|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#131
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1284 الفرقان الفتور الدعوي عند الشباب! الناظر في حال كثير من شباب الأمة، يجد تراجعًا عن القيام بواجب الدعوة إلى الله -تعالى-، وعزوفًا عن التصدي لتلك المهمة، وهناك أسباب كثيرة يمكن الإشارة إلى شيء منها فيما يلي: (1) ضعف استشعار المسؤولية والغفلة عن استحضار ذلك الواجب. (2) اعتقاد أن في الساحة من يكفي، إذًا فلا حاجة إلى جهودي!!. (3) الشعور بالضعف والإحباط النفسي جراء كثرة الباطل. (4) تصور بعض الشباب أنَّ ميدان الدعوة محصور في خطبة على منبر أو محاضرة أمام الجماهير، وهو غير قادر على شيء من ذلك، فينصرف عن الدعوة بالكلية. (5) ميل الكثيرين إلى الكسل والبطالة، وبعد كثير منهم عن الجدية في عموم أحوالهم وأمورهم. (6) اشتغال بعض الشباب بالجدال وذلك في بعض القضايا الثانوية؛ ما يشغلهم عن الواجب المطلوب منهم. (7) عدم التوازن والاعتدال لدى بعضهم؛ فربما انهمك في جانب على حساب جوانب أخرى؛ كتربية النفس والانعزال عن الناس، وربما اعتقد أنه إذا خرج عن هذا الأمر الذي رسمه لنفسه قد أهدر جهده فيما لا ينفع، ومن ذلك دعوة غيره إلى الله -تعالى-. وهناك وسائل كثيرة لعلاج هذه الآفة لكن أهمها: استشعار المسؤولية المناطة بكل مسلم تجاه دينه وأمته، ولاسيما الشباب الصالح الذي تربى على الخير واغترف من معين الحق؛ فهو أجدر من يتصدّى للنهوض بأمته ورفع الجهل عنها، ورأب صدعها ومعالجة عِللها وأدوائها، ويزيد من عِظم الأمر أن واقع الأمة الإسلامية اليوم بحاجة ملحّة إلى جهود دعاة كثيرين من قِبَل كل طالب علم، وصاحب غيرة ليؤدي دوره، ولا سيما أن الدعاة الموجودين اليوم لو اجتمعوا في بلد واحد، لما سدّوا الحاجة القائمة؛ فكيف مع قلتهم وتوزعهم؟! التنقيب عن عيوب البَشر من أخطر الأمراض القلبية والسلوكية التي قد يبتلى بها الشباب انشغالهم بالتنقيب عن عيوب الناس، ولا شك أن هذه الصفة ليست من خصال أهل الإسلام؛ وتزداد قبحًا وسوءًا حينما يصورها الشيطان بأنها من مناصرة الحق وتقويم الخلق، فيصدّ العبد بذلك عن نشر الخير وإيصاله إلى الناس بتتبع عثراتهم وإبراز عيوبهم، ولاسيما القائمين بالحق منهم؛ فعلى من كانت هذه صفته أن يتقي الله ويشتغل بنفسه عن عيوب الناس، ويجتهد في إيصال الخير إلى الناس بكل طريق دون الانشغال عن عيوبهم وتتبع عوراتهم. فنّ التحكم في الانفعالات الانفعال السريع والغضب قد يضر بعلاقاتك ويصرفك عن الصواب، بينما التحكم فيه يمنحك قوة الشخصية ويزيد من نضجك، ولعلاج هذا الانفعال، ابدأ بملاحظة مشاعرك قبل الرد، تنفّس بعمق، وفكّر في العواقب قبل اتخاذ أي قرار؛ فمن يسيطر على انفعالاته يحوّل المواقف الصعبة إلى فرص للتعلّم والنمو.
![]() أعظم الحوافز نحو العمل الدعوي ليعلم الشباب أن الإخلاص هو أعظم الحوافز للعمل الدعوي؛ لما يرجوه من الثواب ويأمله من الأجر؛ فهو سبب من أسباب الثبات على الطريق، مهما واجه من إخفاقات؛ إذ يشعر الشاب أنه قد بذل ما يستطيع من جهد، وأن نيته خالصة للخير؛ لذلك عليه ألا يقلق حين يقع أمر بغير اختياره، أو يعجز عن إنجاز ما يود، فهو لا يرجو من الناس ثناءً ولا شكورًا. نِعمة الهِداية إلى دين الإسلام قال الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر: إن أجلّ نعم الله وأعظم مننه على عباده هدايته -تبارك وتعالى- من شاء من عباده إلى دين الإسلام، دين الله -تبارك وتعالى- الذي رضيه لعباده دينا؛ إذ هو النعمة العظمى والعطية الأجلّ، يقول -جلَّ وعلا-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران:19)، ويقول -جل وعلا-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:85). التفاؤل مطلب مهم للشباب التفاؤل مطلب مهم للشباب العاملين في الدعوة، وهو حافز للعمل ودافع إليه؛ لذلك على الشباب أن يعلم أنه مطالب ببذل الأسباب، والنتيجة أمرها إلى رب الأرباب، وليس بالضرورة أن يرى المرء ثمرة دعوته وقد يراها غيره، وربما كان الغرس على يده وجني الثمار على يد غيره. بين الشهرة والقبول في زمنٍ صار فيه الظهور غاية، ونُسي أن القَبول عند الله هو أعظم شرف، فكم من مجهول في الأرض معروف في السماء! وكم من مشهور لا يساوي عند الله جناح بعوضة! لذلك عليك أيها الشاب التقي أن تجعل نيتك خالصة لله -تعالى-؛ فالله ينظر إلى قلبك لا إلى عدد متابعيك. لم نُخلق عبثًا! كثير من الشباب يعيش بلا هدف واضح، ويضيع عمره بين لهوٍ ولهاث وراء الشهوات أو الأمنيات، لكن المؤمن يعلم أنه خُلق لغاية عظيمة: عبادة الله ثم عمارة الأرض بالخير، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}؛ فاسأل نفسك كل صباح: إلى أين أسير؟ وهل ما أفعله يقرّبني من الله أم يبعدني؟ (من صبر نال ما أراد) الصبر مفتاح كل خير، والانتظار في طاعة الله أقصر الطرائق إلى الفلاح، عندما تواجه صعوبات، تذكّر أن الله لا يضيع أجر من صبر وعمل بحكمة؛ فالتحديات ليست نهاية الطريق، بل بداية فرصة للتميز. (الصدق أساس الثقة) الصدق ليس مجرد قول الحقيقة، بل هو خلق يبني علاقات قوية ويزرع الاحترام، والشاب الصادق يكسب محبة الناس ويزيد رضا الله عنه. تطبيق عملي: حاول أن تلتزم بالصدق في كل صغيرة وكبيرة هذا الأسبوع، وستلاحظ الفرق في حياتك اليومية. ![]() حقيقة الصدق العزّة لا تُنال بالمال ولا بالمظهر، بل بطاعة الله والاستقامة على أمره، قال -تعالى-: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}، فكل من اعتزّ بغير الله أذلّه الله، ومن استعان بالله أعزّه ورفعه، فاجعل طاعتك له هي طريقك إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.
__________________
|
|
#132
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1285 الفرقان أهمية الصدق في حياة المسلم الجدّية ليست عبوسًا في الوجه، ولا قسوة في التعامل، بل هي شعور بالمسؤولية، وإدراك لقيمة الوقت، وعزيمة تسعى للإنجاز والبناء، إنها سمة المؤمن الصادق الذي يعرف لماذا خُلق؟ ويعيش لهدفٍ سامٍ يرضي الله -تعالى-، قال الله -سبحانه-: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:126)، فالمسلم الحق يجعل حياته كلها لله، عملاً وعبادة وسلوكًا. والجدّية في حياة الشباب تعني أن تكون له رؤية، وغاية يسعى لتحقيقها بعزيمة لا تعرف الكسل، ولا تلتفت إلى اللهو والعبث الذي يستهلك أعمار الكثيرين في غير طائل، وقد أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمل الجاد والسعي الشريف، فقال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده»، وقال أيضًا - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه»؛ فالإتقان ثمرة الجدّية، وهو دليل الإيمان الراسخ والإحسان في العمل، والجدّية لا تعني الجمود أو الانغلاق، بل التوازن بين العبادة والعمل، وبين الطموح والراحة، وبين الروح والعقل، قال -تعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77)؛ فالحياة ميدان للاجتهاد في عمارتها، مع حفظ القلب من الغفلة والانشغال الفارغ. إنَّ الشباب الجادّ هو لبنة الإصلاح في أمته، يحمل همّ الدين والوطن، ويتقن ما يقوم به من علمٍ أو عمل، فيكون قدوة في الانضباط والعطاء، لا يعرف التسويف ولا التهاون، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً! لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة»؛ فلنرفع شعار الجدّ والاجتهاد؛ فالجدية ليست مجرد خلقٍ شخصي، بل عبادة نتقرب بها إلى الله، وسلوك يُبنى به المستقبل، وتُستعاد به نهضة الأمة. من آثار التمسك بالسُنَّة النبويَّة قال الشيخ محمد بن صالح العثيمـين -رحمه الله-: من آثار التمسك بالسُنَّة النبويَّة المطهرة أن الإنسان يكون وسطا بين الغالي والجافي عنه، فإن دين الإسلام دين الوسط لا غلو فيه ولا تفريط فيه؛ بل هو وسط بين هذا وهذا؛ فمتبع السُنَّة يكون سيره إلى الله -عزوجل- بما يتعبد لله به بين الغالي والجافي، وينزل كل شيء منزلته. ![]() إحياء السنن المهجورة إن السنن النبوية ليست شعائر جامدة، بل هي حياة تضيء الطريق للإنسان، وتربطه بخالقه وبأمته، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحيا سنَّةً من سنَّتي قد أميتت بعدي، فإنَّ لَه منَ الأجرِ مثلَ أجورِ من عملَ بِها، من غيرِ أن ينقصَ من أجورِهم شيئًا»؛ فالحرص على إحياء السنن المهجورة -ولا سيما من الشباب- يُعدّ عملًا مباركًا يُثاب عليه صاحبُه، ومن السنن المهجورة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة»، فابتسم وكن لطيفًا في حديثك مع الآخرين، وأحسن إلى الناس، فقد تظن أنها أعمال صغيرة في ظاهرها، لكنها عظيمة الأثر في تزكية النفس وبناء مجتمع متراحم مؤمن. الشباب ومهارات التواصل الفعّال يعد التواصل الفعّال من أعظم مهارات الحياة التي يحتاجها الشباب في بناء علاقاتهم، وتوجيه رسائلهم ودعوتهم إلى الخير؛ فالكلمة الطيبة جسرُ القلوب ومفتاحُ النفوس، وقد أمر الله -تعالى- بها فقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83)، والتواصل في الإسلام ليس مجرد كلامٍ منمّق، بل خلقٌ رفيع ينبع من قلب صادق، يُحسن اختيار الكلمة، ويستمع قبل أن يتكلم، ويبتغي بحديثه وجه الله، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الكلمة الطيبة صدقة»، وقال أيضًا - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ فالشاب المسلم الحقّ هو من يملك لسانه، ويجعل حديثه سلاحًا للبناء لا للهدم، وبابًا للتأثير لا للجدل، يعبّر عن رأيه بأدبٍ، ويستمع للآخرين باحترامٍ، ويجعل تواصله وسيلةً لنشر الخير، وربط القلوب على المحبة والإيمان. الندم على التفريط في الآخرة قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: كم يحصل للمرء من ندامة على ما يقع منه من تفريط في بعض مصالحه الدنيوية! والجاد من الناس يعمل بجد حتى لا تقع له هذه الندامة، لكنَّ الكثير منهم يغفل عن العمل الجاد للدار الآخرة؛ فيبوء في ذلك اليوم بندامة وحسرة لا تجدي {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}. الشباب وإدارة المال الشخصي المال نعمةٌ من نعم الله، وهو أمانة في يد الإنسان يُسأل عنها يوم القيامة، قال -تعالى-: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر: 8)، والشاب الحكيم هو من يتعلّم فنّ إدارة ماله مبكرًا، فيوازن بين الكسب والإنفاق، ويجعل من رزقه وسيلةً للخير لا للترف والإسراف، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن: عمره فيم أفناه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟... الحديث»؛ فتعلُّم مهارة إدارة المال ليس رفاهية، بل ضرورة تبني وعيًا ماليا راشدًا، وتُربّي في الشاب المسؤولية والانضباط، وتجعله يحيا كريمًا منتجًا بعيدًا عن التبذير والدَّين، قال -تعالى-: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (الإسراء: 27)، فابدأ من الآن، دوّن مصروفك، وخطّط لادخارك، وتدرّب على إدارة مالك بحكمة؛ فذلك من تمام النضج والإيمان، ومن دلائل القوة والرشد في زمنٍ تكثر فيه المغريات وتضيع فيه الأولويات. ![]() تقنيات التعلّم الذاتي في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة وتتنوع مصادرها، لم يعُد التعلم حبيس الصفوف والكتب، بل أصبح مهارةً حياتية يكتسبها الشاب الواعي بإرادته وسعي؛ فالتعلّم الذاتي هو سبيل النمو والتميّز، يفتح للعقل آفاقًا، ويُنمّي روح المبادرة والمسؤولية، وقد رفع الإسلام من شأن طلب العلم، وحثّ على السعي إليه، فقال الله -تعالى-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114)، وقال -سبحانه-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، فالشاب الذي يتدرّب على تقنيات التعلّم الذاتي: كتنظيم وقته، وتحديد أهدافه، والبحث عن المعلومة من مصادرها الموثوقة، واستخدام الوسائل التقنية بوعي، إنما يسير على نهجٍ نبويٍّ في طلب العلم والعمل به؛ فالعلم في الإسلام عبادة، والتعلّم المستمر علامة نضجٍ وإيمانٍ وعزيمة؛ فتعلّم بنفسك، ودرّب عقلك على البحث والتفكير؛ فكل لحظة تعلّم تفتح لك بابًا من أبواب النور، وتقرّبك إلى الله الذي جعل العلم سبيل الرفعة والكرامة في الدنيا والآخرة. الانضباط والعمل المستمر يُعد الانضباط والعمل المستمر من أهم أسباب النجاح في حياة الشباب؛ فالاستمرارية تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الفرد، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ»، ويشمل ذلك الحرص على الفروض الأساسية، ولا سيما أداء الصلاة في وقتها في المسجد، والمواظبة على ورد ثابت من القرآن الكريم، والاهتمام بالقراءة والمطالعة، وممارسة الرياضة؛ فهذه الخطوات تساهم في بناء شخصية إيمانية متكاملة متوازنة للشاب المسلم
__________________
|
|
#133
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1286 الفرقان حماية القلب والعقيدة في هذا الزمان في زمنٍ تتزاحم فيه الفتن والأصوات، ويختلط الحقّ بالباطل، يصبح القلب أغلى ما يملك الشاب، وعقيدته هي الحصن الأخير الذي لا يجوز التفريط فيه؛ لذلك فإن حماية القلب والعقيدة ليست مجرد خيارٍ، بل هي المهمة الأولى، التي يجب على الشباب أن يولوها أهمية كبرى. قال الله -تعالى-: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ فالقلب السليم ليس قلبًا خاليًا من الشهوات فحسب؛ بل قلبٌ محروسٌ باليقين، محاطٌ بسياج من نور العقيدة، وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأكيدٌ على محورية القلب في صلاح الإنسان؛ إذ قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، ومن هنا تتبيّن عظمة المهم؛ فصلاح القلب هو أساس صلاح الحياة كلها، وإهماله أول طريق الانهيار، وفي عصرٍ تتضاعف فيه المغريات، وتنفتح أبواب الشبهات على مصاريعها، يصبح الشاب أحوج ما يكون إلى أن يجعل عقيدته بوصلة طريقه، يحرسها بالعلم، ويقوّيها بالذكر، ويثبّتها بصحبة صالحة تُعينه على الثبات، يقول -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}؛ فالصادقون هم من يحيطون القلب بنور، ويحفظون الفكرة من الانحراف، والروح من التيه. إن حماية القلب تبدأ من لحظة صدق مع الله، ولحظة وعي بأن هذا العالم مهما اتسعت طرقه، فلا طريقَ أصدق ولا أأمن من طريق الحق -سبحانه وتعالى-، ويعلّمنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم- هذا الدعاء العظيم الذي يكشف هشاشة القلب، وحاجته الدائمة إلى الرب: «يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك»، إن الشاب الذي يحفظ قلبه من السُّقوط، ويحمي عقيدته من التلوّن، هو شابٌ يحمل شعلة النور في زمن الظلمة، ويثبت على مبادئه حين تنحني كثيرٌ من الرياح، ذلك أن العقيدة ليست معلومة تُحفظ، بل حياة تُعاش، وحصنا يليق بكل شاب يريد لنفسه الكرامة والثبات. المكاسب الصغيرة المستدامة في زحمة الأحلام الكبيرة التي تُغري الأبصار، وفي ضجيج الطموحات التي تتعالى كالأمواج، ينسى كثيرٌ من الشباب أن أعظم الإنجازات تبدأ بخطوة هادئة، متواضعة، لكنها ثابتة، إن قاعدة «المكاسب الصغيرة المستدامة» هي الطريق الأكثر واقعية للوصول إليها؛ فالثمر اليانع يبدأ ببذرة، والبناء الشامخ يبدأ بحجر، والنهر المتدفق يبدأ بقطرة، وكذلك الإنسان؛ ينهض بتدرّج، ويتقدّم بوعي، ويحقق أهدافه بصبرٍ لا يعرف التراجع؛ فالمكسب الصغير -مهما بدا ضئيلًا- إذا تكرّر، نما، وإذا استُدام، أثمر، فالتراكم اليومي البسيط هو سر كل الإنجازات العظيمة، وهناك ما يعرف بقانون الـ 1%: ويعني أنك إذا تحسنت بنسبة 1% يوميا، ستكون في نهاية العام أفضل بحوالي 37 مرة مما كنت عليه في البداية. مفهوم الرزق والتوكل من الأمور المهمة التي يجب على الشباب استحضارها أن الأرزاق والآجال والمناصب مقسومة ومقدرة؛ فنجاح غيرك لم يُكتب على حساب فشلك؛ لذلك عليك التحرر من الحسد، فإذا رأيت خيرًا عند غيرك، بارك له، وادعُ لنفسك أن يمنحك الله من فضله، هذا يطهر القلب ويوفر الطاقة التي كانت ستهدر في المقارنة، وتذكر أن الله يسير أمورك وفق حكمة لا تدركها، قد يكون تأخر وصولك لشيء خيرا لك، لتعلم شيئاً أو لتكتسب خبرة. ![]() كيف تقوّي مناعة قلبك؟ تقوية مناعة القلب ليست عملاً لحظيًّا، بل هي بناءٌ هادئ يشبه ترميم قلعة من الداخل، والقلب -كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- هو الملك، فإذا قويَ ملكُه اشتدّت دولته، وإذا ضعف سقط أمام أول هجمة، ويمكن تقوية «مناعة القلب» عبر خمس وسائل أساسية:
تعظيم المناهي والسلامة منها ![]()
صيانة مرحلة الشباب وحفظها أيها الشاب، اعمل على صيانة شبابك وحفظه بتجنب الشرور والفساد بأنواعه، مستعينا في ذلك بالله متوكلًا عليه وحده -جل في علاه-، وكلُّ باب أو مدخلٍ أو طريقٍ يفضي بك إلى شر أو فساد فاجتنبه واحذره غاية الحذر! أسباب ذكر الله ![]() متلازمة التصفح العشوائي! متلازمة التصفح العشوائي، هي حالة ذهنية وسلوكية يعيشها كثير من الشباب اليوم، وتشبه تمامًا الدخول في متاهة بلا مخارج واضحة، تبدأ بدخولك إلى الإنترنت لهدف محدّد، ثم فجأة تجد نفسك تنتقل من فيديو لآخر، ومن رابط لآخر، ومن منشور لخبر، دون خطة أو وعي، حتى تمضي ساعات دون أن تتذكر: لماذا دخلت أصلًا؟ واجه هذه المتلازمة بما يلي:
__________________
|
|
#134
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1287 الفرقان العِلمُ سِلاحُ الشَّباب في زمنٍ تتنافس فيه الأمم على صناعة المستقبل، يبقى العلم أعظم سلاحٍ يحمله الشباب؛ فهو القوة التي لا تُستنزف، والثروة التي لا تُنهَب، والزاد الذي لا يَفنى، وهو السلاح الذي يحميهم من الانحراف، ويمنحهم القدرة على التمييز بين الحق والباطل. وإذا تسلّح الشباب بالعلم، صاروا أصلب عودًا، وأوعى فكرًا، وأقدر على مواجهة تحديات العصر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين»، وفيه دلالة واضحة على أن العلم -عموما والعلم الشرعي خصوصا- علامة خير، وسبب هداية، وبداية طريق الرشد، ففي زمن الفتن والأفكار المضللة، يحتاج الشباب إلى العلم ليكون درعًا يحصّنهم من الانحراف؛ فكل فراغٍ في العقل، تملؤه الشبهات، وكل فراغٍ في القلب، تقتحمه الشهوات، ولا يملأ هذا الفراغ إلا نور العلم ومعرفة الحق، قال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9)، فالعلم هنا ليس ترفًا، بل ضرورة حياة، وشريان هداية. أيها الشباب.. إن العلم هو الطريق الذي لا يخذلكم، والرفيق الذي لا يغدر بكم، والسلاح الذي تنتصرون به في ساحات الحياة، فاحرصوا على التعلم، واسعوا في تحصيل المعارف، وكونوا من الذين قال الله فيهم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114)، فمن سلك طريق العلم، سلك طريق المجد، وبالعلم تُبنى الأمم وتُصنع الرسالات، وتنهض الحضارات. تأثر الإنسان بمن حوله الإنسان بطبيعته كائنٌ اجتماعيّ، يتأثّر بمن حوله ويؤثّر فيهم، وتتكون شخصيته من خلال دوائر القرب والصداقة التي تحيط به، فإن أحاط نفسه بأهل الخير نما قلبه، وسمت روحه، وصلحت حياته، وإن جمع حوله أهل التفاهة والغفلة، تسللت إليه عاداتهم، وأفكارهم، وضعُف تمييزه حتى يجد نفسه نسخةً ممّن حوله دون وعي، فاختر بيئتك قبل أن تختارك، واختر صديقك قبل أن يختارك الطريق؛ فالسعيد من وُفّق لصحبةٍ تُذكّره بالله، وتعينه على الطاعة، وتغرس فيه الحكمة والخير. الشبابٌ ورسالة الإيمان قال الله -تعالى-: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (الكهف: 13)، الشباب هم طاقة الأمة، بهم تُبنى الحضارات وتُصان القيم، إذا حملوا رسالة الإيمان، صاروا قوةً لا تُقهر، يواجهون التحديات بعزيمة، ويصنعون المستقبل بوعي وإخلاص. قوة الإرادة: سرّ التفوّق والإنجاز الإرادة هي المحرّك الداخلي الذي يدفع الإنسان للنجاح، وهي الوقود الذي يجعل الشباب قادرين على تجاوز العقبات وصعود قمم الإنجاز، وقد أشار القرآن إلى قيمة الإرادة المرتبطة بالعزم والهمة العالية، فقال -تعالى-: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (آل عمران: 159)، والعزم هنا هو إرادة صلبة تُخرج الشاب من دائرة الأحلام إلى دائرة العمل، وقال سبحانه في مقام الامتحان والابتلاء: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69)، والمجاهدة لا تكون إلا بإرادة قوية تتغلّب على ضعف النفس ورغباتها، وقدّم النبي - صلى الله عليه وسلم - مثالًا رائعًا على الإرادة حين قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ»، هذا الحديث يجمع معادلة الإرادة الكاملة: (هدف واضح وعمل جادّ واستعانة بالله). ![]() أثر الصُّحبة الصالحة قال الله -تعالى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الكهف: 28)، وهي آيةٌ تُرشد القلب إلى ملازمة الصالحين، والصبر على صحبتهم، لأنهم الزاد الحقيقي للسائر إلى الله، فالصحبة مرآة القلب، والنفس تتكيّف على هيئة من تجالس، وتتشبه بمن تخالط، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنظُرْ أحَدُكُمْ مَن يُخَالِل»، فالصحبة الصالحة تقوم سلوك الإنسان، وتعينه على اجتناب المعاصي، وتغرس في قلبه حب الطاعة، وتذكره بالله كلما غفل، وتدلّه على الخير كلما تردّد، وفي المقابل، جاءت التحذيرات الشديدة من صحبة الأشرار، الذين يجرّون الإنسان إلى الفتنة والضياع، فقال -تعالى- على لسان أهل الندم يوم القيامة: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} (الفرقان: 28)، وللصحبة الصالحة أثر في بناء الشخصية كما يلي:
![]() صفات من يقتدى بهم قال الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر: قال ابن القيم -رحمه الله في الكلام على قوله تعالى-: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (الكهف: 28)، «فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذِكر أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه الهوى، وهو من أهل الغفلة، وأمره فرطًا لم يقتدى به ولم يتبعه، حتى لا يقوده إلى الهلاك، ومعنى الفُرط قد فسّر بالتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرّط فيه، وفسّر بالسراف، أي: قد أفرط، وفسّر بالهلاك. وفسّر بالخلاف للحق. وكلها أقوال متقاربة، والمقصود أن الله -سبحانه وتعالى- نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه؛ فإن وجده كذلك فليبعد عنه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله -تعالى- واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه». كيف يبني الشاب إرادته؟
تأمل في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لقد كانت صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبة متكاملة، تبني الإيمان، وتثبّت القيم، وتُعدّ رجالاً يصنعون التاريخ، فكان أقرب الناس إليه: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، الذي كان أصدقهم قلبًا، وعمر بن الخطاب الذي قوّى الله به الإسلام، وعثمان وعلي الذين حملوا لواء الدعوة -رضي الله عنهم أجمعين-. من الأخطاء التي يقع فيها الشباب من المخالفات المنتشرة بين الشباب: الإفراط في اللهو والانشغال بما لا ينفع كالانشغال المفرط بالهواتف، والألعاب الإلكترونية، والبرامج الفارغة؛ ما يضيع أوقاتهم الثمينة، قال -تعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} (آل عمران: 133)، فالإهمال في استثمار الوقت من أكبر المخالفات التي تسرق من الإنسان فرص الخير والنجاح. الانشغال المفرط بالهواتف، والألعاب الإلكترونية، والمجلات والبرامج الفارغة، مما يضيع أوقاتهم الثمينة. قال -تعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} (آل عمران: 133)؛ فالإهمال في استثمار الوقت من أكبر المخالفات التي تسرق من الإنسان فرص الخير والنجاح.
__________________
|
|
#135
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1288 الفرقان الشّباب بين الإصرار والإيمان الإصرار والإيمان هما جناحا النجاح؛ بهما يحلّق الإنسان فوق العوائق، ويعبر المدى نحو الحلم حتى يصير واقعًا؛ ففي قلب المؤمن شعلة لا تخمد، وقوة لا تنكسر، تُذيب العقبات وتحوّل التحديات إلى درجاتٍ في سلّم المجد، وكل خطوة شاقة تصبح يسيرة إذا أضاءها نور الله، وحملها عزم صاحبه، قال الله -تعالى-: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح: 6)، فما العسر إلا بابٌ يُفتح على صبرك، وميدانٌ يُظهر صدق توكلك، ودليلٌ على قوة نيتك في السعي نحو الهدف. إن الإيمان يبدّل المستحيل ممكنًا، ويجعل البعيد قريبًا، ومن الضعف قوةً متجددة؛ فمن وثق بالله، وأخلص في عمله، رأى من رحمته ما لم يخطر على قلب بشر؛قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد الله بعبد خيرًا، يفقهه في الدين»، وكذلك إذا أراد له نجاحًا، هيّأ له السبل، وأمدّه بالعزيمة، وألهمه الإصرار؛ فالإصرار روح لا تعرف الاستسلام، والإيمان سندٌ لا يخذل صاحبه. والمؤمن حين يتعثر لا يقف عند العقبة، بل ينهض من جديد، متوكلاً على وعد الله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45)؛ فكل سقوط بداية، وكل عثرة درس، وكل حلم بعيد إنجاز ينتظر الصابرين المجتهدين، إن الإصرار والإيمان معًا يخلقان طاقة ربانية تحرّك بها الجبال، وتفتح بها الأبواب المغلقة، وتحوّل الظلمة إلى نور، واليأس إلى أمل، وتذكّر أن طريق النجاح لا يخلو من صعاب، وأن كل تحدٍّ هو امتحان لعزمك وإيمانك؛ فالذين ثبتوا، وعملوا بصدق، ووثقوا بالله، هم الذين يكتب الله لهم المعجزات، ويحوّل المستحيل إلى واقعٍ مشرق يضيء حياتهم وحياة من حولهم. طريق الاستقامة يا شباب الإسلام، إن أولَ خطوة في طريق النهضة أن تثبِّت قدمك على صراط الإيمان؛ فالقلب الذي عرف ربَّه لا تزعزِعه العواصف ولا تغرُّه الشهوات، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}، إنه وعدٌ سماويٌّ لكل شابٍّ قرَّر أن يمشي مستقيمًا ولو التوى من حوله الطريق، ويكفيك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخص لك المنهج كلَّه في كلمة واحدة: «قل آمنتُ بالله ثم استقم»، فليكن شعار شباب الإسلام: إيمانٌ عميقٌ، واستقامةٌ ثابتة، وعملٌ نافعٌ يعمُر الأرض. اغتنم شبابك قبل هرمك مرحلة الشباب رأس مالٍ لا يعوَّض؛ فيها صفاء الذهن، وقوّة الجسد، واتقاد الحماسة؛ ولذلك يُسأل العبدُ عن شبابه سؤالًا خاصًّا يوم القيامة: «لن تزول قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسأَلَ عن أربعِ خِصالٍ: عن عُمرِه فيم أفناه؟ وعن شبابِه فيم أبلاه؟ وعن مالِه من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن عِلمِه ماذا عمِل فيه؟»، كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الشباب من أعظم مواسم الاغتنام فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس، وشبابك قبل هرمك»؛ لأن ما تستطيع أن تحققه في هذه السنوات قد لا تقدر عليه بعدها، فيا شابا يبحث عن ذاته: اجعل من عمرك مشروعًا لخدمة دينك وأمتك، وأدخل السرور على أهلك ومجتمعك بعملٍ، أو علمٍ، أو مبادرة خير، فخير الشباب من تشبَّه بالكهول في حكمتهم ووقارهم لا في شيب رؤوسهم فحسب. أثر العبادة في بناء الشباب للعبادة أثر كبير في بناء الشباب إيمانيًا ونفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، فهي تدريب عملي على الإخلاص والإتقان والإجادة والتميز، فالعبادة شعور دائم بوجود الله، وإيقاظ مستمر للضمير والوجدان، وللعبادة آثار وقائية، وأخرى علاجية، تتمثّل في إنقاذ المتعبِّد من التعقيد واليأس والشعور بالذنب وتفاهة الذات؛ لأن وقوف الإنسان بين يدي الله -تعالى-، يشـعره بقربه من مالك الوجود، وحبِّه له، وعطفه عليه، كما يشعره بقيمته الإنسانية، وعلو قدره. نِعمة اللسان ![]() قوةٌ وأمانة الإسلام لا يطلب من الشاب أن يعتزل الحياة، بل أن ينزل إلى الميدان بقلبٍ مؤمنٍ وجسدٍ قويٍّ وخلقٍ أمين، قال -تعالى- في وصف من يُستأمن على مصالح الناس: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، وهي قاعدة فقهية وتربوية لكل شابٍّ يتصدَّر لخدمة أمّته أو يعمل في أي ميدان، ومن فقه الشباب أن يوازن بين حقوق ربِّه وحقوق بدنه وحقوق أهله، كما وجَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الهمم العالية إلى الاعتدال في العبادة، حتى لا يملّوا ولا يكلّوا؛ فالشريعة تريد شابًّا دائم العطاء، لا شُعلةً تشتعل لحظات ثم تنطفئ. شاب نشأ في طاعة الله من أكرم صور الشباب عند الله شابٌّ نشأ في عبادة ربِّه؛ وقد جعله النبي -[- من السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه؛ فمرحلة الشباب ليست عذرًا للغفلة بل فرصةٌ للقرب والأنس بالله، بل جاء في الأثر أن الله يباهي بالشاب العابد الملائكة؛ لأن مقاومة الفتن مع قوة الشهوة واندفاع الجسد أبلغ في الصدق والإخلاص، هذا الشاب لا يعني أنه لا يخطئ، لكنه إذا زلَّ أسرع إلى التوبة، وإذا دعته شهوته قال كما قال يوسف -عليه السلام-: {مَعَاذَ اللَّهِ}، فيصير قدوةً لغيره، ونموذجًا حيًّا على أن الطهارة ممكنة في زمن الفتن. فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ.. قال الله -تعالى-: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}، فالإيمان حين يسكن قلب الفتى يزيده الله رسوخًا وبصيرة، فما أعظم أن يرى الشباب نفسه امتدادًا لأولئك الفتية! ويعلنون بلسان الحال والمقال: ربُّنا ربُّ السماوات والأرض، ولن نبيع ديننا بثمنٍ بخس من متاع الدنيا. فقه الأولويات للشباب من فقه الشاب أن يعرف أين يضع جهده؟ فلا يستهلكه في أمور ثانوية، وانشغالات دنيوية، ويترك الواجبات الكبرى، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}؛ فالعبادة بمفهومها الواسع هي مركز دائرة الأولويات، وما عداها يدور حولها بقدر ما يخدمها، فيتنوع وقته بين مناجاةٍ لله، وسعيٍ للمعاش، وبناءٍ للعلاقات الصالحة، وراحةٍ مباحة، إلى صناعة برنامج يومي متوازن لا يطغى فيه طلب الدنيا على أمر الآخرة. ![]() يوسف -عليه السلام- مثال فريد للشباب يقدّم القرآن يوسف -عليه السلام- مثالًا فريدًا لشابٍّ جمع بين الجمال والطهر، واجه الفتنة في الغُربة، ومع ذلك قال في وجه الدعوة المحرّمة: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}؛ فكانت هذه الكلمة درعًا يحمي قلبه وجسده. إن الشاب الذي يردِّد هذه الكلمة في خلواته أمام شاشة، أو في مكان عمل أو دراسة، إنما يكتب اسمه في سجلِّ الفتيان الذين عظّموا ربهم أكثر مما عظّموا أهواءهم ونظرات الناس إليهم.
__________________
|
|
#136
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1289 الفرقان الشباب والخلوة مع القرآن في عالمٍ يزدحم بالمهام والضغوط والمشتتات، تبقى (الخلوة اليومية مع القرآن) أعظم تلك اللحظات أثرًا وأعمقها بركة، فليس في حياة المؤمن أنسٌ ولا سكينةٌ أعظم من جلوسه بين يدي كلام الله، يتلوه بقلبٍ حاضر، ويتدبره بعينٍ ترجو الهداية. نور يتسلل إلى القلب حين يفتح الإنسان مصحفه في خلوته، يدخل إلى عالمٍ آخر، عالمٍ تتقاطع فيه الهداية مع السكينة؛ فآيات القرآن ليست نصوصًا تُقرأ فقط، بل أنوارٌ تُسكب في الروح، تبث فيها العافية بعد عناء اليوم، وتعيد ترتيب الفوضى التي أحدثها صخب الحياة. يقول الله -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ولا ذكر أعظم ولا أبرك من تلاوة كلامه -عز وجل-. ![]() الخلوة بداية التغيير الخلوة بالقرآن يجب أن تكون منهجا يوميا يغرس في الإنسان معاني الثبات، ويُصقِل بصيرته، ويقوده نحو قراراتٍ أكثر حكمة، فمن جعل لنفسه نصيبًا من القرآن كل يوم، شعر بفارقٍ واضح في نظرته للحياة، وازداد قربًا من ربه، وانفتح أمامه باب الطمأنينة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع على الشاب أن يجعل له وردًا ثابتًا لا يتركه مهما ازدحمت الأيام حتى وإن كان قليلا، أو يستمع إلى سورة، أو يردد آيةً أثّرت في قلبه، فالعبرة في الصدق والاستمرار لا في الكثرة؛ فالقرآن يبارك القليل، ويُنمّي الثواب، ويُحيي القلوب إذا حافظ صاحبُه على صلته به. مفتاح الثبات إن الخلوة اليومية مع القرآن ضرورة حياة، وبابٌ للسكينة، ومفتاحٌ للثبات، وسببٌ لطمأنينةٍ لا يعرفها إلا من عاشها؛ إنّها اللحظة التي يجتمع فيها صفاء القلب مع نور الوحي، فيولد منها إنسانٌ أقوى إيمانًا، وأوسعُ صدرًا، وأقربُ طريقًا إلى الله. رفقة تغيّر حياتك قد يمضي الإنسان أعوامًا يبحث عن تغييرٍ في نفسه، فلا يجده إلا حين يلتقي بأناسٍ يفتحون له أبوابًا لم يكن يراها؛ فالرفقة الصالحة ليست مجرد أصدقاء، بل جسور نور تعبر بك من حالٍ إلى حال؛ يحفظون قلبك من التيه، ويذكّرونك بالله إذا نسيت، ويرفعون همّتك إذا وهنت، معهم تتبدّل نظرتك للحياة، وتصفو أهدافك، ويقوى إيمانك بأن الطريق إلى الله أجمل حين يُسلك جماعةً لا فردًا، إنها رفقةٌ تُحيي فيك معاني العطاء، وتوقظ روحك من غفلتها، وتعيد ترتيب أولوياتك. ورب صحبةٍ واحدة تغيّر مسار عمرك كله، وتجعلك أقرب إلى نسختك التي تُحب أن تكونها، فاختر مَنْ حولك بحكمة؛ فإن الرفقة طريقٌ كاملٌ إلى حياةٍ أرقى وأقرب إلى الله. معركة الهوّية إنّ أصعبَ معركةٍ يخوضها الشابّ اليوم هي معركة الهوية؛ أن يعرف ربَّه ورسالته في الحياة وسط ضجيج الدعوات المتناقضة التي تحاول نزع بوصلته وتشويه انتمائه، ورغم هذا التزاحم يبقى الثبات على الجواب الحق عن أسئلة: مَن ربّي؟ ما ديني؟ مَن نبيّي؟ هو مفتاح النجاة، وطريق بناء نفسٍ تعرف غايتها، وتستمدّ من هويتها الإسلامية قوّة الانتماء ووضوح الرسالة. حُكم التشبّه وأثره على الهوية الإسلامية جاءت الشريعةُ الإسلامية لتحفظ للمسلم شخصيّتَه المتميّزة، وتقيَه ذوبان الهوية في تقاليد وثقافات لا تنسجم مع قيمه وإيمانه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن تَشبَّه بقومٍ فهو منهم»؛ وهو حديثٌ يدل على خطورة التقليد الأعمى، وأن التشبّه الظاهر قد يقود -مع الزمن- إلى التشبّهٍ بالباطن في الأفكار والمشاعر والانتماء، وحكم التشبّه يدور بين التحريم والكراهة بحسب نوع الفعل ومقصده؛ فإن كان التشبه يوافق ما يختص به أهل الكفر أو الفسق فهو حرام؛ لأنه طمسٌ للفوارق الشرعية وإذابة للهوية الإسلامية، وإن كان من عادات الناس العامة التي لا تُخالف الشرع فلا حرج فيه، ما دام لا يحمل معنى التماهي أو التزيُّن بقيم باطلة. ![]() العلم ميزان الأمور والأحكام ![]() قيمة الشباب مصعب بن عمير - رضي الله عنه - شاب مكة المدلل الذي ترك نعيم قومه وزينتها، فهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة مبعوثا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول سفير في الإسلام، يقرئ الأنصار القرآن، ويفقههم في الدين حتى سمي «المقرئ»، وأسلم على يديه سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير سيدا قومهما -رضي الله عنهما-، يتعلم الشاب المعاصر من قصته أن قيمة الإنسان ليست في ماركة ثوبه أو متاع الدنيا الفاني؛ بل في العقيدة التي يحملها والرسالة التي يجتهد فيها. الوعي بالهوية الإسلامية إن الهوية الإسلامية تُبنى على الوحي، وتُصان بالقدوة الصالحة، وتزدهر بالاعتزاز بشرع الله، وكلما كان الشاب أكثر وعيًا بهذه الحقيقة، كان أبعد عن الذوبان، وأقرب إلى الثبات، وازداد قوةً في انتمائه ووضوحًا في مساره في هذا العالم المتغيّر. كيف تحقق خلوة يومية ناجحة مع القرآن؟
![]() العبادة الصحيحة قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما إنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة.
__________________
|
|
#137
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1290 الفرقان شبابٌ يحملون القرآن في زمنٍ كثرت فيه المناهج، وتشابكت فيه القيم، يبقى القرآن هو الصوت الأعلى، والنور الأصدق، والمنهج الذي لا يضلّ من تمسّك به، وحين يحمل الشبابُ القرآنَ حقّ عندئذ لن يكون القرآن الكريم مجرد كلماتٍ محفوظة، أو آياتٍ متلوّة، بل روحًا تسري في السلوك، وميزانًا يضبط الفكر، وبوصلةً تهدي المسير. إنهم شبابٌ حملوا القرآن في قلوبهم قبل ألسنتهم؛ فظهر أثره في أخلاقهم ومعاملاتهم، صدقًا في الحديث، وأمانةً في العمل، ورحمةً في التعامل، وثباتًا عند الفتن؛ فهم يعلمون أن القرآن لم يُنزَل ليُتلى فحسب، بل ليُعمل به، كما قال الله -تعالى-: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وإذا ذُكِّروا بآيةٍ، وقفوا عند حدودها، وإذا ناداهم أمرُ الله، لبّوا بسمعٍ وطاعة، لا تصدّهم شهوة، ولا تزلّهم شبهة؛ لأنهم جعلوا القرآن حَكَمًا على الأهواء، لا محكومًا لها، وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل القرآن بمنزلتهم فقال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». إن شباب القرآن ليسوا معزولين عن واقعهم، بل هم أعمق الناس فهمًا له، وأصدقهم إصلاحًا له؛ يعمرون القلوب بالإيمان، قبل أن يعمروا الأرض بالبنيان، ويقيمون في الناس ميزان العدل، ويغرسون فيهم معاني الأمل واليقين. هؤلاء هم رصيد الأمة في زمن المحن، وحملة الرسالة في مرحلة البناء، بهم تُصان الهوية، وتُبعث النهضة، ويصدق فيهم قول الله -تعالى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، فطوبى لشبابٍ حملوا القرآن، فحملهم إلى معالي الأخلاق، ورفعهم في الدنيا والآخرة. حقيقة الطموح في حياة الشباب الطموح أن يتطلع الشاب ليكون منتفعا ونافعًا بعلمه، مخلصًا في عمله، ثابتًا على قيمه، لا تُغريه المناصب، ولا تُثنيه العقبات عن طريق الحق، وهو طموحٌ يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، بين الاجتهاد في السعي والرضا بما يقسمه الله بعد ذلك، مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، وحين يُربط الطموح بالإيمان، يتحوّل العمل اليومي إلى قُربة، والنجاح إلى وسيلة إصلاح، والتفوق إلى أمانة ومسؤولية؛ فكم من طموحٍ دنيويٍّ أضلّ صاحبه، وكم من طموحٍ صادقٍ رفع صاحبه درجات عند الله؛ لأنه أراد به الخير والإصلاح. شبابٌ تصنعهم الهِمّة الشباب ليس عُمرًا يُعدّ، بل روحٌ تُشعل الدروب، قال -تعالى-: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (الكهف:13)، ولم يمدح الله الفتية لقوتهم، بل لقوة إيمانهم؛ فالهمة العالية تُحوّل الشباب من مرحلة عبور إلى مرحلة تأثير. سمو الهمة طريقٌ إلى رضا الله ليس الطموح في ميزان الإسلام اندفاعًا وراء المجد الشخصي، ولا تسلّقًا على أكتاف الآخرين، بل هو سموٌّ في الهمّة، وعلوٌّ في المقصد، وسيرٌ واعٍ نحو ما يُرضي الله قبل كل شيء؛ فالطموح الحقّ هو أن يجعل المسلم غايته رضا الله، ووسيلته العمل الصالح، وقد ربّى الإسلام أبناءه على علوّ الهمة، وكراهية الدون من الأفعال؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ معاليَ الأمورِ وأشرافَها، ويكرهُ سَفْسافَها»؛ فالطموح ليس ترفًا، بل عبادة إذا صَحَّت النيّة، وصار السعي فيه ابتغاء وجه الله -تعالى-. ![]() صداقةٌ تُعينك على الطاعة الصداقة في ميزان الإيمان هي عونٌ على الطاعة، وتثبيتٌ عند الفتن، وتذكيرٌ إذا غفل القلب، ويدٌ تمتدّ بك نحو الجنة؛ فالصديق الصالح نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ من الله، به يهون الطريق، ويثبت السائر إلى الله، والصداقة التي تُعين على الجنة هي تلك التي تُقرّبك من ربك؛ إذا نسيت ذكّرتك، وإذا ضعفت قوّتك، وإذا أخطأت نصحتك، لا تجاملك على حساب دينك، ولا تتركك تهوي باسم الوفاء. وقد قال الله -تعالى-: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر الصاحب في حياة الإنسان فقال: «المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالِل»، فما أعظمها من وصية، وما أصدقها من حقيقة! فالصديق إمّا أن يرفعك درجة، أو يجرّك دركة. صلاح القلب وفلاحه ![]() قُدْ نفسَك قبل أن يقودك غيرُك قيادةُ النفس تعني الوعي، وضبط الشهوات، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرار عن بصيرة لا عن اندفاع. فمن لم يُحسن إدارة نفسه، قادته أهواؤه، وساقته رغباته، أو جرّته التيارات حيث شاءت، قال -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، وقيادة النفس تبدأ بمعرفتها؛ معرفة نقاط القوة لتُنمّى، ونقاط الضعف لتُداوى، ومواطن الزلل لتُحاط بالحذر، وهي مجاهدةٌ يومية، لا تنتهي، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فمن جاهد نفسه هداه الله، ومن أهملها تركه لنفسه، وقد لخّص النبي -[- هذا المعنى حين قال: »الكَيِّسُ مَن دَانَ نفسَه، وعَمِلَ لِما بعدَ الموت« ؛ فالعاقل هو من يحاسب نفسه، ويقودها نحو ما ينفعها في آخرتها قبل دنياها، فقُدْ نفسك اليوم، لتقود غدك، ولا تنتظر أن يُملى عليك الطريق؛ فمن لم يُمسك بزمام نفسه، أمسك به غيره حيث شاء. من آداب الحديث قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله-: ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لا يعرفه ولم يَمُرَّ عليه، وتريه أنك استفدته منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه، وفيه من الفوائد: تنشيطُ المحَدِّث وإدخالُ السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحَدِّث في حديثه من سوء الأدب؛ فعن عطاء بن أبي رباح -رحمه الله- قال: »إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمع، ولقد سمعته قبل أن يولد«. من أخطاء الشباب من أكثر الأخطاء شيوعًا في مرحلة الشباب التسرّع في الحكم على الناس، دون تثبّتٍ أو معرفةٍ كاملةٍ بالظروف والدوافع؛ فاندفاع الحماسة، وضيق التجربة، وسرعة تكوين المواقف، تجعل بعض الشباب يطلقون الأحكام جِزافًا، وكأنهم أحاطوا بالقلوب واطّلعوا على السّرائر، وليس ذلك إلا لله وحده، وقد نهى الله -تعالى- عن الظنّ وسوء التقدير فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}؛ فالأحكام المتعجّلة غالبًا ما تُبنى على ظنون، والظنون لا تُقيم عدلًا ولا تحفظ أخوّة، والشباب أحوج ما يكونون إلى هذا الخُلُق؛ لأنه يحفظ صفاء القلوب، ويصون وحدة الصف، ويحوّل النقد من تجريحٍ إلى نصح، ومن قطيعةٍ إلى إصلاح، فليتعلّم الشاب أن يحكم بالعدل، لا بالعاطفة، وبالبصيرة، لا بالانطباع، وأن يترك السرائر لعلام الغيوب؛ فذلك أدعى للسلامة، وأقرب لرضا الله.
__________________
|
|
#138
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1291 الفرقان الله أقرب إليك مما تظن أيها الشاب: حين تتزاحم عليك الأسئلة، وتثقلك الضغوط، وتشعر أن أحدًا لا يفهم ما بداخلك، تذكّر هذه الحقيقة العظيمة: أنَّ الله أقرب إليك مما تظن؛ فقد تمرّ بلحظات ضعف، أو حيرة في الطريق، أو صراع مع الذنب، فتتوهم أن المسافة بينك وبين الله قد طالت، وأنك ابتعدت كثيرًا، لكن الله -سبحانه- قريب منك، ولم يغلق بابه، ولم يتركك وحدك، يقول الله -تعالى- مخاطبًا القلوب قبل الألسنة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة: 186). كثير من الشباب يعيش صراعات داخلية لا يراها أحد: خوفٌ من المستقبل، وضغط الدراسة أو العمل، وقلق الهوية، أو ذنب يحاول التخلص منه، وقد لا يجد من يبوح له، لكن الله يسمعك دائمًا، حتى حين تعجز عن التعبير، قال -تعالى-: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16)؛ أقرب من نبضك، أقرب من أنفاسك، أقرب من كل من حولك. لا تنتظر أن تكون مثاليا حتى تقترب من الله؛ فالله يُحبّك وأنت تجاهد نفسك، لا فقط حين تصل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ بني آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوابون»؛ فالتوبة ليست عودة الخالي من الأخطاء، بل عودة الصادق الذي لم يستسلم، ومهما كثرت العثرات، فباب الله أوسع من أن يُغلق في وجه شاب صادق. قد تشعر أن الطريق إلى الله طويل، لكن الحقيقة أنه يبدأ بخطوة صغيرة منك، وفي الحديث القدسي يقول الله -تعالى-: «وإن تقرّب إليّ عبدي شبرًا تقرّبتُ إليه ذراعًا... وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»، أيّ تشجيع أعظم من هذا؟ الله لا يطالبك بالكمال، بل بالصدق، ولا يطلب منك سرعة الوصول؛ بل بعدم التراجع. كيف تحافظ على سلامة قلبك؟ قد يمرّ الشاب بمرحلة فتور، أو ضعف، أو صراع مع ذنبٍ يرهقه، فيظن أن قلبه هلك، والحقيقة أن القلوب تمرض ولا تموت ما دام فيها بقية خوف من الله، أو شوق للعودة، قال -تعالى-: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 89)، وسلامة القلب لا تعني أنه لم يخطئ، بل أنه لم يصرّ، ولم يستسلم؛ لذلك حتى تحافظ على سلامة قلبك راقب ما يدخل إليه، وراقب ما تسمعه، وما تشاهده، وما تقرأه؛ فالقلب يتأثر قبل أن تشعر، قال -تعالى-: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36). الشاب الواعي الشابّ الواعي لا ينتظر الفرص لتصنعه؛ بل يصنع نفسه كل يوم بقرار، وبصبر، وبعملٍ صادق، فكل قراءةٍ تبني عقلًا، وكل صلاةٍ تزكّي روحًا، وكل خلقٍ حسنٍ يصنع إنسانًا نافعًا، قال -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11). كن صادقًا الصدق ليس كلمة تُقال، بل موقف يُعاش، وثباتٌ حين تتغير الوجوه، كن صادقًا مع الله، ومع نفسك، ومع الناس؛ فالصدق هو الطريق الأقصر إلى الطمأنينة، والأثبت إلى النجاة، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119)، وأعظم الصدق أن تكون صادقًا مع ربك: في نيتك، وفي عبادتك، وفي توبتك، قال -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، فالعمل بلا إخلاص صورة بلا روح، والعبادة بلا صدق جسد بلا حياة. ![]() قلبك أمانة.. قلبك ليس شيئًا عابرًا في جسدك، ولا مساحةً فارغة تفعل بها ما تشاء، قلبك أمانة أودعها الله بين جنبيك، لينظر كيف تحفظها، وبمَ تعمّرها، وعلى أي شيء تُسلّمها يوم تلقاه، القلب هو مركز القرار، ومصدر التوجّه، ومنبع السلوك؛ فإذا صلح، صلح كل شيء، وإذا فسد، أفسد ما بعده، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». أجلّ النِعم وأعظمها قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: إنَّ أجلّ النعم وأعظمها، وأكبر المنن وأفخمها نعمةُ الإيمان؛ فهو أجلّ المقاصد وأنبلها، وأعظم الأهداف وأرفعها، وبه ينال العبد سعادة الدنيا والآخرة، ويظفر بنيل الجنَّة ورضى الله -عزَّوجلَّ-، وينجو من النار وسخط الجبار -سبحانه-، وثمار الإيمان وفوائده لا حصر لها ولا حدّ، ولا نهاية لها ولا عدّ، فكم للإيمان مِنَ الثمار اليانعة، والجنى الدائم، والأُكل المستمر، والخير المتوالي في الدنيا والآخرة، وهو منّة الله على من يشاء من عباده! قال الله -تعالى-: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} (الحجرات:17). ![]() وعيك يحميك الوعي ليس كثرة معلومات؛ بل هو بصيرة يميز بها الشاب الحق من الباطل، والصواب من الزيف، والنافع من الضار؛ فالشاب الواعي يزن الأفكار بميزان الشرع والعقل، ولا يكون تابعًا بلا بصيرة، ويعلم أن ليس كل ما يُنشر يُقرأ، وليس كل ما يُقال يُتّبع، قال -تعالى-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 17-18)، وحين يغيب الوعي يصبح الشاب سهل الانقياد؛ فالانجراف وراء كل ما يُقال، أو يُنشر، أو يُتداول، ليس انفتاحًا؛ بل غياب للوعي، وأول ما يحمي الشباب هي عقيدته، فمن عرف غايته، لم تضلّ به الطرق، ومن ثبتت عقيدته، لم تزلزله الشبهات، قال الله -تعالى-: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد: 19)، فالعلم نور، والجهل ظلمة، وبينهما مسافة الوعي. من آداب الحديث قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله-: «ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لا يعرفه ولم يَمُرَّ عليه! وتريه أنك استفدته منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه، وفيه من الفوائد: تنشيطُ المحَدِّث وإدخالُ السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك، وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحَدِّث في حديثه من سوء الأدب». انتهاز الفرص قال ابن القيم -رحمه الله-: «الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما ثبتت، والله -سبحانه- يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبةً له». من أخطاء الشباب: الاندفاع بلا علم من أخطر أخطاء الشباب أن يتحمس قبل أن يتعلّم، وأن يندفع قبل أن يتبيّن، فيتبنّى فكرة، أو يدافع عن موقف، لمجرد أنه سمعه أو أعجبه، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)؛ فالحماسة بلا علم قد تفسد أكثر مما تُصلح، والنية الحسنة لا تُغني عن صحة الطريق. اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
|
#139
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1292 الفرقان شبابٌ على ثغرِ الإيمان من تأمّل سيرَ الصحابة -رضي الله عنهم- رأى العجب العُجاب؛ فهذا أسامةُ بن زيدٍ يقود جيشًا جرّارًا وهو لم يبلغ العشرين؛ لأن الإيمان سبقه إلى قلبه قبل أن تسبقه السنون، وهذا عليُّ بن أبي طالبٍ يبيت في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -، شابًّا يقدّم روحه فداءً للرسالة، وهذا عبدالله بن عباسٍ يلزم حلقَ العلم مبكّرًا، حتى صار حبرَ الأمة وترجمان القرآن. لم يكن الشبابُ عندهم مرحلةَ لهوٍ عابر› بل كان ميدانَ تكليفٍ وبذلٍ وبناء، وكان الإيمان هو المشروعَ الأوّل في حياتهم، تُبنى عليه بقية المشاريع. ومن هنا، فإن على الشباب اليوم أن يدركوا أن ذواتهم الحقيقية لا تُصاغ بما يملكون، ولا بما يُقال عنهم؛ بل بما يحملونه في قلوبهم من يقين، وبما يعقدونه من صلةٍ بالله؛ فيستحيي الشابُّ أن يراه ربُّه حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره، وأن يجعل رضا الله أعلى من رضا الرفاق، وثبات المبدأ أسمى من تصفيق الجماهير. إن الشباب على ثغر الإيمان هم الذين يُجدّدون إيمانهم بصلاةٍ خاشعة، لا تُؤدَّى عادةً بل تُقام عبادة، وبإقبالٍ صادقٍ على القرآن تلاوةً وتدبّرًا وعملاً، وبصحبةٍ صالحةٍ تشدّ الأزر، وتُذكّر إذا غفل القلب، وبعملٍ نافعٍ يُقدَّم للأمة، لا طلبًا للشهرة، بل وفاءً للأمانة. توبة الشباب لها بريق خاص من رحمة الله -تعالى- أن باب التوبة مفتوح، لا يُغلق في وجه شاب أثقلته الذنوب، والخاسر حقًّا ليس من وقع في المعصية ثم تاب؛ بل من استمرَّ عليها بحجة أنه قد تأخر، أو أنه غارق لا يمكنه الخروج، ولقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يفرحون بتوبة الشباب فرحًا عظيمًا، ويرونهم أقرب الناس إلى نصر الدين وحمل رايته، فمن أراد التوبة حقًّا فليبدأ بالاعتراف بالذنب بين يدي ربه، مع ندم صادق وعزم على عدم العودة، ثم يقطع الطرق الموصلة للمعصية، وليعلم أن كل خطوة يخطوها نحو الطاعة توازيها خُطى من رحمة الله تقبِل نحوه، وأن الله -تعالى- أكرم من أن يردَّ عبدًا طرق بابه صادقًا مُنيبًا. الصلاة عصمةٌ من كل شر من أهم واجبات الشباب في هذا العصر أن يكونوا محافظين تمام المحافظة على فرائض الإسلام وواجبات الدين ولاسيما الصلاة؛ فإن الصلاة عصمةٌ لهم من الشر وأمَنَةٌ لهم من الباطل، كما أنَّ الصلاة معونة على الخير ومزدجر عن كل شر وباطل. فقه الاستقامة في أيام الدراسة مرحلة الدراسة من أخطر المراحل في تكوين شخصية الشاب؛ ففيها تتكوَّن القناعات، وتتحدَّد العلاقات، وتُرسم معالم المستقبل، والموفَّق هو من يتعلم «فقه الاستقامة» في هذه السنوات؛ فإن استقامة الشاب في مقاعد الدراسة اليوم هي بذرة صلاح طبيب الغد، ومهندس الغد، ومعلّم الغد، وداعية الغد؛ ومن فقه الاستقامة في هذه المرحلة:
![]() قلبُك أمانةٌ فاحمِه هاتفٌ صغيرٌ في جيبِ الشابِّ اليوم قد يكون مفتاحًا لأبوابٍ من الخير لا تُحصى، كما قد يكون منزلقًا خفيًّا إلى دركاتٍ من الانحراف لا يعلم مداها إلا الله، فليس الخطرُ في الجهاز ذاته، وإنما في قلبٍ يضعف أمام الإغراء، ومن هنا كان على الشاب أن يسأل نفسه: كيف أحفظ قلبي من فتن الشاشات؟
مَنْ حَفِظَ حدود الله حفظه الله قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وحِفْظ الله للعبد نوعان:
ثباتُ الخطوات في طريق الحقّ لا يُطلَب منك أيها الشاب أن تُسرع، بل أن تثبت؛ فالعبرة ليست ببداياتٍ متحمّسة، وإنما بنهاياتٍ صادقة، كم من سالكٍ انطلق بحماس، ثم تعثّر حين طالت الطريق، وكم من ثابتٍ سار بهدوء، فبلغ المقصد؛ لأن قدمه لم تزلّ، وقلبه لم ينحرف، ثباتُ الخطوات هو أن تمضي على الحقّ وإن قلّ السالكون، وأن تستقيم وإن اضطرب من حولك، والثبات وهو ثمرةُ إيمانٍ راسخ، ومعرفةٍ بالغاية، واستعانةٍ دائمةٍ بالله، مصداقًا لقوله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}. قوة القلب بالإيمان القلبُ صرحٌ عظيم، وهو أقوى من أي قوة جسدية، وأثقل أثرًا من أي ثروة مادية، فإذا قُوّي بالإيمان أصبح حصنًا متينًا ضد الفتن، وسلاحًا فعالًا في مواجهة الصعاب، ومصدرًا للسعادة والطمأنينة، فقلب الشاب المؤمن لا يركن إلى الأهواء، ولا يُخدع بالمظاهر، بل يزن كل شيء بميزان الحق، ويقيم كل أمر وفق شرع الله، قال -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، فطمأنينة القلب لا تأتي إلا بالرجوع إلى الله، وبالسكينة التي يزرعها ذكره وذكر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في النفس. وللقلب المؤمن طريقان لا يفارقهما:
الشباب و الصحة البدنية من الأخطاء الشائعة بين الشباب إهمالُ صحتهم البدنية والنفسية، بالإفراط في السهر، وإهمال الرياضة والنوم، والانغماس في التوتر النفسي غير المسيطر عليه، وهم ينسون أن الصحة نعمة عظيمة، ورأس مال الإنسان في شبابه، لا يُعوَّض إذا ضاع، والإهمال هنا ليس مجرد قلة حركة أو نوم، بل هو ضياع التوازن بين الجسد والعقل والنفس، ما يُضعف القدرة على التحمل، ويؤثر في الأداء الدراسي والعملي والاجتماعي والدعوي، ويحد من قدرة الشاب على الاستفادة الكاملة من حياته، وعلى بذل الخير لنفسه ولمن حوله. اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
|
#140
|
||||
|
||||
|
تحت العشرين -1293 الفرقان رفقة الطريق تصنع المصير الشاب هو ابن بيئته ورفقة دربه؛ يتأثر بهم فكرًا وسلوكًا ومصيرًا - شاء أم أبى - وما من طريق يسلكه الشاب إلا وتشاركه فيه أمور، فإن صلحت صلحت معه وجهته، وإن فسدت جرّته إلى حيث لا يريد، وقد نبّه القرآن إلى خطورة الصحبة وأثرها العميق، فقال -تعالى-: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67)، فصداقة اليوم قد تنقلب ندامة غدًا، إلا ما كان مبنيًّا على تقوى الله. وفي السنة النبوية تأكيد بليغ لهذا المعنى؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل»؛ فالصحبة ليست مجرد تسلية عابرة، بل تربية غير مباشرة، وتأثير صامت، يصوغ القناعات ويغيّر المسارات؛ ولذلك شبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير؛ إمّا أن تنتفع به أو تتأذى منه، ولا ثالث بينهما؛ فالصاحب الصالح يذكّرك بالله إذا نسيت، ويعينك على الخير إذا ضعفت، ويشدّ أزرك حين تتعثّر؛ لذلك فإنّ اختيار الرفقة قرار مصيري، لا يُقاس بعدد السنين ولا بطول العِشرة، وإنما بقدر ما تقودك فيه إلى الله أو تُبعدك عنه، فاختر من يأخذ بيدك إلى الطاعة، لا من يزيّن لك المعصية، واختر من يرفع همّتك، لا من يستهلك عمرك؛ فالطريق واحد، لكن الرفقة هي التي تحدّد النهاية، ورفقة الطريق هي التي تصنع المصير. قلبك بوصلتك... فإلى أين يتجه؟ كثرة الملهيات اليوم لا تُضعف الجسد فحسب؛ بل تُرهق القلب وتتعبه وقد تميته، وما ضلّ شاب إلا حين ترك قلبه بلا حراسة، قال الله -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ»، فإن صلح قلبك، صلح مسارك، وإن فسد، تاهت خطاك وضاعت بوصلتك. من أخطاء الشباب ليس الخطأ عيبًا في ذاته، لكن العيب في الإصرار عليه، أو تزيينه باسم الحرية أو التجربة، وكثير من أخطاء الشباب لا تنبع من سوء نية، بل من استعجال، أو قلّة خبرة، أو غياب التوجيه، ومن أبرز هذه الأخطاء الاندفاع بلا وعي، واتخاذ القرارات المصيرية تحت ضغط العاطفة أو اللحظة، دون نظر في العواقب، ومنها الاغترار بالمظاهر، وقياس النجاح بالشهرة أو المال، مع إهمال بناء النفس والعقل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس»، ومن أخطائهم أيضًا الاستهانة بالوقت، وتأجيل التوبة والعمل، كأن العمر مضمون، مع أن الأيام تمضي بلا عودة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسًا قبل خمس» وذكر منها: «شبابك قبل هرمك». كن نافعًا ولو بالقليل يظنّ بعض الشباب أن النفع لا يكون إلا بالأعمال الكبيرة والمناصب المؤثرة، فيؤجّلون العطاء حتى تأتي الفرصة الكبرى، فتضيع أعمارهم في انتظار الفرصة الموعودة، والحقيقة أن الخير لا يُقاس بحجمه، بل بصدقه وأثره، لقد فتح الإسلام أبواب النفع على مصاريعها، فجعل أبسط الأعمال جسورًا للأجر، فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا رسولَ اللهِ، أي الناسِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: أنفعُهُم للناسِ، قلتُ: فأي الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: سرورٌ تُدْخِلُه على مسلمٍ»، فلم يقيّد النفع بمال ولا جاه، بل جعله متاحًا لكل من صدق القصد، حتى في السرور الذي تدخله على أخيك المسلم، فقد يكون النفع في كلمة صادقة، أو ابتسامة صافية، أو نصيحة خالصة، أو عونٍ في لحظة ضيق، قال -تعالى-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة: 215)، فلا شيء من الخير يضيع، وإن خفي عن أعين الناس. الحرية الحقيقية ![]() الشباب المستقيم يؤمن بالقدر ![]() العمل الصالح هو التجارة الرابحة قال الشيخ عبد الرزاق عبدالمحسن البدر: إن العمل الصالح هو المتجر الرابح والمغنم الراجح، وهو مجلبةٌ للسعادة مطردةٌ للشقاء، قال الله -تعالى- : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:: 97)، وهو خير مرتجى وأفضل مدَّخر، قال الله -تبارك وتعالى-: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} (الروم: 44)؛ أي يهيِّئون ويعدُّون ويقدِّمون، والعمل الصالح هو الموجب للفوز بالجنان ونيل رضا الرحمن، قال الله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} (البينة: 8). خطوة للأمام الحياة قصيرة، والأيام تمضي بسرعة، والشباب مرحلة ثمينة لا تعود، وكثيرون ينتظرون اللحظة المثالية، أو الفرصة الكبيرة، وينسون أن كل تغيير يبدأ بخطوة صغيرة، لكنها ثابتة وصادقة، الخطوة للأمام لا تحتاج إلى قدرات خارقة، بل إلى نية صادقة وعزم صافي. قد تكون خطوة للتوبة، أو لممارسة عادة حسنة، أو لمساعدة محتاج، أو لمراجعة نفسك يوميًا. قال -تعالى-: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} (المزمل: 20)، فكل خطوة صادقة لها أثر عند الله، ولو بدت صغيرة أمام أعين الناس، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»، فلا تنتظر الكمال، ولا تنتظر الظروف المثالية؛ ابدأ اليوم، خطوة صغيرة، وستجد نفسك غدًا أقوى، وأقرب إلى الله، وأقرب إلى تحقيق أحلامك الحقيقية. ثباتُ الخطوات في طريق الحقّ لا يُطلَب منك أيها الشاب أن تُسرع، بل أن تثبت؛ فالعبرة ليست ببداياتٍ متحمّسة، وإنما بنهاياتٍ صادقة، كم من سالكٍ انطلق بحماس، ثم تعثّر حين طالت الطريق، وكم من ثابتٍ سار بهدوء، فبلغ المقصد؛ لأن قدمه لم تزلّ، وقلبه لم ينحرف، ثباتُ الخطوات هو أن تمضي على الحقّ وإن قلّ السالكون، وأن تستقيم وإن اضطرب من حولك، والثبات وهو ثمرةُ إيمانٍ راسخ، ومعرفةٍ بالغاية، واستعانةٍ دائمةٍ بالله، مصداقًا لقوله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}. اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |