب ما سكن ، وإن خرج من غير عذر فعليه أجر الشهر كله ; لأن بخروجه بغير عذر لا تنفسخ الإجارة فبقي تمكنه من استيفاء المنفعة مع قيام العقد ، وإن خرج بعذر فقد انفسخت الإجارة فلا أجر عليه إلا لما مضى وهذا على رواية هذا الكتاب أن عند العذر ينفرد أحدهما بالفسخ من غير قضاء القاضي ; لأن هذا في المعنى امتناع من التزام على ما بينا أن عقد الإجارة في حكم المتجدد في كل ساعة ، فأما على رواية الزيادات لا ينفسخ إلا بقضاء القاضي بمنزلة الرد بالعيب بعد القبض فعلى تلك الرواية عليه الأجر إذا خرج ما لم يقض القاضي بالفسخ إلا أن يساعده رب الدار على ذلك بأن يسكن الدار بنفسه .
رجل وكل رجلا أن يؤاجر منزله فأجره من ابن الموكل ، أو أبيه ، أو عبده ، أو مكاتبه فلما مضت الإجارة وطالبهم الوكيل بالأجر أبوا أن يعطوه فالأجر واجب عليهم إلا عند الموكل ; فإنه لا أجر عليه ; لأن عقد الوكيل مع هؤلاء كعقد الموكل بنفسه وهو يستوجب الأجر لو عقد معهم بنفسه إلا في عبده خاصة فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا ، فكذلك إذا عقد وكيله ، وإن كان المولى هو المستأجر ورب الدار عبده فلا أجر عليه أيضا إذا لم يكن على العبد دين لأن كسبه لمولاه ، وإن كان عليه دين فعلى المولى الأجر ; لأن كسبه الآن لغرمائه ، وحقهم فيه مقدم على حق المولى فالمولى فيه كأجنبي آخر ما لم يسقط الدين ، وإن كان المستأجر ابن الوكيل أو أباه ففي قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز الإجارة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الإجارة جائزة والوكيل يطالب بالأجر وهذا نظير الوكيل بالبيع يبيع ممن لا تجوز شهادته له وقد بيناه في البيوع ، وإن أجره الوكيل من أجنبي إجارة فاسدة فلا ضمان عليه لأن الوكيل يضمن بالخلاف لا بفساد العقد فليس كل واحد كأبي حنيفة رحمه الله يعرف الأسباب المفسدة للعقد وعلى المستأجر أجر مثل الدار ; لأن الوكيل فيما باشره قائم مقام الموكل فكأن الموكل باشر العقد الفاسد بنفسه والوكيل هو الذي يستوفي ; لأنه وجب بعقده . .

رجل دفع داره إلى رجل يسكنها ويرمها ولا أجر لها فأجرها من رجل فانهدمت الدار من سكنى الآجر ( قال : ) يضمن رب الدار المستأجر ويرجع المستأجر بذلك على الذي آجره ; لأن رب الدار أعارها من المدفوع إليه وليس للمستعير أن يؤاجر فكان [ ص: 156 ] المستأجر غاصبا لها ضامنا ; لما انهدمت من سكناه ويرجع به على الذي آجره لأنه مغرور من جهته بمباشرة عقد الضمان ولا يكون لرب الدار أن يضمن المؤاجر إلا في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد رحمهما الله بناء على غصب العقار .
رجل وكل رجلا بأن يؤاجر منزلا له فوهبه الوكيل لرجل أو أعاره إياه فسكنه سنين ، ثم جاء صاحبه فلا أجر له على الوكيل ولا على الساكن ; لأن كل واحد منهما غاصب فالوكيل في الهبة والإعارة مخالف ولكن المنفعة لا تتقوم على الغاصب من غير عقد .

رجل استأجر منزلا والمنزل مقفل فقال له رب المنزل خذ المفتاح وافتحه واسكنه ففتح الرجل المنزل وأعطى أجر الحداد لفتح القفل نصف درهم فليس له أن يرجع بما أعطى الحداد على رب المنزل ; لأنه هو الذي التزمه بعقد الإجارة ولم يكن فيه مأمورا من جهة رب المنزل ، وإن انكسر القفل من معالجة الحداد فالحداد ضامن لقيمته ; لأنه بمنزلة الأجير المشترك فيكون ضامنا ; لما جنت يده ولا يضمن المستأجر القفل إذا عالجه بما يعالج مثله ; لأن صاحب القفل قد أذن له في فتحه وليس له عوض بمقابلة عمله في فتح القفل ، وكذلك إن عالجه الحداد علاجا خفيفا فانكسر يريد به إذا كان يعلم أن الانكسار لم يكن بفعله وهذا ; لأن الأجير المشترك لا يضمن بما يتلف لا بعمله والله أعلم .
باب إجارة الحمامات . ( قال : رحمه الله ذكر عن عمارة بن عقبة قال : قدمت إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وسألني عن مالي فأخبرته أن لي غلمانا حجامين لهم غلة وحماما له غلة فكره لي غلة الحجامين وغلة الحمام وقد تقدم الكلام في كسب الحجام ، فأما غلة الحمام فقد كرهه بعض العلماء رحمهم الله أخذا بظاهر الحديث ) قالوا الحمام بيت الشيطان فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم { شر بيت ، تكشف فيه العورات ، وتصب فيه الغسالات والنجاسات } ، ومنهم من فصل بين حمام الرجال وحمام النساء فقالوا : يكره اتخاذ حمام النساء لأنهن منعن من الخروج وأمرن بالقرار في البيوت ، واجتماعهن قلما يخلو عن فتنة وقد روي أن نساء دخلن على عائشة رضي الله عنها فقالت : أنتن من اللاتي يدخلن الحمام وأمرت بإخراجهن ، والصحيح عندنا أنه لا بأس باتخاذ الحمام للرجال والنساء جميعا للحاجة إلى ذلك خصوصا في ديارنا والحاجة في حق النساء أظهر لأن المرأة تحتاج إلى الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة ولا تتمكن من ذلك إلا في الأنهار [ ص: 157 ] والحياض كما يتمكن منه الرجل ولأن المطلوب به معنى الزينة بإزالة الدرن وحاجة النساء فيما يرجع إلى الزينة أكثر وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { دخل حمام الجحفة } وتأويل ما روي من كراهة الدخول إذا كان مكشوف العورة ، فأما بعد الستر فلا بأس بدخول الحمام ولا كراهة في غلة الحمام كما لا كراهة في غلة الدور والحوانيت .
وإذا استأجر الرجل حماما مدة معلومة بأجر معلوم فهو جائز ; لأنه عين منتفع به على وجه مباح شرعا فإن كان حماما للرجال وحماما للنساء وقد جددهما جميعا فسمي في كتاب الإجارة حماما فهو فاسد في القياس ; لأنه إنما استأجر حماما واحدا فإن النكرة في موضع الإثبات تخص ولا يدري أيهما استأجر وهما يتفاوتان في المقصود فتتمكن المنازعة بسبب هذه الجهالة ، ولكني أدعي القياس وأجيز له الحمامين جميعا لعرف اللسان ; فإنه يقال : حمام فلان وهما حمامان والمعروف بالعرف كالمشروط بالنص وعمارة الحمام في صاروجه وحوضه ومسيل مائه وإصلاح قدره على رب الحمام ; لأن المنفعة المقصودة بالحمام لا تتم إلا بهذه الأشياء وعلى المؤاجر أن يمكن المستأجر من الانتفاع بما أجره على الوجه الذي هو مقصوده ولأن المرجع في هذا إلى العرف وفي العرف صاحب الحمام هو الذي يحصل هذه الأعمال فإن اشترط المرمة على المستأجر فسدت الإجارة ; لأن المرمة على الآخر فهذا شرط مخالف لمقتضى العقد ، ثم المشروط على المستأجر من ذلك أجره وهو مجهول المقدار والجنس والصفة وجهالة الأجرة تفسد الإجارة

ولو اشترط عليه رب الحمام عشرة دراهم في كل شهر لمرمته مع الأجرة وأذن له أن ينفقها عليه فهو جائز ; لأنه معلوم المقدار ، وقد جعله نائبا عن نفسه في إنفاقه على ملكه فبهذا يستدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على أبي حنيفة رحمه الله في مسألة كتاب البيوع إذا قال لمدينه أسلم مالي عليك فإن هناك لم يبين له من يشتري منه ما يرم به الحمام ومن يستأجره لذلك ومع هذا جوز التوكيل ، وكذلك ذكر بعد هذا في إجارة الدواب لو أمره بإنفاق بعض الأجرة على الدابة على علفها جاز ذلك وهما سواء حتى زعم بعض مشايخنا رحمهم الله أن الجواب قولهما وفي القياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز ذلك والأصح أنه قول الكل .

وإنما استحسن هنا أبو حنيفة رحمه الله للتيسير فالمستأجر للحمام يلحقه الحرج باستطلاع رأي صاحب الحمام عند كل مرة والمستأجر للدابة كذلك ، ثم قد عين له المحل الذي أمره بصرف الدين إليه فنزل ذلك منزلة تعيين من يعامله كما لو أمر المدين بأن ينفق على عياله من الدين الذي له عليه بخلاف [ ص: 158 ] مسألة السلم فإن قال المستأجر قد أنفقتها عليه لم يصدق إلا ببينته لأن الأجر دين في ذمته ، والمدين إذا ادعى قضاء الدين لا يقبل ذلك منه إلا بحجة ويستحلف رب الحمام على عمله ; لأنه لو أقر به لزمه فإذا أنكر يستحلف لرجاء نكوله ، ولكن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ، وكذلك لو اشترط عليه أنه أمين في هذه النفقة وأن القول قوله فيها لم يكن القول قوله ; لأن المدين ضامن ما في ذمته واشتراط كون الضامن أمينا مخالف لحكم الشرع فكان باطلا ، ولو جعلا بينهما رجلا يقبضها ونفقتها على الحمام فقال المستأجر : دفعتها إليه وكذبه رب الحمام فإن أقر العدل بقبضها برئ المستأجر ; لأنه وكيل رب الحمام في القبض فيصح منه الإقرار بالقبض ويجعل كإقرار الموكل بذلك فإن رب الحمام حين سلطه على القبض فقد سلطه على الإخبار به ، ثم العدل أمين فيما يصل إليه فيكون القول قوله فيما يدعي من ضياع أو نفقة مع يمينه كالمودع ، وإن كان العدل كفيلا بالأجر كان مثل المستأجر غير مؤتمن ولا يصدق ; لأن الكفيل ضامن ; لما التزمه في ذمته كالأصيل وليس لرب الحمام أن يمنعه بئر الماء ومسيل ماء الحمام أو موضع سرقينه ، وإن لم يشترط ; لأن هذا من مرافقه ومجامعه ، ولا يتم الانتفاع إلا به فكان بيعا والبيع يصير مذكورا بذكر الأصل فهو بمنزلة مدخل الحمام وفنائه يدخل في العقد من غير شرط ولو اختلفا في قدر الحمام فهي لرب الحمام ; لأنها مركبة في بنائه ; ولأن الظاهر فيها يشهد لرب الحمام فإن اتخاذ القدر وإصلاحه عليه .

ولو أراد رب الحمام أن يقعد مع المستأجر أمينا يقبض عليه يوما بيوم لم يكن له ذلك ; لأن المستأجر صار أحق بالانتفاع بتلك النفقة فليس لأحد أن يقعد معه في ذلك الموضع بغير إذنه ; لأنه ليس لرب الحمام من غلة الحمام شيء إنما له أجر مسمى في ذمة المستأجر ، فأما في الغلة فهو وأجنبي آخر سواء .
ولو انقضت مدة الإجارة وفي الحمام سرقين كثير وادعاه كل واحد منهما فهو للمستأجر ; لأنه منقول كسائر الأمتعة ولأن الظاهر فيه يشهد للمستأجر ; لأن ذلك عليه دون رب الحمام ويؤمر بنقله لأن موضعه مملوك لرب الحمام ولم يبق للمستأجر فيه حق فعليه أن يفرغ ملك الغير عن متاعه ، وكذلك في الرماد إذا كان منتفعا به فقال كل واحد منهما هو لي وأنا أنتفع به فالقول قول المستأجر فإن أنكر المستأجر أن يكون الرماد من عمله فالقول قوله ; لأن رب الحمام يدعي لنفسه قبله حقا وهو نقل ذلك الرماد ويفرغ ذلك الموضع منه فعليه أن يبينه بالبينة والقول قول المستأجر مع يمينه ولو اشترط عليه في الإجارة نقل الرماد والسرقين والغسالة لم يفسد ذلك الإجارة [ ص: 159 ] لأن ذلك مستحق عليه بمطلق العقد سواء كان مسيل الماء ظاهرا أو مسقفا بخلاف البالوعة والكرباس وقد بينا الفرق وإذا كان عليه بدون الشرط فلا يزيد بالشرط إلا وكادة ، وإن اشترط شيئا من ذلك على رب الحمام في الإجارة فسدت الإجارة ; لأنه شرط مفيد لأحد المتعاقدين ولا ينقضه العقد ، وذلك مفسد للبيع ، فكذلك الإجارة .
ولو قال رب الحمام للمستأجر قد تركت لك أجر شهرين لمرمة الحمام فهذا لا يفسد الإجارة لأنه وكله بأن ينفق ذلك القدر من دينه على حمامه فإن قال : قد أنفقتها لم يصدق إلا ببينة وهو نظير ما بينا من العشرة في كل شهر .
وإذا استأجر حمامين شهورا مسماة كل شهر بكذا فانهدم أحدهما قبل قبضهما فله أن يترك الباقي ، وإن انهدم بعد قبضهما فالباقي له لازم بحصته من الأجر ; لأن تمام الصفقة بقبض الحمام على ما بينا أن العين المنتفع بها تقام مقام المنفعة في إضافة العقد إليه ، فكذلك في إتمام الصفقة في قبضه وتفريق الصفقة قبل التمام يثبت الخيار للعاقد وبعد التمام لا يثبت كما لو اشترى عبدين فهلك أحدهما قبل القبض أو استحق كان له الخيار في الباقي بخلاف ما بعد القبض ، ولو استأجر بيتين فانهدم أحدهما بعد القبض فلا خيار له في الباقي بخلاف ما قبل القبض .

ولو شرط عليه رب الحمام كل شهر عشرة طلاءات فالإجارة فاسدة ; لأن النورة التي اشترط مجهولة لا يعرف مقدارها ولا مقدار ثمنها في كل وقت ، وضم المجهول إلى المعلوم يوجب جهالة الكل .
ولو استأجر حماما وعبدا وقبضهما فمات العبد لزمه الحمام بحصته ; لأن المقصود هو الانتفاع بالحمام وبموت العبد لا يتمكن فيه نقصان وقد بينا أن تفرق الصفقة بعد التمام لا يثبت للعاقد حق الفسخ ، وإن انهدم الحمام وإنما استأجر العبد ليقوم على الحمام في عمله فله أن يترك العبد إن شاء ; لأن استئجار العبد لم يكن مقصودا لعينه وإنما كان لعمل الحمام وقد تعذر بانهدام الحمام فيكون ذلك عذرا له في فسخ الإجارة في العبد كما استأجر الرحا مع الثور ليطحن به فانهدم الرحا ; فإنه يكون له الخيار في الثور ; لما قلنا بخلاف ما إذا استأجر حمامين فانهدم أحدهما بعد القبض ; لأن الانتفاع بكل واحد منهما مقصود ، ومنفعة أحدهما بعد القبض لأن الانتفاع بكل واحد منهما إذ منفعة أحدهما غير متصلة بمنفعة الآخر وإذا استأجر حماما واحدا فانهدم منه بيت قبل القبض أو بعده فله أن يتركه ; لأن منفعة بعض بيوت الحمام متصل بالبعض وبعد ما انهدم بعض البيوت لا يتمكن من الانتفاع بالباقي من الوجه الذي كان متمكنا من قبل

ولو أن رجلا دخل الحمام بأجر وأعطى ثيابه لصاحب الحمام يحفظها له فضاعت لم يكن عليه ضمانها هكذا [ ص: 160 ] روي عن شريح رحمه الله وهذا ; لأن صاحب الحمام في الثياب أمين كالمودع فإن ما يأخذه ليس بأجر على حفظ الثياب ولكنه غلة الحمام وإنما حبس لجمع الغلة لا لحفظ ثياب الناس فلا يكون ضامنا ، فأما الثيابي وهو الذي يحفظ ثياب الناس بأجر فهو بمنزلة الأجير المشترك في الحفظ فلا ضمان عليه فيما سرق عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يضمن ، وإن لبس إنسان ثوب الغير بمرأى العين منه فلم يمنعه ; لأن ظنه صاحب الثوب فهو ضامن بالاتفاق ولأنه مضيع تارك للحفظ ولا معتبر بظنه ولو دخل الحمام بدانق على أن ينوره صاحب الحمام فهو فاسد في القياس ; لجهالة قدر ما شرط عليه في النورة ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس ولكنه ترك القياس فيه ; لأنه عمل الناس ، وكذلك لو أعطاه فلسا على أن يدخل الحمام فيغتسل فهو فاسد في القياس لجهالة مقدار مكثه ومقدار ما يصب من الماء لكنه استحسن وجوزه ; لأنه عمل الناس وقد استحسنوه وقد قال : صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ولأن في اشتراط إعلام مقدار ذلك حرجا والحرج مدفوع شرعا . .
رجل استأجر حماما سنة بغير قدر واستأجر القدر من غيره فانكسرت القدر ولم يعمل في الحمام شهرا فلصاحب الحمام أجرة ; لأنه سلم الحمام إليه كما التزمه بعقد الإجارة والمستأجر متمكن من الانتفاع بأن يستأجر قدرا آخر فعليه الأجر لرب الحمام بخلاف ما إذا كانت القدر لرب الحمام فانكسرت فإن هناك المستأجر لا يتمكن من الانتفاع كما استحقه بعقد الإجارة ما لم يصلح رب الحمام قدره ولا أجر لصاحب القدر من يوم انكسرت لزوال تمكنه من الانتفاع بالقدر ولا ضمان عليه في ذلك سواء انكسرت من عمله أو من غير عمله المعتاد ، ولأنه أمين في القدر مسلط على الاستعمال من جهة صاحب القدر والله أعلم .

باب إجارة الراعي

( قال : رحمه الله وإذا استأجر راعيا يرعى له غنما معلوما مدة معلومة فهو جائز ; لأن المعقود عليه معلوم مقدور التسليم ، ثم الراعي قد يكون أجير واحد وقد يكون مشتركا فإنشرط عليه رب الغنم أن لا يرعى غنمه مع غنم غيره فهو جائز ) لأنه يجعله بهذا الشرط أجير واحد وتبين أن المعقود عليه منافعه في المدة ، والشرط الذي يبين المعقود عليه لا يزيد العقد إلا وكادة فإن مات منها شاة لم يضمنها ; لأنه أمين فيما في يده من الغنم ولا ينقص من أجره بحسابها [ ص: 161 ] لأن المعقود عليه منافعه وبهلاك بعض الغنم لا يتمكن النقصان من منافعه ولا في تسليمها وليس له أن يرعى معها شيئا ; لأن منافعه صارت مستحقة للأول فلا يملك إيجاب الحق فيها لغيره ; لأن ذلك تصرف منه في ملك الغير

ولو ضرب منها شاة ففقأ عينها كان ضامنا ; لأنه لم يأذن له صاحبها بضربها فهو كما لو قتلها بضربته ولو سقاها من نهر فغرقت شاة منها لم يضمن ; لأنه مأذون في سقيها وما تلف بالعمل المأذون فيه لا يضمن أجير الواحد كما في الدق وكذلك لو عطبت منها شاة في المرعى أو أكلها سبع وهو مصدق فيما هلك مع يمينه ; لأنه أمين فيما في يده والقول قول الأمين مع اليمين ولو هلك من الغنم نصفها أو أكثر كان له الأجر تاما ما دام يرعاها ; لأن استحقاق الأجر بتسليم نفسه لذلك العمل ; ولهذا لو كان الراعي مشتركا يرعى لمن شاء على قول أبي حنيفة رحمه الله وهو ضامن ; لما يهلك بفعله من سباق أو سقي أو غير ذلك ; لأن الأجير المشترك ضامن لما جنت يده ، وإن لم يخالف في إقامة العمل ظاهرا كما في القصار إذا دق الثوب فتخرق وما هلك من غير فعله بموت أو سرقة من غير تضييع أو أكل سباع فلا ضمان عليه ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هو ضامن بجميع ذلك إلا الموت لأنه لا يمكن الاحتراز عنه ، ولكنه لا يصدق على ما يدعيه من الموت إلا ببينة تقام له على ذلك ; لأن على أصلهما القبض في حق الأجير المشترك يوجبه ضمان العين عليه فدعواه الموت بعد ذلك بمنزلة دعوى الرد من حيث إنه يدعي ما يسقط الضمان به عن نفسه فلا يصدق من ذلك إلا بحجة كالغاصب ولو شرط عليه في الإجارة ضمان ما هلك من فعله لم يفسد ذلك الإجارة ; لأن ذلك عليه من غير شرط فلا يزيده الشرط وإلا وكادة ، وإن شرط عليه ضمان ما مات فالإجارة فاسدة لأن هذا الشرط مخالف لحكم الشرع ولأنه يلتزم بهذا الشرط ما ليس في وسعه وهو الحفظ عن الموت واشتراط ما ليس في وسع العاقد في العقد مفسد للعقد

وإن شرط عليه الضمان فيما سرق من غير عمله أو يأكله السبع فعند أبي حنيفة رحمه الله يفسد العقد ; لأنه شرط مخالف لحكم الشرع وعندهما ; لأن ذلك عليه من غير شرط وإذا كان الراعي أجير واحد فاشتراط هذا عليه مفسد للعقد ; لأنه لا ضمان عليه بدون الخلاف واشتراط الضمان على الأمين باطل وببطلان الشرط يبطل عقد الإجارة ، وإذا أتى الراعي المشترك بالغنم إلى أهلها فأكل السبع منها شاة وهي في موضعها فلا ضمان عليه ; لأنه بتسليمها إلى أهلها يخرج من عهدتها ولأن عليه عمل الرعي وقد انتهى ذلك حين أتى بها إلى أهلها فلا ضمان عليه فيما يعطب [ ص: 162 ] بعد ذلك وله أن يبعث الغنم مع غلامه وأجيره وولده بعد أن يكون كبيرا في عياله سواء كان مشتركا أو خاصا ; لأن يد هؤلاء في الحفظ والرعي أكيدة ، وكذلك في الرد وهذا بالعرف فإن الراعي يلتزم حفظ الغنم على الوجه الذي يحفظ غنم نفسه ، وذلك بيده تارة وبيد من في عياله تارة



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #325  
قديم 18-12-2025, 04:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 162الى صـــ 171
(325)




وإذا استأجر راعيا شهرا ليرعى له فأراد الراعي أن يرعى لغيره بأجر فلرب الغنم أن يمنعه من ذلك ; لأنه بدأ بذكر المدة وذكر المدة لتقدير المنفعة فيه فتبين أن المعقود عليه منافعه فيكون أجيرا له خاصا فإن لم يعلم رب الغنم بما فعله حتى رعى لغيره فله الأجر على الثاني ويطيب له ذلك ولا ينقص من أجر الأول شيء ; لأنه قد حصل مقصود الأول بكماله وتحمل زيادة مشقة في الرعي لغيره فما يأخذ من الثاني عوض عمله فيكون طيبا له وقد تقدم نظيره في الظئر ولو كان يبطل من الشهر يوما أو يومين لا يرعاها حوسب بذلك من أجره سواء كان من مرض أو بطالة ; لأنه يستحق الأجر بتسليم منافعه ، وذلك ينعدم في مدة البطالة سواء كان بعذر أو بغير عذر .
ولو سأل راعيا أن يرعى غنمه هذه بدراهم في الشهر أو قال : شهرا فهو جائز وهو مشترك له أن يرعى لغيره ; لأنه لما بدأ بذكر العمل بين مقدار عمله ببيان محله وهو الغنم عرفنا أن المعقود عليه العمل دون منافعه فيكون مشتركا سواء رعى لغيره أو لم يرع ، وإن شرط عليه أن لا يرعى معها شيئا غيرها كان جائزا وكان بمنزلة الباب الأول في أنه أجير واحد لأنا إنما جعلناه مشتركا استدلالا بالبداية بذكر العمل وسقط اعتبار هذا الاستدلال إذا صرح بخلافه بالشرط ولو دفع إليه غنمه يرعاها على أن أجره ألبانها وأصوافها فهو فاسد ; لأنه مجهول وإعلام الأجر لا بد منه لصحة الإجارة ، وإن اشترط عليه جبنا معلوما وسمنا لنفسه وما بقي بعد ذلك للراعي فهو كله فاسد ، والراعي ضامن ; لما أصاب من ذلك لأنه يتناول ملك الغير فإن الزيادة المنفصلة تملك بملك الأصل وله أجر مثله ; لأنه أقام العمل بعقد فاسد ، ولو أن راعيا مشتركا خلط غنما للناس بعضا ببعض ولم يعرف ذلك أهلها فالقول فيه قول الراعي مع يمينه ; لأنها في يده ، والقول في تعيين المقبوض قول القابض أمينا كان أو ضمينا كالمودع مع الغاصب فإن قال : لا أعرفها فهو ضامن لقيمة الغنم كلها لأهلها ; لأن الخلط على وجه يتعذر معه التميز استهلاك فإن كل واحد منهم لا يقدر على الوصول إلى عين ملكه وبمثل هذا الخلط يكون الراعي ضامنا وتكون الغنم له بالضمان والقول قوله في قيمتها يوم خلطها ; لأن الضمان عليه فالقول في مقداره قوله مع يمينه كالغاصب

وإن كان الراعي مشتركا يرعى في الجبال فاشترط عليه صاحب الغنم أن يأتيه . [ ص: 163 ] بسمة ما يموت منها وإلا فهو ضامن فهذا الشرط غير معتبر ; لأنها قد تموت في موضع لا يمكنه أن يأتي بسمتها وقد يفتعل فيما يأتي من السمة بأن يأكل بعض الغنم ، ثم يأتي بسمته ويقول : قد مات فإن السمة لا تختلف بالذبح والموت فعرفنا أن هذا الشرط غير مفيد ، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله القول قوله ، وإن لم يأت بالسمة ; لأنه أمين في العين عنده وعندهما هو ضامن ، وإن أتى بالسمة إلا أن يقيم البينة على الموت ولا يسع المصدق أن يصدق غنما مع الراعي حتى يحضر صاحبها ; لأن المصدق يأخذ الزكاة ، والزكاة تجب على المالك ويتأدى بأدائه ونيته والراعي في ذلك ليس بنائب عنه فإن أخذ المصدق الزكاة من الراعي فلا ضمان على الراعي في ذلك ; لأن الراعي لا يتمكن من أن يمنع المصدق من ذلك فهو في حقه بمنزلة الموت ، وإن خاف الراعي على شاة منها فذبحها فهو ضامن لقيمتها يوم ذبحها ; لأن صاحبها لم يأمره بذبحها بل منعه من ذلك ، وإن اختلفا في عدة ما سلمه إلى الراعي فالقول قول الراعي لإنكاره قبض الزيادة والبينة بينة صاحب الغنم لإثباته الزيادة ببينته ، ثم يكون ضامنا للفضل بجحوده وليس للراعي أن يسقي من ألبان الغنم ولا يأكل ولا يبيع ولا يقرض ; لأنه مأمور بالرعي وهذا ليس من عمل الرعي فهو فيه كسائر الأجانب فيكون ضامنا إن فعل شيئا من ذلك ولو أن رب الغنم باع نصف غنمه ، فإن كان استأجر الراعي شهرا على أن يرعى له لم يحطه من الأجر شيئا ; لأن المعقود عليه منافعه وإنما يستوجب الأجر بتسليم نفسه في المدة ولو أراد رب الغنم أن يزيد في الغنم ما يطيق الراعي كان له ذلك ; لأنه مالك لمنافعه في المدة فهو بمنزلة عبده في ذلك يستعمله في ذلك العمل بقدر طاقته

وإن استأجر شهرا يرعى له هذه الغنم بأعيانها لم يكن له أن يزيد فيها بالقياس ; لأن التعيين إذا كان مفيدا يجب اعتباره ، والتعيين في حق الراعي مفيد ; لأن المشقة عليه تختلف باختلاف عدد الغنم فهو ما التزم إلا رعي ما عينه عند العقد فلا يكون لرب الغنم أن يكلفه شيئا آخر كما لا يكون له أن يكلفه عملا آخر ولكنه استحسن فقال : له أن يكلفه من ذلك بقدر طاقته ; لأن المعقود عليه منافعه ; فإنه بدأ بذكر المدة وتعيينه الأغنام لبيان ما قصد من تملك منافعه بالإجارة لا لقصر حكم العقد عليه فإذا بقيت منافعه بعد هذا التعيين مستحقة لرب الغنم كان له أن يكلفه في ذلك بقدر طاقته ولكن لا يكلف عملا آخر ; لأنه تبين مقصوده عند العقد وهو الرعي فما ليس من عمل الرعي لا يكون داخلا في حكم العقد ، ثم قال : أرأيت لو ولدت الغنم أما كان عليه أن يرعى أولادها معها والقياس والاستحسان فيهما ; لأن الولد بعد الانفصال [ ص: 164 ] كشاة أخرى ولكن من عادته الاستشهاد بالأوضح فالأوضح ولو لم يستأجره شهرا ولكنه دفع إليه غنما مسماة على أن يرعى له كل شهر بدرهم لم يكن له أن يزيد فيها شاة ; لأن المعقود عليه هنا عمل الرعي وإنما التزم إقامة الكل في المحل الذي عينه فليس له أن يكلفه فوق ذلك ، وإن باع منها طائفة فإنه ينقصه من الأجر بحساب ذلك ; لأن المعقود عليه لما كان هو العمل فإنما يستوجب الأجر بقدر ما يقيم من العمل كالخياط والقصار

وإذا ولدت الغنم لم يكن له عليه أن يرعى أولادها معها ; لأن الولد بعد الانفصال في عمل الرعي كشاة أخرى فإن كان اشترط عليه حين دفع الغنم إليه أن يولدها ويرعى أولادها معها فهو فاسد في القياس ; لأن المعقود عليه هو العمل فلا بد من إعلامه ، وإعلامه ببيان محله وهنا محل العمل مجهول ; لأنه لا يدري ما تلد منها وكم تلد وجهالة المعقود عليه مفسدة للعقد ولكنه استحسن ذلك فأجازه ; لأنه عمل الناس ولأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة بينهما ، والجهالة بعينها لا تفسد العقد فكل جهالة لا تفضي إلى المنازعة فهي لا تؤثر في العقد والإبل والبقر والخيل والحمير والبغال في جميع ما ذكرنا كالغنم ، وليس للراعي أن ينزي على شيء منها بغير أمر ربها ; لأن ذلك ليس من عمل الراعي فهو فيه كالأجنبي ضامن ; لما يعطب منها إن فعله ولو لم يفعله الراعي ولكن الفحل الذي فيها نزا على بعضها فعطب فلا ضمان على الراعي في ذلك ; لأن صاحب الغنم قد رضي بذلك حين خلط الفحل بالإناث من غنمه والراعي لا يمكنه المنع من ذلك فلا ضمان عليه في ذلك ، ولو ندت واحدة منها فخاف الراعي إن باع ما ند منها أن يضيع ما بقي فهو في سعة في ترك ما ند منها ; لأنه ابتلي ببليتين فيختار أهونهما ، ولأنه لو باع ما ند منها كان مضيعا ; لما بقي ولا يعلم أنه هل يقدر على أخذ ما ند أو لا يقدر وليس له أن يضيع ما في يده فلهذا كان في سعة من ذلك ولا ضمان عليه فيما ند في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه ضاع بغير فعله وهو في ترك اتباعه مقبل على حفظ ما بقي وليس بمضيع ; لما ند وهو ضامن في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنه تلف بما يمكن التحرز عنه في الجملة ، وإن استأجر من يجيء بتلك الواحدة فهو متطوع في ذلك كغيره من الناس ; لأن صاحبها لم يأمره بالاستئجار

وكذلك إن تفرقت فرقا فلم يقدر على اتباعها كلها فأقبل على فرقة منها وترك ما سواها فهو في سعة من ذلك ; لأنه إقبال على حفظ ما هو متمكن من حفظه فهذا وما تقدم سواء فإن كان الراعي أجيرا مشتركا فرعاها في بلد فعطبت فقال : صاحبها إنما اشترطت عليك أن ترعاها في موضع غير ذلك وقال الراعي بل شرطت علي هذا الموضع فالقول قول رب السائمة ; لأن الإذن يستفاد [ ص: 165 ] من جهته ولو أنكره أصلا كان القول قوله مع يمينه ، والبينة بينة الراعي ; لأنه يثبت الإذن في هذا الموضع ببينته ، ثم لا يضمن في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما هو ضامن إلا أن يقيم البينة على الموت ، وإن كان أجيرا خاصا لم يضمن في قولهم جميعا إلا أن يخالف ولا أجر للراعي إذا خالف بعد أن تعطب الغنم ; لأنه غاصب ضامن وبالضمان يتملك المضمون من وقت وجوب الضمان فيتبين أنه في الرعي كان عاملا لنفسه فلا يستوجب الأجر على غيره ، فإن سلمت الغنم استحسنت أن أجعل له الأجر لحصول مقصود رب الغنم وهو الرعي مع سلامة أغنامه وهو بتعيين ذلك المكان ما قصد إلا هذا فإذا حصل له هذا بعينه في مكان وجب عليه الأجر والله أعلم
باب إجارة المتاع . ( قال : رحمه الله وإذا استأجر ثوبا ليلبسه يوما إلى الليل بأجر مسمى فهو جائز لأنه عين منتفع به بطريق مباح وليس له أن يلبسه غيره ) ; لأن المعقود عليه لبسه بنفسه وهذا ; لأن التعيين متى أفاد اعتبر وهذا تعيين مفيد ; لأن الناس يتفاوتون في لبس الثياب فلبس الدباغ والقصار لا يكون كلبس العطار بخلاف سكنى الدار فالناس لا يتفاوتون في ذلك فإن أعطاه غيره فلبسه ذلك اليوم ضمنه إن أصابه شيء ; لأنه غاصب في إلباسه غيره ، وإن لم يصبه شيء فلا أجر له لأن المعقود عليه ما يصير مستوفى بلبسه فما يكون مستوفى بلبس غيره ولا يكون معقودا عليه واستيفاء غير المعقود عليه لا يوجب البدل .

( ألا ترى ) أنه لو استأجر ثوبا بعينه ، ثم غصب منه ثوبا آخر ولبسه لم يلزمه الأجر ، فكذلك إذا ألبس ذلك الثوب غيره ; لأن تعيين اللابس كتعيين الملبوس .

( فإن قيل ) هو قد يتمكن من استيفاء المعقود عليه وذلك يكفي لوجوب الأجر عليه كما لو وضعه في بيته ولم يلبسه .

( قلنا ) تمكنه من الاستيفاء باعتبار يده وإذا وضعه في بيته فيده عليه معتبرة ولذا لو هلك لم يضمن ، فأما إذا ألبسه غيره فيده عليه معتبرة حكما .

( ألا ترى ) أنه ضامن ، وإن هلك من غير اللبس وإن يد اللابس عليه يد معتبرة حتى يكون لصاحبه أن يضمن غير اللابس ولا يكون إلا بطريق تفويت يده حكما ; فلهذا لا يلزمه الأجر ، وإن سلم ، وإن استأجره ليلبس يوما إلى الليل ولم يسم من يلبسه فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه فإن اللبس يختلف باختلاف اللابس وباختلاف الملبوس فكما أن ترك التعيين في الملبوس عند العقد يفسد العقد ، فكذلك ترك تعيين اللابس .

( وهذه جهالة ) تفضي إلى المنازعة لأن صاحب [ ص: 166 ] الثوب يطالبه بإلباس أرفق الناس في اللبس وصيانة الملبوس وهو يأبى أن يلبس إلا أخشن الناس في ذلك ويحتج كل واحد منهما بمطلق التسمية ولا تصح التسمية مع فساد العقد ، وإن اختصما فيه قبل اللبس فسدت الإجارة ، وإن لبسه هو وأعطاه غيره فلبسه إلى الليل فهو جائز وعليه الأجر استحسانا وفي القياس عليه أجر المثل وكذلك لو استأجر دابة للركوب ولم يبين من يركبها أو للعمل ولم يسم ما يعمل عليها فعمل عليها إلى الليل فعليه المسمى استحسانا وفي القياس عليه أجر المثل ; لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد ووجوب المسمى باعتبار صحة التسمية ولا تصح التسمية مع فساد العقد وجه الاستحسان أن المفسد وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة قد زال وبانعدام العلة المفسدة ينعدم الفساد وهذا ; لأن الجهالة في المعقود عليه وعقد الإجارة في حق المعقود عليه كالمضاف فإنما يتجدد انعقادها عند الاستيفاء ولا جهالة عند ذلك ووجوب الأجر عند ذلك أيضا فلهذا أوجبنا المسمى وجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء ، ولا ضمان عليه إن ضاع منه ; لأنه غير مخالف سواء لبس بنفسه أو ألبس غيره بخلاف الأول فقد عين هناك لبسه عند العقد فيصير مخالفا بإلباس غيره

وإذا استأجر قميصا ليلبسه يوما إلى الليل فوضعه في منزله حتى جاء الليل فعليه الأجر كاملا ; لأن صاحبه مكنه من استيفاء المعقود عليه بتسليم الثوب إليه وما زاد على ذلك ليس في وسعه وليس له أن يلبسه بعد ذلك لأن العقد انتهى بمضي المدة والإذن في اللبس كان بحكم العقد فلا يبقى بعد انتهاء العقد ، وإن ارتدى به يوما إلى الليل كان عليه الأجر كاملا ; لأن هذا لبس ولكنه غير تام فإن المقصود بالقميص ستر البدن به وبهذا الطريق يحصل بعض الستر ، وإن اتزر به إلى الليل فهو ضامن إن تخرق ; لأن الاتزار بالقميص غير معتاد وبمطلق التسمية إنما يتمكن من اللبس المعتاد فكان غاصبا إذا اتزر به ضامنا إن تخرق بخلاف ما إذا ارتدى به فإن ذلك معتاد في بعض الأوقات توضيحه أن الاتزار مفسد للقميص فما أتى به أضر بالثوب مما يتناوله العقد والاتزار غير مفسد بل ضرره كضرر اللبس أو دونه ، وإن سلم فعليه الأجر استحسانا وفي القياس لا أجر عليه لأنه مخالف ضامن والضمان والأجر لا يجتمعان كما لو ألبسه غيره وجه الاستحسان أنه متمكن من استيفاء المعقود عليه باعتبار يده وإنما كان ضامنا بزيادة ضرر مفسد للثوب فيبقى الأجر عليه لتمكنه من استيفاء المعقود عليه بخلاف ما إذا تخرق فهناك لما تقرر عليه الضمان ملك الثوب من حين ضمنه ولا يجب الأجر عليه في ملك نفسه وإذا سلم فهو لم يملك [ ص: 167 ] الثوب فيلزمه الأجر لتمكنه من الاستيفاء .
وإذا استأجرت المرأة درعا لتلبسه ثلاثة أيام فلها أن تلبسه بالنهار وفي أول الليل وآخره ما يلبس الناس ; لأن مطلق التسمية ينصرف إلى المعتاد في لبس ثوب الصيانة بالنهار ومن أول الليل إلى وقت النوم ومن آخر الليل أيضا فقد يبكرون خصوصا عند طول الليالي ، وإن لبست الليل كله فهي ضامنة ; لأنها خالفت فإن ثوب الصيانة لا ينام فيه عادة وهو مفسد للثوب فتكون ضامنة إن تخرق بالليل ، وإن تخرق من لبسها في غير الليل فلا ضمان عليها ; لأن الخلاف قد ارتفع بمجيء النهار وإنما كانت ضامنة بالخلاف لا بالإمساك فإن لها أن تمسك الثوب إلى انتهاء المدة والأمين إذا ضمن بالخلاف عاد أمينا بترك الخلاف كالمودع إذا خالف ، ثم عاد إلى الوفاق فإن تخرق من لبسها بالليل فهي ضامنة وليس عليها أجر في تلك الساعة التي تخرق فيها الثوب وعليها الأجر فيما كان قبل ذلك وبعده ; لأنها مستوفية للمعقود عليه

وإن سلم ولم يتخرق فعليها الأجر كله لاستيفاء جميع المعقود عليه وهذا ; لأن الضمان لا ينافي العقد ابتداء وبقاء وإذا بقي العقد تحقق منها استيفاء المعقود عليه فعليها الأجر إلا في الساعة التي ضمنت بالتخرق لأنها في تلك الساعة غاصبة عاملة لنفسها ولهذا تقرر عليها الضمان ، وإن كان الدرع ليس بدرع الصيانة إنما هو درع بذلة ينام في مثله فلا ضمان عليه إن نامت فيه وعليها الأجر ; لأن بمطلق العقد يستحق ما هو المعتاد والنوم في مثله معتاد فلا تكون به مخالفة ، وإن كانت استأجرته لمخرج تخرج فيه يوما بدرهم فلبسته في بيتها فعليها الأجر لأنها استوفت المعقود عليه ولبسها في بيتها ولبسها إذا خرجت سواء وربما يكون لبسها في بيتها أخف ، وكذلك لو لم تلبس ولم تخرج ; لأنها تمكنت من استيفاء المعقود عليه ولو ضاع الدرع منها ذلك اليوم ، ثم وجدته بعد ذلك فلا أجر عليها إذا صدقها رب الثوب ; لأنها لم تكن متمكنة من اللبس بعد ما ضاع الدرع منها ، وإن لبسته في اليوم الثاني ضمنته لانتهاء العقد بمضي المدة .

وإن كذبها رب الدرع فإن كان الثوب في يدها حين اختلفا فالقول قول رب الدرع ; لأن تمكنها من اللبس في الحال دليل على أنها كانت متمكنة منه فيما مضى ولأن تسليمه الثوب إليها تمكين لها من لبسه ، وذلك أمر ظاهر وما تدعيه من الضياع عارض غير ظاهر فعليها أن تبينه بالبينة والقول قول رب الدرع لإنكاره مع يمينه على علمه ; لأنه يحلف على الضياع من يد غيره ولا طريق له إلا معرفة حقيقة ذلك فيحلف على علمه ، وإن سرق منها أو تخرق من لبسها فلا ضمان عليها ، وكذلك لو أصابه قرض فأر وحرق نار أو لحس [ ص: 168 ] سوس والحاصل أن المستأجر في العين أمين ; لأن يده كيد المالك ; فإنه يتقرر حق المالك في الأجر باعتبار يده ولهذا لو أصابه عهده رجع به على الآخر فكان أمينا فيه كالمودع بخلاف الأجير المشترك على قول من يضمنه ; فإنه في الحفظ عامل لنفسه ; فإنه يتمكن به ما تقرر حقه في الأجر فكان ضامنا ولو أمرت خادمها أو ابنتها فلبسته فتخرق كانت ضامنة كما لو ألبست أجنبية أخرى ولا أجر عليها وإن سلم الثوب بعد أن صدقها رب الثوب ، وإن كذبها فالقول قول رب الثوب مع يمينه على علمه ، وإن أجرته ممن تلبسه بفضل أو نقصان فهي ضامنة للخلاف والأجر لها بالضمان وعليها التصدق به إلا عند أبي يوسف رحمه الله وقد بيناه ولو لبسه خادمها أو ابنتها بغير أمرها فلا ضمان عليها بمنزلة ما لو غصبه إنسان والأجر عليها ولا ضمان عليها ; لأنها لم تخالف ولو تخرق من لبس الخادم كان الضمان في عنق الخادم ; لأنها غاصبة وضمان الغصب يجب دينا في عنق المملوك .

ولو استأجر قبة لينصبها في بيته ويبيت فيها شهرا فهو جائز لأن القبة من المساكن فإن قيل لا يمكن استيفاء المعقود عليه إلا بما لم يتناوله العقد وهو الأرض التي ينصب فيها القبة ، وذلك يمنع الإجارة كما لو استأجر أحد زوجي المقراض لقرض الثياب قلنا المعتبر كون العين منتفعا به وأن يتمكن المستأجر من استيفاء المعقود عليه ، وذلك موجود فالإنسان لا يعدم الأرض لينصب فيها القبة ولأن المقصود بالقبة الاستظلال ودفع أذى الحر والبرد والمطر ، وذلك بالمعقود عليه دون الأرض ، وإن لم يسم البيوت التي ينصبها فيها فالعقد جائز أيضا ; لأن ذلك لا يختلف باختلاف البيوت وترك تعيين غير المفيد لا يفسد العقد ، وإن سمى بيتا فنصبها من غيره فهو جائز وعليه الأجر ; لأن هذا تعيين غير مفيد فالضرر لا يختلف باختلاف البيوت فإن نصبها في الشمس أو المطر كان عليها في ذلك ضرر فهو ضامن ; لما أصابها من ذلك ; لأنه مخالف فالشمس تحرقها والمطر يفسدها وإنما رضي صاحبها بنصبها في البيت ليأمن من ذلك وإذا وجب عليه الضمان بطل الأجر ; لأن الأجر والضمان لا يجتمعان ولأنه تملكها بالضمان من حين ضمن ، وإن سلمت القبة كان عليه الأجر استحسانا ; لأنه استوفى المعقود عليه حين استظل بالقبة وإنما كان ضامنا باعتبار زيادة الضرر فإذا سلمت سقط اعتبار تلك الزيادة فيلزمه الأجر باستيفاء المعقود عليه ، ولو شرط أن ينصبها في داره فنصبها في دار في قبيلة أخرى في ذلك المصر فعليه الأجر ولا ضمان عليه ; لأن هذا تعيين غير مفيد وليس له أن يخرجها من المصر لأن فيه إلزام مؤنة على صاحبها وهو مؤنة الرد وهو لم يلتزم ذلك فإن أخرجها إلى السواد فنصبها فسلمت أو انكسرت [ ص: 169 ] فلا أجر عليه لأنه غاصب حين أخرجها من المصر ( ألا ترى ) أنه لو وجب الأجر كان مؤنة الرد على صاحب القبة وهو غير ملتزم لذلك فجعلناه غاصبا ضامنا لتكون مؤنة الرد عليه ; فلهذا لا أجر عليه .
وإذا استأجر رحا يطحن عليه فحمله فذهب به إلى منزله فلما فرغ منه فمؤنة الرد على صاحب الرحا ولو كانت ذلك عارية كانت مؤنة الرد على المستعير ; لأن الرد فسخ لعمل النقل فإنما تجب المؤنة على من حصل له منفعة النقل ومنفعة النقل في العارية للمستعير فمؤنة الرد عليه وفي الإجارة على رب الرحا ; لأن بالنقل يتمكن المستأجر من استيفاء المعقود عليه وبه يجب الأجر لرب الرحا فلهذا كانت مؤنة الرد عليه وإذا استأجر منه عيدان حجلة أو كسوتها مدة معلومة جاز ; لأنه عين منتفع به والحاصل أن كل عين منتفع به معتاد الاستئجار فيه صحيح وعلى هذا استئجار البسط والوسائد والصناديق والسرر والقدور والقصاع ولو استأجر منه قدورا بغير عينها لم يجز ; لأن المعقود عليه مجهول فإن القدور مختلفة في الصغر والكبر والانتفاع بها بحسبها فإن جاءه بقدر فقبله على الكراء الأول فهو جائز والأجر له لازم إما لأن التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء أو ; لأن الإجارة تنعقد بالتعاطي كالبيع ، وكذلك لو استأجر منه ستورا يعلقها على بابه وقتا معلوما

ولو كفل كفيل بشيء من هذه الأمتعة الأجر عن المستأجر فالكفالة باطلة ; لأن العين أمانة في يد المستأجر والكفالة بالأمانات لا تصح والإجارة جائزة ; لأن الكفالة لم تكن مشروطة فيه ، وإن أعطاه بالأجر كفيلا فهو جائز ; لأنه مضمون في ذمة المستأجر وعلى هذا لو استأجر ميزانا ليزن به والسنجات والقبان والمكاييل فهذا كله متعارف جائز

وإن استأجر سرجا ليركبه شهرا فأعطاه غيره فركبه فهو ضامن ; لأن هذا مما يختلف فيه الناس فمن يحسن الركوب على السرج لا يضر به ركوبه ومن لا يحسن الركوب عليه يضر به ركوبه وإذا اعتبر التعيين كان ضامنا بالخلاف ولا أجر عليه وإذا استأجر إكافا ينقل عليه حنطته شهرا فهو جائز وحنطته وحنطة غيره سواء والجوالق كذلك ; لأن هنا تعيين غير مفيد ، وكذلك استئجار المحمل إلى مكة ، وكذلك الرحل يستأجره ليركب عليه فهو جائز وليس له أن يحمل غيره عليه فإن فعل فهو ضامن إن أصابه شيء للتفاوت بين الناس في الإضرار بالرحل عند الركوب عليه .

وكذلك الفسطاط يستأجره ليخرج به إلى مكة فإن أسرج في الخيمة أو الفسطاط أو القبة أو علق فيه القنديل فلا ضمان عليه ; لأن ذلك معتاد وقد بينا أنه يستحق بمطلق العقد الاستعمال المعتاد ، وإن اتخذ فيه مطبخا فهو ضامن ; لأنه غير معتاد إلا أن يكون ذلك معدا لذلك العمل وذكر عن الحسن [ ص: 170 ] رحمه الله قال : لا بأس بأن يستأجر الرجل حلي الذهب بالذهب وحلي الفضة بالفضة وبه نأخذ فإن البدل بمقابلة منفعة الحلي دون العين ولا ربا بين المنفعة وبين الذهب والفضة ، ثم الحلي عين منتفع به واستئجاره معتاد فيجوز وإذا شرطت أن تلبسه فألبست غيرها ضمنت ولا أجر عليها كما في الثياب ; لأن الضرر على الحلي عند اللبس يختلف باختلاف اللابس ، وإن قال رب الحلي أنت لبستيه وقد هلك الحلي فقد أبرأها من الضمان والضمان واجب له فقوله مقبول في إسقاطه ويكون له عليها الأجر لأن الظاهر شاهد لرب الحلي وقد أقرت هي أن الحلي كان عندها ، وذلك يوجب الأجر عليها ولو استأجرته يوما إلى الليل فإن بدا لها فحبسته فلم ترده عشرة أيام فالإجارة على هذا الشرط فاسدة في القياس لجهالة المعقود عليه أو لتعلق العقد بالخطر فيما بعد اليوم وهو أن يبدو لها وتعليق الإجارة بالخطر لا يجوز ولكني أستحسن وأجيزها وأجعل عليها الأجر كل يوم بحسابه ; لأن هذا الشرط متعارف محتاج إليه فإنها إذا خرجت إلى وليمة أو عرس لا تدري كم تبقى هناك فتحتاج إلى هذا الشرط لدفع الضرر والضمان عن نفسها ، ثم قد بينا أن وجوب الأجر عليها عند الاستعمال والخطر قبل ذلك فيزول ذلك عند استعمالها ; فلهذا يلزمها الأجر لكل يوم تحسبه فيه والله أعلم

باب إجارة الدواب . ( قال : رحمه الله وإذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم بأجر مسمى فهو جائز وليس له أن يحمل عليها غيره ) ; لأن هذا تعيين مفيد فالناس يتفاوتون في ركوب الدابة وليس ذلك من قبل الثقل والخفة بل من قبل العلم والجهل فالثقيل الذي يحسن ركوب الدابة يروضها ركوبه ، والخفيف الذي لا يحسن ركوبها يعقرها ركوبه ، فإن حمل عليها غيره فهو ضامن ولا أجر عليه ; لأنه غاصب غير مستوف للمعقود عليه على ما قررنا في الثوب ، وإن ركب وحمل معه آخر فسلمت فعليه الكراء كله ; لأنه استوفى المعقود عليه بكماله وزاد فإذا سلمت سقط اعتبار الزيادة فعليه كمال الأجر لاستيفاء المعقود عليه ، وإن عطبت بعد بلوغها المكان من ذلك الوقت فعليه الأجر كله لاستيفاء المعقود عليه فإن ركوبه لا يختلف بأن يردف معه غيره أو لا يردف ووجوب الأجر باعتبار ركوبه وعليه ضمان نصف القيمة ; لأنه خالف حين أردف وشغل نصف الدابة بغيره فبحسب ذلك يكون ضامنا وهذا إذا كانت الدابة تطيق اثنين فإن كان [ ص: 171 ] يعلم أنها لا تطيق ذلك فهو ضامن لجميع قيمتها ; لأنه متلف لها وأما إذا كانت تطيق فالتلف حصل بركوبه وهو مأذون فيه وبركوب غيره وهو غير مأذون فيه فيتوزع الضمان على ذلك نصفين وسواء كان الرجل الآخر أثقل منه أو أخف . ( قال : ) ; لأنه لا يوزن الرجل في القبان في هذا أرأيت لو كان يوزن أيوزن قبل الطعام أو بعده أو قبل الخلاء أو بعده والمعنى ما بينا أن الضرر على الدابة ليس من ثقل الراكب وخفته ; فلهذا يوزع الضمان نصفين . ( فإن قيل ) حين تقرر عليه ضمان نصف القيمة فقد ملك نصف الدابة من حين ضمن فينبغي أن لا يلزمه نصف الأجر .

( قلنا ) هو بهذا الضمان لا يملك شيئا مما يشغله بركوب نفسه وجميع المسمى بمقابلة ذلك وإنما يضمن ما شغله بركوب الغير ولا أجر بمقابلة ذلك ليسقط عنه وإذا استأجرها إلى الجبانة أو الجنازة أو ليشيع عليها رجلا أو يتلقاه فهو فاسد إلا أن يسمي موضعا معلوما ; لأن المعقود عليه منفعة الركوب ، وذلك تتفاوت بحسب المسافة فإذا سمى موضعا معلوما صار مقدار المعقود عليه به معلوما وإلا فهو مجهول لا يصير معلوما ما ذكره من التشييع أو التلقي ، وإن تكاراها من بلد إلى الكوفة ليركبها فله أن يبلغ عليها منزله بالكوفة استحسانا وفي القياس ليس له ذلك ; لأنه لما دخل انتهى العقد لوجود الغاية فليس له أن يركبها بعد ذلك بدون إذن صاحبها ولكنه استحسن للعرف فالظاهر أنه يتبلغ المستأجر على الدابة التي تكاراها في الطريق إلى منزله ولا يتكارى لذلك دابة أخرى والمعلوم بالعرف كالمشروط بالنص .

( ألا ترى ) أن الورام المعتاد في بعض الأشياء يسمى بالعرف ، فكذلك هذه الزيادة ورام الطريق في الإجارة فيستحق بالعرف ، وكذلك لو استأجرها ليحمل متاعا فإن حط المتاع في ناحية من الكوفة وقال : هذا منزلي فإذا هو أخطأ فأراد أن يحمله ثانية إلى منزله فليس له ذلك ; لأن المستحق بالعرف قد انتهى حين حط رحله وقال : هذا منزلي فبعد ذلك هو مدع في قوله قد أخطأت فلا يقبل قوله ولأن الورام كان مستحقا له لكي لا يحتاج إلى حط رحله ونقله إلى دابة أخرى وقد زال ذلك المعنى حين حط رحله ، وكذلك لو تكارى حمارا من الكوفة يركبه إلى الحيرة ذاهبا وجائيا فله أن يبلغ عليه إلى أهله بالكوفة إذا رجع كما لو تكارى من الكوفة إلى الحيرة ، فأما إذا تكارى دابة بالكوفة من موضع كانت فيه الدابة إلى الكناسة ذاهبا وجائيا فأراد أن يبتلغ في رجعته إلى أهله لم يكن له ذلك وإنما له أن يرجع إلى الموضع الذي تكارى عند الدابة ; لأن الاستحسان في الفصل الأول كان للعرف ولا عرف فيما تكاراها في المصر من موضع إلى موضع فيؤخذ [ ص: 172 ] فيه بالقياس وربما يكون من ذلك الموضع إلى منزله من المسافة مثل ما سمى أو أكثر ولا يستحق على سبيل الورام مثل المسمى في العقد أو فوقه فيقال له كما اكتريت من هذا الموضع إلى الموضع الذي سميت فاكتر الدابة من هذا الموضع إلى منزلك ، وإن استأجرها إلى مكان معلوم ولم يسم ما يحمل عليها فإن اختصموا رددت الإجارة لجهالة المعقود عليه ، وإن حمل عليها أو ركبها إلى ذلك المكان فعليه المسمى استحسانا لأن التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء وقد قررنا هذا في الثوب ، وكذلك لو استأجر عبدا ولم يسم ما استأجره له .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #326  
قديم 18-12-2025, 10:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 172الى صـــ 181
(326)






وإذا سمى ما يحمل على الدابة فحمل عليها غير ذلك فهذه المسألة على أربعة أوجه وقد بيناها في كتاب العارية فالإجارة في ذلك كله قياس العارية إلا أن في كل موضع ذكرنا هناك أنه لا يصير ضامنا فالأجر واجب عليه هنا وفي كل موضع ذكرنا هناك أنه يكون ضامنا فلا أجر عليه هنا ; لأنه غاصب غير مستوف للمعقود عليه فإن المقصود عليه يختلف باختلاف المحمول ، وإن اختلفا فقال رب الدابة أكريتك من الكوفة إلى القصر بعشرة دراهم وقال المستأجر بل إلى بغداد بعشرة دراهم ولم يركبها تحالفا وترادا ; لأن الإجارة في احتمال الفسخ قبل استيفاء المنفعة كالبيع فالنص الوارد بالتحالف في البيع يكون واردا في الإجارة ، وإن أقام البينة ففي قول أبي حنيفة الأول رحمه الله يقضي بالكوفة إلى بغداد بخمسة عشر درهما وهو قول زفر رحمه الله ، ثم رجع وقال إلى بغداد بعشرة دراهم وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وجه قوله الأول أن رب الدابة أثبت ببينته العقد من الكوفة إلى القصر بعشرة دراهم فوجب القضاء بذلك ببينته والمستأجر ببينته أثبت العقد من القصر إلى بغداد بخمسة دراهم فوجب قبول بينته على ذلك فإذا عملنا بالبينتين كانت له من الكوفة إلى بغداد بخمسة عشر درهما وجه قوله الآخر أنهما اتفقا على مقدار الأجر وإنما اختلفا في مقدار المعقود عليه فالمستأجر يثبت الزيادة في ذلك فكانت بينته أولى بالقبول كما لو أقام المستأجر البينة أنه زاده عقبه الأجير في الكراء إلى مكة .
وإن تكارى دابة بسرج ليركب عليها فحمل عليها إكافا فركبها فهو ضامن بقدر ما زاد وفي الجامع الصغير قال هو ضامن جميع قيمتها في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما يضمن بقدر ما زاد وجه قولهما أن الحمار يركب تارة بسرج وتارة بإكاف والتفاوت بينهما من حيث الثقل والخفة ما كان في كل واحد منهما عادة وفي مثله الضمان بقدر الزيادة كما لو استأجرها ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها أحد عشر مختوما وأبو حنيفة رحمه الله . [ ص: 173 ] يقول : الاختلاف هنا في الجنس من حيث إن الإكاف يأخذ من ظهر الحمار الموضع الذي لا يأخذه السرج فهو نظير ما لو استأجر دابة ليحمل عليها حنطة فحمل عليها تبنا أو حطبا توضيحه أن التفاوت ليس من حيث الثقل والخفة ولكن ; لأن الحمار الذي لا يألف الإكاف يضره الركوب بإكاف وربما يجرحه ذلك فيكون مخالفا في الكل كما لو حمل عليها مثل وزن الحنطة حديدا ، وكذلك لو نزغ عن الحمار سرجه وأسرجه بسرج برذون لا تسرج بمثله الحمير فهو بمنزلة الإكاف ، وإن أسرجه بسرج مثله أو أخف لم يضمن ; لأن التعيين إذا لم يكن مفيدا فلا يعتبر ، وكذلك إن استأجره بإكاف فأوكفه بإكاف مثله أو أسرجه مكان الإكاف ; لأن السرج أخف على الحمار من الإكاف فلا يكون خلافا منه .
ولو تكارى حمارا عريانا فأسرجه ، ثم ركبه فهو ضامن له ; لأنه حمل عليه السرج بغير إذن صاحبه فكان مخالفا في ذلك قال مشايخنا رحمهم الله وهذا على أوجه فإن استأجره من بلد إلى بلد لم يضمن إذا أسرجه ; لأن الحمار لا يركب من بلد إلى بلد عادة إلا بسرج أو إكاف والثابت بالعرف كالثابت بالشرط ، وإن استأجره ليركبه في المصر فإن كان من ذوي الهيئات ، فكذلك الجواب ; لأن مثله لا يركب في المصر عريانا ، وإن كان من العوام الذين يركبون الحمار في المصر عريانا فحينئذ يكون ضامنا إذا أسرجه بغير شرط .
وإذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم فجاوز بها ذلك المكان ، ثم رجع فعطبت الدابة فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة الأول رحمه الله ، ثم رجع فقال : هو ضامن ما لم يدفعها إلى صاحبها وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وجه قوله الأول أنه كان أمينا فيها فإذا ضمن بالخلاف ، ثم عاد إلى الوفاق عاد أمينا كالمودع وجه قوله الآخر أنه بعد ما صار ضامنا بالخلاف لا يبرأ إلا بالرد على المالك أو على من قامت يده مقام يد المالك ويد المستأجر يد نفسه ; لأنه يمسكها لمنفعة نفسه كالمستعير فلا تكون يده قائمة مقام يد المالك فلا تبرأ عن الضمان ، وإن عاد إلى ذلك المكان ; لأنه ينتفع بها لنفسه في ذلك المكان بخلاف المودع فهناك يده قائمة مقام يد المالك وقد طعن عيسى رحمه الله في هذا فقال : يد المستأجر كيد المالك بدليل أنه يرجع بما يلحقه من الضمان على المالك كالمودع بخلاف المستعير وبدليل أن مؤنة الرد على المالك في الإجارة دون العارية ولكنا نقول : رجوعه بالضمان للغرر المتمكن بسبب عقد المعاوضة ، وذلك لا يدل على أن يده ليست بيد نفسه كالمشتري يرجع بضمان الغرور ، فكذلك مؤنة الرد عليه لما له من المنفعة في النقل

فأما يد المستأجر يد نفسه والإشكال على هذا الكلام ما تقدم أن المرأة إذا استأجرت [ ص: 174 ] ثوب صيانة لتلبسه أياما فلبسته بالليل كانت ضامنة ، ثم إذا جاء النهار برئت من الضمان ويدها يد نفسها ولكنا نقول هناك الضمان عليها باللبس لا بالإمساك ; لأن له حق الإمساك ليلا ونهارا واللبس الذي لم يتناوله العقد لم يبق إذا جاء النهار وهنا الضمان على المستأجر بالإمساك في غير المكان المشروط .

( ألا ترى ) أنه لو جاوز بها ذلك المكان ولم يركبها كان ضامنا ولو حبسها في المصر أياما ولم يركبها كان ضامنا والإمساك لا ينعدم ، وإن عاد إلى ذلك المكان ما دام يمسكها لمنفعة نفسه ، ثم الكلام في التفصيل بينما إذا استأجرها ذاهبا وجائيا أو ذاهبا لا جائيا قد تقدم في العارية فهو مثله في الإجارة ولو لم يجاوز المكان ولكنه ضربها في السير أو كبحها باللجام فعطبت فهو ضامن إلا أن يأذن له صاحبها في ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يستحسن أن لا يضمنه إذا لم يتعد في ذلك وضرب كما يضرب الناس الحمار في موضعه ; لأنه بمطلق العقد يستفيد الإذن فيما هو معتاد والضرب والكبح باللجام في السير معتاد وربما لا تنقاد الدابة إلا به فيكون الإذن فيه ثابتا بالعرف ولو أذن فيه نصا لم يضمن المستأجر به ، فكذلك إذا كان متعارفا والقياس ما قاله أبو حنيفة رحمه الله ; لأنه ضربها بغير إذن مالكها ، وذلك تعد موجب للضمان وبيان أن المستحق له بالعقد سير الدابة لا صفة الجودة فيه وهو لا يحتاج إلى الضرب والكبح في أصل تسيير الدابة وإنما يستخرج بذلك منها نهاية السير والجودة في ذلك وثبوت الإذن بمقتضى العقد فيفتقر على المستحق بالعقد توضيحه أنه ، وإن أبيح له الضرب فإنما أبيح لمنفعة نفسه فإن حق المالك في الآخر يتقرر بدونه ومثله يقيد بشرط السلامة كتعزير الزوج زوجته ورمي الرجل إلى الصيد ومشيه في الطريق مباح شرعا ، ثم يتقيد بشرط السلامة بخلاف ما إذا أذن له المالك فيها نصا فإن بعد الإذن فعله كفعل المالك .
وإن استأجرها ليحمل عليها متاعا سماه إلى موضع معلوم فأجرها بمثل ذلك بأكثر مما استأجرها لم يطب له الفضل إلا أن يزيد معها حبلا أو جوالق أو لجاما فحينئذ يجعل زيادة الأجر بإزاء ما زاد ولو علفها لم يطب له الفضل ; لأن العلف ليس بعين ينتفع به المستأجر لنجعل الزيادة بمقابلته .

وإن استأجرها بغير لجام فألجمها أو بلجام فنزعه وأبدله بلجام آخر مثله فلا ضمان عليه ; لأن اللجام لا يضر بالدابة وإنما ينفعها من حيث إن السير يخفف به عليها فلم يكن هذا خلافا من المستأجر إلا إذا ألجمها بلجام لا يلجم مثلها به فحينئذ يكون مخالفا ضامنا .
وإذا استأجر دابة لحمولة فساق رب الدابة فعثرت فسقطت الحمولة وفسدت وصاحب [ ص: 175 ] المتاع يمشي مع رب الدابة أو ليس معه فالمكارى ضامن ; لأن المكارى أجير مشترك والتلف حصل بجناية يده ، وكذلك لو انقطع حبله فسقط الحمل فهذا من جناية يده ; لأنه لما شده بحبل لا يحتمله كان هو المسقط للحمل ولو مطرت السماء ففسد الحمل أو أصابته الشمس ففسد أو سرق من ظهر الدابة فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله وهو ضامن في قول من يضمن الأجير ; لأن التلف حصل لا بفعله على وجه يمكن التحرز عنه وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله قال : إذا كان صاحب الحمل معه فسرق لم يضمن المكارى ; لأن الحمل في يد صاحبه والأجير المشترك إنما يصير ضامنا عندهما باعتبار يده فما دام المتاع في يد صاحبه لم يضمن الأجير إذا تلف بغير فعله فإن حمل عليها عبدا صغيرا فساق به رب الدابة فعثرت وعطب العبد فلا ضمان عليه ; لأن هذا جناية ولا يشبه هذا المتاع ومعنى هذا الكلام أن ما يجب من الضمان بإتلاف النفوس ضمان الجناية وضمان الجناية ليس من جنس ضمان العقد . ( ألا ترى ) أنه يجب على العاقلة مؤجلا ووجوب الضمان على الأجير المشترك فيما جنت يده باعتبار العقد فلا يلزمه ما ليس من جنس ضمان العقد ، فأما ضمان المتاع من جنس ضمان العقد حتى يكون عليه حالا دون العاقلة وبيان هذا الكلام أن على أحد الطريقين يقيد العمل بصفة السلامة بمقتضى عقد المعاوضة وعلى الطريق الآخر العمل مضمون عليه ; لأنه يقابله بدل مضمون فعرفنا أن الضمان على الطريقين باعتبار العقد ، وكذلك لو حمل عليها صاحب المتاع متاعه وركبها فساقها رب الدابة فعثرت فعطب الرجل وأفسد المتاع لم يضمن رب الدابة شيئا إما لأنه لا يضمن نفس صاحب المتاع ; لأن ذلك ضمان الجناية ولا يضمن المتاع ; لأن متاعه في يده معناه أن العمل فيه يصير مسلما بنفسه فيخرج من ضمان رب الدابة .
وإذا تكارى من رجل دابة شهرا بعشرة دراهم على أنه متى ما بدا له من ليل أو نهار حاجة ركبها لا يمنعه منها فإن كان سمى بالكوفة ناحية من نواحيها فهو جائز ، وإن لم يكن سمى مكانا فالإجارة فاسدة ; لأن المعقود عليه لا يصير معلوما ببيان المدة إذا لم يكن الركوب مستغرقا بجميع المدة وإنما يصير معلوما ببيان المكان فما لم يبين ذلك لا يجوز ، وإن تكاراها يوما يقضي حوائجه في المصر فهو جائز ; لأن الركوب هنا مستدام في المدة المذكورة ولأن نواحي المصر في حكم مكان واحد ; ولهذا جاز عقد السلم إذا شرط الإيفاء في المصر وأن يبين موضعا منه فإذا كان نواحي المصر كمكان واحد كان له أن يركب إلى أي نواحي المصر شاء وإلى الجنازة ونحوها ; لأن المقابر من فناء المصر وليس له أن يسافر عليها ; لأنه [ ص: 176 ] استأجرها للركوب في المصر ، وإن تكاراها إلى واسط يعلفها ذاهبا وجائيا فركبها حتى أتى واسط فلما رجع حمل عليها رجلا معه فعطبت فعليه أجر مثلها في الذهاب ; لأن الاستئجار بعلفها فاسد لجهالة الأجر وقد استوفى منفعتها بعقد فاسد فعليه أجر مثلها في الذهاب ونصف أجر مثلها في الرجوع ; لأنه استوفى في الرجوع منفعة نصفها وهو ما شغلها بركوب نفسه فلذلك يلزمه نصف أجر المثل وقد ذكر قبل هذا في الإجارة الصحيحة أنه إذا ركبها وأردف فعليه جميع المسمى ومن أصحابنا رحمه الله من يقول : لأن في الإجارة الصحيحة يجب الأجر بمجرد التمكن وفي الفاسد لا يجب الأجر إلا باستيفاء المنفعة ولهذا يلزمه بقدر ما استوفى .

( قال : ) رضي الله عنه وهذا ليس بقوي عندي في الموضعين جميعا فبالتمكن من الاستيفاء يوجب أجر المثل وفي العقد الصحيح لا يعتبر التمكن فيما شغله بركوب غيره ولكن الصحيح أنه لا فرق في الحقيقة إنما يجب أجر المثل بحسب ما استوفى من المنفعة فيتضاعف أجر مثلها إذا أردف فإذا أوجبنا عليه نصف أجر مثلها فقد أوجبنا من أجر المثل جميع ما يخص ركوبه ، وكذلك عند صحة العقد فإن جميع المسمى هناك بمقابلة ركوبه فهو نظير نصف أجر المثل هنا ، ثم يكون ضامنا نصف قيمة الدابة ، وإن حمل عليها متاعا معه فهو ضامن بقدر ما زاد ; لأنه مخالف له في ذلك ويحسب ما علفها به لأنه علفها بإذن صاحبها فيستوجب الرجوع به عليه ويكون قصاصا بما استوجب عليه صاحبها من الأجر .

وإن تكارى دابة عشرة أيام كل يوم بدرهم فحبسها ولم يركبها حتى ردها يوم العاشر قال : يسع صاحبها أن يأخذ الكراء ، وإن كان يعلم أنه لم يركبها لأنه أتى بما يستحقها بما هو المستحق عليه بالعقد وهو تسليم الدابة إليه وتمكينه من ركوبها في المدة فيطيب له الأجر كالمرأة إذا سلمت نفسها إلى زوجها طاب لها جميع الصداق ، وإن كانت تعلم أن زوجها لم يطأها .
وإن تكاراها يوما واحدا فلا أجر عليه فيما حبسها بعد ذلك ، وإن أنفق عليها فهو متطوع في ذلك إلا أن يكون بأمر صاحبها .
ولو تكارى دابة لعروس تزف عليها إلى بيت زوجها فحبس الدابة حتى أصبح ، ثم ردها ولم يركب فلا كراء عليه ; لأنه لم يوجد تسليم المعقود عليه فالمعقود عليه خطوات الدابة في الطريق لنقل العروس ، وذلك لا يوجد عند حبس الدابة في البيت ، وإن حملوا عليها غير العروس فإن تكاراها لعروس بعينها فهو ضامن ولا كراء عليه ; لأنه غاصب مخالف ، وإن تكاراها لعروس بغير عينها فلا ضمان عليه وعليه الكراء استحسانا ; لأن المستحق بالعقد قد استوفي والتعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء ، وإن تكاراها على [ ص: 177 ] أن يركب مع فلان يشيعه فحبسها من غدوة إلى انتصاف النهار ، ثم بدا للرجل أن لا يخرج فرد الدابة عند الظهر فإن كان حبسها قدر ما يحبس الناس فلا ضمان عليه ، وإن حبسها أكثر من ذلك فهو ضامن لإمساكه إياها في غير المكان المشروط إلا أن قدر ما يحبس الناس صار مستثنى له بالعرف ولا أجر عليه في الوجهين ; لأنه لم يستوف المعقود عليه فالمعقود عليه خطوات الدابة في الطريق ولا يوجد ذلك إذا حبسها في المصر ولأن صاحب الدابة متمكن من أن تسير الدابة معه إلى الطريق ، وإن ركبها بعد الحبس فلا أجر عليه أيضا ; لأنه صار ضامنا بالخلاف فيكون كالغاصب لا يلزمه الأجر إذا عطبت لاستناد ملكه فيها إلى وقت وجوب الضمان عليه .
وإن تكارى دابة بغير عينها إلى حلوان فنتجت في الطريق وضعفت من حمل الرجل لأجل الولادة فعلى المكاري أن يأتي بدابة أخرى تحمله ومتاعه ; لأنه التزم بالعقد العمل في ذمته فعليه الوفاء بما التزم .

( ألا ترى ) أن هذه الدابة لو هلكت كان عليه أن يأتي بأخرى ، فكذلك إذا ضعفت إلا أن يكون الكراء وقع على هذه بعينها فحينئذ المعقود عليه منافعها ولا يتأتى استيفاء ذلك من دابة أخرى بل يكون عذرا في فسخ الإجارة .

وإن تكارى ثلاث دواب ، ثم إن رب الدواب أجر دابة من غيره وأعار أخرى ووهب أخرى أو باع فوجد المستكري الدواب في أيديهم فإن كان باع من عذر فبيعه جائز وانتقضت الإجارة على رواية هذا الكتاب وقد بيناه ، وإن باع من غير عذر فالبيع مردود والمستكري أحق بالدواب لتقدم عقده وثبوت استحقاق المنافع له واليد في العين بذلك العقد إلا أن ما وجده في يد المستعير فلا خصومة بينهما حتى يحضر رب الدواب ; لأن يد المستعير ليست بيد الخصومة وما وجده في يد الموهوب له فهو خصم فيها ; لأنه يدعي ملك عينها فيكون خصما لمن يدعي حقا فيها وأما الإجارة فالمستأجر أحق بها حتى يستوفي الإجارة وهذا جواب منهم ; فإنه لم يبين أي المستأجرين أحق بها فمن أصحابنا رحمهم الله من يقول : مراده الأول والثاني يكون خصما له ; لأن الأول يدعي ما يزعم الثاني أنه له فيكون خصما له في ملكه ولكن الأصح أن المستأجر الثاني لا يكون خصما للأول حتى يحضر رب الدابة بمنزلة المستعير ; لأنه لا يدعي ملك عينها لنفسه .
ولو تكارى غلاما ودابة إلى البصرة بعشرة دراهم ذاهبا وجائيا وقد شرط لهم درهما إلى الكوفة فأبق الغلام ونفقت الدابة فعليه من الأجر بحساب ما أصاب من خدمة الغلام وركوب الدابة ; لأنه استوفى المعقود عليه بذلك القدر ، ثم انعدم تمكنه من استيفاء ما بقي بالهلاك والإباق وقد [ ص: 178 ] كان أمينا فيهما ولا ضمان عليه .
وإن استأجر الدابة وحدها وقال : المكاري استأجر غلاما عني كي نتبعك ونتبع الدابة وأجره علي وأعطاه نفقة ينفق على الدابة ففعل المستأجر وسرقت النفقة من الغلام فإن أقام المستأجر البينة أنه استأجر الغلام وأقر الغلام بالقبض لزم المكارى النفقة ضاعت أو لم تضع وإلا فلا شيء عليه ; لأنه في استئجار الغلام وكيل صاحب الدابة وقد أثبته بالبينة فيجعل كأن صاحب الدابة . استأجره بنفسه ثم الغلام وكيل المكاري في قبض النفقة منه فإقراره بالقبض كإقرار صاحب الدابة ولو تكاراها إلى بغداد بعشرة دراهم وأعطاه الأجر فلما بلغ بغداد رد عليه بعض الدراهم وقال : هي زيوف أو ستوقة فالقول قول رب الدابة في ذلك إن لم يكن أقر بشيء ; لأنه ينكر استيفاء حقه ، وإن أقر بقبض الدراهم فالقول قوله فيما يزعم أنه زيوف ; لأن الزيوف من جنس الدراهم فلا يصير به مناقضا ولا يقبل قوله فيما زعم أنه ستوق ; لأنه مناقض في كلامه فالستوق ليس من جنس الدراهم ، وإن كان أقر باستيفاء الأجرة أو باستيفاء حقه أو باستيفاء الجياد فلا قول له بعد ذلك فيما يدعي لكونه متناقضا .

وإذا مات المكارى في الطريق فاستأجر المستكري رجلا يقوم على الدابة فالأجر عليه وهو متطوع في ذلك فهو كما لو أنفق على الدابة ، وإن نفقت الدابة في الطريق فعليه من الكراء بقدر ما ساروا والقول في ذلك قوله ; لأنهما تصادقا على أنه لم يستوف جميع المعقود عليه وإنما اختلفا في مقدار ما استوفى أو في مقدار ما لزمه من الأجر فرب الدابة يدعي الزيادة والمستكري منكر لذلك .
وإن تكارى دابتين إحداهما إلى بغداد والأخرى إلى حلوان فإن كانت التي إلى بغداد بعينها والتي إلى حلوان بعينها جاز العقد ; لأن المعقود عليه معلوم ، وإن كانت بغير عينها لم يجز لجهالة في المعقود عليه على وجه يفضي إلى المنازعة وعليه فيما ركب أجر مثله ولا ضمان عليه اعتبارا للعقد الفاسد بالجائز .
وإن تكارى بغلا إلى بغداد فأراد المكاري أن يحمل متاعا له أو لغيره بكراء مع متاع فللمستكري أن يمنعه من ذلك ; لأن بالعقد استحق منافعه وقام هو في ذلك مقام المالك والمالك مقام الأجنبي فإن حمله وبلغ الدابة بغداد لم يكن للمستكري أن يحبس عنه شيئا من الأجر لذلك ; لأنه حصل مقصوده بكماله واستوفى ما استحقه بالعقد فإذا اختلف المؤاجران في مقدار الكراء فالقول قول المستأجر ; لأنهما يدعيان عليه الزيادة وبعد استيفاء المنفعة عقد الإجارة لا يحتمل الفسخ فكان القول قول المنكر للزيادة ، وإن أقام المؤاجران البينة فلكل واحد منهما نصف ما شهد به شهوده ; لأن . [ ص: 179 ] كل واحد منهما يثبت حق نفسه وحق صاحبه وبينة كل واحد منهما على إثبات حقه أولى بالقبول ولأن كل واحد منهما مكذب ببينة صاحبه فلا تكون تلك البينة حجة في نصيبه ، وإن تكاراها على أنه بالخيار ساعة من نهار فركبها على ذلك فعطبت فعليه الأجر ولا ضمان عليه ; لأن ركوبه إياها في مدة خياره دليل الرضا منه بسقوط الخيار ; فإنه مستوف للمعقود عليه متلف فلزمه الأجر بقدر ما استوفى ولا ضمان عليه كما لو لم يكن في العقد خياره ، وإن كان الخيار لصاحب الدابة فالمستكري ضامن لها ولا أجر عليه ; لأنه غاصب في ركوبها قبل أن يتم رضى صاحبها به فإذا شرط الخيار يعدم تمام الرضاء .
ولو تكارى حمارا يطحن عليه فأوثقه في الرحا وساقه الأجير فتعسف عليه الأجير حتى عطب من عمله فالأجير ضامن ; لأنه متلف له بالتعسف في سيره ولم يكن مأمورا بذلك من جهة المستأجر لينتقل فعله إليه فلهذا لا شيء على المستأجر منه
وإن استأجر ثورا يطحن عليه كل يوم عشرة أقفزة فوجده لا يطحن إلا خمسة أقفزة فالمستأجر بالخيار ; لأنه يغير عليه شرط عقده فإذا شاء أبطل الإجارة عليه فيما بقي عليه وفيما عمل من الطحن بحساب ما عمل من الأيام ولا يحط عنه من ذلك شيئا ; لأن المعقود عليه منفعة الثور في المدة وقد استوفى ذلك واشتراط عشرة أقفزة في كل يوم ليس لإيراد العقد على العمل بل لبيان جلادة الثور في عمل الطحن ; فلهذا لا ينتقض عنه شيء من الأجر فيما عمل من الأيام .

ولو تكارى دابة إلى بغداد فوجدها لا تبصر بالليل أو جموحا أو عثورا أو تعض فإن كانت الدابة بعينها فله الخيار لتغيير شرط العقد عليه وعليه من الأجر بحساب ما سار ; لأنه استوفى المعقود عليه بقدره ، وإن كانت بغير عينها فله أن يبلغه إلى بغداد على دابة غيرها لأنه التزم العمل في ذمته وهذا إذا قامت البينة على عيب هذه الدابة ; لأن دعوى المستأجر العيب غير مقبول إلا بحجة .
ولو تكارى بعيرا ليعمل عليه عملا على النصف ( قال : ) كان أبو حنيفة رحمه الله يقول إذا كان ينقل الحمل على البعير فالأجر كله لصاحب البعير ; لأنه بدل منفعة بعيره والمدفوع إليه نائب عنه في الإكراء وللذي يعمل عليه أجر مثله على صاحب البعير ; لأنه ابتغى عن منافعه عوضا وقد سلمت منافعه لصاحب البعير ولم يسلم له العوض بمقابلته فعليه أجر المثل له ، وإن كان الرجل يحمل عليه المتاع ليبيعه فما اكتسب عليه من شيء فهو له ; لأنه عامل لنفسه فيما اكتسب بالبيع والشراء وعليه أجر مثل البعير ; لأن صاحب البعير ابتغى عن منافع بعيره عوضا ولم يسلم له ذلك .
رجل تكارى غلاما ليذهب له بكتاب إلى بغداد فقال الغلام قد [ ص: 180 ] ذهبت بالكتاب وقال الذي أرسل إليه الكتاب لم يأتني به فعلى الغلام البينة على ما يدعي ; لأنه يدعي إبقاء المعقود عليه ، وإن أقام البينة أنه قد دفع الكتاب إليه كان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم وله الأجر على المرسل دون من حمل الكتاب إليه ، وإن قال المرسل إليه أعطيته أجرة عشرة دراهم فعليه البينة على ذلك كما لو كان المرسل هو الذي يدعي إيفاء الأجر ، وإن أقام الغلام البينة أنه قد أتى بغداد بالكتاب فلم يجد الرجل فله الأجر ; لأنه أتى بما استحق عليه وهو قطع المسافة إلى بغداد مع الكتاب كما أمر به ، ثم إن كان استأجره ليذهب بالكتاب ويأتي بالجواب فله أجر حصة الذهاب دون الرجوع لأنه في الرجوع غير ممتثل أمره ولا عامل له حين لم يكن الجواب معه

وإذا عاد بالكتاب حين لم يجد الرجل فلا أجر له في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله : له ما يخص الذهاب من الأجر ; لأنه في الذهاب عامل له كما أمر به فتقرر حقه في الأجر بقدره كما لو ترك الكتاب هناك عند أهل من أرسل إليه وهذا بخلاف ما إذا استأجره ليحمل طعاما إلى بغداد فحمله ، ثم عاد به ; لأن استحقاق الأجر هناك بنقل الطعام من مكان وقد نقص ذلك حين عاد بالطعام فلم يبق تسليم شيء من المعقود عليه وهنا الأجر له بقطع المسافة إذ ليس للكتاب حمل ومؤنة فلا يصير بالرجوع ناقصا عمله سواء عاد بالكتاب أو لم يعد وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان شيء من مقصود الأمر لم يحصل بعمله فلا يستوجب الأجر عليه كما لو ذهب من جانب آخر وبيان ذلك أن مقصود الأمر أن يصل الكتاب إلى المرسل إليه ويصل الجواب إليه وحين عاد بالكتاب صار الحال كما قبل ذهابه من حيث إن شيئا من مقصود الأمر غير حاصل ، فأما إذا ترك الكتاب هناك فبعض مقصوده حاصل ; لأن المكتوب إليه إذا حضر وقف على ما في الكتاب ويبعث بالجواب على يد غيره فلحصول بعض المقصود هناك ألزمناه حصة الذهاب من الأجر .

رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم ولم يقل أركبها بسرج ولا إكاف فجاء بها المكاري عريانة فركبه بسرج أو إكاف فعطبت ( قال : ) إن كان يركب في ذلك الطريق مثل تلك الدابة بإكاف أو بسرج فلا ضمان عليه ، وإن كانت لا تركب إلا بسرج فركب بإكاف فهو ضامن ; لأنه بمطلق العقد يستحق استيفاء المعقود عليه على الوجه المتعارف فإذا خالف ذلك صار ضامنا .
ولو تكارى من الفرات إلى جعفي ( وجعفي ) قبيلتان بالكوفة ولم يسم أي القبيلتين هي أو إلى الكناسة ولم يسم أي الكناستين أو إلى بجيلة ولم يسم أيهما هي الظاهرة أو الباطنة فعليه [ ص: 181 ] أجر مثلها ; لأن المعقود عليه مجهول فكان العقد فاسدا واستيفاء المنفعة بحكم العقد الفاسد يوجب أجر المثل ومثله بحارا إذا تكاراها إلى السهلة ولم يبين أي السهلتين هي سهلة قوت أو سهلة أمير أو تكاراها إلى حسون ولم يبين أي القريتين .
ولو تكارى عبدا مأذونا أو غير مأذون بنصف ما يكتسبه على هذه الدابة فالإجارة فاسدة لجهالة الأجر ولأنه جعل الأجر بعض ما يحصل بعمله فالإجارة فاسدة وله أجر مثله فيما عمل له إن كان مأذونا أو استأجره من مولاه ، وإن كان غير مأذون ولم يستأجره من مولاه فإن عطب الغلام كان ضامنا لقيمته ; لأنه غاصب له حين استعمله بغير إذن مولاه ولا أجر عليه ; لأنه ملكه بالضمان من حين وجب عليه الضمان ، وإن سلم فعليه الأجر استحسانا وفي القياس لا أجر عليه ; لأنه غاصب له ضامن ، وجه الاستحسان أن العقد الذي باشره العبد بتمحض منفعة إذا سلم من العمل ; لأنه إن اعتبر وجب الأجر ، وإن لم يعتبر لم يجب شيء والعبد المحجور عليه غير ممنوع عما يتمحض منفعة قبول الهبة والصدقة ولأن العقد اكتساب محض إذا سلم من العمل فهو كالاحتطاب والاصطياد إذا باشره العبد بغير إذن مولاه وهذا ; لأن الحجر لدفع الضرر عن المولى وفيما لا ضرر عليه لا حجر .
وإن تكاراها إلى بغداد على إن بلغه إليها فله رضاه فبلغه إليها فقال : رضائي عشرون درهما فله أجر مثلها لجهالة الأجر عند العقد واستيفاء المنفعة بعقد فاسد إلا أن يكون أجر المثل أكثر من عشرين درهما فلا يزاد عليه ; لأنه رضي بهذا المقدار وأبرأه عن الزيادة ، وإن تكاراها بمثل ما يكاري به أصحابه أو بمثل ما يتكارى به الناس فعليه أجر مثلها ; لأن المسمى مجهول فالناس يتفاوتون في ذلك فمن بين مسامح ومستقض .
وإن تكارى دابة من الكوفة إلى مكان معلوم من فارس بدراهم أو دنانير فعليه نقد الكوفة ووزنها ; لأن السبب الموجب للأجر هو النقد ، وإن تأخر الوجوب إلى استيفاء المعقود عليه والعقد كان بالكوفة فينصرف مطلق التسمية إلى وزن الكوفة ونقدها وهذا ; لأن عمل العرف في تقييد مطلق التسمية والتسمية عند العقد لا عند استيفاء المنفعة ; فلهذا يعتبر مكان العقد فيه ، وإن تكاراها إلى فارس ولم يسم مكانا معلوما منها فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه فقد سمي ولاية مشتملة على الأمصار والقرى فإذا لم يبين موضعا منها فالمنازعة تتمكن بينهما من حيث إن المكاري يطالبه بالركوب إلى أدنى ذلك الموضوع وهو يريد الركوب إلى أقصى تلك الولاية ويحتج كل واحد منهما بمطلق التسمية ومثله في ديارنا إذا تكارى دابة إلى فرغانة أو إلى سعد .
وإن تكارى إلى الري ولم يسم [ ص: 182 ] مدينتها ولا رستاقا بعينه فالعقد فاسد أيضا وروى هشام عن محمد رحمهما الله أن العقد جائز وجعل الري اسما للمدينة خاصة بمنزلة ما لو تكاراها إلى سمرقند أو أوزجند ولكن في ظاهر الرواية قال : اسم الري يتناول المدينة ونواحيها فإذا لم يبين المقصد يمكن جهالة فيه تفضي إلى المنازعة فإن ركبها إلى أدنى الري فله أجر مثلها لا يزاد على ما سمى ; لأن المكاري رضي بالمسمى إلى أدنى الري فإن ركبها إلى أقصى الري فله أجر مثلها لا ينتقض ما ما سمى لأن المستكري قد التزم المسمى إلى أقصى الري فلا ينتقص عنه ويزاد عليه إذا كان أجر المثل أكثر من ذلك ; لأن المكاري إذا رضي بالمسمى إلى أدنى الري فلا يصير راضيا إلى أقصى الري ومثله في ديارنا إذا استأجرها إلى بخارى فهو اسم للبلدة بنواحيها فأول حدود بخارى كرمينية وآخره فربر وبينهما مسافة بعيدة فالتخريج فيه كتخريج مسألة الري .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #327  
قديم 18-12-2025, 10:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 182الى صـــ 184
(327)






وإن تكاراها من الكوفة إلى بغداد وعلى أنه أدخله بغداد في يومين فله عشرة وإلا فله درهم فهذا من الجنس الذي تقدم بيانه أن عند أبي حنيفة رحمه الله التسمية الأولى صحيحة والثانية فاسدة وعندهما تصح التسميتان وقد بينا ذلك في الخياط .
رجل تكارى دابة من رجل بالكوفة من الغداة إلى العشي .

( قال : ) يردها عند زوال الشمس لأن ما بعد الزوال عشي قيل في تفسير قوله تعالى { أن سبحوا بكرة وعشيا } : قبل الزوال ، وكذلك في قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } : إن الغداة قبل الزوال ، والعشي ما بعده وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى أحد صلاتي العشاء إما الظهر أو العصر } إذا ثبت هذا فنقول جعل العشي غاية والغاية لا تدخل في الإجارة فإن ركبها بعد الزوال ضمنها ; لأن العقد انتهى بزوال الشمس فهو غاصب في الركوب بعد ذلك ، وإن تكاراها يوما ركبها من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ; لأن اليوم اسم لهذا الوقت .

( ألا ترى ) أن الصوم يقدر باليوم شرعا وكان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وكذلك القياس فيما إذا استأجر أجيرا يوما إلا أن الأجير ما لم يفرغ من الصلاة لا يشتغل بالعمل عادة فتركنا القياس فيه لهذا ولا يوجد هذا المعنى في استئجار الدابة ، وإن تكاراها ليلة ركبها عند غروب الشمس فيردها عند طلوع الفجر فإن بغروب الشمس يدخل الليل بدليل حكم الفطر ولم يذكر إذا تكاراها نهارا وبعض مشايخنا رحمهم الله يقول : إنما يركبها من طلوع الشمس إلى غروب الشمس فإن النهار اسم الوقت من طلوع الشمس { قال : صلى الله عليه وسلم صلاة النهار عجما } فلا يدخل في ذلك الفجر ولا المغرب [ ص: 183 ] وإنما سمي نهارا لجريان الشمس فيه كالنهر يسمى نهرا لجريان الماء فيه ولكن هذا إذا كان من أهل اللغة يعرف الفرق بين اليوم والنهار فإن العوام لا يعرفون ذلك ويستعملون اللفظين استعمالا واحدا فالجواب في النهار كالجواب في اليوم ، وإن تكاراها بدرهم يذهب عليها إلى حاجته لم يجز العقد إلا أن يبين المكان ; لأن المعقود عليه لا يصير معلوما إلا بذكر المكان ولا ضمان على المستأجر في الدابة إذا هلكت وهي في يده على إجارة فاسدة ; لأن الفاسد من العقد معتبر بالجائز ولأنه في الوجهين مستعمل للدابة بإذن المالك ، وإن استحقت الدابة من يد المستأجر وقد هلكت عنده فضمن قيمتها رجع على الذي أجرها منه ; لأنه مغرور من جهته بمباشرة عقد الضمان فيرجع عليه بما يلحقه من الضمان بسببه ولا يملكها المستأجر بضمان القيمة ; لأن الملك في المضمون يقع لمن يتقرر عليه الضمان وهو الأجر ولا أجر للمستحق على أحد لأن وجوب الأجر بعقد باشره الأجر فيكون الأجر له خاصة .

وإن تكارى دابة يطحن عليها كل شهر بعشرة دراهم ولم يسم كم يطحن عليها كل يوم فالإجارة جائزة ; لأن المعقود عليه منفعة الدابة في المدة ، وذلك معلوم ولا يضمن إن عطبت من العمل إلا أن يكون شيئا فاحشا ; لأن المستحق بمطلق العقد استيفاء المعقود عليه على الوجه المتعارف فإذا جاوز ذلك كان مخالفا ضامنا .
وإن تكاراها إلى بغداد وركبها وخالف المكان الذي استأجرها إليه .

( قال : ) الكراء لازم له في مسيره قبل الخلاف ; لأنه استوفى المعقود عليه في ذلك القدر كما أوجبه العقد وهو ضامن للدابة فيما خالف ولا أجر عليه بعد ما صار ضامنا لها .

وإن تكاراها ليحمل عليها إنسانا فحمل امرأة يقيلها برحل أو بسرج فعطبت الدابة فلا ضمان عليه ولا على المرأة ; لأنه مستوف للمعقود عليه فالمسمى في العقد إنسان وهي إنسان ، وإن كانت ثقيلة إلا أن يكون أن مثل تلك الدابة لا يطيق حملها فحينئذ يكون إتلافا موجبا للضمان وقد تطرف في العبارة حيث وضع هذه المسألة في النساء دون الرجال لأن النقل بهذه الصفة في الرجال مذموم وفي النساء محمود .
وإن تكارى يوما إلى الليل بدرهم فأراه الدابة على أريها وقال : اركبها إذا شئت فلما جاء الليل تنازعا في الكراء والركوب فإن كانت الدابة دفعت إلى المستأجر فعليه الأجر ; لأن الآجر سلم المعقود عليه فيتمكن المستأجر من الاستيفاء ، وإن كان لم يدفعها فلا أجر عليه ; لأنه لم يسلم المعقود عليه إليه وعلى رب الدابة البينة أنه قد ركبها ; لأنه يدعي استيفاء المعقود عليه ووجوب الأجر فعليه أن يثبت ذلك بالبينة .
وإن تكاراها إلى الحيرة في حاجة له فقال : دونك الدابة [ ص: 184 ] فاركبها كان في قدر ما يرجع من الحيرة فقال : لم أركبها ولم أنطلق إلى الحيرة .

( قال : ) إذا حسبها في قدر ما يذهب إلى الحيرة ويرجع فلا أجر عليه إذا لم يذهب ; لما بينا أن المعقود عليه خطوات الدابة في طريق الحيرة ولا يتصور وجود ذلك إذا كانت الدابة على أريها في البيت ، وإن دفعها إليه وقال : لم أذهب بها إن علم أنه توجه إلى الحيرة فقال : رجعت ولم أذهب لم يصدق ; لأنه لما علم توجهه إلى الحيرة ومضى من الزمان بعد ذلك مقدار ما يذهب ويجيء فالظاهر أنه قد أتى الحيرة فهو في قوله رجعت يدعي خلاف ما يشهد به الظاهر ، وإن ردها من ساعة فلا أجر عليه ; لأن الظاهر شاهد له فإن قيل كيف يستحق رب الدابة الأجر بالظاهر والظاهر حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق قلنا استحقاقه بالعقد عند تمكن المستأجر من استيفاء المعقود عليه فإنما يثبت بالظاهر ; لأنه يتمكن ، وذلك لا يكون استحقاقا بالظاهر ولأنه بهذا الظاهر يدفع قول المستأجر إني رجعت قبل أن آتي الحيرة .

ولو تكارى دابة من رجل إلى بغداد على أن يعطيه الأجر إذا رجع من بغداد فمات المستأجر ببغداد فالأجر إلى بغداد دين في ماله لأنه استوفى المعقود عليه في ذلك القدر ، ثم انتقضت الإجارة بموته وسقط الأجل أيضا فكان أجر ذلك المقدار دينا في تركته كسائر الديون والله أعلم
انتهى المجلد الخامس عشر





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #328  
قديم 18-12-2025, 10:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 2الى صـــ 11
(328)






[ ص: 2 ] باب انتقاض الإجارة

( قال رحمه الله ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال حين وضع رجله في الغرز إن الناس قائلون غدا ماذا قال عمر ، وإن البيع عن صفقة ، أو خيار والمسلمون عند شروطهم ) ، وفي هذا الحديث دليل أن الإجارة يتعلق بها اللزوم إذا لم يشترط فيها الخيار كالبيع بخلاف ما يقوله شريح رحمه الله إن الإجارة من المواعيد لا تكون لازمة ، وقد بيناه ، وفيه دليل على أن البيع نوعان لازم بنفسه وغير لازم إذا شرط فيه الخيار فإن الصفقة هي اللازمة النافذة يقال هذه صفقة لم يشهدها خاطب إذا أنفذ أمر دون رأي رجل فيكون حجة على الشافعي رحمه الله ; لأنه يثبت خيار المجلس في كل بيع ، وفيه دليل وجوب الوفاء بالمشروط إذا كان الشرط صحيحا شرعا فلا خلاف بيننا . فالشافعي رحمه الله يقول عقد الإجارة إذا أطلقت فهي لازمة كالبيع إلا أن عندنا قد يفسخ الإجارة بالعذر ، وعنده لا يفسخ إلا بالعيب وهو بناء على أصله أن المنافع كالأعيان الموجودة حكما فإن العقد عليها كالعقد على العين فكما لا يفسخ البيع إلا بعيب . فكذلك الإجارة ، وعندنا جواز هذا العقد للحاجة ولزومه لتوفير المنفعة على المتعاقدين . فإذا آل الأمر إلى الضرر أخذنا فيه بالقياس وقلنا العقد في حكم المضاف في حق المعقود عليه والإضافة في عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال كالوصية ، ثم الفسخ بسبب العيب لدفع الضرر لا لعين العيب . فإذا تحقق الضرر في إيفاء العقد يكون ذلك عذرا في الفسخ .

وإن لم يتحقق العيب في المعقود عليه ( ألا ترى ) أن من استأجر أجيرا ليقلع ضرسه فسكن ما به من الوجع كان ذلك عذرا في فسخ الإجارة ، أو استأجره ليقطع يده للآكلة ، ثم بدا له في ذلك ، أو استأجره ليهدم بناء له ، ثم بدا له في ذلك ; لأنه لا يتمكن من إيفاء العقد إلا بضرر يلحقه في نفسه ، أو ماله من حيث إتلاف شيء من بدنه أو إتلاف ما له وجواز الاستئجار للمنفعة لا للضرر ، وقد يرى [ ص: 3 ] الإنسان المنفعة في شيء ، ثم يتبين له الضرر في ذلك .

وكذلك لو استأجره ليتخذ له وليمة ، ثم بدا له في ذلك فليس للأجير أن يلزمه اتحاد الوليمة شاء أو أبى ; لأن في ذلك عليه من الضرر في إتلاف ماله وجواز الاستئجار للمنفعة لا لضرر إذا عرف هذا فنقول من العذر في استئجار البيت أن ينهدم البيت ، أو يهدم منه ما لا يستطيع أن يسكن فيه ، وهذا من نوع العيب في المعقود عليه وثبوت حق الفسخ به مجمع عليه ; لأن تقبض الدار المنافع لا تدخل في ضمانه فحصول هذا العارض في يد المستأجر كحصوله في يد الآجر فإن أراد صاحب البيت أن يبيعه فليس هذا بعذر ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد إلا قدر ما التزمه عند العقد وهو الحجر على نفسه عن التصرف في المستأجر إلى انتهاء المدة ، وإن باعه فبيعه باطل لا يجوز لعجزه عن التسليم .

وقد بينا في البيوع أن الصحيح من الرواية أن البيع موقوف على سقوط حق المستأجر ، وليس للمستأجر أن يفسخ البيع ، وإن كان على المؤاجر دين فحبس في دينه فباعه فهذا عذر ; لأن علته في إيفاء العقد ضرر لم يلتزم ذلك بالعقد وهو الحبس على سقوط حق المستأجر عن العين فإن بعقد الإجارة لا يزول ملكه عن العين ولا يثبت للمستأجر حق في ماليته فيكون المديون مجبورا على قضاء الدين من ماليته محبوسا لأجله إذا امتنع ; فلهذا كان ذلك عذرا له في الفسخ ، ثم ظاهر ما يقول هنا يدل على أنه يبيعه بنفسه فيجوز .

وقد ذكر في الزيادات أنه يرفع الأمر إلى القاضي ليكون هو الذي يفسخ الإجارة وبيعه وهو الأصح ; لأن هذا فصل مجتهد فيه فيتوقف على إمضاء القاضي كالرجوع في الهبة .
وإن انهدم منزل المؤاجر ولم يكن له منزل آخر فأراد أن يسكنه لم يكن له أن ينقض الإجارة ; لأنه لا ضرر عليه فوق ما التزمه بالعقد فإنه يتمكن من أن يكتري منزلا آخر أو يشتري ، وكذلك إن أراد التحول من المصر ; لأنه لا يخرج المنزل مع نفسه فلا يلحقه ضرر فوق ما التزمه بالعقد وهو ترك المنزل في يد المستأجر إلى هذه المدة ، وإن كان هذا بيتا في السوق يبيع فيه ويشتري فلحق المستأجر دين ، أو أفلس فقام من السوق فهذا عذر وله أن ينقض الإجارة ; لأنه استأجره للانتفاع وهو يتضرر بإيفاء العقد بعد ما ترك تلك التجارة ، أو أفلس ضررا لم يلزمه بنفس العقد ، وكذلك إذا أراد التحول من بلد إلى بلد ; لأنه لو لزمه الامتناع من السفر تضرر به ضررا لم يلتزمه بالعقد ، وبعد خروجه لا يتمكن من الانتفاع بالبيت فإن قال رب البيت إنه يتعلل ولا يريد الخروج حلف القاضي المستأجر على ذلك ; لأن الظاهر شاهد له فالظاهر أنه لا يترك ما كان عزم عليه من التجارة في الحانوت إلا إذا أراد [ ص: 4 ] التحول من بلد إلى بلد فالقول قوله مع يمينه .

وقيل بحكم القاضي حاله في ذلك فإن رآه قد استعد للسفر قبل قوله قال الله تعالى { ، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وقيل يقول له مع من يخرج فالإنسان لا يسافر إلا مع رفقة ، ثم يسأل رفقاءه عن ذلك ، وإن فسخ العقد وخرج الرجل ، ثم رجع وقال قد بدا لي في ذلك وخاصمه صاحب البيت فإن القاضي يحلف المستأجر بالله إنه كان في خروجه قاصدا للسفر ; لأن رب البيت يدعي بطلان الفسخ لعدم العذر ، وذلك ينبني ، وما في ضميره في ضمير المستأجر لا يعلمه غيره فكان القول قوله مع يمينه .

وكذلك إن أراد التحول من تلك التجارة إلى تجارة أخرى فهذا عذر ; لأن في إيفاء العقد ضررا لم يلتزمه بالعقد ، وقد تروج نوع التجارة في وقت وتبور في وقت آخر ، وإن لم يكن هذا ، ولكن وجد بيتا هو أرخص منه لم يكن عذرا ، وكذلك لو اشترى منزلا وأراد التحول إليه ; لأنه لا يلحقه ضرر إلا ما التزمه بالعقد وهو التزام الأجر عند استيفاء المنفعة ، وإنما يقصد بالفسخ هنا الربح لا دفع الضرر .
وإن استأجر دابة بعينها إلى بغداد فبدا للمستأجر أن لا يخرج فهذا عذر ; لأن عليه ضررا في إيفاء العقد وهو تحمل مشقة السفر . وقال ابن عباس رضي الله عنهما لولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { السفر قطعة من العذاب } لقلت العذاب قطعة من السفر ، ولو قال رب الدابة أنه يتعلل فالسبيل للقاضي أن يقول له اصبر فإن خرج فقاد الدابة معه ; لأن المعقود عليه خطوات الدابة . فإذا قادها معه فقد تمكن من استيفاء المعقود عليه فيلزمه الأجر ، وإن لم يركب ، وكذلك لو أراد الخروج في طلب غريم له ، أو عبد آبق فرجع ، وكذلك لو مرض ، أو لزمه غرم ، أو خاف أمرا ، أو عثرت الدابة ، أو أصابها شيء لا يستطاع الركوب معه فبعض هذا عيب في المعقود عليه وبعضه عذر للمستأجر في التخلف عن الخروج ولا فائدة للمؤاجر في إيفاء العقد إذا لم يخرج المستأجر .

وإن عرض لصاحب الدابة مرض لا يستطيع الشخوص مع دابته لم يكن له أن ينقض الإجارة ; لأن بامتناعه من الخروج لا يتعذر تسليم المعقود عليه فيؤمر بتسليم الدابة ، وأنه يرسل معه رسولا يتبع الدابة .

وكذلك لو حبسه غريمه وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله قال إذا امتنع رب الدابة من الخروج فيكون هذا عذرا ، وإن مرض فهو عذر له ; لأنه يقول غيري لا يشفق على دابتي ولا يقوم بتعاهدها كقيامي . فإذا تعذر عليه الخروج لمرض يلحقه في إيفاء العقد ضرر لم يلتزمه بالعقد .

وروى هشام عن أبي يوسف رحمهما الله قال إذا اكترت المرأة إبلا إلى مكة للذهاب والرجوع فلما كان في يوم النحر ولدت قبل أن تطوف [ ص: 5 ] للزيارة فهذا عذر للمكاري ; لأنها تحبس إلى مضي مدة النفاس ، وهذا ضرر لم يلتزمه المكاري بالعقد ; لأنه غير معتاد ، وإن كانت قد ولدت قبل ذلك فإن كان الباقي مدة النفاس بعد يوم النحر عشرة أيام ، أو أقل فهذا ليس بعذر للمكاري ; لأن ما بقي مثل مدة الحيض ، وذلك معلوم وقوعه عادة وكان المكاري ملتزما ضرر التأخير بقدره ، وإن عطبت الدابة فهذا عذر ، وهذا ; لأن المعقود عليه فات ولا سبب للفسخ أقوى من هلاك المعقود عليه .

وإن كانت الدابة بغير عينها لم يكن هذا عذر ; لأن المكاري التزم العمل في ذمته وهو قادر على الوفاء به بدابة أخرى يحمله عليها .

ولو مات المستأجر في بعض الطريق كان عليه من الأجر بحساب ما سار ويبطل عنه بحساب ما بقي لانفساخ العقد بموت أحد المتكاريين ، وقد بينا ذلك .
وإن مات رب الإبل في بعض الطريق فللمستأجر أن يركبها على حالة حتى يأتي مكة وذكر في كتاب الشروط أن هذا إذا كان في مفازة بحيث لا يقدر به على سلطان وخاف أن يقطع به وهو الصحيح ; لأنه كما يجوز نقض الإجارة عند العذر لدفع الضرر يجوز إيفاؤها بعد ظهور سبب الانتقاض لدفع الضر . وإذا كان في المفازة لو قلنا بانتقاض العقد يتعذر عليه الركوب فيتضرر به ; لأنه عاجز عن المشي ولا يقدر على دابة أخرى . فأما إذا كان في مصر فهو لا يتضرر بانتقاض العقد وموت أحد المتكاريين موجب انتقاض العقد .

فإذا بقي العقد لم يضمن إن عطبت من ركوبه وعليه الأجر المسمى وهو استحسان ; لأن العقد لما بقي للتعذر صار الحال بعد موت المكاري كالحال قبله . فإذا أتى مكة دفع ذلك إلى القاضي ; لأن ما به من العذر قد زال وبقيت الدابة في يده ملكا للورثة وهو عيب فدفعها إلى القاضي فإن سلم له القاضي الكراء إلى الكوفة فهو جائز إما ; لأنه أمضى فصلا مجتهدا فيه باجتهاده ، أو ; لأنه يرى النظر في ذلك ; لأنه لو أخذها منه أجرها من غيره ليردها إلى الكوفة وصاحبها رضي بكونها في يده فالأولى له إذا كان المستأجر ثقة أن ينفذ له الكراء إلى الكوفة ، وإن رأى النظر في بيعها فهو جائز ; لأن البعث بثمنها إلى الورثة ربما يكون أنفع وأيسر لهم فإن الثمن لا يحتاج إلى النفقة ، وإن كان أنفق المستأجر عليها شيئا لم يحسب له ذلك ; لأنه متطوع في ذلك بالإنفاق على ملك الغير بغير أمره إلا أن يكون بأمر القاضي فيحسب له إذا أقام البينة عليه ; لأن للقاضي ولاية النظر في حق الغائب فالإنفاق بأمره كالإنفاق بأمر صاحب الدابة ، ولكنه غير مقبول القول فيما يدعي من الإنفاق .

فإذا أقام البينة رد ذلك عليه من الثمن ، وكذلك إن أقام البينة على توفية الكراء رد عليه بحساب ما بقي ; لأنه أثبت [ ص: 6 ] دينه في تركة الميت ، وهذا مال الميت ، ولأن الإبل محبوسة في يده إلى أن يرد عليه ما أنفق بأمر القاضي أو بما عجل من الكراء فلا يتمكن القاضي من أخذها وبيعها حتى يرد عليه ما بقي له فلهذا قبل بينته على ذلك ونفذ قضاؤه على الورثة مع غيبتهم .

وإن استأجر أرضا فغلب عليها الماء أو أصابها نز لا تصلح معه الزراعة فهذا عذر ; لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه ، وكذلك إن أراد أن يترك الزرع أو افتقر حتى لا يقدر على ما يزرع فهذا عذر ; لأن الزارع في الحال متلف لبذره ولا يدري أيحصل الخارج ، أو لا ، وقد بينا أنه إذا كان لا يتمكن من إيفاء العقد إلا بإتلاف ماله فهو عذر له ، وإن وجد أرضا أرخص منها ، أو أجود لم يكن هذا عذرا ; لأنه بالفسخ يقصد هنا تحصيل الربح لا دفع الضرر .
وإن مرض المستأجر فإن كان هو الذي يعمل بنفسه فهذا عذر ; لأنه تعذر عليه استيفاء المعقود عليه ، وإن كان إنما يعمل أجراؤه فليس هذا عذرا البقاء يمكنه من استيفاء المعقود عليه كما قصده بالعقد .
وإن كانت الأرض ليتيم أجرها وصيه فكبر اليتيم لم يكن له أن يفسخ الإجارة ; لأن عقد الوصي على ماله كعقده على نفسه ولا ضرر عليه في إيفاء الإجارة بعد بلوغه بخلاف ما إذا كان أجر نفسه فإن ذلك كد وتعب وهو يتضرر بإيفاء العقد بعد بلوغه .
وإذا استأجر عبدا لخدمة أو لعمل آخر فمرض العبد فهذا عذر في جانب المستأجر ، ولأنه يتعذر عليه استيفاء المعقود عليه ، وإن أراد رب العبد ذلك لم يكن له ذلك ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد فالمستأجر لا يكلفه من إيفاء العمل إلا بقدر طاقته وهو يرضى بذلك ، وإن كان ذلك دون حقه ، وإن لم يفسخها واحد منهما حتى برئ العبد فالإجارة جائزة لازمة لزوال العذر ويطرح عنه من الأجر بحساب ذلك وهو ما يتعطل ، وكذلك إن أبق العبد ، أو كان سارقا فللمستأجر أن يفسخ الإجارة إما لتعذر استيفاء المعقود عليه أو لضرر يلحقه في ذلك ، وليس لمولى العبد فسخها ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد فوق ما التزمه بالعقد ، ولو أراد المستأجر أن يسافر ويترك ذلك العمل فهو عذر ; لأنه لا يتعذر عليه الخروج إلى السفر لحاجته ولا يمكنه أن يستصحب العبد إذا خرج .

وإن أراد رب العبد أن يسافر به لم يكن له هذا عذرا ; لأنه لا يلحقه من الضرر فوق ما التزمه بالعبد وهو ترك العبد في يد المستأجر إلى انتهاء المدة ، وإن وجد المستأجر أجيرا أرخص منه لم يكن هذا عذرا ; لأن في هذا تحصيل الربح لا دفع الضرر ، وإن كان العبد غير حاذق بذلك العمل لم يكن للمستأجر أن يفسخ الإجارة ; لأن صفة الجودة لا تستحق بمطلق العقد إلا أن يكون عمله فاسدا فله أن يفسخ حينئذ ; لأن صفة السلامة عن [ ص: 7 ] العيب تستحق بمطلق المعاوضة ، وإن مات العبد انتقضت الإجارة لفوات المعقود عليه .
وإن كان المستأجر رجلين فمات أحدهما انتقضت حصته ، وكذلك إن مات أحد المؤجرين اعتبارا لموت أحدهما بموتهما في حق الميت منهما .
وإن ارتد الآجر والمستأجر والعياذ بالله ولحق بدار الحرب انتقضت الإجارة ; لأن القاضي بموته حكم حين يقضى بلحاقه فهو كما لو مات حقيقة ، وإن لم يختصما في ذلك حتى رجع مسلما ، وقد بقي من المدة شيء فالإجارة لازمة فيما بقي منهما ; لأن اللحاق بدار الحرب إذا لم يتصل قضاء القاضي به بمنزلة الغيبة فلا يوجب انفساخ العقد ، ولكنه كان بمنزلة العذر . فإذا زال برجوعه كانت الإجارة لازمة فيما بقي من المدة والله أعلم .

باب الشهادة في الإجارة قال رحمه الله وإذا اختلف شاهدا الإجارة في مبلغ الأجر المسمى في العقد والمدعي هو المؤاجر أو المستأجر فشهد أحدهما بمثل ما ادعاه المدعي والآخر بأقل ، أو أكثر لا تقبل الشهادة ; لأن المدعي كذب أحد الشاهدين ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول هذا قبل استيفاء المنفعة ; لأن الحاجة إلى القضاء بالعقد ومع اختلاف الشاهدين في البدل لا يتمكن القاضي من ذلك . فأما بعد استيفاء المنفعة فالحاجة إلى القضاء بالمال فينبغي أن تكون المسألة على الخلاف عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقضى بالأقل كما في دعوى الدين إذا ادعى المدعي ستة وشهد بها أحد الشاهدين والآخر بخمسة ( قال ) رحمه الله والأصح عندي أن الشهادة لا تقبل عندهم جميعا هنا ; لأن الأجرة بدل في عقد المعاوضة كالثمن في البيع ولا بد أن يكون المدعي مكذبا أحد شاهديه فيمنع ذلك قبول شهادته له ، وإن لم يكن لهما بينة ، وقد تصادقا على الإجارة واختلفا في الأجرة قبل استيفاء المنفعة تحالفا ، أو ترادا لاحتمال العقد الفسخ ، وكذلك إن كانت دابة فقال المستكري من الكوفة إلى بغداد بخمسة ، وقال رب الدابة إلى الصراة والصراة المنصف تحالفا ، وبعدما حلفا أن قامت البينة لأحدهما أخذت بينته ; لأن البينة العادلة أحق بالعمل بها من اليمين الفاجرة ، وإن قامت لهما بينة أخذت ببينة رب الدابة على الآجر وبينة المستأجر على فضل المسير على قول أبي حنيفة رحمه الله وكان يقول أولا إلى بغداد باثني عشر ونصف وهو قول زفر رحمه الله ، وقد بينا نظيره ، وإن اتفقا على المكان واختلفا في جنس الأجر فالبينة بينة رب الدابة ; لأنه يثبت حقه بالبينة ، ولأنه يثبت دعواه بالبينة والأجر يثبت بإقراره ، وإنما تثبت بالبينة [ ص: 8 ] الدعوى دون الإقرار .
ولو ركب رجلا دابة رجل إلى الحيرة فقال رب الدابة اكتريتها إلى الجباية بدرهم فجاوزت ذلك وقال الذي ركب أعرتنيها وحلف على ذلك فهو بريء من الأجر ; لأنه منكر لعقد الإجارة فإن أقام رب الدابة شاهدين أنه أكراه إلى الحيرة بدرهم لم يقبل ذلك ; لأن دعواه إكذاب منه لشهوده فإنه ادعى الإكراء إلى الجباية .
وإن ادعى رب الدابة أنه أكراها إلى السالحين بدرهم ونصف وشهد له شاهد بذلك وآخر شهد أنه أكراها إلى السالحين بدرهم فإنه يقضى له عليه بدرهم إذا كان قد ركبها ; لأن الشاهدين اتفقا على ذلك القدر لفظا والمدعي يدعيه أيضا .
ولو قال المستأجر تكاريتها منك إلى القادسية بدرهم . وقال رب الدابة بل إلى موضع كذا في السواد في غير ذلك الطريق بدرهم ، وقد ركبها إلى القادسية فلا كراء عليه ; لأنه خالف فصار ضامنا معناه أن رب الدابة ينكر الإذن له في الركوب في طريق القادسية ، وقد ركب فصار ضامنا ، وإنما ادعى رب الدابة العقد على الركوب في طريق آخر ولم يركب المستأجر في ذلك الطريق فلا أجر عليه لذلك .
ولو ادعى أنه أكراه دابتين بأعيانهما إلى بغداد بعشرة . وقال رب الدابتين بل هذه منهما بعينها إلى بغداد بعشرة وأقام البينة ففي قول أبي حنيفة الأول رحمه الله هما له إلى بغداد بخمسة عشر إذا كان أجر مثلهما سواء ، وفي قوله الآخر هما له إلى بغداد بعشرة ; لأن المستأجر هو المدعي والمثبت بينة الزيادة في حقه .

وكذلك إن كان رب الدابتين ادعى أنه أكراه أحديهما بعينها بدينار وأقام البينة وأقام المستأجر البينة أنه [ ص: 9 ] استكراهما جميعا بعشرة دراهم فله دابتان بدينار وخمسة دراهم ; لأن جنس الأجر هنا مختلف فكل واحد منهما يثبت ببينته حقه فلا بد من قبول بينة قول كل واحد منهما بخلاف الأول فهناك جنس الأجر متحد ، وقد اتفق الشهود عليه فلا حاجة لرب الدابة إلى الإثبات ، ولكن المستأجر هو المحتاج إلى إثبات العقد في الدابة الأخرى وبينته تثبت ذلك وبينة رب الدابة تنفي فالمثبت أولى .

وإن ادعى المستأجر دابة واحدة ، وإن تكاراها إلى بغداد بدينار وأقام البينة وأقام صاحبها البينة أنه أكراها إياه إلى البصرة بعشرين درهما ، وقد ركبها إلى بغداد قضيت عليه بعشرين درهما ونصف دينار ; لأن جنس الأجر لما اختلف فلا بد من العمل بالبينتين ، وقد أثبت رب الدابة ببينة إلى البصرة بعشرين درهما وأثبت المستأجر ببينة العقد من البصرة إلى بغداد بنصف دينار ; فلهذا قضي بهما .
وإن ادعى المستأجر الإجارة وجحدها صاحب الدابة فشهد شاهد أنه استأجرها ليركبها إلى بغداد وشهد الآخر أنه استأجرها ليركبها ويحمل عليها هذا المتاع والمستأجر يدعي كذلك لم تجز الشهادة لاختلاف الشاهدين في مقدار المعقود عليه وإكذاب المدعي أحد شاهديه فإن ( قيل ) أليس أن الشاهدين اتفقا على الركوب لفظا ومعنى ويفرد أحدهما بالزيادة وهو حمل المتاع فينبغي أن يقضى بما اتفق عليه الشاهدان قلنا المعقود عليه منفعة الدابة لا عين الركوب فالركوب فعل الراكب وحمل المتاع كذلك فعله والمعقود عليه ملك رب الدابة ، وذلك يختلف باختلاف الشاهدين فيما شهد به فلا تتحقق الموافقة بينهما لفظا بخلاف الدرهم ونصف مع أن هذا إنما يكون قبل استيفاء المنفعة وقبل استيفاء المنفعة الحاجة إلى القضاء بالعقد فلا يتمكن منه مع اختلافهما ، وكذلك إن اختلفا في حمولتين ; لأن المدعي يكون مكذبا أحدهما لا محالة .
ولو ادعى أنه سلم ثوبا إلى صباغ وجحد الصباغ ذلك فشهد شاهد أنه دفع إليه ليصبغه أحمر بدرهم . وقال الآخر ليصبغه أصفر فقد اختلفت الشهادة لاختلاف الشاهدين في المعقود عليه هو الوصف الذي يحدثه في الثوب والأصفر منه غير الأحمر فيكون المدعي مكذبا أحد الشاهدين ، والله أعلم بالصواب .
باب ما يضمن فيه الأجير قال رحمه الله رجل سلم إلى قصار ثوبا فدقه بأجر مسمى فتخرق ، أو عصره فتخرق ، أو جعل فيه النورة ، أو وسمه فاخترق فهو ضامن لذلك كله ; لأن هذا من جناية يده ، وقد بينا أن [ ص: 10 ] الأجير المشترك ضامن لما جنت يده فإن كان أجير المشترك القصار فعل ذلك غير متعمد له فالضمان على القصار دون الأجير ; لأن الأجير له أجير خاص فلا يضمن إلا بالخلاف ولم يخالف ، ثم عمله كعمل الأستاذ .

( ألا ترى ) أن الأستاذ يستوجب به الأجر فيكون الضمان عليه .

وإن هلك الثوب عند القصار ، أو سرق فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما ، وقد بينا .

وروي عن محمد رحمه الله قال إذا وضع القصار السراج في الحانوت فاحترق به الثوب من غير فعله فهو ضامن ; لأن هذا مما يمكن التحرز عنه في الجملة ، وإنما الذي لا يضمن به الحرق الغالب الذي لا يمكن التحرز عنه ولا يتمكن هو من إطفائه .
و ( قال ) في الصباغ يصبغ الثوب أحمر فيقول رب الثوب أمرتك بأصفر فالقول قول رب الثوب ; لأن الإذن يستفاد من قبله وله أن يضمنه قيمة ثوبه أبيض ، وإن شاء أخذ ثوبه وضمن للصباغ ما زاد على العصفر في ثوبه ; لأنه بمنزلة الغاصب فيما صبغه به حين لم يثبت إذن صاحب الثوب له في ذلك ، وإن كان صبغه أسود فاختار أخذ الثوب لم يكن للصباغ عليه شيء عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما ، وقد بينا ذلك في الغصب .
قال أبو حنيفة رحمه الله في الملاح إذا أخذ الأجر فإن غرقت السفينة من ريح ، أو موج ، أو شيء وقع عليها أو جبل صدمته فلا ضمان على الملاح ; لأن التلف حصل من عمله ، وإن غرقت من مده ، أو معالجته أو جذفه فهو ضامن ; لأن هذا من جناية يده والملاح أجير مشترك ، وإن كان على الملاح الطعام وخلي بينه وبين الطعام فنقض فلا ضمان على الملاح عنده بعد أن يحلف ; لأنه أمين فالقول قوله مع يمينه ولا يضمن ما تلف بغير فعله ، وإن انكسرت السفينة فدخل الماء فيها فأسده .

فإن كان ذلك من عمل الملاح فهو ضامن له وإلا فلا شيء عليه عند أبي حنيفة ، وإن كان رب الطعام في السفينة أو وكيله فلا ضمان على الملاح في شيء من ذلك إلا أن يخالف ما أمر به ويصنع شيئا مما يتعمد فيه الفساد ; لأن المتاع في يد صاحبه والعمل يصير مسلما إليه بنفسه فيخرج من ضمان الملاح بخلاف ماذا لم يكن صاحب الطعام معه فالعمل هناك لا يصير مسلما وعلى هذا قالوا لو رد الموج السفينة إلى الموضع الذي حمل الطعام منه فإن لم يكن رب الطعام معه فلا أجر للملاح ، وإن كان رب الطعام معه في السفينة فله الأجر بقدر ما صار ; لأن العمل قد صار مسلما بنفسه ويقرر الأجر بحبسه . فأما إذا خالف ما أمره به فهذا العمل لا يصير مسلما إلى صاحب الطعام بل يكون العامل فيه متعديا خاصا فيكون ضامنا لذلك .

وإذا حجم الحجام بأجر ، أو بزغ البيطار ، أو حقن الحاقن بأجر حرا ، أو عبدا بأمره أو بطأ قرحه فمات من ذلك فلا ضمان [ ص: 11 ] عليه بخلاف القصار إذا دق فخرق ; لأن المستحق عليه هناك العمل السليم عن العيب ، وذلك في مقدور البشر يصح التزامه بالعقد وهنا المستحق عليه عمل معلوم بجده لا عمل غير ساري ; لأن ذلك ليس في مقدور البشر فالجرح فتح باب الروح والبرء بعده بقوة الطبيعة على دفع أثر الجراحة ، وليس ذلك في مقدور البشر فلا يجوز التزامه بعقد المعاوضة ، وإنما الذي في وسعه إقامة العمل بجده ، وقد أتى به فلا يضمن إلا أن يخالف لمجاوزة الحد أو يفعل بغير أمره فيكون ضامنا حينئذ ، توضيح الفرق أن السراية لا تقترن بالجرح ، ولكنه يكون بعدها بزمان ضعف الطبيعة عن دفع أثر الجراحة وتوالي الآلام على المجروح .

وهذا كله بعد أن يصير العمل مسلما إلى صاحبه ويخرج من ضمان العمل . فأما بخرق الثوب يكون مقترنا بالدق قبل أن يخرج العمل من ضمان القصار ; فلهذا كان ضامنا لما يتلف بعمله ; لأن عمله مضمون بما يقابله من البدل ، ولو وطئا الأجير الخاص للقصار على الثوب مما لا يوطأ عليه في دقه فكان الضمان عليه خاصة ; لأنه غير مأذون من جهة الأستاذ في الوطء على هذا الثوب فكان متعديا فيما صنع ، وإن كان مما يوطأ عليه فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في الوطء عليه فيكون فعله كفعل الأستاذ ، وإن كان الثوب وديعة عند القصار فالأجير ضامن ، وإن كان ذلك مما يوطأ عليه ; لأنه غير مأذون في بسطه والوطء عليه من جهة الأستاذ فإنه إنما أذن له في العمل في بيان القصارة دون ودائع الناس عنده .
ولو حمل الإنسان حملا في بيت القصار من ثياب القصارة فعثر وسقط فتخرق بعضها كان ضمان ذلك على القصار دون الأجير ; لأنه مأذون في هذا العمل من جهة الأستاذ

ولو دخل بنار السراج بأمر القصار فوقعت شرارة على ثوب من القصارة ، أو وقع السراج من يده فأصاب دهنه ثوبا من القصارة فالضمان على الأستاذ دون الغلام ; لأنه مأذون من جهته في إدخال النار بالسراج ، وكذلك أجير لرجل يخدمه إن وقع من يده شيء فتكسر وأفسد متاعا مما يختلف في خدمة صاحبه فلا ضمان عليه إذا كان في ملك صاحبه ; لأنه استأجره لهذه الأعمال .
ولو أن غلام القصار انفلتت منه المدقة فيما يدق من الثياب فوقعت على ثوب من القصارة فخرقته فالضمان على القصار دون الغلام ; لأنه مأذون من جهة الأستاذ في دق الثوبين جميعا ، ولو وقع على ثوب إنسان من غير القصارة كان ضمان ذلك على الغلام دون القصار ; لأنه غير مأذون في دق ذلك الثوب فيكون هو جانيا في ذلك الثوب ، وإن كان مخطئا وتعذر الخطأ لا يسقط عنه ضمان المحل ، وإن وقعت المدقة على موضوعها ، ثم وقعت على شيء بعدها فلا ضمان على الأجير ; لأنها كما لو وقعت على المحل [ ص: 12 ] المأذون فيه صار العمل مسلما وخرج من عهدة الأجير فلا ضمان عليه بعد ذلك ، وإنما الضمان على الأستاذ ، وإن أصاب إنسانا فقتله كان الغلام ضامنا ، وقد بينا الفرق بين الجناية في بني آدم ، وما سوى ذلك من الأموال فيما سبق .

وكذلك لو مر بشيء من متاعه فيما يحمله فوقع على إنسان في البيت فقتله كان الضمان على الغلام ; لأن الجناية في بني آدم موجبة الأرش على العاقلة فلا يمكن اعتبار العقد فيه بخلاف ما سوى ذلك من الأموال ، وكذلك إن انكسر شيء من أدوات القصار بعمل الغلام مما يدق به أو يدق عليه فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون من جهة الأستاذ ، وإن كان مما لا يدق به ولا يدق عليه فهو ضامن .

وعلى هذا لو دعا رجل قوما إلى منزله فمشوا على بساطه فتخرق ، أو جلسوا على وسادة فتخرقت ، وإن كان الضيف متقلدا سيفا فلما جلس شق السيف بساطا أو وسادة فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون فيما فعل من المشي والجلوس وتقلد السيف ، ولو وطئ على آنية من أوانيه ، أو ثوبا لا يبسط مثله ولا يوطأ فهو ضامن ; لأنه غير مأذون في الوطء والجلوس على مثله .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #329  
قديم 18-12-2025, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 12الى صـــ 21
(329)




وإن حمل الأجير شيئا في خدمة أستاذه فسقط ففسد لم يضمن ، ولو سقط على وديعة عنده فأفسدها كان ضامنا لها ، وكذلك لو عثر فسقط عليها فإن كان بساطا أو وسادة استعاره للبسط فلا ضمان في ذلك على رب البيت ولا على أجيره ; لأنه مأذون في بسطه من جهة صاحبه .
وإذا جفف القصار ثوبا على حبل فمرت به حمولة في الطريق فخرقته فلا ضمان على القصار ; لأنه متلف لا بعمله والضمان على سائق الحمولة ; لأنه مسبب وهو متعدي في ذلك فسوق الدابة في الطريق يتقيد عليه بشرط السلامة . فإذا لم يسلم كان ضامنا .
ولو تكارى دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها خمسة عشر مختوما فلما بلغ المقصد عطبت الدابة فعليه الأجر كاملا لاستيفاء المعقود عليه بكماله وهو ضامن ثلث قيمتها بقدر ما زاد ، وقد بينا هذا في العارية وذكرنا الفرق بينه وبين الجناية في بني آدم أن المعتبر هناك عدد الجناة في حق ضمان النفس وأوضح الفرق بما ذكرنا فقال لو أن حائطا مائلا لرجل ثلثاه وللآخر ثلثه يقدم إليهما فيه فوقع على رجل فجرحه وقتله كان على كل واحد منهما نصف الدية ، ولو لم يجرحه ، ولكنه قتله نقل الحائط كانت الدية عليهما بقدر الملك ; لأن نقل ملك صاحب الثلثين ضعف نقل ملك صاحب الثلث ، وفي الجرح المعتبر أصل الجراحة وكل واحد منهما خارج له بملكه فكان بمنزلة الجارح بيده . فكذلك في مسألة الدابة يضمن باعتبار نقل الزيادة ، وفي مسألة الشجاج في العبد يكون ضمان النفس على كل واحد منهما باعتبار أصل الجرح لا مقداره وعدده وعلى هذا لو أمر [ ص: 13 ] رجلا أن يضرب عبده عشرة أسواط فضرب أحد عشر سوطا فهو متعدي في السوط الحادي عشر فيضمن نقصان ذلك العبد من قيمته مضروبا عشرة أسواط ونصف ما بقي من قيمته إذا مات من ذلك ; لأنه في ضرب عشرة أسواط عامل لصاحبه بأمره فكأنه فعل ذلك هذا بنفسه ، وقد مات العبد من السياط كلها فتوزع بدل نفسه نصفين باعتبار عدد الحياة لا عدد الجنايات
وإذا سلم الرجل عبده أو أمته إلى مكتب ، أو عمل آخر فضربه الأستاذ فهو ضامن لما أصابه من ذلك ، وإن أذن له في ذلك فلا ضمان عليه ; لأن فعله بإذنه كفعل المولى بنفسه فلا يكون تعديا منه وفعله بغير أمره يكون تعديا منه وفرق أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بين هذا وبين ما إذا ضرب الدابة التي استأجرها ضربا معتادا فقالا الضرب معتاد هناك عند السير متعارف فيجعل كالمأذون فيه وهنا الضرب عند التعليم غير متعارف ، وإنما الضرب عند سوء الأدب يكون ذلك ليس من التعليم في شيء فالعقد المعقود على التعليم لا يثبت الإذن في الضرب ; فلهذا يكون ضامنا إلا أن يأذن له فيه نصا ، وكذلك إن سلم ابنه في عمل إلى رجل فإن ضربه بغير إذن الأب فلا إشكال في أنه يكون ضامنا ، وإن ضربه بإذن الأب فلا ضمان عليه في ذلك ; لأنه غير متعدي في ضربه بإذن الأب ، ولو كان الأب هو الذي ضربه بنفسه فمات كان ضامنا في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا ضمان عليه في قول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهما يدعيان المناقضة على أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة فيقولان إذا كان الأستاذ لا يضمن باعتبار إذن الأب فكيف يكون الأب ضامنا إذا ضربه بنفسه ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله يقول ضرب الأستاذ لمنفعة الصبي لا لمنفعة نفسه فلا يوجب الضمان عليه إذا كان يأذن وليه .

فأما ضرب الأب إياه لمنفعة نفسه فإنه بغير سوء أدب ولده فيتقيد بشرط السلامة كضرب الزوج زوجته لما كان لمنفعة نفسه يقيد بشرط السلامة .
وإذا توهن راعي الرمكة رمكة منها فوقع الوهن في عنقها فجذبها فعطبت فهو ضامن ; لأنه من جناية يده ، وإن كان صاحبها أمره بالتوهن فلا ضمان عليه ; لأن فعله بأمر صاحبها كفعل صاحبها ، وهذا ; لأن التوهن ليس من عمل الراعي في شيء ولا يدل في مقابلته فلا يتقيد على المأمور بشرط السلامة بخلاف الدق من القصار .

ولو أمر رجلا أن يختن عبده ، أو ابنه فأخطأ فقطع الحشفة كان ضامنا لما بينا أن عمل الختان معلوم بمحله . فإذا جاوز ذلك كان ضامنا ولم يبين في الكتاب ماذا يضمن وهو مروي عن محمد رحمه الله في النوادر قال إن برأ فعليه كمال بدل نفسه فإن مات فعليه نصف بدل نفسه ; لأنه إذا برأ [ ص: 14 ] فعليه ضمان الحشفة وهو عضو مقصود لا يتأتى له في البدن فيتقدر بدله ببدل النفس . وإذا مات فقد حصل تلف النفس بفعلين أحدهما مأذون فيه وهو قطع الجلدة والآخر غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة فكان ضامنا نصف بدل النفس .
ولو أمر رجلا أن يقطع أصبعه لوجع أصابه فيها فقطعها فمات منها لم يكن على القاطع شيء إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله فإنه يقول يضمن الدية اعتبارا بما لو قال ذلك اقتلني فقتله وجه ظاهر الرواية أن الإذن صح هنا ; لأن للآذن أن يفعل ذلك بنفسه فينتقل عمل المأذون إليه ويصير كأنه فعله بنفسه بخلاف قوله اقتلني فالإذن هناك غير صحيح ; لأن الآذن ليس له أن يفعل ذلك بنفسه ، وكذلك لو أمر أن يفعل ذلك بابن له صغير ، أو بعبد له فهذا ، وما لو أمره بنفسه سواء .
ولو أمر حجاما ليقطع سنا ففعل فقال أمرتك أن تقلع سنا غير هذا فالقول قوله والحجام ضامن ; لأن الإذن يستفاد من جهته ولو أنكره كان القول قوله . فكذلك إذا أنكر الإذن في السن الذي قلعه
ولو تكارى دابة يحمل عليها عشرة مخاتيم فجعل في جوالق عشرين مختوما ، ثم أمر رب الدابة فكان هو الذي وضعها على الدابة فلا ضمان عليه ; لأن صاحب الدابة هو المباشر بحمل الزيادة على دابته وأكثر ما فيه أنه مغرور من جهة المستأجر ، ولكن الغرور إذا لم يكن مشروطا في عقد ضمان لا يكون مثبتا الرجوع للمغرور على الغار ، وإن حملاها جميعا ووضعاها على الدابة ضمن المستأجر ربع قيمة الدابة ; لأن نصف المحمول مستحقا بالعقد ونصفه غير مستحق وفعل كل واحد منهما في الحمل شائع في النصفين فباعتبار النصف الذي حمله على الدابة لا ضمان على أحد وباعتبار النصف الذي حمله المستأجر لا ضمان عليه في نصفه ; لأنه يستحق بالنصف وعليه الضمان في النصف الآخر ; لأنه متعدي فيه فكان ضامنا ربع قيمتها .

وإن كان الحمل في عدلين فرفع كل واحد منهما عدلا فوضعاهما جميعا على الدابة لم يضمن المستأجر شيئا ; لأن المستأجر استحق بالعقد حمل عشرة مخاتيم حنطة ، وقد حمل هذا المقدار فيجعل حمله مما كان مستحقا بالعقد والزيادة إنما حملها رب الدابة .

وذكر في النوادر لو أن القصار استعان بصاحب الثوب حتى دق الثوب معه فتخرق ولا يدري من أي الفعلين تخرق فعلى قول أبي يوسف رحمه الله القصار ضامن نصف القيمة باعتبار الاحتمال وعلى قول محمد رحمه الله هو ضامن جميع القيمة ; لأن الثوب في يده فباعتبار اليد هو ضامن ما لم يصل إلى صاحبه سواء تلف بعمله ، أو بغير عمله فما لم يعلم أن التلف بعمل صاحب الثوب كان القصار ضامنا
وإذا ساق الراعي الغنم ، أو البقر فتناطحت [ ص: 15 ] فقتل بعضها بعضا ، أو وطئ بعضها بعضا من سياقته وهو غير مشترك وهي لإنسان واحد فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في السوق ، وقد بينا أن الأجير الخاص لا يكون ضامنا فيما يتلف بعمل المأذون فيه ، وإن كانت لقوم شتى فهو ضامن مشتركا كان أو غير مشترك أما المشترك فلأن هذا من جناية يده وأما غير المشترك فلأنه سائق الدابة التي وطئت والسائق ضامن بالسبب وكل من وقع عليه الضمان فلا أجر له فيه ; لأنه ملك المضمون بالضمان فلا يكون مسلما إلى صاحبه .

وإذا ساق الراعي الماشية فعطبت واحدة أو وقعت في نهر فعطبت فهو ضامن ; لأنه أجير مشترك والتلف حصل بعمله
ولو استأجر دابة ليركبها فلبس من الثياب أكثر مما كان عليه حين استأجرها فإن لبس من ذلك مثل ما يلبس الناس إذا ركبوا لم يضمن ، وإن كان أكثر من ذلك ضمن بقدر ما زاد ; لأن المستحق بمطلق العقد ما هو المتعارف .

وإن تكارى ناقة ليحمل عليها امرأة فولدت المرأة فحملها هي وولدها على الناقة بغير أمر صاحبها فعطبت الناقة فهو ضامن بحساب ما زاد عليها للولد ; لأن الولد مقصود بالحمل بعد الانفصال وهو في مقداره مخالف فيضمن بحساب ما يخالف كما لو زاد متاعا معها ، ولو نتجت الناقة فحمل ولد الناقة مع المرأة فهو ضامن أيضا ; لأنه مخالف لما قلنا ، وإن تكارى بغير المحمل فحمل عليه زاملة فهو ضامن ; لأنه مخالف فيما صنع فالزاملة أضر بالبعير من المحمل ، وإن حمل عليه رجلا مكان المحمل فلا ضمان عليه فلا يكون فعله ذلك خلافا ، وقد بينا نظيره في السرج مع الإكاف والله تعالى أعلم بالصواب .
باب إجارة رحا الماء

( قال رحمه الله وإذا استأجر رجل رحا ماء والبيت الذي هو فيه وهو متاعها كل شهر بأجر مسمى فهو جائز ) ; لأنه غير منتفع به واستئجاره متعارف فإن انقطع الماء عنها فلم يعمل رفع عنه الأجر بحساب ذلك لزوال تمكنه من الانتفاع على الوجه الذي استأجره فإنه إنما استأجره ليطحن فيها بالماء دون الثور وبانقطاع المال زال تمكنه من ذلك وبدون التمكن من الانتفاع لا يجب الأجر فله أن ينقض الإجارة لتغير شرط العقد عليه فإن لم ينقضها حتى عاد الماء لزمته الإجارة فيما بقي من الشهر ، وإن كان قد بقي واحد فلم يكن له أن ينقضها لزوال العذر وتمكنه من الانتفاع فيما بقي من المدة ، ولأن هذه الإجارة في حكم عقود متفرقة لا يثبت الخيار لتفرق الصفقة ، وإن اختلفا في مقدار ما كان الماء منقطعا فالقول قول المستأجر ; لأنهما يتفقان أنه لم [ ص: 16 ] يستوف جميع المعقود عليه ، وإنما اختلفا في مقدار ما استوفى فرب الرحا يدعي زيادة في ذلك والمستأجر منكر ذلك ، ولو قال المؤاجر لم ينقطع الماء فإنه بحكم الحال فيه فإن كان الماء منقطعا في الحال فالقول قول المستأجر ، وإن كان جاريا فالقول قول المؤاجر مع يمينه على عمله ; لأنه إذا كان منقطعا في الحال فالظاهر أنه كان منقطعا فيما مضى .

وإن كان جاريا في الحال فالظاهر أنه كان جاريا فيما مضى ، وفي الخصومات القول قول من يشهد له الظاهر توضيحه إنا قد عرفنا الماء جاريا عند العقد والبناء على الظاهر واستصحاب الحال أصل ما لم يعلم خلافه . فإذا علمنا انقطاع الماء في الحال بقدر استصحاب الحال فاعتبرنا الدعوى والإنكار فرب الرحا يدعي تسليم المعقود عليه والمستأجر منكر فالقول قوله .

فأما إذا كان جاريا في الحال فاستصحاب الحال ممكن فجعلنا رب الرحا مسلما للمعقود عليه بهذا الطريق ; ولهذا كان القول قوله مع يمينه على عمله ; لأن الاستحلاف على ما لم يكن في يده ولا من عمله فيكون على العلم ، وإن كان استأجر جميع ذلك بعشرة دراهم كل شهر فطحن فيها في الشهر بثلاثين درهما فربح عشرين درهما فإن كان المستأجر هو الذي يقوم على الرحا والطعام ، أو أجيره ، أو عبده فالربح له طيب ; لأن الفضل بمقابلة منافعه ، وإن كان رب الطعام هو الذي يلي ذلك لم يطلب الربح للمستأجر إلا أن يكون قد عمله فيها عملا تنتفع بها الرحا من كري النهر ، أو نقر الرحا وغير ذلك فحينئذ يجعل الفضل بمقابلة عمله فيطيب له فقد جعل نقر الرحا معتبرا بجعل الفضل بمقابلته ولم يجعل كنس البيت فيما سبق معتبرا في ذلك ; لأن كنس البيت ليس بزيادة في البيت ، ولأن التمكن من الانتفاع باعتباره .

فأما نقر الرحا وكري النهر بعد زيادة المستأجر ، وبه يتمكن من الانتفاع . وإذا استأجر موضعا على نهر ليبني عليه بناء ويتخذ عليه رحا ماء على أن الحجارة والمتاع والحديد والبناء من عند المستأجر فهو جائز ; لأنه استأجر الأرض لمنفعة معلومة فإن انقطع ماء النهر فلم يطحن ولم يفسخ الإجارة فالأجر لازم له ; لأن المعقود عليه منفعة الأرض وهي باقية بعد انقطاع الماء والمستأجر مستوفي بما يشغل الأرض بمتاعه بخلاف الأول فهناك المعقود عليه منفعة الرحا لعمل الطحن والتمكن منه يزول بانقطاع الماء إلا أن هنا له أن يفسخ الإجارة للعذر فإن مقصوده استيفاء منفعة لا يتم ذلك بدون جريان الماء . وفي إلزام العقد إياه بعد انقطاع الماء ضرر فيكون ذلك عذرا له في الفسخ .
ولو استأجر رحا ماء بمتاعها فانقطع الماء شهرا فلا أجر عليه في ذلك الشهر لما قلنا ، وإن قل الماء حتى أضر به في الطحن وهو يطحن مع ذلك فإن كان ضررا فاحشا فهو عيب فيما هو المقصود فيتمكن [ ص: 17 ] لأجله من فسخ العقد ، وإن لم يفسخ كان الأجر واجبا عليه لبقاء تمكنه من الانتفاع ورضاه بالعيب ، وإن كان غير فاحش فالإجارة لازمة له ; لأنه لما استأجر الرحا في الابتداء مع علمه أن الماء يزداد تارة وينتقص أخرى فقد صار راضيا بالنقصان اليسير ، ولأن ما لم يمكن التحرز عنه عفو .

وإذا خاف رب الرحا أن ينقطع الماء فتفسخ الإجارة فأكرى البيت والحجرين والمتاع خاصة فهو جائز ; لأنه عين منتفع به فإن انقطع الماء فللمستأجر أن يترك الإجارة ; لأن استئجار هذه الأعيان كان لمقصود معلوم ، وقد فات ذلك بانقطاع الماء ، وفي إيفاء العقد بعد انقطاع الماء ضرر عليه ، وهذا ضرر لم يلزمه بأصل العقد فيكون عذرا له في الفسخ كما لو استأجر الرحا يطحن بجمله فينفق جمله ولم يكن عنده ما يشتري به جملا كان له أن يترك الإجارة .
ولو استأجر رحا ماء فانكسر أحد الحجرين أو الدوارة ، أو البيت فله أن يفسخ الإجارة لزوال تمكنه من الانتفاع فإن أصلح ذلك رب الرحا قبل الفسخ لم يكن للمستأجر أن يفسخ بعد ذلك لزوال العذر في بقية المدة ، ولكن يرفع عنه من الأجر بقدر ذلك لانعدام تمكنه من الانتفاع به والقول قول المستأجر في مقدار العطلة لاتفاقهما على أنه لم يسلم جميع المعقود عليه إلا أن ينكر المؤاجر البطالة أصلا فكان القول قوله باعتبار استصحاب الماء ; لأنا عرفنا تمكن المستأجر من الانتفاع عند تسليم الرحا ، ثم يدعي هو عارضا مانعا فلا يقبل قوله في ذلك إلا بحجة كما لو ادعى أن غاصبا حال بينه وبين الانتفاع بالرحا .
وإن استأجر رحا ماء على أن يطحن فيها الحنطة ولا يطحن غيرها فطحن فيها شعيرا ، أو شيئا من الحبوب سوى الحنطة فإن كان ذلك لا يضر بالرحا فلا ضمان عليه ، وإن كان أضر عليها من الحنطة ضمنه ما نقصها ; لأن التقيد معتبر إذا كان مفيدا والخلاف إلى ما هو أضر عدوان منه فيلزمه ضمان النقصان ولا أجر عليه في ذلك الوقت ; لأنه غاصب ضامن من النقصان ولا يجتمع الأجر والضمان .
وإذا استأجر الرجل رحا وبيتا من أجير وبعيرا من آخر صفقة واحدة كل شهر بأجر معلوم فهو جائز ; لأن استئجار كل عين من هذه الأعيان على الانفراد صحيح ، ثم يقتسمون الأجر بينهم على قدر ذلك ; لأن المسمى بمقابلة الكل فيتوزع عليها بالحصة ، ولو اشترك أرباب هذه الأشياء على أن يعملوا للناس بأجر فما طحنوا فالأجر بينهم أثلاثا فإن أجروا الجمل بعينه فطحن فأجر ذلك لصاحب الجمل ; لأنه سمى بمقابلته منفعة الجمل وللآخرين أجر مثلهما لنفسهما ومتاعهما على صاحب الجمل ; لأن سلامة الأجر له بذلك كله فيكون هو مستوفيا لمنافعهما ، وقد شرط بمقابلة ذلك أجر ولم [ ص: 18 ] يسلم لهما ذلك الأجر فإن قبلوا الطعام على أن يطحنوه بأجر معلوم ولم يؤجر وإلا الجمل بعينه فما اكتسبوه صار أثلاثا بينهم ; لأنهم اشتركوا في تقبل العمل وبذلك استوجبوا الأجر .

وإن كان لرجل بيت على نهر قد كان فيه رحا ماء فذهب وجاء آخر برحا آخر ومتاعها فنصبها في البيت واشتركا على أن يتقبلا من الناس الحنطة والشعير فطحناه فما كسبا فهو بينهما نصفان فهو جائز وما طحناه ، وما تقبلاه فأجره بينهما نصفان لاستوائهما في تقبل العمل في ذمتها ، وليس للرحا ولا للبيت أجرة ; لأن كل واحد منهما ما ابتغى عن متاعه أجرا سوى ما قال ( ألا ترى ) أن قصارين لو اشتركا على أن يعملا في بيت أحدهما بأداة الآخر فما كسبا فهو بينهما نصفان كان جائزا ولم يكن لواحد منهما أن يطالب صاحبه بأجر أداته .
ولو أجر الرحا بأجر معلوم على طعام معلوم كان الأجر كله لصاحب الرحا ; لأنه مسمى بمقابلة منفعة ملكه ولصاحب البيت أجر مثل بيته ونفسه على صاحب الرحا إذا كان قد عمل في ذلك ; لأن منفعة بيته ونفسه سلمت لصاحب الرحا ولم يسلم له بمقابلته ما شرط له من الأجر ( قال ) ولا أجاوز به نصف أجر مثل الرحا في قول أبي يوسف رحمه الله ، وقد بينا نظيره في كتاب الشركة .
ولو انكسر الحجر الأعلى من الرحا فنصب رجل مكانه حجرا بغير أمر صاحبه وجعل يتقبل الطعام ويطحن فهو مسيء في ذلك ضامن لما أفسد من الحجر الأسفل ومتاعه ; لأنه غاصب والأجر له ; لأنه وجب بعقده ، وإن كان وضع الحجر الأعلى برضاء صاحبه على أن الكسب بينهما نصفان فهو كما شرط وهو نظير ما سبق إذا كان يتقبلان الطعام فالأجر بينهما كما شرط .

ولو بنى على نهر بيتا ونصب فيها رحا ماء بغير رضى صاحب النهر ، ثم يقبل الطعام فكسب في ذلك مالا كان له في الكسب وكان ضامنا لمناقص البيت وساحته وموضعه والنهر ; لأنه متلف لذلك بفعله ولا يضمن شيئا من الماء ; لأن الماء غير مملوك ، ولأنه لم يفسد شيئا من الماء بعمله .
ولو أن رجلا له نهر اشترك هو ورجلان على إن جاء أحدهما برحا والآخر بمتاعها على أن يبنوا البيت جميعا من أموالهم على أن ما كسبوا من شيء فهو بينهم فهو جائز ، وهذا مثل المسألة الأولى إذا كانوا يتقبلون الطعام فالأجر بينهم أثلاثا والله أعلم بالصواب .
باب الكراء إلى مكة قال رحمه الله . وإذا استأجر بعيرين من الكوفة إلى مكة فحمل على أحدهما محملا فيه [ ص: 19 ] رجلان ، وما يصلحهما من الوطء والدثر وإحداهما زاملة يحمل عليه كذا مختوما والسويق ، وما يصلحهما من الخل والزيت والمعاليق ، وقد رأى الرجلين ولم ير الوطء والدثر ولم يبين ذلك وشرط حمل ما يكفيه من الماء ولم يبين ذلك فهذا كله فاسد في القياس لجهالة وزن الوطء والدثر وجهالة مقدار الماء والخل والزيت والمعاليق وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة فإن الضرر على الإبل تختلف بقلة ذلك وكثرته .

وفي الاستحسان يجوز ; لأنه متعارف ، وفي اشتراط إعلام وزن كل شيء من ذلك بعض الحرج ، ثم المقصود على أحد الحملين الرجلان ، وقد رآهما الحمال وعلى الحمال الآخر الدقيق والسويق ، وما سوى ذلك تبع إذا صار ما هو الأصل معلوما فالجهل في البيع عفو ومقدار البيع يصير معلوما أيضا بطريق العرف وعلى هذا لو اشترط عليه أن يحمل له من هدايا مكة من صالح ما يحمل الناس فهو جائز أيضا ; لأنه متعارف معلوم المقدار عرفا ، ولو بين وزن المعاليق والهدايا كان أحب إلينا ; لأنه أبعد من المنازعة .

وإذا أرادا الاحتياط في ذلك فينبغي أن يسمى لكل محمل قربتين من ماء أو إداوتين من أعظم ما يكون من ذلك ويكتب في الكتاب أن الحمال قد رأى الوطء والدثر والقربتين والإداوتين والخيمة والقبة فإن ذلك أوثق ، وإنما يكتب الكتاب على أوثق الوجوه ، وإن اشترط عليه عقبة الأجير فهو جائز ويكتب ، وقد رأى الحمال الأجير ، وفي تفسير عقبة الأجير قولان أحدهما أن المستأجر ينزل في كل يوم عند الصباح والمساء فذلك معلوم فيركب أجيره في ذلك الوقت وسمي ذلك عقبة الأجير والثاني أن يركب أجيره في كل مرحلة فرسخا ، أو نحوه مما هو متعارف على خشبة خلف المحمل ويسمى ذلك عقبة الأجير .

وفي كتاب الشروط قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يرى أن يشترط من هدايا مكة كذا وكذا منا ; لأن ذلك أبعد من المنازعة والمحمول من الهدايا يختلف في الضرر على الدابة باختلاف مقدار الوزن .

وإن تكارى شق محمل ، أو شق زاملة فاختلفا فقال الحمال إنما عينت عيدان المحمل . وقال المستكري بل عينت الإبل فإن كان الكراء كما يتكارى به لإبل إلى مكة فهو على الإبل ، وإن كان كما يتكارى به شق محمل خشب فالقول قول الحمال مع يمينه ; لأنه إذا كان كما يتكارى به الأول فالظاهر يشهد للمستكري ، وإن كان شيئا يسيرا كما يتكارى به الخشب فالظاهر يشهد للحمال ، وعند المنازعة يجعل القول قول من يشهد له الظاهر كما لو اشترى قربة ماء بدانق فقال إنما اشتريت القربة دون الماء لا يصدق ، ولو اشتراها بعشرين درهما قال السقاء بعت الماء دون القربة ، وكذلك لو اشترى مبطخة ، ثم قال المشتري اشتريت الأرض . وقال البائع إنما بعت البطيخ [ ص: 20 ] فإنه بحكم الثمن في ذلك فيجعل القول قول من يشهد له الظاهر .
وإذا تكارى من الكوفة إلى مكة إبلا مسماة بغير أعيانها فقال الحمال أخرجك في عشر ذي القعدة فقال المستكري أخرجني في خمس مضين أو على عكس ذلك فإنه يخرجه في خمس مضين في الوجهين جميعا ; لأنه لا يخاف الفوت إذا خرج بعد خمس مضين فإن أراد الحمال أن يخرجه قبل ذلك فهو يريد أن يلزمه ضرر السفر من غير حاجة إليه فيسقط عن نفسه مؤنة العلف فلا يمكن من ذلك . وإذا طلب المستكري في عشر ذي القعدة وهو يريد أن يلزم الحمال ضرر السفر من غير حاجة ليكون هو مترفها في نفسه ; فلهذا لا يمكن من ذلك ، ولأن بمطلق العقد إنما يثبت المتعارف والمتعارف الخروج من الكوفة بخمس مضين .

فإذا أراد الحمال أن يتأخر إلى نصف ذي القعدة وأبى ذلك المستكري فليس للحمال ذلك ; لأنه يخاف الفوت في هذا التأخير ويلحق المستكري مشقة عظيمة باستدامة السفر ، وإن قال المستأجر أخرجني للنصف من ذي القعدة . وقال الحمال أخرجك بخمس مضين فإنه يرتكب مؤنة العلف فإني أؤخره لعشر مضين من ذي القعدة ولا أؤخره لأكثر من ذلك ; لأن الغالب إدراك الحج إذا خرج بعشرة مضين والغالب هو الفوات إذا أخر الخروج أكثر من ذلك والمستحق بمطلق العقد صفة السلامة لا نهاية الجودة ، وإن كان بينهما شرطا حملهما على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم { الشرط أملك } : أي يوفى به ولا بأس بأن يسلف في كراء مكة قبل الحج سنة أو بأشهر ; لأن وقت الحج معلوم لا يجهل ، وهذا بناء على مذهبنا إن الإجارة المضافة إلى وقت في المستقبل تصح .

( وعلى قول ) الشافعي رحمه الله لا تصح الدار والحانوت والدواب وغير ذلك فيه سواء ، وهذا بناء على أصله إن جواز العقد باعتبار أن المنافع جعلت كالأعيان القائمة فإنما يتحقق ذلك إذا اتصل المعقود عليه بالعقد في الإجارة المضافة ولا يوجد ذلك ، ثم الإضافة إلى وقت في المستقبل كالتعليق بالشرط حتى أن ما يتحمل التعليق بالشرط يجوز إضافته إلى وقت في المستقبل كالطلاق والعتاق ، وما لا فلا كالإجارة والبيع ، ثم الإجارة لا تحتمل التعليق بالشرط فلا تحتمل الإضافة إلى وقت في المستقبل والدليل عليه أنه لا يتعلق به اللزوم ولا يملك الأجر بنفس العقد .

وإن شرط التعجيل فلو انعقد العقد صحيحا لانعقد بصفة اللزوم ويملك الأجر به إذا شرط التعجيل فإن ذلك موجب العقد وحجتنا في ذلك أن جواز عقد الإجارة لحاجة الناس ، وقد تمس الحاجة إلى الاستئجار مضافا إلى وقت في المستقبل ; لأن في وقت حاجته ربما لا يجد ذلك ، أو لا يجده بأجر المثل فيحتاج إلى أن يسلف فيه قبل ذلك [ ص: 21 ] ثم قد بينا أنه وإن أطلق العقد فهو في معنى المضاف في حق المعقود عليه ; لأنه يتجدد انعقاده بحسب ما يحدث من المنفعة ، أو تقام العين المنتفع بها مقام المعقود عليه في هذا العقد .

ولا فرق في هذا بين المضاف إلى وقت في المستقبل وبين المعقود عليه في الحال ، وهذا ; لأن ذكر المدة لبيان مقدار المعقود عليه كالكيل فيما يكال ، وذلك لا يختلف به ، وبه فارق التعليق بالشرط فإن التعليق يمنع انعقاد العقد في الحال والإضافة لا تمنع من ذلك ، وفي لزوم الإجارة المضافة روايتان وأصح الروايتين أنه يلزم ، وليس لأحدهما أن يفسخ إلا بعذر فإن الأجر لا يملك بشرط التعجيل ، وقد بينا الفرق بين هذا وبين ما إذا شرط التعجيل في عقد الإجارة في الحال ; لأن هناك تأخر الملك بقضية المساواة فيحتمل التغير بالشرط وهنا تأخر الملك لنصيبهما على التأخير بإضافة العقد إلى وقت في المستقبل فلا يتغير ذلك بالشرط .
ولو تكارى إبلا إلى مكة بشيء من المكيل أو الموزون معلوم القدر والصفة وجعل له أجلا مسمى فهو جائز ، وإن لم يسم الموضع الذي يوفيه فيه ، وقد نص على الخلاف فيما تقدم أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا بد من بيان المكان فتبين بذلك أن هذا الجواب قولهما ، وإن حل الأجل بمكة وأراد أخذه هناك وأبى المستأجر فإن استوثق من المستأجر على أن يوفيه بالكوفة حيث تكارى ، وقد ذكرنا على قولهما أن في إجارة الدار يتعين للإيفاء موضع الدار وهنا ذلك غير ممكن ; لأن الأجر يجب شيئا فشيئا بحسب سير الدابة في الطريق فيتعذر تعيين موضع استيفاء المعقود عليه للإيفاء وربما يتعين للتسليم موضع السبب وهو العقد ، وإن كان الأجر شيئا بعينه مما له حمل ومؤنة فإنما يتعين لإيفائه الموضع الذي فيه ذلك العين ; لأنه ملك في ذلك الموضع بعينه كالمبيع بخلاف ما لا حمل له ولا مؤنة فإنه يسلم إليه بعد الوجوب حيث ما لقيه ، وقد بينا الفرق بينهما في البيوع .

ولو تكارى منه حملا وزاملة وشرط حملا معلوما على الزاملة فما أكل من ذلك الحمل أو نقص من الكيل والوزن كان له أن يتم ذلك في كل منزل ذاهبا وجائيا ; لأنه استحق بالعقد حملا مسمى على البعير في جميع الطريق فيكون له أن يستوفي ما استحقه بالشرط ، وليس للحمال أن يمنعه من ذلك بخلاف المحمل فإنه إذا شرط فيه إنسانين معلومين فليس له أن يحمل غيرهما إلا برضاء الحمال ; لأن الضرر على الدابة يختلف باختلاف الراكب ، وإن خرج بالبعيرين يقودهما ولا يركبهما ولم يحمل عليهما جائيا فعليه الأجر كاملا لتمكنه من استيفاء المعقود عليه .

وكذلك لو بعث بهما مع عبده يقودهما لما بينا أن المعقود عليه خطوات الدابة في الطريق ، وقد صار مسلما إلى [ ص: 22 ] المستأجر نقود الدابة معه في الطريق . وإذا مات الرجل بعد ما قضى المناسك ورجع إلى مكة فإنما عليه من الأجر بحساب ذلك ; لأن العقد فيما بقي قد بطل بموته فيسقط الأجر بحسابه ويجب في تركته بحساب ما استوفى ، ثم بين فقال يلزمه من الكراء خمسة أعشار ونصف ويبطل عنه أربعة أعشار ونصف وبيان تخريج هذه المسألة أن من الكوفة إلى مكة سبعا وعشرين مرحلة فذلك للذهاب والرجوع كذلك وقضاء المناسك تكون في ستة أيام في يوم التروية يخرج إلى منى ، وفي يوم عرفة يخرج إلى عرفات ، وفي يوم النحر يعود إلى مكة لطواف الزيارة وثلاثة أيام بعده للرمي فيحسب لكل يوم مرحلة .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #330  
قديم 18-12-2025, 11:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,694
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 22الى صـــ 31
(330)





فإذا جمع ذلك كله كان ستين مرحلة كل سنة من ذلك عشر . فإذا مات بعد قضاء المناسك والرجوع إلى مكة فقد تقرر عليه ثلاثة وثلاثون جزءا من ستين جزءا من الأجر سبعة وعشرون جزءا للذهاب إلى مكة وستة أجزاء لقضاء المناسك ، وذلك خمسة أعشار ونصف عشر كل عشر ستة وربما يشترط الممر على المدينة فيزداد به ثلاثة مراحل فإن من الكوفة إلى مكة على طريق المدينة ثلاثين مرحلة فإن كان شرط ذلك في الذهاب تكون القسمة على ثلاثة وستين جزءا ويتقرر عليه ستة وثلاثون جزءا من ثلاثة وستين جزءا من الأجر ثلاثون للذهاب وستة لقضاء المناسك ، وإن كان الشرط الممر على المدينة في الرجوع فعليه ثلاثة وثلاثون جزءا من ثلاثة وستين جزءا من الأجر سبعة وعشرون للذهاب ولقضاء المناسك ستة أجزاء ، وإن كان الشرط بينهما أن الذهاب من طريق المدينة والرجوع كذلك فالقسمة على ستة وستين جزءا .

وإنما يتقرر عليه ستة وثلاثون جزءا من ستة وستين للذهاب ثلاثون ولقضاء المناسك ستة أجزاء فحاصل ما يتقرر عليه ستة أجزاء من إحدى عشر جزءا من الأجر وحرف هذه المسألة أنه لم يعتبر السهولة والوعورة في المراحل لقسمة الكراء عليها ; لأن ذلك لا يملك ضبطه والكراء لا يتفاوت باعتباره عادة ، وإنما يتفاوت بالقرب والبعد ; فلهذا قسمه على المراحل بالسوية كما بينا .
وإن تكارى قوم مشاة بعير إلى مكة واشترطوا على المكاري أن يحمل من مرض لهم أو أعيا فهذا فاسد للجهالة وربما تفضي هذه الجهالة إلى المنازعة ، ولو اشترطوا عليه عقبة لكل واحد منهم كان جائزا ; لأن ذلك معلوم لا تمكن بعده المنازعة .

وإذا أراد المستأجر أن يبدل محمله ليحمل محملا غيره فإن لم يكن في ذلك ضرر فله ذلك لما بينا أن التعيين الذي ليس بمفيد لا يكون معتبرا ، وإن أراد أن ينصب على المحمل كنيسة ، أو قبة فليس له ذلك إلا برضاء من المكاري لما في ذلك من زيادة الضرر على البعير ، وذلك لا يستحق إلا بالشرط ، وإن اشترط [ ص: 23 ] عليه كنيسة بعينها فأراد أن يحمل كنيسة أعظم منها ، أو قبة فليس له ذلك ; لأن هذا تعيين مفيد ، وفي التبديل زيادة ضرر على دابته ، وإن أراد أن يحمل كنيسة دونها فله ذلك ; لأنها أخف على البعير من المشروط ، وإن أراد الحمال أن لا يخرج إلى مكة فليس له عذر ; لأنه يتمكن من تسلم المعقود عليه من غير أن يخرج بأن يبعث بالإبل مع أجيره ، أو مع غلامه ، وإن أراد المستأجر أن لا يخرج من عامة ذلك فهذا عذر ; لأنه لا يتمكن من الاستيفاء إلا بتحمل مشقة السفر ، وفيه من الضرر ما لا يخفى ، وكذلك لو كان اكترى الإبل لحمل الطعام إلى مكة فبلغه كساد أو خوف ، أو بدا له ترك التجارة في الطعام فهذا عذر له ; لأنه لا يتمكن من استيفاء المعقود عليه إلا بضرر لم يلتزمه بأصل العقد ، وذلك عذر لفسخ الإجارة والله أعلم بالصواب .
باب من استأجر أجيرا يعمل له في بيته

( قال رحمه الله وإذا استأجر أجيرا يعمل له في بيته عملا مسمى ففرغ الأجير من العمل في بيت المستأجر ولم يضعه من يده حتى فسد العمل ، أو هلك وله الأجر ) ; لأن عمله صار مسلما إلى المستأجر ; لأن محمل العمل في يد المستأجر ; لأنه في بيته والبيت مع ما فيه في يد صاحب البيت فكما صار مسلما تقرر الأجر في ذمته ولا ضمان على الآجر فيما هلك من غير فعله ; لأن مال صاحبه هلك في يده ، وكذلك لو استأجره يخيط له في بيت المستأجر قميصا وخاط بعضه ، ثم سرق منه الثوب فله الأجر بقدر ما خاط فإن كل جزء من العمل يصير مسلما إلى صاحب الثوب بالفراغ منه ولا يتوقف التسليم في ذلك الجزء عند حصول كمال المقصود فلو كان استأجره ليخيط في بيت الأجير لم يكن له شيء من الأجر ; لأنه لا يصير عمله مسلما إلى صاحب الثوب فإن الثوب في يد الأجير ; لأنه في بيته ولا يقال قد اتصل عمله بملك صاحب الثوب ; لأن اتصال العمل بملكه يوجب الملك له فيما اتصل به ، ولكن لما لم يكن أصل الثوب في يده فيده لا تثبت على ما اتصل به أيضا وخروجه من ضمان العامل وتعذر الأجر على المستأجر باعتبار ثبوت اليد له على المعول .

واستشهد بما قال إنه لو استأجره يبني له حائطا فبنى بعضه ، أو كله ، ثم انهدم فله أجر ما بنى ; لأنه في ملك صاحب البناء ، وكذلك حفر البئر .
وكذلك الرجل يستأجر الخباز ليخبز له في بيته دقيقا معلوما بأجر معلوم فخبزه ، ثم سرق فله الأجر تاما ، وإن سرق قبل أن يفرغ فله من الأجر بحساب ما عمل ، وإن كان يخبز في بيت الخباز لم يكن له من الأجر شيء [ ص: 24 ] ولا ضمان عليه فيما سرق في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه أجير مشترك فلا يضمن ما هلك في يده بغير فعله ، وإن احترق الخبز في التنور قبل أن يخرجه فهو ضامن ; لأن هذا من جناية يده ويتخير صاحب الخبز إن شاء ضمنه قيمته مخبوزا وأعطاه الأجر ، وإن شاء ضمنه دقيقا ولم يكن له أجر ، وقد بينا نظيره في القصار .
وإن استأجر رجلا يحمل له طعاما إلى موضع معلوم فسرق منه في بعض الطريق فله الأجر بقدر ما تحمل ; لأن المعقود عليه ههنا منافعه لإحداث وصف في المحل فبقدر ما تحمل يصير المعقود عليه مسلما إلى صاحبه فكان له من الأجر بقدره بخلاف ما تقدم فالمعقود عليه هناك الوصف الذي يحدث في المحل بعمله وثبوت اليد على الوصف بثبوته على الموصوف فما لم تثبت يد المستأجر على محل العمل لا يصير مسلما العمل فلا يتقرر الأجر وعلى هذا قلنا في كل موضع إذا هلك لم يكن له فيه أجر فله أن يحبسه حتى يأخذ الأجر كالخياط والقصار في بيت نفسه ، وفي كل موضع لو هلك كان له الأجر فليس له أن يحبسه كالحمال والخياط والخباز في بيت صاحب العمل فإن حبسه وهلك عنده فهو ضامن ; لأنه غاصب في الحبس حين لم يكن له حق الحبس .

والعمال الذين يعملون في بيت المستأجر ضامنون لما جنت أيديهم مثل ما يضمنون ما عملوا في بيوتهم ; لأن العامل أجير مشترك سواء عمل في بيت نفسه ، أو في بيت المستأجر فيكون المعقود عليه العمل وعقد المعاوضة تقتضي سلامة المعقود عليه فالعمل المعيب لا يكون معقودا عليه ، وهذا بخلاف ما إذا استأجره يوما ليخيط له ثوبا في بيته فإنه لا يضمن ما جنت يده ; لأن المعقود عليه منافعه .

( ألا ترى ) أنه ليس له أن يعمل ذلك في غير يومه ، وأنه يستوجب الأجر بتسليم النفس ، وإن لم يستعمله .

ولو استأجر طباخا يصنع له طعاما في وليمة فأفسد الطعام فأحرقه ولم ينضجه فهو ضامن ; لأنه أجير مشترك ، وهذا من جناية يده ، ولو لم يفسد الطباخ ، ولكن رب الدار اشترى راوية من ماء فأمر صاحب البعير فأدخلها الدار فساق البعير فعطب فخر على القدور فكسرها فأفسد الطعام فلا ضمان على صاحب البعير ; لأنه ساقها بأمر رب الدار وفعله كفعل رب الدار وسوق الإنسان الدابة في ملك نفسه لا يكون تعديا موجبا للضمان كحفر البئر ووضع الحجر في ملك نفسه .

ولا ضمان على الطباخ فيما عمل من الطعام ; لأن التلف حصل بغير فعله بل بفعل مضاف إلى صاحب الدار حكما ، وكذلك لو كان البعير سقط على ابن رب الدار وهو صبي فقتله ، أو على عبده فلا ضمان عليه ; لأن التسبب إذا لم يكن تعديا لا يكون موجبا للضمان على أحد ، ولو أدخل الطباخ النار ليطبخ بها فوقعت شرارة [ ص: 25 ] واحترقت الدار فلا ضمان عليه ; لأن له أن يدخل النار ويعمل بها فعمله لا يتأتى بدونها ولا ضمان على رب الدار فيما احترق للسكان ; لأنه أدخل النار في ملكه ومن أوقد النار في ملكه لا يكون متعديا فيه . فكذلك إذا فعل غيره بأمره والله أعلم بالصدق والصواب .

باب إجارة الفسطاط

( قال رحمه الله وإذا استأجر فسطاطا يخرج به إلى مكة ذاهبا وجائيا ويحج ويخرج من الكوفة في هلال ذي القعدة فهو جائز ) ; لأنه استأجر عينا منتفعا به وهو معتاد استئجاره والفسطاط من المساكن فاستئجاره كاستئجار البيت ، وكذلك الخيمة والكنيسة والرواق والسرادق والمحمل والجرب والجوالق والحبال والقرب والبسط فذلك كله منتفع به معتاد استئجاره فإن تكارى شيئا من ذلك ليخرج به إلى مكة ذاهبا وجائيا ولم يسم متى يخرج به فهو فاسد في القياس ; لأن وجوب التسليم إليه حين يخرج به إذا لم يكن معلوما فربما تتمكن بينهما منازعة فيه والناس يتفاوتون فيه بالخروج إلى مكة فمن بين مستعجل ومؤخر ، ولكنه استحسن فقال وقت الخروج للحج من الكوفة معلوم بالعرف .

والمتعارف كالمشروط ، وهذا ; لأن المعتبر الوقت الذي تخرج فيه القافلة مع جماعة الناس ولا معتبر بالإقرار ، وذلك الوقت معلوم ، وإن تخرق الفسطاط من غير خلاف ولا عنف لم يضمن المستأجر ; لأن العين في يده أمانة فإن نقيضه يقرر حق صاحبه في الأجر وهو مأذون في استيفاء المنفعة على الوجه المعتاد فلا يكون ضامنا لما يتخرق منه إذا لم يجاوز ذلك ، وإن ذهب به ورجع فقال استغنيت عنه فلم أستعمله فالأجر واجب عليه ; لأنه تمكن من الانتفاع به ، وذلك يقوم مقام الانتفاع به في تقرر الأجر عليه ولو انقطعت أطنابه وانكسر عموده فلم يستطع نصبه لم يكن عليه أجر ; لأنه لم يكن متمكنا من الانتفاع به والأجر لا يلزمه بدونه فالقول فيه قول المستأجر مع يمينه ; لأنهما اتفقا أنه لم يتمكن من استيفاء جميع المعقود عليه .

وإن الصفقة قد تفرقت عليه فالقول قول المستأجر في مقدار ما استوفى ، وكذلك لو احترق فقال المستأجر لم أستعمله إلا يوما واحدا فالقول قوله ، وليس عليه الكراء إلا مقدار ذلك ; لأنه منكر للزيادة .
ولو أسرج المستأجر في الفسطاط أو في الخيمة حتى اسود من الدخان ، أو احترق أو علق فيه قنديلا فإن كان صنع كما يصنع الناس فلا ضمان عليه ، وإن كان تعدى فيه ، أو اتخذه مطبخا ، أو أوقد فيه نارا حتى صار بمنزلة المطبخ من [ ص: 26 ] السواد فهو ضامن لما أفسد ; لأن بمطلق العقد يثبت له حق استيفاء المنفعة على الوجه المتعارف . فإذا لم يجاوز ذلك لا يكون ضامنا ، وهذا ; لأن الفسطاط من المساكن وإدخال السراج والقنديل وإيقاد النار في المسكن متعارف لا بد للساكن منه ، ولكن إذا جاوز الحد المتعارف فهو متعدي فيما صنع فيكون ضامنا لما أفسد وكان عليه الكراء إذا كان ما بقي منه شيئا ينافي السكنى فيه فإن كان دون ذلك فلا كراء عليه منذ يوم لزمه الضمان لانعدام تمكنه من الانتفاع به في بقية المدة ، وإن اشترط عليه صاحبه أن لا يوقد فيه ولا يسرج فليس له أن يوقد فيه ولا يسرج ; لأن هذا أضر من السكنى فيه من غير إسراج ، وقد استثناه صاحبه بالشرط والتقييد متى كان مفيدا فهو معتبر فإن فعل ذلك ضمن ; لأنه جاوز ما استحقه بالعقد وعليه الأجر ; لأنه استوفى المعقود عليه ، وإنما ضمن باعتبار الزيادة فلا يمنع ذلك تقرر الأجر باستيفاء المعقود عليه كالمستأجر للدابة إلى مكان إذا جاوز . وإذا استأجر قبة تركية بالكوفة كل شهر بأجر معلوم ليستوقد فيها ويبيت فهو جائز ولا ضمان عليه إن احترقت من الوقود ; لأن الإيقاد فيها معتاد فلا يكون هو متعديا بالإيقاد فيها فإن بات فيها عبده ، أو ضيفه فلا ضمان ; لأنها من المساكن ، وقد بينا أن له أن يسكن ضيفه وعبده فيما سكن فيه هو ، وهذا ; لأنه لا ضرر على القبة بكثرة من يسكنها .

وإذا استأجر فسطاطا يخرج به إلى مكة فقعد وأعطاه أخاه فحج ونصب واستظل به فهو ضامن ولا أجر عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله . وقال محمد لا ضمان عليه وعليه الأجر ; لأن الفسطاط من المساكن ، وفي المسكن لا يتعين سكناه بنفسه ; لأن سكناه وسكنى غيره في الضرر على الفسطاط سواء فهو كتسليم البيوت ( ألا ترى ) أنه لو أخرج الفسطاط فيه بنفسه ، ثم أسكن فيه غيره لم يضمن فكذلك إذا دفعه إلى غيره حتى يخرج به وهو نظير ما لو استأجر عبدا يخدمه في طريق مكة فأجره من غيره بخدمة لم يضمن وتفاوت الناس في الاستخدام والأضرار على الغلام أبين من التفاوت في السكنى في الفسطاط ، ثم لما لم يتعين هناك المستأجر للاستخدام فهذا أولى .

وجه قولهما أن الفسطاط يحول من موضع إلى موضع والضرر عليه يتفاوت بتفاوت مواضع النصب فإن نصبه في مهب الريح يخرقه ونصبه من موضع الندوة والنز يفسده . فإذا كان هذا مما يتفاوت فيه الناس وبحبسه يختلف الضرر فكان التعيين معتبرا بمنزلة الدابة استأجرها ليركبها ، أو الثوب يستأجره ليلبسه هو . فإذا دفعه إلى غيره صار مخالفا ضامنا ولا أجر عليه ; لأنه لم يستوف المعقود عليه ، وهذا بخلاف المسكن فإنه لا يحول من [ ص: 27 ] موضع إلى موضع بخلاف العبد ; لأن الاستخدام له حد معلوم بالعرف . فإذا كلفه فوق ذلك امتنع العبد منه سواء كان المستأجر هو الذي يستخدمه ، أو غيره فلا فائدة في التعيين هناك بخلاف ما إذا أخرج بنفسه ; لأنه هو الذي يختار موضع النصب للفسطاط .

وإذا كان ذلك برأيه كما أوجبه العقد فسكناه وسكنى غيره بعد ذلك سواء . فأما إذا دفعه إلى غيره ليخرج به فاختيار موضع نصب الفسطاط لا يكون برأيه بل يكون برأي الذي خرج به ، وذلك خلاف موجب العقد وعلى هذا قالوا لو لم يبين عند الاستئجار من يخرج به فالعقد فاسد في قول أبي يوسف رحمه الله كما لو لم يبين من يلبس الثوب عند الاستئجار ، وعند محمد رحمه الله العقد جائز كما في خدمة العبد وسكنى الدار ولو انقطعت أطناب الفسطاط كلها فصنعها المستأجر من عنده ، ثم نصب الفسطاط حتى رجع فعليه الأجر كله ; لأنه استوفى المعقود عليه فالمعقود عليه منفعة الفسطاط لا منفعة الأطناب . فإذا تمكن من استيفاء المعقود عليه بأطناب نفسه لزمه الأجر كما في استئجار الرحا إذا انقطع الماء فطحن المستأجر بجمله وجب عليه الأجر ، ثم يمسك أطنابه ; لأنه ملكه فيمسكه إذا رد الفسطاط .

ولو لم تعلق عليه الأطناب لم يكن عليه الكراء ; لأنه لم يكن متمكنا من استيفاء المعقود عليه بملك صاحب الفسطاط ولا يعتبر تمكنه من الاستيفاء بملك نفسه ; لأن ذلك ليس مما أوجبه العقد ، وكذلك لو انكسر عمود الفسطاط . فأما إذا انكسرت أوتاده فلم يضر به حتى رجع كان عليه الكراء كاملا ، وليس الأوتاد مثل الأطناب والعمود ; لأن الأوتاد من قبل المستأجر والأطناب والعمود من قبل صاحب الفسطاط ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول إنه بنى هذا الجواب على عرف ديارهم . فأما في عرف ديارنا الأوتاد من قبل صاحب الفسطاط والأصح أن يقول من الأوتاد ما يتيسر وجوده في كل موضع ولا يتكلف بحمل مثله من موضع إلى موضع فهذا على المستأجر ومنه ما يكون متخذا من حديد ، وذلك لا يوجد في كل موضع فمثله يكون على صاحب الفسطاط كالعمود فمراده مما قال الأوتاد التي توجد في كل موضع فبانكسارها لا يزول تمكنه من استيفاء المعقود عليه فيكون الأجر عليه بخلاف العمود والأطناب .

وإن تكارى فسطاطا يخرجه إلى مكة فخلفه بالكوفة حتى رجع فهو ضامن ; لأنه أمسكه في غير الموضع المأذون فيه فإن صاحبه إنما أذن له في الإمساك في الطريق ليقرر حقه في الأجر ويفوت عليه هذا المقصود إذا أمسكه بالكوفة وإمساك الغير بغير إذن مالكه موجب الضمان عليه ولا كراء عليه ; لأنه ما تمكن من استيفاء المعقود عليه فالمعقود عليه نصبها [ ص: 28 ] وسكناها في الطريق ، وذلك لا يتأتى إذا خلفها بالكوفة والقول قوله مع يمينه بالله ما أخرجه ; لأنه ينكر التمكن من استيفاء المعقود عليه ووجوب الأجر عليه فهو كما لو أنكر قبض الفسطاط أصلا ، وكذلك لو أقام بالكوفة ولم يخرج ولم يدفع الفسطاط إلى صاحبه فهو مثل الأول لوجود الإمساك لا على الوجه الذي أذن له فيه صاحبه .

وكذلك لو خرج ودفع الفسطاط إلى غلامه فقال ادفعه إلى صاحبه فلم يدفع حتى رجع المولى فهو مثل الأول ; لأنه لم يصل إلى صاحبه وكونه في يد غلامه وما لو خلفه في بيته بالكوفة سواء ، وكذلك لو دفعه إلى آخر وأمره أن يرده إلى صاحبه فلم يفعله ; لأنه مخالف بالإمساك في غير الموضع المأذون فيه وبالتسليم إلى الأجنبي أيضا ، ولو حمله الرجل إلى صاحب الفسطاط فأبى أن يقبله برئ المستأجر والرجل من الضمان ولا أجر عليه ; لأن صاحب الفسطاط تمكن من فسطاطه حين رد عليه وفعل مأمور المستأجر كفعل المستأجر بنفسه ولو رده بنفسه لم يكن لصاحبه أن يمتنع من قبوله ; لأن هذا عذر له ; لأنه يحتاج إلى مؤنة في إخراج الفسطاط وله أن يلتزم تلك المؤنة . فكذلك إذا رده ثانية لم يكن له أن يمتنع من قبوله .

ولو هلك الفسطاط عند هذا الآخر قبل أن يحمله إلى صاحبه فلصاحب الفسطاط أن يضمن أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما متعد في حقه غاصب فإن ضمن الوكيل رجع به على المستأجر ; لأنه ضمن في عمل باشره له بأمره ، وإن ضمن المستأجر لم يرجع به على الوكيل ; لأنه لو رجع عليه رجع الوكيل به أيضا ، ولأن يد الوكيل قائمة مقام يد المستأجر فهلاكه في يد الوكيل كهلاكه في يد المستأجر .

وإن ذهب بالفسطاط إلى مكة ورجع به فقال المؤاجر للمستأجر احمله إلى منزلي فليس له ذلك على المستأجر ، ولكنه على رب المتاع لما بينا أن منفعة النقل حصل لرب المتاع من حيث إنه تقرر حقه في الأجر فكانت مؤنة الرد عليه بخلاف المستعير ، وإن لم يخرج بالفسطاط وخلفه بالكوفة فضمنه وسقط عنه الأجر فالحمولة على المستأجر ; لأنه بمنزلة الغاصب وهو الذي ينتفع بالرد من حيث إنه برأ نفسه عن الضمان ، وإن استأجر دابة إلى بلدة أخرى فقبضها وذهب صاحب الدابة فإن حبسها بالكوفة على قدر ما يحبسها الناس إلى أن يرتحل فلا ضمان عليه ، وإن حبسها مما لا يحبس الناس مثله يومين أو ثلاثة فهو ضامن لها ولا كراء عليه ; لأنه أمسكها في غير الموضع الذي أذن له صاحبها في الإمساك ، وفي هذا الخلاف ضرر على صاحبها فإن حقه في الأجر لا يتقرر بإمساكها في هذا الموضع ; فلهذا كان ضامنا إلا أن المقدار المتعارف من الإمساك يصير مستحقا له بالعرف فيجعل كالمشروط بالنص .
وإذا استأجر الرجلان [ ص: 29 ] فسطاطا من الكوفة إلى مكة ذاهبا وجائيا فقال أحدهما إني أريد أن آتي بالبصرة . وقال الآخر إني أريد أن أرجع إلى الكوفة وأراد كل واحد منهما أن يأخذ الفسطاط من صاحبه فالمسألة على ثلاثة أوجه إما أن يدفع الكوفي إلى البصري ، أو البصري إلى الكوفي ، أو يختصما فيه إلى القاضي بمكة . فأما إذا دفعه الكوفي إلى البصري فذهب به إلى البصرة واستعمله فلرب الفسطاط أن يضمن البصري قيمته إن هلك ; لأنه غاصب مستعمل في غير الموضع الذي أذن له صاحبه فيه .

وكذلك إن لم ينصبه فهو بالإمساك في غير الموضع الذي أذن له صاحبه فيه يكون ضامنا قيمته إن هلك وعليهما حصة الذهاب من الأجر ولا أجر على واحد منهما في الرجوع أما البصري فلأنه ما رجع من الكوفة ، وقد تقرر عليه ضمان القيمة وأما الكوفي فلأنه لا يكون متمكنا من استيفاء المعقود عليه في الرجوع حين ذهب البصري بالفسطاط ، وإن أراد صاحبه أن يضمن الكوفي فإن أقر أنه أمره أن يذهب به إلى البصرة كان له أن يضمنه نصف قيمته ; لأن النصف كان أمانة في يده ، وقد تعدى بالتسليم إلى صاحبه ليمسكه على خلاف ما رضي به صاحبه فكان له أن يضمنه ويضمن البصري نصف قيمته .

وإن قال الكوفي لم آمره أن يذهب به إلى البصرة ، ولكني دفعته إليه ليمسكه حتى يرتحل فلا ضمان عليه ; لأن الفسطاط مما لا يحتمل القسمة فلكل واحد من المستأجرين أن يتركه في يد صاحبه ولا يكون تسليمه إلى صاحبه ليمسكه في الموضع الذي تناول الإذن موجب الضمان عليه والقول قوله في ذلك مع يمينه ; لأنه ينكر سبب وجوب الضمان عليه وصاحب الفسطاط يدعي ذلك عليه ، وإن دفعه البصري إلى الكوفي فرجع به إلى الكوفة فالكراء عليهما جميعا على البصري نصفه وعلى الكوفي نصفه ; لأن الكوفي استوفى المعقود عليه في الرجوع في نصيب نفسه باعتبار ملكه ، وفي نصيب البصري بتسليطه إياه على ذلك .

وذلك ينزل منزلة استيفائه بنفسه فيجب الكراء عليهما ولا ضمان على واحد منهما إن هلك قيل هذا قول محمد رحمه الله . فأما عند أبي يوسف رحمه الله ينبغي أن يكون البصري ضامنا ولا كراء عليه في الرجوع كما لو دفعه إلى أجنبي آخر ، وقد بيناه والأصح أنه قولهم جميعا ; لأن صاحب الفسطاط هنا قد رضي برأي كل واحد منهما في النصب واختيار الموضع لذلك بخلاف الأجنبي فصاحب الفسطاط هناك لم يرض برأيه في اختيار موضع النصب ، وإن غصبه الكوفي فعلى الكوفي حصته من الأجر ذاهبا وجائيا ; لأنه استوفى المعقود عليه وعلى البصري أجره ذاهبا ، وليس عليه أجر في الرجوع ; لأن نصيبه كان في يد الغاصب ولم يكن هو متمكنا من استيفاء المعقود عليه [ ص: 30 ] حين ذهب من طريق البصرة ، ويكون الكوفي ضامنا لنصف قيمته إن هلك ; لأنه غاصب للنصف من البصري فيكون ضامنا .

وإن ارتفعا إلى القاضي بمكة فللقاضي في ذلك رأي فإن شاء لم ينظر فيما يقولان حتى يقيما عنده البينة ; لأن صاحب الفسطاط غائب وهما يدعيان على القاضي وجوب النظر عليه في حق الغائب في ماله فلا يلتفت إلى ذلك إذا لم يعرف سببه فإن فعل القاضي بذلك ولم يجدا بينة فدفعه البصري إلى الكوفي فهو على الجواب الأول الذي قلنا إذا لم يرتفعا إلى القاضي . وإذا أقام البينة عنده على ما ادعيا قبلت البينة ; لأنهما أثبتا سبب وجوب ولايته في هذا المال ووجوب النظر للغائب وهذه بينة تكشف الحال فتقبل من غير الخصم أو القاضي كأنه الخصم في موجب هذه البينة ، ثم يحلف البصري على ما يريد من الرجعة إلى البصرة ; لأنه يدعي العذر الذي به يفسخ الإجارة في نصيبه ، وذلك شيء في ضميره لا يقف عليه غيره فيقبل قوله فيه مع يمينه ، وإن شاء نظر في حالهما من غير إقامة البينة احتياطا في حق الغائب .

وإذا حلف البصري فالقاضي يخرج الفسطاط من يده ; لأنها ليس من النظر للغائب ترك الفسطاط في يده ليذهب به إلى البصرة ، ولكنه يؤاجر نصيبه من كوفي مع الكوفي الأول ليتوصل صاحب الفسطاط إلى غير ملكه ويتوفر عليه الكراء بجميع الفسطاط في الرجوع ، وإن أراد الكوفي أن يستأجر نصيب البصري فهو أولى الوجوه ; لأن صاحب الفسطاط كان راضيا بكون الفسطاط في يده ، ولأن إجارته منه تجوز بالاتفاق ; لأنه إجارة المشاع من الشريك .

وذلك جائز وفعل القاضي فيما يرجع إلى النظر للغائب كفعل الغائب بنفسه ، وإن لم يرغب فيه حينئذ يؤاجره من كوفي آخر فيجوز ذلك على قول من يجوز إجارة المشاع وعلى قول من لا يجوز ذلك فهذا فصل مجتهد فيه . فإذا أمضاه القاضي باجتهاده نفذ ذلك منه ، وإن لم يجد من يستأجره من أهل الكوفة يدفع الفسطاط إلى الكوفي . وقال نصفه معك بالإجارة الأولى ونصفه معك وديعة حتى يبلغ صاحبه فهو جائز لما فيه من معنى النظر للغائب باتصال عين ملكه إليه وعلى الكوفي نصف الأجر في الرجوع ; لأنه استوفى المعقود عليه والشيوع طارئ فلا يمنع بقاء الإجارة ولا أجر على البصري في الرجعة ; لأنه استوفى المعقود عليه فسخ العقد بعذر عند القاضي ولا ضمان عليه أيضا ; لأن تسليمه إلى القاضي كتسليمه إلى صاحبه فالقاضي نائب عنه فيما يرجع عليه لذلك .

وإن تكارى فسطاطا من الكوفة إلى مكة ذاهبا وجائيا وخرج إلى مكة فخلفه بمكة ورجع إلى الكوفة فعليه الكراء ذاهبا وهو ضامن لقيمة الفسطاط يوم خلفه ; لأنه تركه في غير [ ص: 31 ] الموضع الذي رضي صاحبه بتركه فيه ، وإن لم يختصما حتى حج من قابل فرجع بالفسطاط فلا أجر عليه في الرجعة ; لأنه كان استأجره في العام الماضي ، وقد انتهى العقد بمضي ذلك الوقت فيكون غاصبا ضامنا في استعماله في العام الثاني وكل من استأجر فسطاطا ، أو متاعا ، أو حيوانا إذا فسد ذلك حتى لا ينتفع به ، أو غصبه غاصب فلا أجر على المستأجر منذ يوم كان ذلك لانعدام تمكنه من استيفاء المعقود عليه وعليه أجر ما قبله والقول قول المستأجر إذا اختصما يوم اختصما وهو على ما وصفنا من الفساد ، أو الغصب مع يمينه ; لأن انعدام تمكنه من الاستيفاء في الحال يمنع البناء على استصحاب الحال فيما مضى والبينة بينة المؤاجر ; لأنه يثبت حقه ببينته ولا تقبل بينة المستأجر على خلاف ذلك ; لأنه ينفي ببينته ما يثبته الآخر من الأجر .
رجل تكارى دابتين من رجل صفقة واحدة بعشرة دراهم ليحمل عليهما عشرين مختوما فحمل على كل واحدة منهما عشرة مخاتيم فإنما يقسم الأجر على أجر مثل كل واحدة منهما ، وذلك لصاحبها ; لأن المسمى بمقابلة منفعة دابتين ، ولو كان بمقابلة عينهما بأن يتبعا وجب قيمته على قيمتهما . فكذلك إذا كان بمقابلة منفعتها وقيمة المنفعة أجر المثل ; فلهذا يقسم على ذلك ولا ينظر إلى ما حمل على كل دابة ( ألا ترى ) أنه لو ساقهما ولم يحمل عليهما شيئا وجب الأجر عليه والله أعلم .
باب الإجارة الفاسدة

( قال رحمه الله رجل استأجر من رجل ألف درهم بدرهم كل شهر يعمل بها فهو فاسد ، وكذلك الدنانير وكل موزون ، أو مكيل ) ; لأن الانتفاع بها لا يكون إلا باستهلاك عينها ولا يجوز أن يستحق بالإجارة استهلاك العين ولا أجر عليه ; لأن العقد لم ينعقد أصلا لانعدام محله فمحل الإجارة منفعة تنفصل عن العين بالاستيفاء ، وليس لهذه الأموال منفعة مقصودة تنفصل عن العين وبدون المحل لا ينعقد العقد وهو ضامن للمال ; لأن العقد لما صار لغوا بقي مجرد الإذن فكأنه أعاره إياه ، وقد بينا أن العارية في المكيل والموزون قرض .

وإذا استأجر ألف درهم ليزن بها يوما إلى الليل بأجرة مسماة فهو جائز ، وكذلك لو استأجر حنطة مسماة يعير بها مكاييل له يوما إلى الليل فهو جائز وذكر الكرخي رحمه الله في مختصره أنه لا يجوز قيل ما رواه الكرخي رحمه الله محمول على ما إذا استأجرها ليعير بها مكيالا بغير عينها ، وما ذكر في الكتاب محمول على ما إذا استأجرها ليعير بها مكيلا لا بعينه فيكون المعقود عليه معلوما [ ص: 32 ] وقيل بل فيه روايتان وجه ما قال الكرخي رحمه الله إن هذا النوع من الانتفاع غير مقصود بهذه الأعيان . وإذا كان لا يجوز استئجارها للمنفعة التي هي مقصودة منها فلأن لا يجوز استئجارها للمنفعة التي هي غير مقصودة منها أولى وجه ظاهر الرواية أن ما سمي عملا يعمل بالمستأجر مع بقاء عينه فإن الوزن بالدراهم عمل مقصود كالوزن بالحجر ، ولو استأجر حجرا ليزن به يوما جاز . فكذلك الدراهم ، وهذا ; لأن المنافع عند إطلاق العقد كونه متضمنا استهلاك العين لو صح ، وقد انعدم ذلك بتسمية منفعة تستوفى مع بقاء العين وهو مقصود في الناس ، أو كالإناء يستأجره ليعمل به أو الثوب ليلبسه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 355.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 349.69 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]