القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد - الصفحة 6 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 223 - عددالزوار : 1317 )           »          تعريف مختصر بالإمام الشافعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          الأحاديث النبوية الصحيحة في دعاء رؤية المطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          موقف الصحابة من مبتدعة زمانهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          ‏عشرة تصرفات تضعف الروابط الأسرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          النساء والهاتف ترويح وتسلية.. أم غيبة ونميمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          من نعم الله على عباده؛ البلاء! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          طوبى للغرباء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          رحلة الأعمار إلى يوم التلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          رجب شهر الزرع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم 11-11-2025, 05:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية- 45 – المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها بتطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية، تمس تلك الأعمال مباشرة.
(المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة)، المصلحة بمعناها الاصطلاحي هي: «المحافظة على مقصود الشارع بجلب المنافع ودفع المفاسد»؛ فالمصلحة يجب مراعاتها من جهة الفعل والقصد.
والمصلحة العامة أقوى تأثيراً من المصلحة الخاصة، والقاعدة المطردة عند أهل العلم هي أنه عند تعارض المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ولم يمكن الجمع بينهما ترجح العامة على الخاصة.
والشريعة قامت على رعاية المصالح، وغلبت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ورجحت بينهما بما فيه النفع للعامة، فلم تسمح للإضرار بالمصالح من أجل حفظ أقلها.
ومن التطبيقات العلمية الخيرية والوقفية:
1- إذا رفضت الجهات الرسمية عمل شخص ما في مؤسسة خيرية، فلا يتعطل عمل المؤسسة من أجل هذا الشخص خاصة، وإن تعطلت بعض الحقوق الخاصة، فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
2- إذا تهالك حائط من حوائط الوقف وأضحى خطراً على المارة وسالكي الطريق، فإنه يرمم ويقدم على المصروفات الأخرى، ويهدم إن اضطر إلى ذلك، فالمصلحة العامة مقدمة.
3- ولو تصدق رجلٌ بملابس مخالفة للشرع لتوزيعها على المحتاجين، فإنها ترد ولا تقبل؛ لأن المصلحة العامة في حفظ الثوابت والقيم والضوابط الشرعية، مقدمة على المصلحة الخاصة للمتبرع في قبول المؤسسة تبرعه.
4- وإذا رأى رجل خللاً ما في تصرف إدارة المؤسسة الخيرية، وأصابه بعض الضرر من ذلك، فلا ينبغي الإشهار بالمؤسسة والمبالغة في إظهار الخلل لعامة الناس، فقد يضر ذلك المؤسسة الخيرية وكذلك أصحاب الحاجات الذين تنقطع عنهم المساعدات، فينصح أصحاب الشأن بلا تشهير.
5- وإذا كان هنالك ضرر على المؤسسة الخيرية من استمرار عمل أحد القائمين على المؤسسة، فإن مصلحة بقاء المؤسسة مقدمة على مصلحة بقاء الشخص، وإن أصابه بعض الضرر فهو من أجل المصلحة العامة.
6- تأجيل الأعمال الخاصة في أوقات العمل في المؤسسة الخيرية الوقفية، من أجل المحافظة على استمرارية العمل العام والقيام بحق الوظيفة مطلب شرعي مقدم على الأمور الخاصة.
7- إذا ألزمت المؤسسة الخيرية أفرادها على حضور الدورات التنموية لصالح العمل فعليهم في ذلك الطاعة؛ من أجل تحقيق المصلحة العامة.



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #52  
قديم 12-12-2025, 05:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد



القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية – 46- الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود(1)، قاعدة مفادها أن المكلف إذا اقتضى منه مقام ما تصرفاً لفظياً أو فعلياً أو إسقاط حق أو نحو ذلك واشتغل بغيره، اعتبر ذلك إعراضاً عما هو منتظر منه(2).
فمن حكمة الله -تعالى- أنه جعل في كل وقت واجبًا معينًا، ينبغي على المسلم أن ينشغل به، ومن رحمة الله بعباده أنه ما أوجب عليهم في الوقت نفسه واجبين إنما هو واجب واحد، وهذا يدفع العاملين في المؤسسات الخيرية والتطوعية أن يحددوا الأولويات دائمًا؛ بمعنى أن هناك أشياء ثابتة أولويات، وهناك واجب وقت، قد أؤخر بعض الأمور لأجل أمر آخر يتطلب التعجيل في القيام بواجبه.
والاشتغال بغير المقصود لا يتصور أن يكون إعراضاً عنه إلا حين يكون المقام يقتضي من المكلف التصرف دون تراخ.
تطبيقات القاعدة الخيرية:
1- في حال النوازل كنازلة سوريا، يتطلب ذلك إغاثة عاجلة للاجئين لحفظ الأنفس، فلا يعقل أن ينفق على الدعوة وطلب العلم والناس يموتون، فهذا ليس بواجب الوقت، وواجب الوقت يقتضي أن نجعل لهذه النازلة الأولوية.
2- إذا انشغلت المؤسسة الخيرية أو العلمية في غير ما أنشئت من أجله وهو القيام بالأعمال الخيرية لأصحاب الحاجات، أو تعليم الناس في المؤسسة التعليمية، فإن ذلك خروج عن مقصودها وأهدافها.
3- في حال الاعتداء على المساعدات الخيرية أو الأصول الوقفية فإن الانشغال عن حمايتها والدفاع عنها إعراض عن واجب رقع الظلم على من قدر عليه.
4- في حال الخطر على الأنفس فإن الأمر يقتضي الفورية وعدم التراخي في تقديم العون، وتكون المؤسسة آثمة أن انشغلت بغير حفظ الأنفس.
5- من قام لذبح شاة، ثم قال بعد إضجاعها: بسم الله، ثم انتظر أو تكلم بكلام يسير ثم ذبحها حل أكلها، فإن طال الحديث أو اشتغل بعمل آخر، ثم ذبح لم يحل أكلها(3)؛ لأن الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود.
6- لو قال أحد المتبرعين لموظف المؤسسة الخيرية: هذه صدقة مني لتصرف على الفقراء وأهل الحاجات، ثم انشغل بأمر آخر، وخرج من المؤسسة قبل أن يدفع المبلغ، فإن المؤسسة لا تلزم المتبرع بدفع المبلغ.
الهوامش:
1- الأشباه والنظائر للسبكي (1/151)، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 158.
2- معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، رقم القاعدة 419، (9/327).
3- الكافي في فقه ابن حنبل لابن قدامة 3/29، والبحر الرائق لابن نجيم3/89.



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #53  
قديم 12-12-2025, 06:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد



القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية47- (من التَزَمَ معرُوفاً لزمه)


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
(من التزم معروفاً لزمه)(1) قاعدة جاءت بألفاظ مختلفه، منها: (المعروف يلزم من التزمه)، و(من التزم شيئاً لزمه شرعاً) (2)؛ و(كل من التزم شيئاً وأوجبه على نفسه يكون لازماً وإن كان من المعروف المحض)(3).
ومعنى القاعدة أن من ألزم نفسه فعل برّ ومعروف لزمه فعلُه، وصار واجباً عليه بالتزامه إياه، وإن لم يكن واجباً عليه قبل ذلك؛ إذ الأصل براءة ذمة الإنسان من أن يجب عليه شيء إلا بموجِبٍ لذلك، والالتزام من هذه الموجبات على ما تقرره القاعدة(4).
وذلك يعني أن بعض الأعمال قد تكون مستحبة، ولكنها إذا تعلقت بمصالح المسلمين العامة، وشرع به المسلم، يتحول الأمر إلى واجب، فالعاملون في المؤسسات الخيرية يؤدون وظيفة عظيمة لا ينهض بها إلا من كان على السداد والتوفيق والهداية والإحسان، فنفعهم متعد.
فالتأصيل الشرعي للأعمال الخيرية إما أن تكون واجبة على الكفاية، وإما أن تكون واجبة على الأعيان؛ فهي داخلة في الفريضة إما على الأعيان، وإما على الكفاية.
والنذر في الطاعة كذلك واجب الوفاء لمن قدر عليه، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمة له فنذره لها قد أوجبها عليه؛ لأنه ألزمها نفسه، فكل من ألزم نفسه شيئاً لله فقد تعين عليه فرض الأداء فيه (5).
واستثنى أهل العلم ومنهم المالكية اللزوم حالتي الموت والفلس فينصون على أن المعروف لازم لمن أوجبه على نفسه ما لم يمت أو يفلس(6).
ومن التطبيقات الخيرية لهذه القاعدة:
1- من وعد غيره بوعد كإعطائه مساعدة أو هبة مثلاً فقد ألزم نفسه بما لم يكن لازماً فيجب عليه إنفاذه والوفاء به، كمن التزم مساعدة طالب علم لإكمال دراسته الجامعية، فإنه ملزم مادام يستطيع أن يستمر في كفالته حتى تخرجه.
2- ليس لأعضاء مجلس إدارة مؤسسة خيرية وقيادات العمل الخيري أن ينسحبوا وقتما شاؤوا؛ لأنهم بالشروع والدخول في هذه المؤسسة تعين عليهم العمل وجوبًا، وليس استحبابًا؛ لأن جنس العمل يتعلق بمصالح المسلمين العامة، وهو لا يخرج عن الوجوب الشرعي في جميع الأحوال.
3- وكذلك من التزم كفالة يتيم حتى يبلغ الحلم فإنه ملزم باستمرار كفالته مادامت له القدرة في الاستمرار. ومثله من وعد داعياً في كفالته خلال رحلته الدعوية، وألزم نفسه بذلك، فلا يخذله بعد سفره، ويقطعه عن المساعدة.
4- من ضمن وكفل صاحب حاجة اقترض من مؤسسة خيرية قرضاً حسناً، فإن الضامن ملزم بما أوجبه على نفسه من الضمان؛ لأن ذلك معروف والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه(7).
5- من قال لآخر تزوج وعلي الصداق أو جزء منه، فتزوج الآخر فعلى من قال ما ألزم نفسه؛ لأن هذا بر التزمه فلزمه الوفاء به.
6- إذا أسكن محسنٌ إنساناً في بيت يملكه، واتفق معه أن يكون ذلك مجاناً بلا عوض، مدة معينه أو مدة حياة المحسن لزمه ذلك مالم يفلس أو يمت.
الهوامش:
1- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/26.
2- أحكام القرآن لابن عربي 4/241.
3 - النوازل الجديدة الكبرى للوزاني 9/481.
4 -معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، القاعدة رقم 513، (10/409).
5 - شرح ابن بطال على صحيح البخاري(6/157).
6 - معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، القاعدة رقم 513، (10/413).
7 - انظر: السيل الجرار للشوكاني، (1/799).



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 13-12-2025, 05:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية – 48- المسلمون عند شروطهم


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
«المسلمون عند شروطهم»(1)، والقاعدة نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم»(2)، وبلفظ «المسلمون على شروطهم». أي اثبتوا على شروطكم وقفوا عندها، وأوفوا بها .
فالأصل أن المسلمين ثابتون عليها لا يرجعون عنها، يوفون بما عليهم من حقوق وواجبات ولا يتهربون منها، ولا يتحايلون لإسقاطها والتملص منها، بل إن دين المسلم وإيمانه يحمله على أداء الحقوق والوفاء بالالتزامات .
فالوفاء من الصفات اللازمة للإنسانية، وهو دال على كمال الشخص ورفعته، الذي يترافق معه صدق باللسان وما خطته الأيدي والأفعال معاً .
والأصل في الشروط والعقود الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على بطلانه كما قال شيخ الإسلام: «الأصل في الشروط الجواز والصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله».
فالشروط نوعان: شروط صحيحة، وشروط فاسدة، فالشروط الصحيحة لازمة، وأما الشروط الفاسدة فهي ملغاة.
ولا فرق أن يكون الشرط ملفوظاً به وبين أن يكون معروفاً بالعرف والعادة ؛ لأن من المقرر شرعاً أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وأن المتعارف كالمشروط(3).
التطبيقات العملية :
1- الأصل في الشروط أن تكون موافقة لحكم الله تعالى ، أما الشرط الذي جرى مخالفاً لحكم الشرع فيكون باطلاً ، فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل .
2- إذا شرط الواقف أن يتولى نظارة وقفه بنفسه، أو لغيره، أتبع شرطه، فالمسلمون عند شروطهم .
3- إذا اشترطت الجهة الخيرية على المتبرع لمشروع خيري أن يتكفل بمصاريفه التشغيلية بعد إنجازه، فوافق فهو ملزم بذلك؛ فـ «كل من التزم شيئاً وأوجبه على نفسه يكون لازماً وإن كان من المعروف المحض»(4).
4- على من يعمل في المؤسسات الخيرية والوقفية أن يفي بالشروط والحقوق، ويحذر من الغدر والخيانة؛ لأنهما من أسباب ورود النار كما قال صلى الله عليه وسلم : «المكر والخديعة والخيانة في النار»(5).
5- من كفل مستقرضاً قرضاً حسناً من جمعية خيرية ، فهو ضامن لذلك الرجل وقت الاستحقاق .
6- إذا علق صرف المساعدة لأسرة فقيرة بشرط مشروع، كالالتزام بالصلاة واللبس المحتشم ، فإن عليهم الالتزام .
7- إن اشترطت المؤسسة الخيرية على العاملين لديها ألا يعملوا بعد أوقات الدوام في وظيفة أخرى، وأجروا لهم راتب المثل، ووافقوا على ذلك فيلزمهم الوفاء بذلك الشرط، وإن عملوا خلافه، فللمؤسسة أن تفسخ العقد .
8- إذا اشترطت المؤسسة الخيرية على الطالب المكفول في رسوم الدراسة الجامعية ، أن يرد المبالغ التي استلمها إن لم يكمل دراسته الجامعية وفي الوقت المحدد لذلك ، فعليه أن يلتزم بذلك الشرط .
9- إذا اشترطت شركة متبرعة بمواد غذائية لمؤسسة خيرية أن توزع تلك المواد على الأسر الفقيرة، ولا تبيعها في السوق لاعتبارات سوقية عند الشركة؛ فإن الجمعية ملزمة بذلك الشرط ولا يحق لها التصرف خلاف شرط الجهة المتبرعة .
الهوامش:
1 - معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية (15/247)، قاعدة رقم 927.
2 - رواه الترمذي برقم 1352، وابن ماجه 2353 .
3- معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية ، ( 15/254) .
4 - النوازل الجديدة الكبرى للوزاني 9/481.
5 - حديث حسن(ص.ج.6726).

اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 13-12-2025, 05:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 49- الأصل هو الأمانة


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
(الأصل هو الأمانة)(1) قاعدة فقهية لها صيغ متعددة ، منها : (الأصل عدم الخيانة)(2) و(الأصل في الناس الأمانة ما لم يدع عليهم بخلافها)(3).
والأمانة هي الشيء الموجود عند الشخص الذي اتخذ أميناً، والأصل في الإنسان أنه أمين وقوله مصدق فيما يتعلق بالأمانات، إلا إذا ثبت عليه الخيانة أو التعدي(4).
وهذه القاعدة ذكرها العلماء وفقهاء المذاهب في أبواب عديدة، ومنها باب الوقف والصدقات والرهن والوصية، فالأصل في الوديعة أن تكون أمانة في يد الوديع؛ وكذلك أموال الوقف وأموال الزكاة والصدقات هي أمانة في يد من أؤتمن عليها من مؤسسات خيرية أو لجان زكاة أو مؤسسات داعمة لأصحاب الحاجات .
فالأموال في المؤسسات الخيرية التي جمعت من المتبرعين هي أمانة في يد العاملين عليها، وهم ضامنون لتلك الأموال، ومثلهم الوصي في مال المحجور عليه ، والوكيل فيما وكل عليه ، والأمين لا يضمن إلا إذا فرط في الحفظ أو تعدى فيما اؤتمن عليه .
وكل من يعمل في المجال الخيري والوقفي والتطوعي هو مؤتمن، وناظر للوقف، مؤتمن على أصل وريع ذلك الوقف، وكل من يعمل في المشروع الوقفي هو مؤتمن لذلك الأصل المحبوس؛ فالناظر للوقف هو خازن مؤتمن، مكلف برعاية ما أؤتمن به، فإن أدى هذه الأمانة موفرة كاملة، غير منقوصة أو مستغلة، مع طيب نفس ورضا وسرور منه، بهذا يكون هو أحد المتصدقين، أي له ثواب كالمتصدق؛ لأنه أعان صاحب المال على إيصال المال والصدقة إلى مستحقيها .
فالأمانة من القيم الأساسية التي ينبغي أن تتجذر في نفوس العاملين في المؤسسات الخيرية والوقفية، وتتجلى في أعمالهم، وسيجدون أثرها في دنياهم وأخراهم .
ومن التطبيقات العلمية الخيرية والوقفية المتعلقة بهذه القاعدة:
1- الأصل في الأعمال الخيرية الأمانة، وما خالفها كان خيانة، فمن اؤتمن على أمرٍ معيّن فأداه كان حافظاً للأمانة، ومن لم يؤدِ هذا الأمر كان خائناً لعدم تأديته لهذا الأمر .
2- من ولي أمراً في عمل خيري أو وقفي فالأصل أن يقوم برعاية مصالح المتبرعين والمستفيدين والعاملين في المؤسسة الخيرية، ويدفع الضرر عن المؤسسة، ويحمي أصولها، وينمي أوقافها ويعمرها .
3- على المؤسسات الخيرية أن تكلِّف بالعمل لديها من يحصل بهم مقصود المؤسسة بما لا يُلحِق ضرراً بعملها، ولا بالملتحقين بأنشطتها الخيرية والدعوية .
4- الطبيب الذي يقدم خدماته الطبية للمرضي، ولو كان عمله تطوعاً وبالمجان فإنه أمين على حياة مرضاه من الفقراء.
5- الأصل في المؤسسات الخيرية الصدق والشفافية؛ فينبغي الإفصاح وتقديم تقاريرهم المالية وبياناتهم المحاسبية بما يدفع اللبس أو الإيهام.
6- إذا وقع خلاف بين المتبرعين أو المستفيدين مع مؤسسة خيرية أو وقفية، وخونوا تلك المؤسسة بغير حجة قائمة، فيرجع الأصل وهو أن المؤسسة مؤتمنة إلا أن يثبت خلاف ذلك ببينة معتبرة شرعاً .
7-الذي يرعى الصدقة ويحفظها ويوصلها إلى مستحقيها، ويصرفها بالوجه الصحيح الذي اشترطه صاحب الصدقة، وكان أميناً على ذلك المال ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتد فيه.فهو أحد المتصدقين، أي له أجر مثل من تصدق(5).
8- إذا كبر من كان له وصي، وادعى على وصيه الخيانة؛ فالقول قول الوصي مع يمينه(6)؛ لأن الأصل عدم الخيانة .
9- الأمانات كلها بحاجة إلى تضحية وصبر واحتمال وترفع عن فتـنة المال والولد؛ لأن الله عنده الأجر العظيم.
الهوامش:
1 - المنثور للزركشي 1/209، ووردت بلفظ: (الأصل الأمانة) المنثور للزركشي 2/300.
2 - الأشباه والنظائر للسيوطي، ص 57.
3 - حاشية العدوي على مختصر خليل للخرشي 4/212 .
4 - معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية (7/53 ) .
5 - أخرج البخاري في صحيحه، برقم ( 1438). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين برقم (1023)، واللفظ لمسلم ، بالسند عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي[ قال: إن الخازنَ المسلمَ الأمينَ، الذي يُنْفِذُ «وربما قال يُعطي» ما أُمرَ به، فيعطيه كاملاً مُوَفَّراً، طيبةً به نفسُهُ، فيدفعُه إلى الذي أُمر له به؛ أحدُ المتصدقين».
6 - انظر : شرح القواعد الفقهية للزرقا (1/117) .



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #56  
قديم 16-12-2025, 08:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 50- (الاحتساب لا يمنع الاكتساب)


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
(الاحتساب لا يمنع الاكتساب)، قاعدة مهمة، مفادها ألا يمنع إعطاء المحتسب ما يُقوِّم به معيشته من مال، مع إخلاصه في النية أن هذا العمل هو لله تعالى .
فينبغي لمن يعمل في المؤسسات الخيرية والعمل الوقفي أن يكتسب المال اللازم لقوته وقوت أهله ومعاشهم، وأن يحتسب عند الله ما يقدمه من خير و معروف وخدمة للمسلمين، فلا يفوت على نفسه فرصة ثمينة لنيل الكثير من الحسنات إن خلصت نيته .
وقد نرى مفهوم الاحتساب يستخدم في غير موضعه عند بعض الجهات والمؤسسات الخيرية والوقفية ، والتي تعطي موظفيها أجورا رمزية لا تسد الرمق ولا تقي البرد، ولا تكفل المأوى والعيش الكريم وعندما يطالب بزيادة الرواتب وهو بحاجة ماسة وهذا حقه يقال له «احتسب»!! وهو غارق في الديون ومتطلبات الحياة التي تؤرقه .
وأحياناً يستخدم سلاح الاحتساب ليجبر الضعيف الغارق بالديون والالتزامات من العاملين أحيانا على المسلمات من حقوقهم ليتنازلوا عنها تحت مسمى الاحتساب، ليضطر بعد عمله سؤال أهل الفضل الصدقة وهو بأمس الحاجة، ويعمل في مؤسسة هدفها الأساس سد الحاجات .
ولاشك أن الأعلى مقاماً هو عدم اللجوء إلى ذلك الطلب إن كان الإنسان مقتدراً وعمله تطوعاً لا يخالطه أي أمر آخر؛ لأن أعماله من صنائع المعروف، وكان السلف -رضوان الله عليهم مع احتسابهم- يتكسبون لحفظ كرامتهم والتنزه عن حاجة الناس. روى الترمذي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعاً: “ من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له “.
والاكتساب ليس مسوغاً لاستغلال الموظف للمؤسسة الخيرية والمشروع الوقفي لمصالحه والانتفاع والتعدي على أصول تلك المؤسسة، وعلى الموظف كذلك أن يجعل نيته في العمل الخيري الاحتساب فلا يجعل جُلّ همه الاكتساب، وتغليب مصالحه على حساب العمل، كأن يفكر في الاكتساب فحسب .
ولا بد أن ينتبه القائمون على إدارة المؤسسات الخيرية على سلوكيات العاملين والعمل بكل جهد للحفاظ على الأموال والأصول للمؤسسة، وتحقيق الهدف الذي من أجله أقيمت المؤسسة؛ وأن توازن تلك الإدارات بين عدد الموظفين والمتطوعين، فلا ينبغي أن يكون كل العاملين فيها بمقابل مادي، فكما تقاس المؤسسة بمخرجاتها ، تقاس أيضاً بعدد كسبهم وتدريبهم وتفعيلهم للمتطوعين .
ومن التطبيقات العملية الخيرية والوقفية المتعلقة بهذه القاعدة :
1-لو استأجرت مؤسسة خيرية أجيراً ولم تسم له أجرة فعليها أن تدفع له أجرة نظيره الذي يقوم بهذا العمل.
2-على المؤسسة الخيرية أو الوقفية تحديد رواتب الموظفين بأجر المثل أي أجر النظير، فيأخذ الذي يعمل محاسب مثلاً القيمة التي يأخذها نظيره في المؤسسات الشبيهة .
3-وعلى المؤسسات الخيرية أن تتلمس حاجات العاملين معها والاعتناء بهم، وتوفير حياة كريمة لهم؛ لينتجوا في أعمالهم، ولكي لا تتشتت أفكارهم وجهودهم .
4-لو تسبب المحتسب المتطوع بتفريط منه وإهمال متعمد في خسارة ما للمؤسسة فإنه ضامن، وكذلك من يأخذ راتباً فعليه الضمان إن فرط في أداء عمله .
5-لو قررت مؤسسة خيرية أن تكافئ المتطوعين معها مقابل جهدهم بمكافآت مالية؛ فهذا لا يضر في الاحتساب، فمن رغب منهم أن يتبرع بالمبلغ فهو محسن، ومن أخذه فله ذلك.
6-ولا يجوز للمؤسسات الخيرية تأخير رواتب الموظفين، بمسوغ الاحتساب؛ فالصرف على الرواتب مقدم على المصارف الأخرى، فالعاملون مقوم أساس لاستمرار عمل المؤسسة .
7-لو تطوع رجلٌ في جهده ووقته وخبرته لمؤسسة خيرية ، وكان اتفاقه مع المؤسسة على ذلك بلا مقابل، فلا يحق له أن يطالب بأجرة، عرفاً وشرعاً.
8-لو تكلف المتطوع بمصاريف لمتطلبات إنجاز الأعمال في المؤسسة الخيرية، وكان صرفه بالمعروف، وقد أعطي التفويض على ذلك، فله حق مطالبة المؤسسة بسدادها له ، وكذلك مصاريف السفر للأعمال الخيرية .



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #57  
قديم 16-12-2025, 08:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 51- (ما كان حقاً لله استعين ببعضه على بعض)


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية، ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
(ما كان حقاً لله استعين ببعضه على بعض)(1)، قاعدة فقهية في غاية الأهمية في إدارة الأموال الخيرية والوقفية، ولها صيغ أخرى منها:
(ما كان لله يجوز صرف بعضه في بعض)(2).
(لا بأس فيما هو لله أن يصرف فيما هو لله)(3).
(الأحباس كلها إذا كانت لله -تعالى- جاز أن ينفق بعضها في بعض) (4).
ومقصود القاعدة أن ما كان حقا لله تعالى من الحقوق المالية، كالذي جمع ورصد للخيرات كالصدقات والكفارات والنذور والإغاثات والأوقاف، يُعمل بهذا المال بمقتضى المصلحة والنفع، فالكل لله تعالى، وما دام غير مخصص فيستعان ببعضه للصرف على بعضه إن لم يخالف المصرف الذي اشترطه الواقف أو المتبرع.
وهذه القاعدة مقيدة في إعمالها بألا يكون المصرف الذي تقرر له المال محتاجاً إليه، وهذا ما عبرت عنه بعض القواعد المقيدة للقاعدة(5)، وعليه فلا يصرف المال الذي هو حق لله -تعالى- من جهة إلى جهة إلا إذا تعذر صرفه في الجهة الأولى أو تم الاستغناء عنه، فما تقرر للفقراء والمساكين لا يصرف لمشروع آخر ما داموا يحتاجون إليه، وما تم حبسه لبناء مسجد لا يصرف إلى غيره إلا إذا تعذر بناء المحبس عليه(6).
وهذه القاعدة توجه طريقة الصرف في الأعمال الخيرية والوقفية وضوابط نقل المال من مصرف إلى آخر، وأن التصرف بالمال الخيري والوقفي مقيد بضوابط فقهية ينبغي أن يتقيد بها من وكل بصرفها.
ومن التطبيقات العملية الخيرية والوقفية المتعلقة بهذه القاعدة:
1- لو تبرع أهل الخير بأموال لإغاثة بلد ما وقد زالت نائبتهم، فيجوز تحويلها لبلد أكثر حاجة ومأساتهم ما زالت قائمة؛ وحيثما كانت المصلحة فهي الأولى.
2- من حبس وقفاً للصرف من ريعه على طلبة العلم بمكان بعينه، ثم تعذر وجود طلبة العلم في ذلك المكان، فإن الوقف لا يبطل، ويُصرف ريعه على طلبة العلم في مكان آخر يتوافرون فيه.
3- إذا أوقف وقف على إمام مسجد ما، وزاد الريع عن أجر المثل في عرف زمنه، وكانت الحاجة للصرف على إمام مسجد آخر، فيعمل بما هو في مصلحة إعمار بيوت الله والقيام بالإمامة والخطابة، فيعطى غيره من الأئمة من ذلك المال.
4- إذا حبست أرض لدفن الموتى، فضاقت بهم وبجنبها ساحة لمسجد فإنه يجوز ضمها للمقبرة؛ لأن كل ما كان لله استعين ببعضه على بعض (7).
5- يجوز نقل أنقاض المسجد إذا دثر وتعذرت عمارته لاستخدامها في بناء مسجد آخر؛ لأن كل ما كان لله فلا بأس أن يستعان بعضه في بعض(8).
6- لو تبرع متصدق لبناء مدرسة في بلد ما، ولم تتمكن المؤسسة من إقامتها في تلك البلد، يرجع في أمرها للمتبرع لتوجيه المبلغ وجهة أخرى إن كان ما زال حياً، وإن لم تتمكن المؤسسة التواصل مع المتبرع أو ورثته، فيمكن إقامة المشروع في بلد آخر.
الهوامش:
1- الذخيرة للقرافي 6/338، وقاعدة رقم 796 في معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية ( 13/523).
2 - معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية ( 13/523).
3- المعيار المعرب للونشريسي 7/551، الكليات الفقهية لابن غزي ص580.
4- العقد المنظم 2/107.
5 - كقيد: «لا يجوز نقل الأحباس عن سننها ما دام المحبس عليه محتاجا»، وبلفظ آخر: «لا تصرف غلات الأحباس بعضها إلى بعض فيما يحتاج إليه» العقد المنظم لابن سلمون 2/107.
6 - انظر: النوازل الصغرى للوزاني 4/151، البحر الزخار 5/158.
7 - انظر: الذخيرة للقرافي6/338.
8 - الفتاوى لابن تيمية 31/6.



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #58  
قديم 16-12-2025, 08:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية متجدد

القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية 52- (المرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة فيه)


نكمل في هذا العدد عرض حلقة جديدة من سلسلة ما تم جمعه وشرحه من قواعد وضوابط فقهية ذات الصلة بالأعمال الخيرية والوقفية؛ ليسهل على من جند نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من كتب القواعد والضوابط الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية، وأردفتها تطبيقات عملية متعلقة بالمسائل الخيرية والوقفية تمس تلك الأعمال مباشرة.
«المرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به»(1)، قاعدة مهمة ومجالها واسع، كما تتغلغل في جميع الأعمال الخيرية والوقفية، فيرجع في معرفة ما يحتاج إلى معرفته لأهل الخبر والنظر، فينبغي الاستعانة في كل علم وفن بأحذق من فيه.
فالعارف ببواطن الأمور من أهل البصر والبصيرة هو من يستشار ويؤخذ رأيه، ويكون مرجعاً لتسيير الأعمال المناطة، وحل ما أشكل من المستجدات، وكذلك ما يحتاج إلى الاجتهاد فيرجع بذلك لأهل العلم والاجتهاد، وكلٌ في بابه وتخصصه.
وفي أعمالنا الخيرية ومؤسساتنا الوقفية تعترينا تحديات كبيرة، ولاسيما في عصرنا الذي نعيش، حيث تكالبت الكوارث والنوازل والحروب، وتفاقمت الحاجات في كل مناحي الحياة، فلا بد من الرجوع بداية في الأعمال الخيرية ومستجداتها إلى اجتهاد وفتوى أهل العلم والاجتهاد، والذين يحتاجون أحياناً إلى الخبراء المختصون الثقات ليقدموا لهم تصور واضح وجلي للمسألة التي سيحكموا فيها.
وقد أولى فقهاؤنا وعلماؤنا هذا الجانب أهمية كبيرة؛ فقد ربطوا الحكم الشرعي في كثير من المسائل الاجتهادية بسؤال أهل الخبرة من الثقات المختصين؛ فالنفس ترتاج لرأي أهل الاختصاص من الصلحاء والفضلاء؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والسبيل للتصور الصحيح هو سؤال أهل الاختصاص والخبرة.
فعلى المؤسسات الخيرية ألا تجتهد بما لا علم لها؛ مما قد يتسبب بتضيع الأموال، وأحياناً بإفساد الأبدان في ممارسات غير مسؤولة، أو بتقديم طعام تظن أنه صالح وإذا به فاسد، ولم تبذل المؤسسة الجهد للتأكد من صلاحيته.
ومن التطبيقات العملية الخيرية والوقفية المتعلقة بهذه القاعدة:
1- لو نزلت نازلة في دولة ما، فينبغي قبل إرسال المساعدات مشورة أهل الاختصاص في أولويات مواد الدعم والإغاثة التي تناسب حاجاتهم.
2- لو اختلف في تقدير قيمة المساعدات والمخصصات التي تعطى لأهل الحاجات شهريا وكمِّهاً لتحفظ كرامتهم وتخفف عوزهم، فيستشار أهل الاختصاص في علم الاجتماع بالمناسب لهم بلا إسراف ولا تقتير.
3- لو وقف أحد مالاً له وهو في مرض الموت، نفَذ وقفه من ثلث ماله، بخلاف ما لو وقف في حال صحته، فإن وقفه ينفذ من جميع ماله، وليس لورثته دعوى عدم لزوم الوقف في جميع مال مورِّثهم حتى لو استغرق الوقف جميع أموال الواقف(2). يرجع لأهل الاختصاص في حال من وقف في مرضه، وهل يعد ذلك مرض الموت.
4- في حال التبرع لمؤسسة خيرية في أمور عينية، فلا يتصرف ببيعها إلا بسؤال أهل الاختصاص عن قيمتها السوقية، حتى لا نظلم المتبرع بها وكذلك المؤسسة الخيرية، فتقويم الأشياء من اختصاص أهل الخبرة.
5- لو أتلف موظف في مؤسسة خيرية شيئاً متقوماً بتفريطه، فإنه ضامن، وعليه قيمته عند أهل الخبرة بقيمته.
6- حساب زكاة الأسهم والسندات وعروض التجارة وغيرها من المعاملات المالية، فيرجع لأهل الاختصاص ليعطوا تصوراً واضحاً لأهل الاجتهاد، حتى تبرأ الذمة في ركن من أركان الإسلام وهو الزكاة.
7- لا يُولَّى على الوقف إلا من كان أميناً قادراً بنفسه أو بنائبه القيام بأمور الوقف(3). ولو باع ناظراً وقفاً لاستبداله في غير قيمته فإنه ضامن، لأنه لم يرجع إلى أهل الاختصاص في تقدير قيمة العقار الوقفي.
8- لو توفر مالٌ خيري غير مخصص ليُصرف في بلد ما، يُسأل أهل الاختصاص في تلك البلد، في أفضل المصارف التي الحاجة إليها ماسة، فهم أدرى بحاجاتهم وترتيب أولوياتهم.
9- لا يتم إقامة مشروع خيري إلا بعد تقديم دراسة للمشروع تتضمن الجدوى وضمان الاستمرار، والمخاطر التي قد تعتريه، وأن تقدم تلك الدراسة من جهات مؤتمنة ومختصة في المجال المزمع إقامة المشروع من أجله.
10- لو تعثر تشغيل مشروع خيري بعد إقامته، بسبب تقصير في الدراسة للمشروع، أو ظروف طارئة وخارجة عن إرادة المؤسسة المشرفة، فالمرجع لدراسة وتحديد مستقبل المشروع لأهل الحل والعقد والاختصاص، ليقترحوا له مخرجاً يضمن تشغيله واستمراره في تقديم الخدمات لأهل الحاجات.
الهوامش:
1- مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/36، والقواعد النورانية لابن تيمية ص125، ومعلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية ( 9/433)، قاعدة رقم 435.
2- انظر: ترتيب الصنوف في أحكام الوقوف، علي حيدر أفندي، المادة320، ص162.
3- قانون العدل والإنصاف في حل مشكلات الأوقاف، مادة 144.



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 114.48 كيلو بايت... تم توفير 4.94 كيلو بايت...بمعدل (4.13%)]