من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحريم النميمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          وما قدروا اللهَ حقَّ قدرِه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          التزوّد لدلالة الناس على الخير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          حين تعري أمريكا الشعوب من ثرواتها؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          جنازة الإدراك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          تحصنوا بالورع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          نِصفُ الوعي آفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          معنى المحبّة في الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5144 - عددالزوار : 2441792 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4735 - عددالزوار : 1762934 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-02-2022, 10:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم


د. علي حسن الروبي

نُحاول في هذه المقالات إلقاء الضوء على بعض البراهين والدلائل العقلية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة والرسالة.

ذلك أننا نزعم أن الإنسان الذي يعيش في عصرنا الحاضر ولم يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم - لهو قادرٌ على أن يتحقق من صدق نبوته، وإنْ لم يكن قد عاين الخوارق التي رآها المعاصرون له، التي كانت برهانًا على صدق دعواه النبوة والرسالة.

وأول ما نبدأ به من تلكم البراهين والدلائل هو تقليب النظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه وأحواله قبل دعوى النبوة وبعدها، وسنرى إلامَ سيقودنا التفحص والتأمل في هذا الجانب، محاولين قدر الجهد أن نلتزم التفكير العقلاني ونبتعد عن العواطف والمصادرات والإطلاقات، فإننا وإنْ كنا من المسلمين المؤمنين بهذا النبي الكريم - صلوات الله عليه - والمذعنين لدينه والمستسلمين لشريعته ومنهاجه، إلا أننا على ثقة كبيرة بأن نبوته - شأنها شأن الركائز الإيمانية في الإسلام - يمكن البرهنة العقلية عليها، وليس فيها ما يتعارض مع العقل الصحيح المتجرد من الهوى والغيِّ، ولعل في سرد تلكم الدلائل العقلية ما يزداد به المؤمن إيمانًا، وما يستقين ويطمئن به المتشكك المتحير.

وإنما اخترنا جانب الأخلاق والسيرة الذاتية؛ ليكون معيارًا يُعتبر به في الحكم على صدق ادعاء النبوة من عدمه؛ للتعلق والتلازم بين الأمرين، فإن النبوة ليست اختراعًا علميًّا تقنيًّا أو موهبةً فنيةً أو أدبيةً أو مُنجزًا اقتصاديًّا، أو نحو ذلك من الأمور المقطوعة الصلة بأخلاق الإنسان وتكوينه القيمي، فإننا نجد الموهبة الأدبية والفنية في أشخاص عارين عن الفضيلة والخُلق كما نجدها عند أصحاب الفضيلة والخلق، ونجد الذكاء المعرفي والعلمي عند الأخيار الأبرار كما نجده عند الأشرار الفجار.

وأما في حالة البنوة، فالأمر مختلف تمامًا، فالنبوة دعوى من صاحبها إما أنه صادق فيها وإما أنه كاذبٌ، ولا ثالث لهما.

وإذا كان كاذبًا فالكذب متنافٍ مع الفضيلة والخُلق عند عامة البشر، فادعاء النبوة كذبًا مثله مثل القبائح الأخلاقية، لا يتأتى إلا من شخصٍ لا حظ له في الأخلاق والفضيلة، ولا سيما فضيلة الصدق والأمانة، بل هو - أي ادعاء النبوة كذبًا - أقبح من سائر القبائح الأخلاقية، لما فيه من الخداع العام للبشر، ولجمعه بين الكذب على البشر والكذب على الله، ولاستعماله الكذب والخداع فيما ينبغي أن يكون داعية للأخلاق الحميدة والفضائل والمحاسن، ألا وهو النبوة.

وبالجملة فهذا معيارٌ ناهضٌ للحكم على مدعي النبوة بالصدق أو الكذب في دعواه؛ لما فيه من إنباءٍ عن حاله وما يتوقع منه؛ إذْ الناس يجرون مع ما اطرد وترسَّخ من أخلاقهم وطبائعهم، ولا يخالفون ذلك إلا على جهة الندرة، وآية ذلك أنك تجد من نفسك القدرة على تصديق أو تكذيب ما يُنسب من فعلٍ ما لشخصٍ ما إذا كنتَ على دراية حقيقية بأخلاق هذا الشخص وطبيعة تصرفاته، فمثلًا لو حدثك الناس عن شيء ينسبونه لصديقٍ تَخْبُره أو لشخصٍ عاملتَه وداخلتَه، فإنك لا تلبث أن تسارع إلى قبول ما ينسبه الناس إلى ذلك الشخص أو إلى ردِّه ورفضه، ويكون معوِّلك في القبول أو الردِّ، هو ما تَخْبُره من أخلاقه وما تعرفه من حاله، وهل تنسجم الصفة أو الفعل الذي نسبوه إليه مع المستقر المعروف المتحقق من أخلاقه وأفعاله أم يتعارض معها؟ فإذا كنتَ قد خَبَرْته بالمعاشرة والمعاملة الطويلة وعلمتَ أنه جبانٌ خوَّارٌ، فستستيقن ساعتها كذبَ نسبةِ الشجاعة والإقدام إليه، وأنَّ واسمه بالشجاعة والإقدام إما منتفعٌ من صاحبك أو جاهلٌ بحاله، وإنْ كنتَ قد خَبْرته عفيفًا زاهدًا متحريًا للحلال في مطعمه ومشربه، علمت أن الشائعة التي انتشرت بأنه حاول سرقة حافظة نقود أحد الأشخاص محض كذبٍ وافتراءٍ، وهكذا.

ذلك أنَّا نعلم أنَّ مَن اصطبغ بخلقٍ ما من الأخلاق مذمومًا كان أو محمودًا، فإنه لا يصدر منه خلافه إلا على جهة الهفوة والفلتة، فقد يجبن الشجاع المِقدام في مرةٍ، وقد يقع الكذب من الصدوق هفوةً، وقد يجود الشحيح على سبيل المنفعة، لكن يبقى الخُلق الراسخ المعلوم من حال المرء هو المسيطر عليه، ولا يتحول الإنسان إلى ضده تحولًا كليًّا، إلا إذا حدث له من الهزات النفسية الإيجابية أو السلبية ما يوجب هذا التغيير الكامل في الشخصية وأخلاقها، فنرى المجرم قد صار إنسانًا صالحًا ونرى إنسانًا عاديًّا قد تحول لمجرمٍ.

والشاهد الذي أردناه من سَوْق ما قد سلفَ أنَّ أخلاق الشخص وسيرته تصلح أن تكون شاهدةً معه أو ضده إذا عنَّ من أمرِه ما يُحتاج فيه إلى الاستشهاد بأخلاقه وسيرته كدليلٍ معه أو عليه.

وفي حالتنا هذه - أعني قضية دعوى النبوة والرسالة - علينا أن ننظر في حال صاحبها وما كان عليه من أخلاقٍ حميدةً كانت أو ذميمةً، وهل ما كان عليه من أخلاقٍ يرجِّح صدقه أم يرجِّح كذبه في دعواه؟ وبأي أخلاقٍ كان صاحب هذه الدعوى يُعرف بين قومه الذين كانوا يعاشرونه ويتعاملون معه قبل دعواه تلك؟

وهل دعواه النبوة مرحلةٌ في سجل أخلاقه الذميمة الجارية على الكذب والخديعة والمراوغة؟ أم مرحلةٌ في سجل أخلاقه الحميدة الجارية على الصدق والأمانة والفضيلة؟

وإذا نظرنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وجدنا أنه كان يعمل مع عمه أبي طالب في التجارة، وأنه قد اشتَهر عنه الصدق والأمانة، ومن آيات هذه الشهرة - أن خديجة رضي الله عنه وهي امرأة عاقلة متمرسة بحال الناس، كان قد مات عنها زوجها، ولها مالٌ وتجارةٌ، قد اختارته ليقوم على أمر تجارتها، وحملها ما ظهر لها من أخلاقه وأمانته أن تعرض عليه الزواج منها، مع أنَّ حالها ومكانتها الاجتماعية والمالية تؤهلها لأنْ تكون مرغوبة للزواج من سادات قريش وأهل الوجاهة فيها، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت شابًّا في الخامسة والعشرين من عمره، ولم يكن له من المال والرياسة في قريش ما يجعله مقدمًا في التزويج على سادات قريش وأعيانها، إلا أن تكون هذه المرأة الناضجة العاقلة قد لمست في أخلاق هذا الشاب ما دعاها إلى الإعجاب به واختياره زوجًا وقرينًا، وإنْ لم يكن من أهل الغنى والزعامة والسيادة في قومه.

وتنقل لنا كتب السيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معروفًا بين قومه بالصدق والأمانة ومشتهرًا بينهم بذلك؛ حتى إنهم كانوا يلقبونه بـ" الصادق الأمين"، ودليل صحة هذه الشهرة وثبوتها وأنها ليست من مجاملات المؤرخين المسلمين - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أُمِر أن يصارح قومه بنبوته ويجهر فيهم برسالته ودعوته لأول مرةٍ، طرح عليهم سؤالًا يستخرج منه حاله عندهم من جهة الصدق والموثوقية والنزاهة ومجانبة الكذب والافتراء والادعاء، فقال لهم: "... أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟"، قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

ولا ريب أن هذا صنيع العقلاء، فإن استخراج شهادتهم له بالصدق واستمراره عليه، حتى إنه لو أخبرهم بأمرٍ مدلهمٍ كهجوم الأعداء لما تشككوا في صدقه؛ لديمومته على الصدق ومجانبته للكذب طوال حياته بينهم وتعامله معهم، فجديرٌ به أن يكون صادقًا أيضًا في دعواه النبوة وانتحاله الرسالة.


ومما يدلنا كذلك على صحة هذه الشهرة بالصدق والأمانة أنه بعد ادعاء محمد صلى الله عليه وسلم النبوة، كانت تهمته عند القرشيين أنه مجنونٌ وأنه شاعرٌ، وأنه كاذبٌ في ادعاء النبوة، لكن أحدًا منهم لم يوجه له اتهامًا أخلاقيًّا بالكذب فيما سبق في الأمور الحياتية، ولم يُعيِّره بقباحة خديعة من الخدائع ولا احتيالٍ من الاحتيالات الماضية ارتكبها معه أو مع غيره من الناس، ولم يُذِّكره أحدهم بموقف من المواقف الذي كذب فيها ولا بمرةٍ من المرات التي استعمل فيها المراوغة والاحتيال.

كما أننا يمكننا الوقوف على الطبيعة الأخلاقية لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم بشاهد آخر، وذلك مما ذكرته له خديجة رضي الله عنها عندما حاولت التهدئة من روعه والتخفيف من توتره بعد ما أصابه من النزع بعد لقائه الأول بجبريل في غار حراء، وأنه قد خشي على نفسه، فذكرت له أنه جدير بإكرام الله تعالى له لما عنده من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق التي يحبها الله تعالى ويحب المتحققين بها، فقالت: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ".

إن هذه الكلمات ليست مجرد مجاملة زوجة لزوجها، بل هي واقعٌ ثابتٌ، قد دلَّنا على ثبوته استمرارُ النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد البعثة وحتى وفاته، وأن تلكم الصفات هي أخلاقٌ راسخةٌ لديه متمكنةٌ فيه.

إن كل القرائن تفيد أن السجل الأخلاقي للنبي صلى الله عليه وسلم قبل دعواه النبوة كان ناصع البياض جدًّا؛ إذْ لم تقدر الدعاية القرشية وآلتها الإعلامية الجبارة حينذاك، والتي نجحت في بث الدعاية المكثفة في العرب قبل موسم الحج بأن فتى مكة الذي يزعم أنه نبيٌّ هو شخصٌ ساحرٌ يملك بيانًا خلابًا وقدرة مذهلة على خداع السامعين، بحيث إنه يملك التأثير في السامعين بإفساد الابن على أبيه والزوجة على زوجها ...إلخ.

أقول: إن الآلة الإعلامية القرشية التي نجحت في نقل صورة منفرة عن محمد صلى الله عليه وسلم بين العرب، جعلت الناس يخافون من الحديث معه والاستماع منه؛ خشية أن يصيبهم هذا السحر الذي جاء به محمد... هذه الآلة الإعلامية لم تجد في السجل الأخلاقي من ماضي محمد - صلى الله عليه وسلم - ما تتمكن به من تشويهه والتنفير عنه، ولم تحد من الهنات الأخلاقية ما تستطيع الاستثمار فيه واستغلاله في الدعاية، فاتجهت إلى تشويه ما يدعو إليه وبيان عاقبته وأثره السيئ في زعمهم.

وهذا في حد ذاته كافٍ لوقوفنا على المنزلة الأخلاقية التي كان يتمتع بها محمد صلى الله عليه وسلم قبل ادعاء النبوة، فإن التشهير بهفوات الخصوم ومحاولة تضخيمها - مسلك لم يزل متبعًا في الخصومات الشخصية والعامة في كل العصور وإلى يومنا هذا.

وإذْ قد عرفتَ ذلك ووقفتَ على المنزلة الأخلاقية لشخصية محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والتي عجز الخصوم عن إيجاد أيِّ زلةٍ مرتكَبة في حياته قبل ادعاء النبوة، بُغيةَ أن يقوموا باستثمارها في خصومتهم معه - فاعلمْ أن هذه المنزلة الأخلاقية ليست تدُلنا على النزاهة الأخلاقية عند النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل تقودنا إلى دليلٍ جوهريٍّ على صدقه في دعواه.

ذلك أنَّنا نجد التكوين الأخلاقي والفكري لكل واحدٍ منا حائلٌ دونَه ودونَ الوقوع فيما يُعاكس تكوينه ويضاده، فلكل شخصيةٍ حاجزٌ أخلاقيٌّ يحول بينها وبين ومُقارفة ما ينافي وينافر قواعدها القِيمية الداخلية، والناس في ذلك متفاوتون تفاوتًا عظيمًا بقدر قوة إيمانهم بقِيَهم ومبادئهم الأخلاقية، وبقدر تفاضل قوة شخصياتهم في التغلب على إغواء ما يعارض ويناقض ما يؤمنون به ويعتقدون أنه الحق والأفضل.

فالشخص المتصف بخلق الرحمة الذي تمكَّن منه هذا الخلق حتى صار راسخًا فيه، لن تجده يومًا يمارس تعذيب إنسانٍ بريءٍ أو حيوانٍ مُستلِذًّا بذلك فرحًا به، فضلًا أن يكون مفاخرًا بذلك مُبتهجًا؛ لأن ممارسة التعذيب والاستلذاذ به مناهضٌ لخلق الرحمة الذي في طبعه، وكذلك الشخص المتطبع بخُلق الأنَفة والعزة لن تجده يمارس خُلق الخضوع والخنوع للناس، فضلًا عن المُعالنة بذلك والمفاخرة به، والشخص الذي خُلقه الصدق والمصارحة لن تجده يمارس الكذب فرحًا به مجاهرًا مُنتشيًا؛ لأن ذلك مضاد لخُلق الصدق الراسخ لديه...
وبالجملة، فلكلٍّ منا قِيَمه ومُثُله الذاتية التي تمنعه من ممارسة ما يضاد تلك القيم ويعارضها، ولا تسمح نفس الواحد له أن يمارس خلاف ما يرتضيه ضميره الداخلي ووازعه الأخلاقي؛ لئلا يفقد الإنسان احترامه لنفسه واحترام الآخرين له.


وإذا رجعنا إلى شخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - وتكوينها الأخلاقي قبل ادعاء النبوة، فسنعلم يقينًا أن أخلاقيات هذه الشخصية لن تسمح لها مطلقًا بارتكاب جريمة الكذب في شأن النبوة، ولن تطاوعها على ذلك، سواء كان ذلك احترامًا للذات أو للسمعة بين الناس، ولن تسمح منظومةٌ أخلاقية كالتي كان يتمتع بها محمد - صلى الله عليه وسلم - له بأن يمارس الكذب ويختلق دعوى إرسال الله له، ولن يُفلت من تأنيب الضمير الداخلي لديه على هذه الجريمة المنافية لمنظومة أخلاقه، كما لن تسمح له شخصيته بأن تكون نظرة الناس إليه نظرتهم إلى الشخص الكاذب المنتحل الجدير بكل تحقيرٍ وازدراءٍ وإهانةٍ.

وأنا وأنت أيها القارئ على تواضع المنزلة الأخلاقية عندنا، إلا أن لنا سقفًا لا نرضى لأنفسنا أنْ تنزل عنه، سواء في صورتنا أمام أنفسنا، أو في صورتنا أمام الناس، فلا أجرؤ أنا ولا تجرؤ أنت - ما دمنا نملك الحد الأدنى من احترام الذات وتقديرها - على أن نُقدِم على اختلاق ادعاءٍ ما؛ تكون نتيجته تأنيب الضمير الداخلي لنا على الكذب، وتشهير المجتمع من حولنا بسُمعتنا وسيرتنا.

فإذا كان آحاد الناس مثلي ومثلك بهذه المنزلة من احترام أنفسهم، والاستنكاف عن الكذب وعدم استجازة الإفك والبهتان الذي لن يُقرَّه الضمير الداخلي لنا، ولن يصمد أمام التشهير المجتمعي بسُمعتنا، فكيف بشخصيةٍ أخلاقيةٍ كشخصية محمد صلى الله عليه وسلم؟!

هل من السهل على شخصيةٍ فذَّةٍ كهذه، لا تتمتع بأخلاقٍ عليا فحسب، بل بتفردٍ أخلاقيٍّ في مجتمعها - أن تُقدم على أمرٍ منافرٍ للأخلاق ومباينٍ لها وهو افتراء ادعاء الرسالة والنبوة؟!

ثم هبْ أن الضمير الأخلاقي عند تلك الشخصية الأخلاقية الصارمة قد تعطل، فهل تعطل عندها العقل والفِطنة حتى تُقدمِ على تشويه سمعتها الناصعة البياض بين قومها والعرب في عشيةٍ أو ضحاها؟!

لقد كانت العرب تستقبح الكذب وتتحاشى كل المحاشاة أن توصم به، وتعد الكذب من النقائص والقبائح التي تقضي على سُمعة صاحبها ومكانته وشرفه إن كان له مكانةٌ وشرفٌ، فهذا أبو سفيان - رضي الله عنه - قبل إسلامه عندما كان في حديثه مع قيصر بشأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حضور مجموعةٍ من قريش، وكان أبو سفيان وقتها أحوج ما يكون إلى استنقاص منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند قيصر، إلا أنه قد منعه من اختلاق الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواباته لأسئلة قيصر عنه - أن تخبر المجموعة القريشة الحاضرة في ذلك المجلس أن أبا سفيان وهو الزعيم القرشي قد اقترف رذيلة الكذب.

إن أبا سفيان لم يشأْ أن يضحي بسُمعته بين العرب، وأن تلحق به وصمة الكذب، حتى وإن كان ذلك في سبيل تشويه صورة خصمه اللدود عند ملك الروم، وما ذاك إلا لأصالة استهجان العرب للكذب وشُنعة التهمة عندهم.

أفيُعقل بعد هذا كله أن تُقدم شخصيةٌ متمتعةٌ بالكمال الأخلاقي والعقلي كشخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - على الاستعلان بفريةٍ يُضرب لها الطبل دون أن اعتبار منها لسمعتها ومنزلتها ومكانتها في قومها والعرب جميعًا؟!

هل من السهل على رجلٍ عاقلٍ متزنٍ أن يُقامر بسُمعته وشرفه ومكانته لأجل كذبةٍ وفريةٍ يختلقها وهو لا يدري هل سيصدق الناس فريته وينخدعون بها أم يكذبونها ويردونها عليه؟! فكيف إذا كانت القرائن والمعطيات تقول: إن هذه الفرية ستقابل حتمًا بالإنكار وعدم القبول؟!

أين كان ضميره؟! وأين كان عقله حين أقدم على ما أقدم عليه من ادعاء النبوة إنْ لم يكن صادقًا في ذلك بالفعل، ومحقًّا فيما ادعاه في نفس الأمر؟!

بل ثمت أمرٌ أخلاقيٌّ آخر في هذه القضية، وهو أن العقل والعادة قاضيان بأن أخلاق المرء إذا كانت تنهاه على ترك استعمال الكذب استقباحًا واستهجانًا، فهاته الأخلاق قاضيةٌ كذلك بمنعه من الكذب على الله الخالق من باب أولى، فمنطقي أن مَن يخجل من الكذب على الناس في الأمور الدنيوية التافهة، للؤم خُلق الكذب ومهانة فاعله - أن يكون خجله من الكذب على الله تعالى أشد وأكبر، وأن يكون منه أبعدَ وعنه أنْأى.

ولهذا لم يكن غريبًا من أمر قيصر في سؤالاته لأبي سفيان حول أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه الشام، قد جاء في مقدمتها: هل جربتم عليه كذبًا قبل أن يقول ما قال؟"؛ أي: هل كان الكذب في الأمور الحياتية من شأنه قبل دعواه النبوة؟ ولما أجابه أبو سفيان رضي الله عنه بأنهم ما جربوا عليه الكذب - توصل قيصر إلى نتيجة منطقية جدًّا، وهي استبعاد أن يكون خُلْق الإنسان هو الصدق مع الناس وترك الكذب عليهم، ثم يكون أول افتتاحه لأمر الكذب بكذبةٍ كبرى على الله نفسه!

إذًا السيرة الشخصية والتكوين الأخلاقي لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم - لا يسمح له بارتكاب جريمة افتراء النبوة وادعائها بالباطل، ومجابهة الناس بالكذب الصريح والامتحال القَراح، ولا تطاوعه نفسه ولا تساعده أخلاقه على ارتكاب جريمة الكذب على الله وادعاء النبوة افتراءً، فكيف وكذبة كهذه ستكون توابعها شديدة الكلفة جدًّا، ولا بد فيها من تضحيات باهظة، فكيف يجرؤ شخصٌ متزنٌ عقلًا، صادقٌ لهجةً، أمينٌ نفسًا على المقامرة بسُمعته ومخالفة شمائل أخلاقه وطبائع شخصيته بالإقدام على كذبٍ أصلع ليس تعلقه مع قومه وعشيرته فحسب، ولا حتى عموم الناس فقط، بل كذبٌ له تعلق بالله تعالى، وإنَّ قريشًا والعرب لم يكونوا ملاحدةً ينكرون وجود الله وهيمنته وبطشه بمن استحقَّ عقابه، بل كانوا يعرفون الله ويعبدونه ويحجون بيته ويعظمون كعبته، ويتحاشون المال الحرام في تعميرها، وإنْ وقعوا في الشرك وتلوثوا به، وأضعف الإيمان وأقل الأحوال أن يكون عند محمد - صلى الله عليه وسلم - من تعظيم الله والخوف منه ما عند قومه من ذلك، فكيف تسوِّغ له نفسه افتتاح الكذب بكذبة كبرى على الله تعالى؟!

ثم لا بد من القول: إنه يتعيَّن النظر كذلك في حال محمد - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه بعد دعواه النبوة فيما يتعلق بأمر الكذب، فإننا قد ذكرنا في مطلع هذه الكلمة أن الإنسان يمضي على خُلقه الثابت له ولا يتحول عنه إلا على سبيل الهفوة والندرة، لكن قد أشرنا أيضًا إلى إنه قد يطرأ على النفس البشرية من التحولات الفكرية أو الهزات النفسيَّة ما يُحدِث لها التغير والتبدل الكامل أو الكثير في أخلاقها، وضربنا له مثلًا بالمجرم العتيد في الإجرام الذي يتوب ويتحول إلى شخص طيبٍ مسالمٍ، وكالشخص الملتزم أخلاقيًا ودينيًا الذي ينحرف ويكاد أن يصير شيطانًا رجيمًا.

وعلى هذا، فإذا قال قائل: لعل الاستقامة الأخلاقية لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ومجانبته العظيمة للكذب والخداع، كانت مرحلةً من مراحل حياته وهي قبل النبوة، لكن لما ادعى النبوة كان هذا بمثابة مرحلةٍ جديدةٍ في حياته، فلا يلزم أن تكون الاستقامة الأخلاقية السابقة دليلًا على صدق ادعاء النبوة لاحتمال وجود تحوُّل طارئٍ في الشخصية كان ادعاء النبوة نتيجةً له أو سببًا فيه.

وافتراض هذا القائل قد يكون له حظ من الاحتمالية من جهة الافتراض، لكن الواقع ينسف هذا الافتراض من أصله ولا يبقي له أي نصيب من الاحتمالية، ذلك أنَّا إذا نظرنا في حال محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد النبوة والرسالة من جهة الأخلاق لا سيما خلق الصدق - وجدناه سائرًا على السيرة التي كان معروفًا بها قبل النبوة، ومُنتهِجًا ذات السبيل الذي كان يسلكها، بل إنه يترقى في ذلك الخُلق وليس ينقلب عليه ولا يتنكر له، وله في ذلك الأقوال الكثيرة التي تذم الكذب وتحمد الصدق، فيخبر أن الكذب من علامات النفاق، وسيما المنافقين، كما الصدق من سيما من المؤمنين، وأن الكذب يقود أصحابه إلى النار كما أن الصدق يقود أصحابه إلى الجنة، بل إننا نجد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يبالغ في المباعدة عن الكذب مبالغةً عظيمةً على المستوى الشخصي، فنجده يحترز من الكذب حتى في المزاح الدعابة ويخبر أصحابه أنه مهما مازحهم وداعبهم - فلن يقول في مزاحه ودعابته إلا صدقًا وحقًّا، بل إن ليستعمل المعاريض البعيدة التي توهم السامع خلاف مراد المتكلم؛ تلافيًا للكذب الصريح إذا وُضِع في موقفٍ يترتب على الصدق فيه ضررٌ يلحق بالمسلمين، وذلك كما في قوله: "نحن من ماء" تعمية على الرجل الذي سأله ...

بل أظهر من الوفاء بالعهد مع الأعداء وفي أحلك الظروف - ما لا يكون إلا ممن تمكنت منهم فضائل الأخلاق واستحوذت عليهم كلَّ الاستحواذ، فإن الصحابي حذيفة بن اليمان ووالده -رضي الله عنه - قد خرجا يريدان شهود معركة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فصادف التقاؤهما بالجيش القرشي، ولما أراد القرشيون أسرهما حلف حذيفة وأبوه أنهما يقصدان المدينة وليس اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فتركهم القرشيون بعد أخذ العهود والمواثيق عليهما بعدم القتال مع المسلمين، ولما حضر الرجلان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبراه بتلك العهود المواثيق، طلب منهما الرجوع وعدم القتال معه، وقال كلمته المشهورة: "نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم"، وفي فتح مكة لما تأخر في إجابة طلب الأمان لرجلٍ مهدور الدم بُغية أن يقتله أحدهم قبل ذلك، ولما لم يفعلوا وأعطاه الأمان وحقن دمه، أخبرهم أن تأخره كان رجاء أن يقتلوه قبل منحه الأمان، فسألوه لِمَ لَمْ يغمز لهم بعينه، ليفهموا أنه يريد قتله ولا يريد الموافقة على إعطائه الأمان؟ قال لهم: «ما كان لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين»، وكان في مطلع وصاياه لأمراء الجيوش التي كان يرسلها في الغزو "لا تغدِروا".

والشاهد أننا نُلفي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على سيرته الأولى وطريقته المعهودة في ديمومة الأخلاق الحميدة وعلى رأسها الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وكل هذا يعني تأكيد الحقيقة الساطعة من أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قبل دعواه النبوة على حالٍ تسمح له أخلاقه وقيمه ومبادئه باختلاق دعوى النبوة من تلقاء نفسه، والوقوع في دنس خطيئة الكذب المنافرة كل المنافرة لمعهود أخلاقه ومُستقِر شمائله، وكذلك لم يحدث له تحولٌ أخلاقيٌّ يغير ذلكم الثابت المستقر من خُلقه وشمائله بحيث يقول القائل: قد كان صادقًا خلوقًا ثم ادعى النبوة وانتكست أخلاقه وترك الصدق، بل لم يزل صلى الله عليه وسلم ملازمًا للصدق والوضوح مجانبًا للكذب والخديعة حياته كلها ودهره أجمع، وليس هذا من شأن المتقوِّلين الكاذبين ولا هو من طريقة المخادعين الماكرين؛ فثبت أن ما ادعاه من النبوة وما زعمه من إرسال الله له - هو جارٍ على معهود حاله من الصدق والأمانة والشفافية والوضوح، فهو صادقٌ فيه كل الصدق أمينٌ فيه كل الأمانة.


يُتبع...










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-03-2022, 03:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (2)

د. علي حسن الروبي


الحلقة الثانية:

(الدوافع والأسباب المفترضة وراء ادعاء النبوة)


إذْ قد فرغنا من الكلام على أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم- وسيرته قبل البعثة ومدى مركزيتها في الدلالة على صدق دعوى النبوة، فإننا سنعرج هنا على جانب آخر له تعلق بقضية الصدق والكذب في دعوى النبوة، ألا وهو الدوافع والأسباب التي يمكن أن تحمل صاحبها على اختلاق دعوى النبوة، وهل هي موجودة في حال النبي محمد صلى الله عليه وسلم أم ليست موجودة؟

فمعلوم على أن المقْدِم على دعوى كاذبة خطيرة كادعاء النبوة لا بد أن يكون له من الدوافع والأسباب الحاملة له على الولوج في هذا الأمر الخطير، بل تلك الدوافع لا بد أن تكون متناسبة مع أعباء هذا الادعاء وما سيلقاه صاحبه من تحدياتٍ، وما سيبذله من تضحياتٍ.

إن مجازفة ادعاء النبوة كذبًا جريمةٌ ليست سهلة التنفيذ ولا سهلة التبعات ولا مأمونة العواقب ولا عارية من المخاطر ولا خالية من التضحيات الكبرى، بل هي كالسرقات الكبرى التي لا يقدم عليها إلا المجرم المحترف المغامر الطموح، وهو يعلم ما يكتنفها من أهوال ومخاطر ومصاعب، وما سيتبعها من نتائج، وأنها إما أن يكون فيها تغيير حياته إلى الغنى والثروة وإما أن يكون فيها حبل المشنقة، أو ظلام السجن حتى الموت.

إن كل ذي عقل صحيح سليم يجبره عقله على التفكر والتأمل في عواقب الإقدام على هذه المجازفة الخطرة وما سيجنيه منها من أرباح وما سيدفعه في سبيلها من كلفاتٍ، فيقدم ويضحي إذا ظن أن الأرباح أكثر، ويحجم إذا ظن أن جانب الخسائر أكثر، ولا يهمل تلك الحسابات والموازنات إلا الحمقى البين حمقُهم أو المجانين البين جنونُهم.

وإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، لقاضية برجاحة عقله وكمال فطنته، ومن ثَم فلا يبقى على إقدام عاقل مثله على ادعاء النبوة – إن كان كاذبًا في ادعائها- إلا أن تكون له من الدوافع والأسباب ما يجعله يجازف ويغامر بسمعته وشرفه بين قومه، ويعرض نفسه لويلات وتهلكات يستغني العاقل عن إيراد نفسه مواردها بلا مقابلٍ ولا عائدٍ.

فما تلكم الدوافع والأسباب التي يمكن أن تقف وراء ادعاء النبوة كذبًا في حق رجل تام العقل والفطنة والفضائل كمحمد صلى الله عليه وسلم؟

لا يخلو ادعاء النبوة كذبًا أن تكون أسبابه والبواعث عليه تحقيق مطامع مالية أو تحقيق مطامع سلطوية.

وكلاهما -أعني البحث عن مطامع مالية أو مطامع سلطوية- من الدوافع التي لا تكون وليدة اللحظة، بل هما كغيرهما من أهداف الإنسان وتطلعاته وأحلامه، نتِاج من نِتاج شخصيته وأخلاقه ومُثله وقِيمه وطريقة تفكيره ونظرته للحياة ومعايير النجاح والفشل فيها.

وإذا كان كذلك، فإننا نقول إن تطلعات الإنسان وأحلامه وطموحاته هي نتاج طبيعة شخصيته وأفكاره وأخلاقه، وهي كذلك أسبابٌ لتكوين أخلاقه وتشكلها بما يتوافق مع تلك الطموحات والمطامع والأحلام.

فصاحب طبعِ الطمع والجشع المالي الغالب على شخصيته أن يحمله ذلك الطبع والخلق على أن يلهث وراء المطامع المالية متى لاحت وأين لاحت، ولا يحجزه عن الوصول إليها حاجز من مشقةٍ أو مكارم أخلاقٍ حتى يصل إلى تلك المطامع أو ييأس من الوصول إليها. وفي ذات الوقت فإن استمرار مطاردة الإنسان للمطامع المالية ولهثها خلفها يعزز عنده خًلق الطمع ويقويه ويؤصله عنده بحيث يغلب عليه ويصبح هذا الخُلق القوي المتأصل قادرًا على توليد مطامع مالية جديدة عند صاحبه.

وهذا شأن جميع الأخلاق فاضلة كانت أو قبيحة؛ فممارسات الشخص للأعمال المواتية لأخلاقه هو نتاج لتك الأخلاق وهو كذلك باعث على تعزيز تلكم الأخلاق عنده وتقويتها. فهي علاقة تفاعلية كما أن الإيمان بالله تعالى يحمل أصحابه على التزود من الأعمال الصالحة، والتزودُ من الأعمال الصالحة يقوي الإيمان في قلوب أصحابها.

نعود إلى قولنا إن المطامع المالية والسلطوية لا تكون وليدة اللحظة عند الشخص، بل هي نتاج شخصيته وأخلاقه وأفكاره. فإذا نظرنا إلى شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- فهل نجد في أخلاق هذه الشخصية وسيرتها ما يدل على وجود المطامع المالية والسلطوية فضلًا عن رسوخها وغلبتها عليه حتى يكون ادعاء أمرٍ عظيمٍ خطيرٍ، كادعاء النبوة كذبًا، هو أحد أعراض تلك المطامع المالية والسلطوية وأبرز تجلياتها؟

إن صاحب المطامع المالية أو السلطوية لا ينفك عنه ذلك الخُلق ولا يقدر على كتمانه مهما حاول إخفاء ذلك، بل إن واقع الافتراض يقول: إن الباحث عن المال المتستر في بحثه عنه خلف دعوى قيمية أخلاقية هو كاذب فيها، سيكون مُراده الأول والأخير هو الوصول إلى تحقيق أهدافه المالية، ومتى انفتح أمامه الطريق إلى تحقيق أحلامه المالية سيسرع في ركوب تلك الطريق وعدم الحيدة عنها، غاية ما هناك أن يراوغ ويخدع مَن حوله أنه لا يفكر في المال وأنه ليس من غايته الأصيلة، أما اكتنازه المال وتضخيم الثروة، فأمرٌ لا بد من حصوله منه متى أتيحت أسبابه، وإلا كان وصفنا لإنسانٍ ما بأنه حريصٌ جشعٌ طماعٌ ونحو هذه الأوصاف ضربًا من العبث إذا كان هذا الشخص الموصوف بتلك الصفات لا يبالي بالمال إذا حصل له، بل لا يبالي بجمعه ولا يسعى في تحصيله.

وبتنزيل هذا التقرير على ما نحن بصدده من شأن افتراض وجود مطامع مالية أو سلطوية خلف ادعاء النبوة كذبًا، نقول:
لقد أوقفنا القارئ الكريم في المقالة السابقة على أخلاقه صلى الله عليه وسلم وطبائع شخصته وما اشتهر به بين قومه قبل البعثة، وأنها كانت على الغاية في الكمال الخلقي، بحيث إننا لم نجد خصومه الذين سعوا في إلحاق الضرر به بكل طريقٍ يعثرون في سجلات ماضيه الأخلاقية على ما يمكنهم تعييره به والتشنيع عليه بسببه، ونضيف هنا تأكيدًا بخصوص تلك "الأطماع المالية المفترضة" أنها لو كانت تلكم المطامع موجودة عنده ومتأصلة في شخصيته، فإنه لا بد أن يكون لها ظهور على تصرفاته وأفعاله كما أسلفنا في العلاقة التلازمية بين أخلاق الشخص وتصرفاته.

ذلك أنه لو كان الطمع عمومًا والطمع المالي خصوصًا خلقًا أصيلًا في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، لا نعكس ذلك على تصرفاته وأفعاله قبل البعثة ولَوُجِد منه ما يدل على ذلك، ولكانت أقرب تهمة يتهمها به الخصوم، مثلًا، أن يقولوا: "أيها الحريص الجشع، هل تذكر حين وقعتْ منك الخزية الفلانية بسبب جشعك وطمعك"؟

لكن شيئًا من ذلك لم يقع، ولسنا كذلك نجد في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم قبل دعوى النبوة ما يدل على لهثه وراء الأموال أو سعيه في تجميعها من كل طريق، بل نعلم إنه عاش صباه راعيًا أغنامَ عمه ثم مساعدًا له في التجارة، ثم مُشرفًا على تجارة خديجة - رضي الله عنها - حتى اختارته زوجًا لأمانته ولما توسمت فيه من نبيل الأخلاق وكريم الشمائل، وهي صورةٌ مغايرةٌ ومباينةٌ لصورة الرجل المولع بجمع المال واكتنازه، حتى يحمله هذا الولع على افتراء واختلاق فِرية كبرى لم يسبقها أحدٌ من قومه أو أسلافه إلى اختلاقها وافترائها.

فهذه شواهد (قَبْلية) على عدم صحة هذا الافتراض وعدم إمكانية وجوده أصلًا، ولو أغضينا الطرف عن تلك الشواهد، وتنزلنا مع هذا الافتراض (وجود أطماع مالية وراء دعوى النبوة)، فإننا لا بد أن نتساءل: أين الشواهد (البَعْدية) واللاحقة على صحته؟ وأين تجلياتها؟

فأما في المرحلة المكية للدعوة وهي ثلاثة عشر عامًا، فلا نجد فيها إلا الخسائر المادية الكاملة التي لحقت بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمنذ أن بدأ دعوته ترك العمل بالتجارة وتفرغ تفرغًا لدعوته، وكان الكتاب الذي يقول إن الله تعالى أنزله عليه يأمره بأن يقول للمدعوين الذي يخاطبهم للإيمان بدعوته ﴿ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الأنعام: 90]، ويكرر عليه ذلك بين الفينة والفينة، ثم لم تنته تلك المرحلة إلا عن حصار اقتصادي وعزل اجتماعي جائر ضد محمد صلى الله عليه وسلم وعشيرته كعقوبة قرشية لبني هاشم وبني المطلب لعدم تسليمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم للزعامة القرشية تقضي فيه قضاءها.

وبكل حال فالمرحلة المكية من الدعوة لم تكن موضعًا لتحقيق الطموحات المالية إن كان محمد صلى الله عليه وسلم لديه شيء من ذلك، بل كانت موضعًا لتجسد الأضرار المادية والمعنوية له ولأتباعه أيضًا.

ثم لننتقل إلى المرحلة المدنية؛ حيث بدأ صلى الله عليه وسلم في تأسيس دولة جديدة، وتغيرت كليةً الأوضاع التي كان يعيشها هو وأصحابه في مكة من الاضطهاد والتعذيب والخوف والمحاربة، وصارت للمسلمين دولة وغزوات وأموال، ونصطحب معنا سؤالنا: هل شهدت تلك المرحلة من حرص محمد صلى الله عليه وسلم على جمع المال واكتنازه أو التوسع في الثروة والزيادة في الممتلكات ما يمكن جعله شاهدًا على صحة افتراض وجود دوافع مالية وأغراض مادية كانت هي السبب في فرية ادعاء النبوة خلافًا للواقع ونفس الأمر؟

من المؤسف جدًّا أن مفترض هذا الافتراض لن يجد من شواهد تلك المرحلة - أي المرحلة المدنية - إلا ما هو ضد ذلك الافتراض ونقيضه، فإن المنقول إلينا من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة أنه منذ وصوله إلى المدينة وحتى وفاته كان مسكنه هو حجرات متواضعة، منخفضة السقف، في كل حجرة منها تسكن زوجة من زوجاته، ولم يتخذ المنازل الواسعة الجميلة فضلًا عن القصور ذات الخدم والحشم.

وظل محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية للمسلمين في المدينة وبعد أن تحسنت، وفُتحت الدنيا على أصحابه، ظل محمد -صلى الله عليه وسلم- على حالة واحدة من التقلل من الدنيا، وحالةٍ واحدةٍ من الفقر وقلة ذات اليد؛ حتى إنه حتى موته لم يشبع من الخبز الجيد، وكان يمر الشهر والشهران لا يجد أهل منزله من الطعام ما يوقدون عليه النار، وكان يسأل أهله في الصباح عن الطعام، فإن وجد أكل وإن لم يجد شرع في الصوم! وكان ينام على سرير له سيور تؤثر في ظهره حتى يرثي أصحابه له، والمنقول في هذا الشأن كثيرٌ مطردٌ متواترٌ دالٌّ على مدى التقشف والفاقة والبُعد التام عن الثراء المالي أو التنعم الدنيوي، بل قد مات محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد رهن درعه عند رجل يهودي مقابل طعام يشتريه لأهله!

كل ذلك كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يعيشه ويحياه، وهو هو نفس الرجل الذي سأله سائلٌ بعد حصول غنائم إحدى الغزوات، فأعطاه أعدادًا كبيرة من الأغنام تملأ ما بين جبلين، وهو هو نفس الشخص الذي يقف بعد غزوة حنين فيعطي رموز العرب وساداتهم المائة من الإبل لكل واحدٍ منهم، وتجتمع حوله الجموع الكثيرة تسأله بإلحاح وإكثار ليعطيهم من الغنائم، حتى تلجئه تلك الجموع إلى شجرة يتعلق رداؤه بها، فيعلن لهم كلمته الشهيرة (لن تجدوني بخيلًا ولا كذابًا)!

يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بعد هذه الغنائم واقتسام الأموال الهائلة خالي الوفاض، ويرجع إلى بيته ويمارس حياته السابقة، فيجوع يومًا ويشبع يومًا، ويجد الوجبة حينًا ويفقدها حينًا، هذا ولمحمد صلى الله عليه وسلم (نظريًّا) الخُمس من الغنائم، لكن هذا الخُمس (النظري) كما أخبر هو بنفسه (مردودٌ على المسلمين)، فيتحمل به الديون عن المدينين ويقضي به حاجات المحتاجين والسائلين، ولا يُبقي لنفسه ولا أهله بيته شيئًا.

فأين هي تجليات الدوافع المالية والاقتصادية التي كانت له وبسببها ادعى النبوة؟! ولماذا لم يحقق آماله وطموحاته المالية، ويتخذ القصور ويحوز الملذات ويتنعم بالدنيا، وقد واتته الفرصة لذلك بعد انفتاح الدنيا عليه وعلى أصحابه؟! ألم تكن تلك الغنائم الكثيرة التي كان يوزعها هنا وهناك، كفيلة بجعله من أثرياء العرب إن لم يكن أثراهم؟!

أين هي الكنوز وسبائك الذهب والجواهر والأحجار الكريمة التي تركها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - لورثته وقرابته؟! فلعل قائلًا يقول: كان يُقتر على نفسه ويجمع لورثته! إن التركة التي خلفها ذلكم الرجل الذي يعطي الأموال يمنة ويسرة وكأنها ليست الأموال التي يعرفها الناس ويسيل لعابهم من أجلها، إن تركة ذلكم الرجل ما كانت إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضًا بخيبر جعلها لابن السبيل صدقة!!

وإذْ قد بدا لذي اللب والإنصاف أن أي افتراض لوجود دوافع مالية وراء ادعاء النبوة ما هو إلا ضربٌ من الجهل والعبث، فلننتقل إلى الافتراض الثاني، ألا وهو افتراض وجود دوافع سلطوية كانت هي الحافز على ادعاء النبوة كذبًا، وهنا نعيد التذكير بما أسلفناه في أول المقال بأن الأطماع المالية أو الأطماع السلطوية المفترضة إن كانت موجودة شخصٍ ما ثم حملته على اقتراف جريمةٍ نكراء في حق الله وحق الناس كادعاء النبوة كذبًا، فهي ( أي تلك الأطماع) مرض متأصل في أخلاق هذا الشخص، قد تمكن منه كل التمكن حتى دعاه إلى الوقوع في تلك الجريمة من أجل الوصول إليه، فلا بد أن تظهر أعراض هذا المرض على تصرفات الشخص وأفعاله، ويكون لها الأثر الكبير في اهتماماته وأولوياته.

وبناءً على هذا، فعلينا أن ننظر في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل دعوى النبوة وبعدها، فلا ريب أن فيها ما يشهد على ذلك الافتراض بالبطلان أو يشهد له بالصحة، وقد تقدم القول عند معالجة الافتراض السابق أن سيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- تدل على أنه نشأ راعيًا للغنم في صباه ثم مساعدًا لعمِّه في تجارته ثم عاملًا في مال خديجة - رضي الله عنه - والتي أصبحت زوجته بعد ذلك.

وليس في أي من الحوادث المنقولة لنا قبل البعثة ما يشير إلى بحثه عن سلطة وسيادة، فلا نجد له أي محاولة من المحاولات التي يمكن أن نقول عنها: إنها كان الخطوة الأولى منه على طريق تحقيق أحلامه في السيادة والوصول إلى السلطة، لا نجد أي خبر يدل على ذلك، حتى لو كانت محاولة للوصول إلى سيادة قبيلته (بني هاشم)، فضلًا عن سيادة قريش بأكملها، فضلًا عن العرب بأجمعهم.

ذلك أن الذي يدعي النبوة كذبًا وبهتانًا ويقول للناس: إنه رسول لا لقريش وحدها ولا للعرب فقط، بل للعالم أجمع، لهو شخصٌ مريض بحُبِّ السلطة مرضًا قويًّا قد تمكن منه واستولى على تفكيره، حتى أوصله إلى ما يشبه أحلام اليقظة في التفكير وأبعده عن حقائق الواقع العربي وأنساه سنن الحياة من حوله.

أليس من الطبيعي أن ذلك الشخص المريض بحب السلطة والمهوس بها هوسًا جنونيًّا، حمله على دعوى النبوة كذبًا، تكون له محاولات سابقة على ذلك الادعاء للوثوب إلى السلطة والسعي إليها؟

إننا لا نعرف من سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما يتصل بالشأن العام إلا أنه حضر وهو غلامٌ مع أعمامه حرب الفجار، وأنه شهد حلف الفضول لنصرة المظلوم في دار عبد الله بن جدعان، كما شهده غيرُه من الرافضين للظلم والساعين لنصرة المظلوم، حتى حادثة وضعه الحجر الأسود عند إعادة بناء الكعبة، حينما تنازعت القبائل فيما بينها على مَن هو الجدير بحيازة هذا الشرف، لم يكن ذلك الشرف الذي ناله عن سعيٍ منه في الوصول إليه ولا لأنه وقتها كان من زعامات القرشية المشتهرة، بل وقع ذلك قدرًا عندما اقترح مُقترِحٌ أن يكون تحاكم المتنازعين إلى أول داخل من باب المسجد الحرام، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذلك الداخل، فاقترح عليهم وضع الحجر الأسود على ثوب لتتشارك كل القبائل في حمله، حتى إذا رفعوه قام هو بوضعه في موضعه، ولم يكن رضاهم بمقترحه ناتجًا عن مكانة سيادية له بينهم، وإنما كان لما هو مشتهرٌ به من حُسن الخلق وسلامة النفس والبُعد عن الخصومات والعداوات بحيث لم يكن بينه وبين أحدٍ ما يشنؤه لأجله.

فإذا ما تركنا مرحلة ما قبل البعثة، وفتَّشنا في المرحلة المكية بعد البعثة، فإننا سنجد فيها - فيما يتعلق بتحقيق الآمال السلطوية - نظيرَ ما وجدناه فيها بالنسبة لتحقيق الآمال المالية إن كان لواحدةٍ منهما وجود على الحقيقة، فلقد كان المرحلة المكية مرحلة الصراع غير المتكافئ مع قريش، ولم يكن أمام محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه سوى الصبر على الأذى القرشي واحتمال التنكيل والمضايقات وسائر أصناف الإيذاء والمضايقات.

إن تلك المرحلة لا تمثل انعدامًا لتحقيق أية تطلعات سلطوية فحسب، بل إنها كانت بمثابة التضييع للوجاهة الاجتماعية والشرفِ الذي كان قد حازه النبي -صلى الله عليه وسلم- بنسبه الهاشمي الباسق في قريش وبكماله الخُلقي الذي زاده شرفًا في قومه إلى الشرف المكتسب بالنسب والوارثة. إننا سنجد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ذا الهيبة الأخلاقية والوجاهة القبلية يتعرض لأصناف من الإيذاء والشتم والسخرية وما شاكل ذلك مما لم يتعرض له في حياته من قبلُ قط، بل لم يكن يقع مثلها لآحاد الناس ممن هم دونه في الشرف والمنزلة بمراحل، إنها أذية لا يتعرض لمثلها إلا أولئك الذين ضعف شأنهم جدًّا بين الناس فلا يؤبه لهم لهوانهم على الناس أو هوانهم على أنفسهم، وفوق ذلك فإن تلك الأذية الحاصلة لمحمد -صلى الله عليه وسلم- تأتيه من أعيان قريش وأشرافها كما تأتيه من رعاعها وغوغائها، فلقد كانت الدعاية القرشية تقنع الرأي العام المكي بأن الرجل قد جاء بما يتوجب معه استباحته كل الاستباحة والتفنن في النيل منه بكل سبيل.

أفلم يكن جميع ذلك مما لقيه محمد -صلى الله عليه وسلم- طيلة ثلاثة عشر عامًا زاجرًا له عن الاستمرار في الكذب المزعوم، ومجبرًا له على التراجع عن تلك الأهداف والأحلام السلطوية المفترضة؟!

ثم إننا إذا تركنا المرحلة المكية، وولجنا إلى المرحلة المدنية التي تغيرت فيها حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وأصبح للمسلمين شوكة ودولة، وهنا قد يقول القائل الذي افترض أن الأحلام السلطوية الشخصية هي التي تقف خلف ادعاء النبوة كذبًا: إن المرحلة المدنية تصلح أن تكون مرحلة جني ثمار وتحقيق لتلك الأحلام، فلقد صار محمد (صلى الله عليه وسلم) هو رأس الدولة الناشئة والآمر الناهي فيها، بحيث لم يعد أحدٌ ينازعه في تلك المكانة ولا يقاربه فيها.

فنقول: إن الشواهد لتدلنا على أن المرحلة المدنية وإنْ كانت قد أعطت محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من السلطة والمكانة ما لا مرية فيه ولا جدال، إلا أن تلك الشواهد لتدل كذلك على أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مُلتفتًا إلى ما يلتفت إليه الباحثون عن السلطوية فضلًا عن المهوسين بها حدَّ الجنون، فإننا قد سبق أن أشرنا إلى أن الهوس بالمال والهوس بالسلطة أمراضٌ لا بد من ظهور أعراضها على أصحابها، والقارئ يقف بنفسه يوميًّا على صحة ذلك عبر ما يلمسه من تصرفات بعض الناس من حوله التي تنادي بأعلى صوتها على هوس أصحابها بالسلطة أو بالمال أو بالشهرة والصيت.

وأنت- أيها القارئ- إذا نظرت في سيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- في المرحلة المدنية، لم تجده شيد قصرًا يمارس فيه مظاهر السلطوية، ولا حتى اتخذ مجلسًا خاصًّا بذلك على عادة أهل الرياسة والزعامة، ولا كان الرجال يقفون عند رأسه وهو جالس على الطريقة المعتادة عند الملوك وأهل الإمارة، بل لم يكن يتميز عن جلسائه بأي مظهر من مظاهر التميز، حتى إن الأعرابي الغريب كان يدخل عليه وعلى أصحابه المجلس، فيسأل: أيكم محمد؟!، وكان ينهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم، وكان يشتري حاجته من السوق بنفسه، ويساعد أهل بيته في مهنتهم إذا لم يكن عنده ما يشغله، وكانت الأَمة من جواري المدينة تأتي فتأخذ بيده وتذهب به حيث شاءت؛ ليساعدها في بعض المهام التي طُلِب منها تنفيذُها! ورأى صاحبه معاذ بن جبل طريقة تعامل الناس مع أمرائهم وملوكهم في الشام، وأنهم يسجدون للملك عند الدخول عليه، فحاول نقل تلك العادة إلى مجتمع المدينة، فسجد للنبي -صلى الله عليه وسلم- عند لقائه به كنوع من التحية، فنهاه عن ذلك، إلى غير ذلك من عشرات التصرفات والأفعال التي تقطع ببُعد صاحبها عن السلطوية، وعدم اكتراثه بها، فضلًا عن أن يكون مهوسًا بها هوسًا دعاه إلى اختلاق فرية النبوة سعيًا وراءها وطلبًا لتحصيلها.

وبعد، فقد ظهر بينًا أن افتراض وجود دوافع وأغراض مالية أو سلطوية تقف خلف ادعاء محمد -صلى الله عليه وسلم- النبوة كذبًا، لهو ضربٌ من الافتراض من أبعد ما يكون عن العقل، ومن أشد ما يكون مجانبة للصحة والحقيقة، وأنه سيرته وأخلاقه وسيرته قبل البعثة وبعدها ليس فيها إلا ما يشير إلى ضد ذلك الافتراض ونقيضه ومقابله، وما يجعل ذلكم الاحتمال ضربًا من الكذب والتخرُّص.

يتبع.......


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-06-2022, 08:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (3)

د. علي حسن الروبي






الحلقة الثالثة (أخلاقه وسيرته بعد البعثة)



تكلَّمْنا في المقالة الأولى عن أخلاقِ النبي صلى الله عليه وسلم وسيرتِه قبلَ البَعْثةِ ودعوى النبوَّةِ، وكيف أن المتبصِّرَ فيها بإنصاف سيعلم يقينًا أن تلك الأخلاقَ لا بُدَّ أن تحجِز صاحبَها عن الكذب، ولا سيما في كذبة كبرى كافتراء النبوَّة، ونتكلَّم في هذه المقالة عن أخلاقِه وسيرتِه المنقولةِ لنا بعد بَعْثَتِه، وهل يمكن أن يكون صاحبُ تلك الأخلاقِ قد كذب في ادِّعاء النبوة، واستمرَّ على كذبته تلك حتى وفاتِه كما يقوله الخُصُوم؟

إننا لنحاول هنا أنْ نلفت الانتباهَ إلى أهمية تلكُم الصرامةِ الأخلاقيةِ المتكاملةِ التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حياتِه وسيرتِه والتي استمرَّ على استعمالها مع الصديق والعدوِّ، ومع القريب والغريب، ومع الضعيف ومع القوي، وفي داخل بيته وخارجه، وفي حَضَره وسَفَره، وفي صحَّتِه ومَرَضِه... وإلى أيِّ مدى تدُلُّ على صِدْقه في دعوى النبوَّة.

وإننا لنقطع أنَّ مثل تِلكُم الصرامةِ الأخلاقيةِ وذلكُم الكمالِ الأخلاقيِ يستحيل أن يكتسبهما كذابٌ مُفْترٍ، كما يستحيل أن يقتدر صاحبُهما على ضمِّ الكذب إليهما؛ فيكون الجميعُ من جملة أخلاقِه وصفاتِه.

ذلك أننا نعلم أن الإنسانَ الكاذبَ لا بد أن تُخالِفَ أقوالَه أفعالُه؛ فنجده يدعو غيره إلى الجُود، لكن مَنْ يعامله يكتشف أنه بخيلٌ، أو يدعو غيرَه إلى العِفَّة والطهارة ومَن يخالطه ويُداخله يجد فيه تهتُّكًا وانحلالًا، أو يدعو الناس إلى الزهادة في الدنيا والتقلُّل منها ومَن يطلع على خاصة شأنه سيجده يكنِز الأموال ويسعى في طِلابها، أو يدعو إلى الرحمة بالناس وإعطائهم حقوقَهم ومن يعامله في تجارة أو إجارة ونحوها يجده ظالمًا للناس آكلًا لأموالهم بالباطل... وكل هذه الألوان من أطياف الكاذبين المتاجرين بالقيم والفضيلة لا يخلو منهم زمانٌ ولا مكانٌ.

بيد أننا لم نسمع قط ولن نسمع أبدًا بكاذبٍ تسير أفعالُه مع أقوالِه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، ويتسق ما يدعو إليه غاية الاتساق مع ما يقوم به.

ولهذا فإن استمرار محمد صلى الله عليه وسلم على ما كان معهودًا عنده من فضائل الأخلاق ومكارمها، بل وترسُّخها فيه ووصوله إلى بلوغ غايتها وذُرْوة سَنامِها ينسِفُ افتراضَ كذبِه في دعوى النبوَّة.

وإنَّ كُلَّ ذي مَسْحةٍ من العقل لَيَعْلَم يقينًا أن استمرار شخصٍ ما في الكذب في ادِّعاء النبوة مدةَ ثلاثةٍ وعشرينَ عامًا، والافتراء على الله ونَحْل ما يقوله إليه، وأنه وحيٌ من عند الله لا من قِبَل شخصه، مع استمراره في نفس الوقت على الكمال الأخلاقي بين أصحابه ومَن حوله من الناس وتفرُّده عنهم في ذلك، لا سيما خُلُق الصدق، لهو ضَرْبٌ من المُحالات التي لا وجود لها في دنيا الناس، واجتماع الحوت والضَّبِّ، والثُّريَّا وسُهَيل، لهو أولى بالقَبُول والتصديق من اجتماع هذين الأمرين (الكمالِ الأخلاقي والكذبِ) في شخصٍ واحدٍ في زمانٍ واحدٍ.

هل يمكن لرجلٍ كاذبٍ طاوعَه ضميرُه الفاسدُ أن يختلق كذبةً في غاية الخِسَّة والدناءة الأخلاقية، ويعيش بقيةَ حياتِه مخادعًا للناس بها مفتريًا على الله فيها، ثم نفس هذا الرجل- هو هو- يقضي بقيةَ حياته كذلك يتحاشى الكذب على الناس من حوله، العدوِّ منهم قبل الصديق، والخَصْمِ قبل الحبيب، والبعيدِ قبل القريبِ، والصغيرِ قبل الكبيرِ؟!

هل يستطيع عاقلٌ أن يُصدِّق أنَّ الشخص الذي يكذب على الله وعلى الناس يوميًّا، هو نفس الشخص الذي يتحاشى الكذب ويتحاماه في سائر أموره وشئونه حتى في المِزاح، ويُنزِّه نفسَه عنه، ويستعمل المعاريضَ من الكلام؛ اجتنابًا للوقوع في صورة الكذب، ويقول: أنا أمزَح ولكن لا أقول إلا حقًّا؟!

كيف يجوز أن يكونَ الرجلُ المستهجِنُ للكذب قولًا وفعلًا، المُشنِّعُ على الكاذبين، الذامُّ لهم، المُقيمُ على الصدق في مجريات حياته وسائر شؤونه مع الناس مع حوله- هو ذات الرجل المُقيم والمُصرِّ على الكذب على الله وعلى الناس بادِّعاء النبوة وتنزُّلِ الوحيِ عليه بين الفَيْنةِ والفَيْنةِ؟

تأمَّل- أيُّها القارئ- وأنْعِم النظرَ جيدًا في حال هذا الرجل الذي ترصُد عيونُ مَن حوله كلَّ حركة من حركاته وكلَّ بِنْتِ شَفَةٍ ينطِق بها، هذا الرجلُ الذي نُقِل من تفاصيل حياتِه وأحوالِه ودقائقِ شئونِه الشخصيةِ وأقوالِه وأفعالِه ما لم يُنقَل مثلُه عن أيِّ إنسانٍ آخر في العالم كُلِّه قبله ولا بعده.

أيجوز أن يتمكَّن هذا الرجلُ المفترَض أنه مستمرٌّ في جريمة الكذب على الله وعلى الناس- من الإفلات من كل ( كاميرات) الرصد والمراقبة المتمثلة في عيون الأصحاب والمرافقين الذين يعتقدون نبوَّتَه، ويرصُدون كلَّ حركاته وسكناته وينقلونها إلى غيرهم؟

كيف استمرَّ على الصدق، بل وأعلى درجات الصدق في شئونه اليومية والحياتية مع مَن حوله مع تقلُّب الأيام وتبدُّل الأحوال، وهو الذي يفترض الخصوم فيه أنه شخص في حضيض الحقارة الإنسانية مُتوشِّح بالكذب على الله وخِداع الناس في ادِّعاء النبوة؟!

هل في مقدور كاذب مفطور على الكذب بل أقبح درجات الكذب أن يعيش حياته اليومية مع الناس ملتزمًا بأعلى درجات الصدق في الحديث جِدًّا وهَزْلًا، حَرْبًا وسَلْمًا، غضبًا ورِضًا، خوفًا وأمْنًا، غِنًى وفَقْرًا؟!

إنه يمكنك أن تتكلَّف خُلق الصدق أو الكرم أو الشجاعة أو العفو أو غيرها من أمهات الفضائل الأخلاقية مرة أو مرَّتين أو حتى مرات معدودة، وإنْ كان طبعك بضدِّ ذلك، لكن لا يمكنك أن تتكلَّفَها في جميع الأوقات ما لم تكن من صميم طِباعك؛ فإن الطباع غالبة على التطبُّع، وما أصدق قول أبي الطيب المتنبي:
وأسرعُ مَفْعولٍ فعلْتَ تغيُّرًا
تكلُّفُ شيءٍ في طِباعكَ ضِدُّه



لا جرمَ أنه ليس بمقدور محمد صلوات الله عليه أن يعيش حياتَه اليومية على الصدق والذُّرْوة الرفيعة منه، إنْ لم يكن الصدقُ طبعَه وخلقَه الأصيلَ وسجيَّتَه الفطريةَ.

فإن قال قائل لا يحترم عقلَه ولا عقولَ الناس: إن الذي نقل إلينا ما نُقل من أخلاق محمد صلوات الله عليه هم المسلمون المتَّبِعون له، فنقلوا لنا صورةً جميلةً، ولا مانع أن يكون الواقع بضدِّها في نفس الأمر.

والجواب:
إنه مع غضِّ الطَّرْف عن طريقة نقل الأخبار عند المسلمين وتوثيقها ووجود علمٍ كاملٍ أنشأه المسلمون خِصِّيصَى لغربلة الأخبار وفرزها وهو ما لم يوجد عند أمة غيرهم، مع غض الطرف عن ذلك إلا أننا نقول: لو كانت هناك وقائعُ وحوادثُ تدلُّ على وجود الكذب أو غيره من مساوي الأخلاق في الشخصية المحمدية، لنقلَتْها الرواياتُ لنا كما نقلت لنا بعض ما يشوش به الخصوم ويعتبرونه مطاعنَ على الإسلام ورسوله، ولذلك أمثلة منتشرة مشتهرة، وهي الشُّبهات التي يستغلُّها أعداءُ المسلمين ضدَّهم في التنفير من الإسلام والتشكيك فيه، ولولا وجود روايات تدل عليها، لما كان لتلك الشُّبهات وجودٌ أصلًا.

هذا جانبٌ، والجانب الآخر أن ذلك الافتراض يغفُل تأثيرَ وجودِ الكذبِ ونحوه من رذائل الأخلاق في المحيطين بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان الانحراف الأخلاقي المفترض موجودًا، لكان داعيًا لنفور مَن يدخلون في الإسلام إذا اقتربوا من محمد صلى الله عليه وسلم، وعاينوا أخلاقه ورأوا المفارقة والمنافرة بين ما يدعوهم إليه وما يمارسه هو على الجانب الشخصي من حياته.

أيعقل أن يكون جميع أولئك الذين أحاطوا واقتربوا منه وصَحِبوه ولازَموه، لم يكن لدى بعضهم من التمييز ما يلاحظون الانفصام في شخصيته بين أقواله وأفعاله، وبين دعوته وواقعه؟!

أم تراهم كانوا جميعًا على درجة من الانتهازية و(البراجماتية)، بحيث إنهم يغضُّون الطرف عن ذلك؛ ابتغاء المصالح الشخصية في صحبة محمد صلى الله عليه وسلم؟! ثم أين هي تلك المصالح، وأكثرهم تغيَّرت حياتُه بإيمانه بمحمدٍ واتِّباعِه له والتحاقه به، من الخوف إلى الأمن، ومن الثراء إلى الفقر، ومن الوطن إلى الاغتراب؟!

ثم كيف يكون ذلك مقبولًا وأصحابُه كانوا مختلفي النزعات النفسية والسلوك الشخصي، وفيهم مَنْ شخصيتُه جريئةٌ صريحةٌ لا تقبل التلوُّن، ولا تعرف المحاباة، ولا ترضى بالمهادنة والملاينة إذا ظهر أمامها ما تعتقد خطأه وقُبحه، كشخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذلكم الرجل الجسور على الإنكار والاعتراض لما يراه خطأً، ولقد نقلت لنا كتبُ السِّيَر والأخبار اعتراضَه على بعض الأمور التي لم يظهر له وجهُ صحَّتِها.

فشخصيةٌ عملاقةٌ جريئةٌ مُهابةٌ كعمر، هل كان يقبل الاستمرار في اتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم إنْ كان عنده تناقضٌ بين ما يدعو إليه الناس وبين ما يُمارسه في حياته اليومية؟!

ما الذي يدعو شخصيةً زاهدةً في الدنيا بل مُبالغة في الزهد والتقشُّف إلى درجة تكاد تقترب من الغلو كأبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه وأمثاله من زُهَّاد الصحابة المُنْزَوِيْنَ عن الدنيا ونَعِيمِها إلى مصاحبة رجلٍ يفعل في حياته اليومية ومعاملاته الشخصية خلافَ ما يدعوهم إليه ويحضُّهم عليه؟! وتِلْكُم شخصيات ما كانت تتطلع لشيء من الدنيا أصلًا، ولم يحصُل لها من المال أو المنصب طول حياتِها قليلٌ ولا كثيرٌ؛ ليقول القائل: إنها كانت تصحَب محمدًا وتسكُت عن الازدواجية التي تراها فيه؛ ابتغاء حَظِّها من الدنيا.

بل إننا نجد أولئك الذين آمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم قد بهرهم قربُهم منه، وزادهم حبًّا له، وتعلُّقًا به، بعد معاينتهم لكماله الأخلاقي، وقد جرت العادةُ أن اقتراب الجماهير المُحبَّة من الحياة الشخصية لمن يُعظمِّونهم من الأعْلامِ والرُّوَّاد، يُزهِّدُهم في أولئك العظماء؛ نظرًا لما يكشفه القربُ من الحياة الشخصية من النقص البشري عند أولئك المُعَظَّمين، بينما الذي نجدُه في حالة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو العكس، وأنَّ الحُبَّ الكبير والافتتان العظيم بشخصيته ناتجٌ عن الاقتراب الشديد من شخصيته وليس عن مجرد الصورة الكمالية المتناقلة عن شخصيته.

ثم إننا نعود ونقول في لازم الأخلاق الأخرى للشخصية المحمدية مثل ما قلناه في خُلُق الصدق فيها، وأنَّ من يعيش حياته واصلًا إلى الغاية الرفيعة من الكرم والجود والإيثار على النفس، ويبقى على حالةٍ واحدةٍ في تِلْكُم الشمائل مهما تقلَّبت عليه الدنيا من سَعةٍ أو ضيق، لا يمكن أن تكون نفسُه منطويةً مع تلكم الشمائل النبيلة على رذيلة الكذب على الله وخِداع الناس.

وأنَّ مَن كانت أخلاقُه في الذُّرْوة من العفو عن الناس، والصفح عنهم، والتسامح معهم، والرحمة بهم، والشفقة عليهم، والحرص على إيصال الخير لهم، مستعملًا تلك الشمائل مع أعدائه قبل أحبابه، ومع الغرباء عنه، ومع أهله سواءً بسواءٍ، لا يمكن أن يكون قلبه الحائز على تلكم الطهارة قد اشتملت جوانبُه على رذيلة الكذب على الناس والافتراء على رب الناس.

وأنَّ من يُضرب به المثل في الوفاء بالذمة وحفظ العهد للصديق والعدو والأقرب والأبعد، لا يمكن أن يكون هو هو ذلك الشخص الذي تستبطن نفسُه غايةَ الخيانة والخديعة بادعاء النبوة كذبًا.

وأنَّ مَن ثبَت- بالمعاينة لمعاصريه وبالتواتُر لمن لم يعاصره- كمالُ زُهْدِه في الدنيا، وانصرافُه عن مُغْرياتها، وانزواؤه عنها، وعدمُ اكتراثه بملذَّاتِها، وأنه قد عاش حياته يجوع يومًا ويشبع يومًا، وأنه بقي على تلكم الحال كُلَّ حياته حتى فارق الدنيا، وهو الذي كان يُوزِّع أموال الغنائم على الناس، ولا يكتنِز شيئًا من الأموال لا لنفسه ولا لورثته، ولا يبني القصور الفخمة، ولا يستعمل المواكب الملكية المهيبة، ولا يحيا حياة الملوك ولا الأمراء ولا حتى رؤساء القبائل والعشائر... أقول: أيكون ذلكم الذي اكتمل فيه الزهد في بهارج الدنيا وزخارفها وأموالها ورياستها وطلب العلو فيها- هو نفس الشخص الذي ادَّعى النبوة كذبًا على الله وخداعًا للناس؟!

ألا يسأل سائلٌ من خصوم محمد صلى الله عليه وسلم نفسَه: لماذا ادَّعى محمدٌ النبوة كاذبًا (حاشاه)؟ ومن أجل ماذا خادع الناسَ وافترى على رب الناس، إنْ كان سيحيا طول عمره زاهدًا قانعًا في الدنيا مُعرِضًا عنها؟!

هل يقبل العقلُ السليمُ التصديقَ بإقدام شخصٍ على تلكم الشناعة والجريمة النكراء- ادِّعاء النبوة- بلا أهدافٍ ولا دوافعَ ولا مآرب ولا مصالح مالية ولا رئاسية يستمتع بها في حياته ويلتذُّ بحصولها في مُقامه في الدنيا؟ أم يبلُغ الهزل بالعقل مَداه فيفترض الخَصْم أنه (حاشاه) تبرَّع بتلك الكذبة مجانًا بلا أغراضٍ ولا مآرب!

فإن قال ذلك القائل: بل حصل له غرضه وهو أن يدعوه الناس بالنبي والرسول. وهذه رياسة أيَّما رياسة!

قلنا: مدعي النبوة كذبًا ابتغاء نيل الجاه عند الناس والتعظيم له منهم- إنسانٌ مريضٌ بداء النقص في الشخصية، وإنما يحاول تعويض نقص نفسه بحصول التعظيم والثناء عن طريق اختلاقه تلك الكذبة العريضة؛ ولذلك فمثل هذه الشخصية المريضة لا يمكن أن تصبر على عدم حصول مقصودها من الثناء والتعظيم والجاه عند الناس؛ لأنها به تدفَع شعورها الذاتي بالنقص والمهانة، فإذا حصل مقصودُها من التعظيم والمدح والجاه، حصل لها الرِّضا عن النفس والسكون، وإذا لم يحصل لها مقصودُها تعذَّبَتْ وتألَّمَتْ.

وإننا إذا نظرنا في حال محمدٍ صلى الله عليه وسلم سنجده ظلَّ مدةَ ثلاثةَ عشرَ عامًا بمكةَ لا يدعوه بالرسول والنبيِّ إلا طائفةٌ صغيرةٌ مستضعَفةٌ من الناس، بينما عمومُ الناس ووجهاؤهم يدعونه بالكذَّاب، والمجنون، والساحر.

فهل يمكن أن تَقنَع الشخصيةُ المريضةُ الانتهازيةُ بمثل هذا، وتكتفي به، وتقبل أن تُلاقي في سبيله كلَّ ما لاقاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من اضطهاد وعناء؟!

هل يَقنَع الشخصُ المريضُ بحبِّ الجاه والرياسة أن يكون المُصدِّقون له في ادعاء النبوة شِرْذِمةً أكثرُها من العبيد والضعفاء ممن لا يُؤبَه بهم، وأن يكون المكذِّبون له والمُتِّهمون له بالجنون والخبل هم أصحاب الجاه وأرباب الرياسة والسُّلْطة؟

هل يمكن للشخصية الانتهازية المريضة أن تصبر- ولسنوات طويلة- على تقديم التضحيات الكبرى؛ من تعريض النفس للأذى والقتل، فضلًا عن فقدان الجاه الاجتماعي في مكة، ومعاداة ساداتها وسائر أهلها وسائر العرب من حولها، وأن يتحوَّل الإنسانُ ذو الهيبة والمنزلة والوجاهة الذي كان يُدعى بالأمس بالصادق الأمين، إلى ذلك الإنسان الذي يُدعى بالكذَّاب والمجنون والساحر، والذي يتضاحك الناسُ ويتغامزون عندما يمُرُّ بهم؛ استهزاءً به وسخريةً منه، والذي يصل به الحال أن يذهب إلى (الطائف) داعيًا أهلها، فيكون من شأنه حين يخرُج منها أن يصطفَّ صبيان وسفهاء (الطائف) على جانبي الطريق يقذفونه بالحجارة وهو يُسرِع في الهرب منهم كما يفعلون بالمجانين؟!

أبمثل هذا تكون الشخصيةُ الانتهازيةُ المريضةُ المهووسةُ بحب الثناء وحصول الجاه والتعظيم قد حققت غرضها، ووصلت إلى مآربها؟!

إن طريق محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مفروشًا بالورد، بل كان مليئًا بالأشواك الغليظة التي لا يقدر على احتمالها إلا صادقٌ واثقٌ من نُبْل ما يقوم به وسمُوِّه فوق جميع الأهداف الدنيوية الصغيرة، وأنه لا يستنكف أن تذهب هيبتُه ووجاهتُه ومنزلتُه الاجتماعية ومالُه بل وروحُه في سبيل إيصال دعوته إلى الناس، غير مبالٍ بما يقدمه من تضحيات، ولا بما يُلاقيه من مخاطر وأهوال.

والحقُّ الذي لا ريبَ فيه أن مخاطر وأهوال الطريق الذي سلكه النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت من الشدة والقوة، بحيث يكون من العبث والاستهزاء بعقول الناس افتراضُ وجودِ غرضٍ ماليٍّ أو سياسيٍّ هو المُحرِّك له لاقتحام تلك الأهوال والمخاطر والصبر عليها.

وبعد:

فأخلاقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وسيرتُه بعد البَعْثة كما هي قبلها لا تدُلُّ إلا على صِدْقه، وهي أخلاقٌ يستحيل على كاذب أن يبلُغَها؛ استحالةَ العَدْوِ على الأشلّ، واستحالةَ الكلام على الأبْكَم، واستحالةَ السَّمْع على الأصَمّ، كلا! إنها أخلاقٌ لا يبلُغُها إلا نبيٌّ صادقٌ من خِيرة الأنبياء، بل لا يبلُغُها إلا خِيرتُهم.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-08-2022, 11:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (4) (مكانته ومنزلته في رسالته)

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (4) (مكانته ومنزلته في رسالته)
د. علي حسن الروبي

إذا كانت أخلاقُ محمد - صلى الله عليه وسلم - وسيرته من براهين صدقه، فكذلك المنزلة التي يتبوَّأها محمد - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام هي من دلائل صدقه.

وقد تقدَّم في المقالات السابقة بيان أن الكاذب في ادعاء النبوة لا يخلو أن يكون ادعاؤه تقف وراءه إما أغراض مالية أو أغراض تتعلق بالمجد الشخصي الذي يريد الكذاب أن يبنيَه لنفسه، متخذًا دعوى النبوة كذبًا سُلمًا لذلك.

وأشرنا في تلكم المقالات كذلك إلى أن واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يساعد خصومَه على رميه بتلك التهمة، (ادعاءً النبوة كذبًا لأجل مجدٍ شخصي أو غرضٍ مالي).

وفي هذه المقالة نبيِّن كيف أن نفس منزلة محمد - صلوات الله عليه - ومكانته في الكتاب الذي قال محمد - صلى الله عليه وسلم - للناس: إن الله تعالى قد أرسله به، وفيما ذكره محمد عن نفسه، لهي خيرُ شاهدٍ على صدق محمد - صلوات الله عليه - في دعوى النبوة وعلى براءته من الكذب فيها.

وآية ذلك أن مدعي النبوة كذبًا إنما يعينه جاهه الشخصي ومجده الخاص الذي من أجله اخترع كذبة النبوة، فلا أقل أن تكون منزلته ومكانته في دعوته المخترعة تلك قريبًا من مكانة الإله، وما دام ذلكم الشخص الكاذب قد نجح في إقناع الناس من حوله أنه رسولٌ من عند الله، وأنه يأتيه وحي الله، وأنه مؤيد بالمعجزات، فما الذي يحجزه - والافتراض أنه كاذب في كل ذلك - أن يرتقي في دعواه بأنه يدَّعي أنه هو الإله أو ابن الإله، أو أن فيه شيئًا من صفات الإله، أو أن الإله خوَّله في مصائر الناس، أو أوكل إليه تصريف شؤون الكون، أو غير ذلك من النعوت التي ترفع صاحبها عن مرتبة البشرية والإنسانية إلى رتبة الإلهية؟!

وإذا كان ذلكم الشخص المدعي للنبوة كذبًا قد نجح - مستخدمًا الخوارق من السحر والشعوذة ونحوهما - في إقناع الناس أن تلك الخوارق هي معجزات له من الله، وأنها براهين نبوته، فلمَ لم يجعل نفس تلك الخوارق من الشعوذات والسحر التي سماها معجزاتٍ دليلًا على إلهيته؟! فالأمر واحدٌ والباب مطردٌ، فتكليم الجمادات له أو تكثير الطعام القليل، أو نبع الماء من بين الأصابع أو الإخبار بما نفوس الآخرين وعما يكون في الغد، لهو صالحٌ كدليلٍ على الألوهية كما كان صالحًا كدليلٍ على النبوة، ولا فرق بينهما، إذا افترضنا أن فاعل ذلك كاذبٌ في الحالين، فإن من خُدعوا بتلك الشعوذات والسحر وصدقوا صاحبها على أنه نبي، لهم مستعدون كذلك للانخداع بكونه إلهًا أو فيه بعض صفات الإله.

فإذا أضفنا إلى ذلك البيئة التي نشأ فيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وحال العرب الذين وجَّه إليهم دعوته؛ حيث كانوا أقوامًا وثنيين يعبدون الأصنام والأحجار، ويجعلون تلك الأصنام بمثابة الشفعاء المُقربين عند الله الذين تؤدي عبادتهم والتقرب إليهم إلى الوصول إلى مرضاة الله الخالق للكون، فإن بيئةً كهذه ما أيسر أن تُصدق في إنسانٍ صاحب خوارق أن له طبيعةً إلهية أو أن له حظوةً عند الإله خوله بسببها في تصريف شؤون الكون، وأنه صار يملك الضر والنفع، على نحو ما كان يعتقد أولئك العرب في الأوثان والأصنام، وأنها تضر وتنفع لما حباها به الإله وأوكَله لها من تصريف الأمور.

ففي تلك البيئة المذكورة لا تكون مهمة رجلٍ معه خوارق يدعي أنها براهين على شِركته في الألوهية واستحقاقه للعبادة، بأصعب ولا أعسر من مهمة رجلٍ معه تلك الخوارق، ويدعي أنها معجزات وبراهين على صدقه نبوته.

ولا يعترضن معترضٌ بأن تصديق الناس بادعاء الألوهية أبعد من تصديقهم بادعاء النبوة، فليس المقصود ولا المطلوب هو ادعاء الربوبية أو الألوهية العامة التي تنفر من تصديقها الطبائع، بل يكفي في ذلك ادعاء بعض صفاتها أو الصلة مع الإله الأعظم، على ما كانت تقرِّره العرب لآلهتها المتخذة أو تدَّعيه النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام، كما يكفي فيه أيضًا ادعاء أمورٍ أو المطالبةُ بحقوقٍ يحصل بها التأليه العملي، وإن لم يُصرح بالتأليه النظري، كما هو الأمر في حال الكهان والأحبار والرهبان الذين يغفرون الذنوب، ويُعطون الصكوك بها ويُقطِعون أفنان الجنة، ويحرمون ويحلون كما يشاؤون.

هكذا يملي المنطق (البراجماتي) النفعي فيما ينبغي أن يفعل الكذاب المدعي في بيئة تساعده على تصديقه فيما يدعي، وأن عليه أن يستثمر تلك البيئة في رفع نفسه إلى أقصى درجة يستطيع خداع الناس بوصوله إليها وحيازته لها، وأن يستغل كل فرصةٍ ويستثمر كل حدثٍ لتأكيد تلك المنزلة، وأن يفتح كل سبيلٍ أمام الأتباع لإيصاله إلى أبعد نقطة في تعظيم شأنه ورفع قدره، لا سيما في ذلكم الوقت الذي يتتابع الناس على التصديق به ويزداد مؤيده وينحسر مُكذبوه ومُعادوه.

بينما إذا نظرنا إلى حال محمد - صلى الله عليه وسلم - والمكانة والمنزلة التي يتبوأها في الدعوة التي دعا الناس، سواء ما جاء من ذلك في القرآن الكريم، أو في أحاديثه النبي صلى الله عليه وسلم، نجد كل ما يعارض ذلك ويُباعد منه، بل ويقطع كل الطرق أمام حصوله، فأما القرآن فآياته متضافرة على التنصيص على بشرية محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ذو طبيعة بشرية لا إلهية ولا ملائكية ولا جنية، وأنه ليس إلهًا ولا ابنًا للإله، ولا متحدًا بالإله، ولا شريكًا للإله في الألوهية والربوبية، ﴿ قُلْ إِنمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَي أَنمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [الكهف: 110].

وأنه لا يملك لغيره نفعًا ولا ضرًّا ﴿ قُلْ إِني لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِني لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلا بَلَاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾ [الجن: 21 - 23].

ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرا إِلا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسنِيَ السوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188].

وأنه لا يعلم من الغيب إلا ما أخبره به الله عن طريق الوحي ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِني مَلَكٌ إِنْ أَتبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَي ﴾ [الأنعام: 50].

وأن وظيفته ومهمته في الحياة ليست هي محاسبة الناس وإدخالهم الجنة أو النار، بل وظيفته هي وظيفة مَن سبقوه من المرسلين، إبلاغ رسالة الله تعالى إلى خلقه فحسب ﴿ وَمَا مُحَمدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسُلُ ﴾ [آل عمران: 144].

وأنه ليس إلا نذير من عند الله للناس ﴿ إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر: 23]، ﴿ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الشعراء: 115، 116]، ﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46].

وأنه لو فُرض أنه لم يكن هو الرسول المبعوث إلى أهل مكة، لكان غيره سيقوم بمهمته ﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 16]، (ففي بعض القراءات «ولأدْرَاكم» بلام داخلة على «أدْرَاكم»، قال العلماء: والمعنى: ولأعْلَمكم به من غير وساطتي: إما بواسطة ملكٍ، أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصنِي بهذه الفضيلةِ).

وأنه عرضةٌ للموت أو القتل كسائر البشر، وأن من يربط إيمانه بالله تعالى بحياة محمد فقط، فقد خسرت صفقته، ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].

وبالجملة فتتبع ذلك في القرآن تصريحًا ومنطوقًا، أو إيماءً ومفهومًا يتعذر، وما المذكور آنفًا إلا أمثلة من المنطوق الصريح، فكيف إذا أضيف إلى ذلك قضية العتاب القرآني لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهي خيرُ دليل وأصدق على ما نحن بصدده هنا، فإن الكذاب الدعي إذا ألف كلامًا من جهة نفسه، وادعى أنه وحي إليه من عند الله، فمن الجنون أن يجعل في ذلك الكتاب الذي اخترعه وافتراه ما فيه ملامة وعتاب له، وما يسميه خصومه اليوم بـ( التوبيخ)، فهل هناك كذاب انتهازي له حظ من العقل والفطنة يسجل على نفسه إعراضه عن واحدٍ من أتباعه الفقراء لانشغاله بدعوة بعض السادة القرشيين؟! ﴿ عَبَسَ وَتَوَلى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلهُ يَزكى * أَوْ يَذكرُ فَتَنْفَعَهُ الذكْرَى * أَما مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزكى * وَأَما مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهى * كَلا إِنهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ [عبس: 1 - 11].

وهل هناك كذاب انتهازي عاقل يسجل على نفسه هذه الخواطر القلبية - ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناسَ وَاللهُ أَحَق أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37] - التي اتخذ منها خصومه شبهات أثاروها حوله وحول رسالته.

وهل هناك كذاب انتهازي عاقل يأخذ قرارًا بقبول فداء الأسرى في بدر وعدم قتلهم، ثم هو هو يختلق قرآنًا يلوم فيه نفسه، ومن وافقه على أخذ الفداء، وأنه كاد أن يلحقهم عذاب عظيم بسبب هذا القرار ﴿ مَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67، 68].

وهل يجوز في حكم العقل أن يكون هناك كذاب انتهازي عاقل يقتل أعداؤه عمه، ويمثلون بجثته، فيقسم على الانتقام منهم، ثم في فورة الغضب هذه يختلق قرآنًا من عند نفسه يقول فيه زاجرًا لنفسه ولأتباعه: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصابِرِينَ ﴾ [النحل: 126]؟!

وهل يقبل العقل فرضية أن كذابًا مدعيًا يعتدي عليه أعداؤه في معركة كان النصر حليفهم فيها، فيصيبونه في رأسه وأسنانه، فيقول أمام أصحابه متأثرًا بما أصابه: إنه لا يمكن أن يفلح أولئك الأعداء بعدما فعلوا بنبيهم هذا الذي فعلوه، ثم هذا الكذاب نفسه يخترع كلامًا فينزله على نفسه تعليقًا على كلمته تلك، ويجيء في الكلام المخترع ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذبَهُمْ فَإِنهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 128]؟!

هل يساعد المنطق على تسويغ شيء من تلك الأشياء؟! وهل يمكن أن يكون فاعل تلك المواقف والمعلق عليها بتلك التعليقات شخص واحد له غرض واحد، ويسعى لهدف واحد، ويفكر بعقل واحد؟!

وأما ما جاء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فهو تأكيد لِما قرَّره القرآن في شأنه في جميع ذلك، وأنه لم يخرج عن البشرية، وليس به شيء من خصائص الألوهية والربوبية، وأنه دوره منحصر في تبليغ رسالة الله تعالى كحال مَن سبقه من الرسل والأنبياء، وأنه لا يملك مفاتيح الجنة والنار، ولا يملك خزائن السماوات والأرض، وليس له من علم الغيب إلا ما أطلعه عليه من ذلك، وأن تلك الخوارق والمعجزات التي تقع على يديه ليست من قِبل نفسه، وإنما أمده الله بها برهانًا على صدقه فيما يدعيه من أنه رسول الله ونبيه، وأنه يأتيه الوحي من عند الله تعالى بالقرآن وغيره.

فها هو في أول دعوته يؤكد لعشيرته وأقاربه أنه لا يملك من أمر الجنة والنار شيئًا، وأن على كل واحد منهم أن يعمل صالحًا إن كان طامعًا في النجاة من النار، ولا يعول على قرابته من محمد وصلته به، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [الشعراء: 214]: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا".

وها هو يؤكد أن علمه بشؤون الدنيا وأمورها - مما لم ينزل عليه بشأنه وحي - هو علم بشري لا إلهي، فنراه يبدي رأيه لأصحابه ذات مرة في عدم فائدة تلقيح النخيل، فلما تركوا التلقيح ولم تتنج النخل نفس إنتاجها مع التلقيح، قعد لهم قاعدة عامة في فيما يتعلق بأمور الدنيا ( أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، ونراه يحذِّر الناس عند المخاصمة والاحتكام إليه أن يأخذوا من الآخرين حقًّا ليس من حقهم معتمدين على قضائه بذلك، فهو - كما يخبر عن نفسه - يقضي بحسب الظاهر أمامه، وبحسب ما يدلي به كل طرف من الأدلة، وليس له اطلاع على الغيب وعلى ما هو الحق في نفس الأمر.

كما نراه - صلوات الله وسلامه - يقطع كل الطرق أمام تعظيمه والغلو في شأنه والمبالغة في تفخيمه وتمجيده، يستعمل في ذلك الطرق العملية والنظرية.

فأما العملية، فإنه كان يمنع أصحابه من القيام له عند قدومه عليهم أو الوقوف حوله وهو جالس، ويمنعهم من تحيته بالسجود له على نحو ما كانت تفعل الأمم المجاورة مع ملوكها، وكان يجلس بينهم كواحدٍ منهم، بحيث يحتاج الغريب إذا دخل مجلسه أن يسألهم (أيكم محمد)؟!

ولَما مات ولده الرضيع واتفق حدوث كسوف الشمس مع تلك الوفاة، وقال بعض الناس: إن كسوف الشمس إنما بمثابة الحداد منها على موت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نجد محمدًا صلوات الله عليه بادر إلى استغلال هذه الحادثة لتفخيم شأنه وربط الظواهر الكونية به أو بنسله، بل إنه لم يلتزم الصمت والسكوت تجاه هذا الربط الخاطئ الذي ظنَّه الناس، فطفق يبين لهم عدم العلاقة بين الكسوف وموت ولده، قائلًا: "إن الشمسَ والقمرَ لا ينكسِفَانِ لموتِ أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتانِ مِنْ آياتِ الله عز وجلَ يُخوفُ بهما عباده".

كما نراه يأمر مَن قال له مخاطبًا: "ما شاء الله وشئتَ"، يأمره بأن يقول: "ما شاء الله وحده"، مستنكرًا هذا اللفظ بقوله: "أجعلتني لله ندًّا".

ونراه يقف في وجه مادحيه وقفة صلبة، فعن عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيناه فسلمنا عليه، فقلنا: يا محمد، أنت سيدنا وابن سيدنا، فقال: "السيد الله تبارك وتعالى"، فقلنا: وخيرنا وابن خيرنا، وأنت ولينا وأعظمنا طَوْلًا، وأنت أفضلنا علينا فضلًا، وأنت الجفنة الغراء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله - عز وجل".

وأقول أنا: والله ما كان لكذاب مدعٍ قط أن تطاوعه نفسه على هذا التواضع الذي لا مبرر له، إلا كمال أخلاق صاحبه، وسمو مذهبه.

وأما النظرية فنراه ينهى أصحابه أن يبالغوا في مدحه وإطرائه، فيقعوا في المحذور الذي وقعت فيه النصارى في حق عيسى ابن مريم، فمحفوظ عنه أنه قال لهم: (لا تُطْرونِي كما أَطْرَت النصارى عيسى بنَ مريم وقولوا: عبد الله ورسوله).

ونراه يدعو ربه قائلًا: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد".

ولعمر الحق، إن هذا لصنيع رسول صادق لا مدع كاذب، فهو حريص ألا تمارس في حقه مظاهر الغلو والإطراء، فضلًا عن التعبد والتأله، إنْ في حياته وإنْ في مماته.

ولقد ذكر محمد صلى الله عليه وسلم للناس أنواعًا شتى من الأذكار والأدعية التي أخبر أن اللهج بها من موجبات الإثابة ودخول الجنة، أو من عوامل تفريج الكربات الدنيوية، مثل "سبحان الله – الحمد لله - الله أكبر- لا حول ولا قوة إلا بالله"، اللهم إني أسألك باسم الأعظم، اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، اللهم إني أسألك لك الحمد"...إلخ، وليس في أي منها التوجه إلى محمد بالدعاء والنداء والسؤال والطلب والثناء والمدحة، بل جميعها متوجهة إلى الله تعالى بالثناء والمِدحة والحمد، حتى إن صيغة الصلاة عليه التي أخبر بفضل قولها وإثابة قائلها صيغتها هكذا "اللهم صل على محمد، كما صليت على إبراهيم"، وهذا طلب يطلبه المسلم من الله تعالى بأن يُثني على محمد أو يرحمه، وهو كما نبه بعض العلماء مشعر باحتياج محمد إلى ربه بأن يصلي عليه.

ولعل القارئ يقارن - على سبيل المثال - حال ومنزلة ومكانة محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن وفي أحاديثه النبوية بالمكانة والمنزلة التي يدَّعيها غلاةُ الشيعة في أئمة أهل البيت، وكيف أنهم يجعلون للأئمة ما هو من خصائص الربوبية، وكيف يصرفون لهم من التعبد والتأله ما لا ينبغي إلا لله.

أو ليقارنْ تلك الحالة والمكانة في القرآن والسنة بحال ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند طائفة من غلاة الصوفية، وكيف اخترعوا نظرية "الحقيقة المحمدية"؛ ليجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم نورًا صادرًا عن الإله، ثم صدرت عنه الكائنات والموجودات!

بل ليقارن المنزلة والمكانة المحمدية في القرآن والسنة بالمنزلة والمكانة التي يجعلها أولئك الغلاة للأولياء من الأقطاب والأوتاد والأغواث الذين يزعمون أن الله تعالى فوض إليهم تصريف الكون، وأنهم يجيبون المضطر ويغيثون في الشدائد...إلخ.

فهذا صنيع أقوام غلوا وبالغوا فيمن يُعظمون لشدة حبهم لهم أو لاعتقادهم باستحقاقهم تلك المنزلة مع جهلهم بحقائق دين الإسلام الذي يمنع من مثل تلك الإطراءات والمبالغات التي يكتنفها الغلو المذموم، فجوهر دين الإسلام تعبيد البشر لله سبحانه وحده، وقطع الطريق أمام كل محاولات لصرف العبادة لغيره كائنًا من كان.

أقول: إذا كان الغلو وصل بأصحابه إلى تلك الدرجات في شأن مَن يعظمونهم مع عدم قصدهم للكذب والافتراء، فكيف سيكون الأمر مع رجلٍ غير صادق في دعوى النبوة، رجلٍ تولى كِبر فرية عظيمة من أعظم الفرى إن لم تكن أعظمها، هل كان سيحول أمام ذلك الرجل حائل ليخترع نصوصًا تؤدي إلى تمجيده وتألهيه وتعظيمه والمبالغة في قدره، وينسبها إلى الله كما ينسب غيرها من النصوص التي يقول إنها وحي من الله إليه؟

ما الوازع الأخلاقي الذي سيحول دون أن يصنع كذاب أَشر هذا الصنيع؟! وهل بقيت به أخلاق بعد فريته الكبرى؟!

وقد قدمنا في صدر المقالة أن البُعد (البراجماتي)، والنظر في العواقب ما كانا ليمنعان ذلك الكاذب من ادعاء الألوهية، أو بعض صفات الإله، وأن البيئة كان مساعدة على تلك الدعوى، وأن غاية ردة الفعل تجاه دعوى الألوهية، أو ادعاء بعض خصائص الإله، ما كانت لتزيد عن ردة الفعل تجاه ادعاء النبوة كذبًا.

وقد نظرنا في الحالة المحمدية، فلم نجد السعي إلى ذلك مطلقًا، ولو على سبيل المحاولة، أو على سبيل قياس ردة فعل الناس تجاه دعوى الألوهية، بل إننا لا نجد إلا كل ما يقطع السبيل على الآخرين في اعتقاد ذلك في محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيهم عن كل قولٍ أو فعلٍ يمكن أن يصبح وسيلة تمهد الطريق لرفعه عن الحالة البشرية التي يتشارك فيها مع جميع البشر، وأن امتيازه عن الناس ما هو إلا بالوظيفة الرسالية، لكنه لم يكن في ذلك بِدعًا، فقد سبقه غيره من الرسل ونالوا هذا التشريف وقاموا بتلك الوظيفة.

ولا يعكر على صفو ذلك التقرير ولا يشغب عليه ما جاء في بعض آي القرآن الكريم والحديث النبوي من مدح وثناء على محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان بعض الآداب معه، نحو: ﴿ وَإِنكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ونحو: ﴿ النبِي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 6]، ومثل: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِن ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 53].

وكقوله تعالى: ﴿ يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2].

وكذلك الأوامر المتكاثرة في القرآن بوجوب طاعة محمد صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة ﴿ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرسُولَ لَعَلكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]، وأن طاعته هي من طاعة الله ومعصيته معصية لله، ﴿ مَنْ يُطِعِ الرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ﴾ [النساء: 80]، ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

فنقول: أما المدح والثناء وبيان المنزلة والحظوة عند الله، فهو لا يخرج من كونه ثناءً على شخصٍ بشرٍ اصطفاه الله وحباه، لكنه لم يرتق مع هذا الاصطفاء إلى درجة الإله أو المشاركة في خصائص الألوهية؛ فالثناءات القرآنية على محمد صلوات الله عليه مقترنة بوصفه بالعبودية، وأن المكانة الرفيعة التي أنالها الله إياها تفضلًا منه عليه ولتكميل محمد صلوات الله عليه مقام العبودية لله، وتحققه بصفات العبودية المثلى من كمال الخوف من الله، وكمال رجائه وكمال محبته له، وكمال التذلل له، وكمال التوكل عليه والاستعانة والاستغاثة به، واللجوء إليه وتقديم العبادات المستحقة له على وجهها الأكمل والأوفى... إلى آخر ما هنالك، فهو عبدٌ كامل العبودية لله، وليس إلهًا ولا نصف إله، ولا فيه شيء من خصائص الإله.

وكذلك ما اختصه به من أحكام لا تجري على غيره من الناس، فهي في مقابل ما اختصه به من تكاليف وأعباء لا يقوم بها غيره، ولا يُطالب بها أحدٌ سواه.

وأما الأمر بطاعته طاعة مطلقة، فهو أمرٌ لا بد منه ما دام نبيًّا مرسلًا من عند الله، إذْ لو كان الناس في مندوحة من طاعته وعصيانه، لكانوا في مندوحة من تصديقه في شأن النبوة، ولما كان لإرساله معنى ولا منه فائدة، فهو مبلغ عن الله أوامره ونواهيه، فلو كان للناس في طاعته مندوحة، لكان لهم في طاعة الله تعالى مندوحة، وكل ذلك لغو خارج عن أحكام العقل.

وأما ما جاء في السنة النبوية، فيمكن للخصوم أن يحتجوا من ذلك بأمرين: الأول: نصوص نبوية ذكر فيها محمد صلى الله عليه وسلم من مكانته ومنزلته وفضله عند الله ورفعته في فوق الناس أجمعين، مثل قوله: «أَنَا سَيدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَولُ مَنْ تَنْشَق الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَولُ شَافِعٍ، وَأَولُ مُشَفعٍ، وَلَا فَخْرَ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ».

والأمر الآخر: هو ما كان يفعله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معه من تبجيل وتعظيم يفوق الوصف، ومن تبرك بآثاره وصل إلى التبرك بعرقه وشعره وبقايا وضوئه، ونصوص ذلك متناثرة في كتب الحديث.

فنقول: أما الإخبار بمنزلته وبما أعطاه الله من رفعة وتشريف، فهو كمثل ما جاء من ثناءٍ عليه وتفضيلٍ له في القرآن، وقد قدمنا أنه لا ضير في ذلك ما دام لم يرفع محمدًا صلى الله عليه وسلم فوق درجة البشرية ولم ينقله إلى تقديس الألوهية، ولم يأمر الناس بأي يقدموا له أي لون من ألوان التعبد والتأله، بل جعل كل ألوان التعبد مقتصرًا توجيهها إلى الله تعالى فحسب، بل كان محمد صلى الله عليه وسلم يقوم بأدوار التعبد المختلفة ويمارسها مشاقها ومكارهها كأي واحدٍ من الناس.

وقد أشرنا أيضًا إلى أن تفاني محمد صلى الله عليه وسلم في التعبد والخضوع لله وتكريس حياته كلها في عبادة الله وطاعته، هو سبب ما امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من منزلة ومكانة عند الله، وتفاضل الناس في المنزلة عند الله ليس بمنكور، كما أن تفاضلهم في التعبد والتبتل والقيام بالوظائف الإيمانية محسوس ومشاهد.

وأما الاحتجاج بما كان من أفعال الصحابة في التبرك بذات محمد صلى الله عليه وسلم، فهو وجيه من جهة أن لقائلٍ من خصوم محمدٍ صلى الله عليه وسلم اليوم أن يقول: هذا لونٌ من ألوان التعظيم والتقديس مُورِس معه، فيكون قد استفاد من اختلاق النبوة، وأنتم تزعمون أنه ما انتفع من النبوة بشيء دنيوي فلا وجه لأن يختلق دعوى النبوة.

لكننا نقول: إن وجاهة هذا القول إنما تكون إذا نظرنا لذلك التبرك والتقديس مجردًا عن بقية أحوال محمد صلى الله عليه وسلم، فإن المنقول عنه من تواضعه ورفضه للإطراء والغلو فيه، لا يستقيم مع القول بأنه كان ينتشي بذلك التبرك ويعده لونًا من ألوان الرئاسة والوجاهة، فإنه لو كان يراه كذلك لاستغله أيما استغلال، ولَوافق على الصور الأخرى من صور التقديس والرياسة، ولسعى في ترسيخها وحضَّ أصحابه عليها وأغراهم بها، ولجعل جميع ذلك ممهدًا لدعوى الألوهية.

ولقد كان واقعه صلى الله عليه وسلم على ضد ذلك تمامًا كما بينَّاه، فهو حريصٌ بأقواله وأفعاله على ترسيخ اختصاص الله تعالى بالألوهية والربوبية، ونفى ذلك عما سواه، وصرف جميع أنواع العبادات إلى الله وحده وعدم إشراك أحد معه في ذلك.

ومع التبرك والتقديس المشار إليه، لم نجد محمدًا صلى الله عليه وسلم يأمر أولئك المتبركين بآثاره وذاته أن يصلوا له ركعة واحدة، أو يسجدوا له سجدة ولو على سبيل التعظيم، أو يصوموا له يومًا، أو ينذروا له نذرًا، أو يطلبوا منه أن يمدَّهم بالمال والأولاد والعافية، أو يُقطعهم منازل في الجنة، بل أمر وشدد في أمره أن يكون جميع ذلك مصروفًا إلى الله تعالى؛ لأنه الرب المختص بذلك، وأما هو فبشرٌ مثلهم، وغايةُ ما يَملكه لهم أن يدعو الله لهم، فيحصل بدعائه مقصودهم إنْ استجاب الله دعاءه فيهم، ورأيناه كما تقدم يقطع السبل ويسد الذرائع التي يمكن أن تُفضي يومًا إلى اعتقاد ألوهيته، أو صرف العبادة إليه، فلم يبقَ أمامنا مناصٌ في أن ننظر إلى ذلك التبرك المذكور وقَبول محمد به، إلا على أنه داخل في شواهد نبوته والخوارق التي وقعت على يديه تصديقًا لنبوته، من نحو تكثير الطعام القليل، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكليم الجمادات له، وغير ذلك من خوارق العادات التي استأنس بها أهل عصره في التصديق برسالته، فكانت بركة جسده وتبرك أصحابه بآثاره من هذا الجنس، فهو من شواهد نبوته لا من شواهد ألوهيته، ولو كان كاذبًا - حاشاه - لاستغل تلك الخوارق وذلك التبرك الممارس معه في ادعاء الألوهية، ولجعلهما من شواهدها وأماراتها.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-01-2023, 03:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (5) (حادثة الإفك وصدق النبوة)

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (5) (حادثة الإفك وصدق النبوة)
د. علي حسن الروبي

الحلقة الخامسة (حادثة الإفك وصدق النبوة)


نعرض في هذه الحلقة من حلقات الدلائل العقلية على صدق النبوة لحادثة شهيرة من حوادث السيرة النبوية، وفيها من شواهد صدق النبوة وصحة الرسالة لمن تأمَّل وتدبَّر.

وهذه الحادثة هي حادثة الإفك، وحريٌّ بنا قبل الكلام عن أوجه دلالاتها على النبوة أن نسوق القصة كما أوردتها كتب الحديث النبوي وكتب السيرة.

فعن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفةَ من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيتُ عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا زعموا أن عائشة، قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيُّتهن خرج سهمها، خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أُنزل الحجاب، فأنا أُحمل في هودج، وأُنزل فيه، فسِرنا حتى إذا فَرَغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقَفَل ودنَونا من المدينة آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عِقدٌ لي من جَزْعِ أظْفَارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافًا لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأمَّمت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي، فنمتُ وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطِئَ يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسِين في نحر الظهيرة، فهلك مَن هلك، وكان الذي تولى الإفك عبدالله بن أُبيِّ بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرًا والناس يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويَرِيبُني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيُسلِّم، ثم يقول: كيف تِيكُمْ؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نَقَهْتُ، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع؛ مُتَبَرَّزنا، لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ أو في التنزُّه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رُهْمٍ نمشي، فعَثَرَتْ في مِرْطِها، فقالت: تعِسَ مِسطح، فقلت لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: يا هَنْتَاهْ، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلَّم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويَّ، قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بُنيَّة، هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئةٌ عند رجل يحبها ولها ضرائرُ، إلا أكْثَرْنَ عليها، فقلت: سبحان الله! ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتُّ تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلُك يا رسول الله، ولا نعلم - والله - إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِيْرَة، فقال: يا بريرة، هل رأيتِ فيها شيئًا يَرِيبكِ؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغْمِصُهُ عليها قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاسْتَعْذَرَ من عبدالله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذِرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذِرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احْتَمَلَتْهُ الحمِيَّة - فقال: كذبت لَعَمْرُ الله، لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيَّان؛ الأوس والخزرج، حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفَّضهم حتى سكتوا، وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالقُ كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذِنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهَّد، ثم قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً، فسيبرئكِ الله، وإن كنت ألممتِ بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب، تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، وقلت لأبي: أجِبْ عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة لتصدِقُنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا، إلا أبا يوسف؛ إذ قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاءِ، حتى إنه لَيتحدَّرُ منه مثل الجُمَان من العرق في يوم شاتٍ، فلما سُرَّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله، فقد برَّأكِ الله، فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 11]؛ الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان يُنفِق على مِسطح بن أُثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعدما قال لعائشة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾ إلى قوله ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمتِ؟ ما رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع)).

هذه هي القصة كما روتها كتب السنة وكتب السيرة، والذي نقف عنده منها فيما يتعلق بأدلة صدق النبوة أمران:
الأمر الأول: استلباث الوحي شهرًا كاملًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووجه دلالة هذا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرٌ للمتأمل؛ إذ لو كان محمد صلى الله عليه وسلم غير صادق في دعوى النبوة وفي نزول الوحي عليه من عند الله، وكان - كما يقول خصومه - يأتي بهذا القرآن من عند نفسه وينسُبه لله تعالى، فما هو الداعي لذلك الرجل غير الصادق أن يترك عِرضه يُنهش لمدة شهر كامل، وتُتهم زوجته بالفاحشة القبيحة، ويخوض المنافقون في عِرضها، ويصل الأمر إلى تورط بعض المسلمين وسقوطهم في وحل الشائعة التي أطلقها رأس المنافقين بالمدينة عبدالله بن أبي بن سلول؟ أقول: ما الداعي لأن يترك ذلك الرجل الذي يزعم خصومه أنه يأتي بالوحي من عند نفسه، يترك زوجته الأثيرة عنده والمقربة إلى قلبه أن يُنهش عرضها شهرًا كاملًا، ولا يخترع قرآنًا يُوقِف به هذه الشائعات ويُبرِّئ ساحة زوجته بعد يومين أو ثلاثة أيام مثلًا، أو حتى بعد أسبوع من انتشار الإفك بين الناس في المدينة؟

هل هناك إنسان عاقل يملك ما يدافع به عن عرض زوجته وعن شرف بيته، ويتأخر عن ذلك، ولا يأتي به؟ لو كان هذا القرآن من عند محمد بن عبدالله صلوات الله عليه لا من عند الله تعالى، لكان العقل والمنطق يقتضيان أن يبادر محمدٌ ويذكر للناس آياتِ سورة النور التي نزلت في براءة عائشة رضي الله عنها، ليتوقف الناس عن لَوكِ هذه الشائعة الخطيرة المتعلقة بشرفه وعرضه، كما توقفوا عنها بعد أن نزل بها الوحي بعد الحادثة بشهر.

إن المفترض عند الخصوم أن محمدًا يخترع القرآن ليخدع الناس ويحقق أهدافه الشخصية بادعاء النبوة وحيازة الملك والجاه، ويستعمل ما يسميه قرآنًا ووحيًا عند الحاجة؛ لأن الناس إذا قيل لهم هذا كلام الله وحكم الله وأمر الله، انقادوا واستجابوا.

فسؤالنا للخصوم: نعم، إن الناس كانوا ينقادون للوحي وللقرآن، وفي هذه الحادثة على وجه الخصوص انْقَادَ الناس وكفُّوا عن الاستماع للشائعة المغرضة، أو الخوض فيها بمجرد نزول الوحي، وأُقيم حد الجلد على مَن خاضوا في ذلك مِن المسلمين... فما الذي منع محمدًا صلوات الله عليه - لو كان هذا القرآن من عنده - أن يخترع هذه الآيات عندما علِم بانتشار هذه الشائعة، وكان ساعتها سيحصل من استجابة الناس وانتهائهم من الخوض أو حتى التوقف والحيرة والتردد في شأن هذه الشائعة، ما حصل لهم من التوقف عن ذلك عندما نزل الوحي بعد شهر كامل منها؟

بل، لا حاجة لمحمد صلى الله عليه وسلم لو كان غير صادق – حاشاه - أن يخترع آيات معينة، بل يكفي أن يقول: إنه رأى رؤيا في النوم تثبت براءة زوجه، وهذا كفيل بتصديقه بين أصحابه كما كان معهودًا منهم تجاهه، فما الذي منعه من ذلك؟

وشيء آخر:
يتضح من سياق هذه القصة الأذى النفسي الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم، وأي إنسان عاقل سويٍّ يدرك مدى العذاب النفسي الذي يتعرض له من يُتَّهم في عِرضه وشرفه.

إن الفظاعة والقسوة النفسية لهذه التهمة الشنيعة - رمي العرض - لا تتصور، بل إنها أودت بحياة بعض الناس كمدًا وقهرًا، فما الذي يجعل محمدًا صلوات الله عليه يعرض نفسه لهذا الأذى لمدة شهر كامل، وهو يملك إيقافه ورفعه في لحظة واحدة لو كان القرآن من عند نفسه لا من عند الله؟!

بل إن هذا العذاب والأذى لم يكن قاصرًا على شخصه هو، فيقول قائل: إن تحمل ذلك لغرض في نفسه أو هدف من أهدافه، على أنه لا يوجد عربي عاقل يُضحِّي بسمعته لأي غرض من الأغراض، دَعْ عنك أن الشائعة بلغت من الانتشار في مجتمع المدينة والتأثير في الناس ما حمل النبي صلى الله عليه وسلم على التفكير في فراق أهله، واستشار عليًّا وأسامة في ذلك.

أعود إلى قولي: إن الأذى والألم الذي سببته شائعة الإفك لم يكن مقتصرًا على شخص النبي صلى الله عليه وسلم، بل أصاب أقرب الناس إليه؛ أبا بكر، صديقه الأثير، وأحب الرجال إلى قلبه، وعائشة امرأته وأحب أزواجه إليه، وأعلاهن منزلة في قلبه، فهَبْهُ تصبَّر على الأذى اللاحق بشخصه هو، فكيف تصبر على تأذِّي وتألم أقرب الناس إليه، وفي يده أن يمنع ذلك باختراع آيات البراءة لو كان الوحي من عند هو؟

بل إننا لو نحَّينا المشاعر والألم جانبًا، ونحينا كذلك مسألة العرض والشرف مع عظيم منزلتها في المجتمع العربي، لو نحينا جميع ذلك وتكلمنا بمنطق الأمن القومي - إن صح التعبير - لوجدنا أن حادثة الإفك هذه من الحوادث المهدِّدة للأمن القومي؛ فانتشار شائعة متعلقة بشرف رئيس الدولة وتمس سمعته، وفيها تلطيخ لعرض زوجته - لَهِيَ من أجدر ما تجعل ذلك الشخص حريصًا كل الحرص على التحرك لوأدِها، وإيقاف البلبلة الناتجة عن ترويج تلك الشائعة، قبل أن يستفحل خطرها، ويتعاظم أمرها، وتخرج تبعاتها عن السيطرة والتحكم.

فمالِ لمدعي النبوة في زعمكم لم يتحرك لشيء من ذلك، وترك مجتمع المدينة في مهبِّ هذه الشائعة شهرًا، وفي كل يوم تتفاقم هذه الأزمة عن اليوم الذي قبله، وهو قادر على إيقاف هذه الشائعة ووأدها في مهدها، قبل أن تبلغ ما بلغت بأن يدَّعيَ أن الوحي جاءه ببراءة زوجه وكذب الشائعة، وما هو إلا أن يقول ذلك، فيُسلِّم الناس له كما سلموا له عندما نزل الوحي عليه بآيات سورة النور بعد شهر كامل؟!

الأمر الثاني: موقف القرآن الكريم من تصرف أبي بكر الصديق تجاه مسطح.

أما الأمر الثاني الذي نقف في هذه القصة؛ فهو: موقف القرآن الكريم من تصرف أبي بكر الصديق تجاه مسطح، رضي الله عنهما.

فإن أبا بكر رضي الله عنه - مع كان عليه من المنزلة الرفيعة في الأخلاق والدرجة المنيفة من الشمائل والمناقب - قد تصرف مع مسطح بما تقتضيه الجِبلة الإنسانية والطبيعة البشرية، عندما أقسم أن يتوقف عن الإحسان إلى مسطح، وترك مساعدته ماليًّا، بعد تورطه القبيح في شائعة الإفك، وهذا إجراء عادي نفعل مثله وأكثر منه عندما تأتينا الإساءة ممن نحسن إليهم، فكيف إذا كانت الإساءة إساءة غير عادية، بل متعلقة بالعرض والشرف؟!

بل لقائل أن يقول: إن أبا بكر لم يتصرف على مقتضى الطبيعة البشرية، لكنه كبحها أيضًا؛ إذ إنه لو كان متصرفًا بمقتضاها لسعى في إلحاق الأذى بمسطح ومعاقبته، لا أن يكتفي بإيقاف الإحسان إليه.

أما الشاهد من ذلك على صحة النبوة، وأن هذا القرآن من عند الله تعالى، لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلما جاء به القرآن من توجيه في شأن تصرف أبي بكر رضي الله عنه ومسلكه مع مسطح رضي الله عنه، فإن القرآن قد عقَّب الآيات المتعلقة ببراءة عائشة، وكشف حقيقة الإفك، وعتاب المؤمنين على موقفهم من تلك الشائعة، وتوجيههم للتعامل الصحيح مع الشائعات من هذا النوع فيما يُستقْبَل، عقَّب القرآن ذلك بنهي أبي بكر عن تصرفه الجبلي البشري وموقفه الذي اتخذه تجاه مسطح؛ فقال: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].

فها هو يرشد أبا بكر إلى معاودة الإحسان إلى مسطح الفقير المهاجر في سبيل الله، وألَّا يَحُول تورطه في شائعة الإفك وقذف عرض ابنته دون إحسانه إليه.

أترى لو كان هذا القرآن ليس من عند الله تعالى، بل اخترعه رجل كاذب على الله، وكاذب على الناس، ويمارس أحط أنواع الجرائم الأخلاقية (خداع الناس والكذب على الله)، هل يكون من المعقول ومن المنطقي أن يهتم ذلك الرجل الكاذب، مدعي النبوة والرسالة زورًا وبهتانًا، بهذه اللفتة الأخلاقية المتعالية، والتي تخالف الطبيعة البشرية وتنازعها وتتسامى عليها، ويرشد الناس إلى مغالبة طبيعة النفس ومقتضى الجبلة، ويأمرهم بمواصلة الإحسان التطوعي إلى أناس كان من شأنهم أن قدموا الإساءة عن الإحسان السابق، عوضًا عن تقديم الشكر والامتنان؟!

أي منطق وأي عقل يقضي بأن هذه الفضائل العالية وهذا السمو الأخلاقي يهتم به، ويرشد إليه، ويدل عليه، ويلزم الناس به رجلٌ كاذب يدعي النبوة، ويخادع الناس، ويفتري على الله؟!

ما شأن الكاذب الدجَّال مدعي النبوة بالأخلاق والفضائل ليحرص عليها، ويرشد الناس إليها، حتى في أحلك الظروف، وأضنك الأحوال، وأفقم الأزمات؟!

ألَا يقضي العقل أن الكاذب الدجال الدعِيَّ تأمره أخلاقه بأن ينتقم من كل المتورطين في الشائعة التي نالت عِرضه، وآذت أهل بيته، ولو وصل ذلك إلى قتلهم والتنكيل بهم؟! هب أنه أراد الانتقام والتنكيل وعجز عنهما، فما شأنه يأمر والد امرأته بأن يعاود الإحسان إلى أحد المتورطين في شائعة الإفك على نحو ما كان يفعل من قبل، وألَّا تمنعه الإساءة من الالتزام الأخلاقي تجاه الضعفاء والمساكين والفقراء؟!

أما والله لا يقدر على هذه الأخلاق كاذب دعيٌّ، ولا تتأتى منه أبدًا، وما كان هذا القرآن من عند محمد صلوات الله عليه، بل من عند الله تعالى، وما كان محمد صلوات الله عليه إلا نبي صادق، كملت فيه الأخلاق والفضائل.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-06-2023, 12:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (6) (التشريعات الإسلامية ودلالتها

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (6) (التشريعات الإسلامية ودلالتها على صدق النبوة)
د. علي حسن الروبي



من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم













الحلقة السادسة (التشريعات الإسلامية ودلالتها على صدق النبوة)
















تقدم الكلامُ في مقالات سابقة عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه قبل البَعثة وبعدها، ودلالة ذلك على صدقه في دعوى النبوة، وتعرضنا كذلك لبعض ما دعا الناس إليه من معتقداتٍ تتنافى مع فرضية كذب نبوته واختلاقها.









ونعرض في هذه المقالة للجانب التشريعي ودلالته على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعواه، ولن نتكلم في حديثنا هذا عن الإعجاز التشريعي، ولا عن تماسك البناء التشريعي واطراده وشموله، وكيف يتأتَّى ذلك من رجل أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، ويسكن البادية بين مجتمع أميٍّ بدائي.









وإنما سنتكلم عن التشريعات الإسلامية ودلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من جوانبَ أخرى، وهي أمورٌ نرى أنه ليس بمقدور الخصوم أن يكابروا في دلالتها، ولا أن يدفعوا في صدر وجاهتها.









ولسوف نطرح حجتنا في دلالة التشريعات الإسلامية على صدق صاحب الرسالة صلوات الله عليه، على وجه الإجمال، وعلى وجه التفصيل:




أما وجه الإجمال؛ فنقول: إن المشاهَد والمحسوس أن أحكام الشريعة الإسلامية وقوانينها متوغِّلة في حياة الناس اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وفي السلوك الفردي والحياة الخاصة كذلك، وهي في ذلك لا يجاريها ولا يعادلها شريعة أخرى، سماوية كانت أو أرضية.









وإذا كان الأمر على هذا النحو، فهل من العقل أن الرجل الذي يقول الخصوم: إنه أفَّاك مدَّعٍ للنبوة، وليس نبيًّا من عند الله، والذي همُّه الأول والأخير أن يصدِّقه الناس في ادعائه الكاذب أنه رسول من عند الله؛ ليرفع بذلك مكانته ومنزلته عندهم، ثم يعمِد هذا الرجل في سبيل الوصول إلى تلك غايته المنشودة، إلى إخراج الناس من مألوفاتهم العقدية والاجتماعية والاقتصادية، وأطْرِهم على نظم جديدة اخترعها من عنده، وتكون هذه النظم متوغلةً في عاداتهم وحياتهم وحرياتهم كل التوغل، وفيها من المشقة والكُلْفة، وتقييد الحريات الخاصة، وكبح شهوات النفوس، والإلزام بوظائف عبادية كثيرة؟!









أقول: هل من العقل أن يكون هذا مسلكه ليصدقه الناس، ويلتفوا حوله، ويزداد أتباعه عددًا؟!









أليس العقل قاضيًا بأن تكون تشريعاته وقوانينه الجديدة، ووظائف العبادة في دينه المخترَع أشياءَ يسيرة سهلة، بحيث لا يستشعر المصدِّقون له في ادعائه، والداخلون في دينه المزيف، أنهم إزاء مشقة والتزامات، تضيق بها صدورهم، وتضرر بها نفوسهم ومعايشهم ومصالحهم الاقتصادية؟!









أليس المنطقي أن يكون لبُّ دعوته للناس أن يصدقوا كونه نبيًّا، بجانب بعض التشريعات التي يحافظ بها على سلطته ومصالحه الشخصية فحسب؟!









إننا لنجد الأمر معكوسًا في الحالة المحمدية؛ إننا نجده يمنعهم من شرب الخمر، تلك العادة التي شبَّ عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، ويمنعهم من الزنا واللواط، بل النظر إلى النساء على وجه الاشتهاء، وعن مصافحتهن، وعن الدخول عليهن بلا وجود مَحْرَمٍ، ويحرِّم عليهم نكاح الأمهات، والخالات، والعمات، وبنات الزوجات، ويجعل القرابة بالرضاع كالقرابة بالنسب في تحريم الزواج...؛ إلخ.









كما يمنعهم من كثير من المعاملات الاقتصادية المنتشرة في مجتمعهم؛ كبيع السلع قبل حيازتها، وبيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها وأمنها للآفات، وبيع ما لا يملك الإنسان، وبيع الجنين في بطن أمه، وبيع الدم والنجاسات، وبيع القمح بالقمح، أو الشعير بالشعير تفاضلًا...؛ إلى آخر ذلك من تلك المعاملات الكثيرة المنهي عنها.









فهل هذا مسلك رجل كاذب، لا غرض له سوى أن يتابعه الناس على كذبه، ويزداد عدد أتباعه؛ ليصل بذلك إلى مآرب نفسه القبيحة، ويستكمل به نقصها الذي دعاه للافتراء على الله، وخداع الناس؟!









وأما في التفصيل فنتناول جانبين:




الأول: أخلاقية الشريعة.




الثاني: الباعث على التشريعات.









أما الجانب الأول، وهو أخلاقية الشريعة، فلا ريب أن أخلاقية الشريعة من حيث الجملة محل اتفاق بين المناصرين والخصوم، فلا خلاف في ذلك، فإن أبا سفيان بن حرب عندما كان كافرًا لما سأله هرقل ملك الروم عما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، أجاب بأنه يأمرهم بالصدق والعفاف وصلة الرحم...؛ إلى آخره.









وليس من ريب أن خصوم اليوم أيضًا لا ينازعون في أخلاقية الشريعة من حيث الجملة، وأنها تدعو إلى الفضائل، وإنما يعيب خصوم اليوم من ذوي التوجه الليبرالي واليساري على الشريعة المحمدية أنها تُؤثِر الأخلاق والفضيلة على الحريات الشخصية، وأنها تُعْلِي القيمة على اللذة الحسية، وأنها تحرم الإنسان من كثير من الشهوات الجسدية، وفي ذلك وصاية على الإنسان وعلى عقله ورشده.









أو يعيبون عليها أنها لا تحقق العدل والمساواة - من وجهة نظرهم - في بعض الصور، كما في مساواة المسلم بغيره، أو الرجل بالمرأة في الحقوق والواجبات جميعًا.









وإذا كانت الشريعة بهذه الأخلاقية محل الاتفاق، فالسؤال المطروح حتمًا: ما الذي يجعل رجلًا ارتكب أكبر جريمة أخلاقية - وهي الكذب على الله وعلى الناس بادعاء النبوة - أن يتبنَّى هذا الأنموذج الأخلاقي في تشريعاته تبنيًا صارمًا مطردًا ثابتًا، بحيث لا تنخرم هذه الأخلاقية في تضاعيف التشريعات المختلفة، وبحيث تصبح تلك الأخلاقية بمثابة القواعد الحاكمة لجزئيات التشريعات المختلفة؟!









إننا لا ننكر أن الكَذَبة المدَّعِين قد يتمسحون في الفضيلة والأخلاق، ويرفعون لافتاتها لخداع العامة والدهماء، والوصول إلى مآربهم الحقيرة، لكننا في الوقت نفسه نجزم أن استعمال الكذبة المدعين لشعارات الفضيلة والأخلاق لا يكون إلا بالقدر الذي يتمكَّنون به من تحقيق مآربهم، والوصول إلى غاياتهم، وأنهم سرعان ما ينكشفون أمام الناس عند أول اختبار أخلاقي حقيقي، فتجدهم يلقون الشعارات الأخلاقية وراء ظهورهم، ويُظْهِرون الوجه الحقيقي لانتهازيتهم وخِسَّة نفوسهم، وهذا مشاهَد ومسجَّل عند الناس، وأقرب أمثلته الواقعية الشعارات التي يطلقها السَّاسة قبيل الاستحقاقات الانتخابية، وما يفعلونه بعد الوصول إلى السلطة.









وأما ما نحن فيه من الأخلاقية في الشريعة المحمدية، فواقع الحال أننا لسنا أمام بعض شعارات رنانة يمكن أن تصدُرَ من أكثر الناس بعدًا عن الأخلاقية، ومن أكثرهم انحطاطًا بغرض التلبيس والمخادعة.









كلا، إننا أمام بناء أخلاقي مطرد في التشريعات، يتمكن الفقهاء المسلمون إلى اليوم عبر استقرائه من الحكم على الوقائع بالحل أو الحرمة، بالسواغية أو المنع، بالاستحباب أو الكراهة، عن طريق تلك (الأخلاقية) المنتشرة في جَنَبات الجزئيات التشريعية، التي صارت بمثابة الضابط الكلي لجميع الجزئيات التي لا نصَّ فيها، ولجميع الوقائع التي تستحدثها تغيرات الحياة، واختلاف الأزمنة، وتنوع المجتمعات والبيئات.









إننا لسنا أمام رجل قال كلمة يمدح بها الصدق، أو يذم بها الكذب، وانتهى الأمر.




كلا، بل إننا أمام شريعة تجعل من تحقق الصدق أو الكذب مناطًا لجواز المعاملات أو تحريمها.




إننا أمام شريعة تحرم الكذب في الحديث، وتحرم الغش والخداع في المعاملات والعقود.









شريعة تضافرت نصوصها على تحريم الكذب، حتى إن الفقهاء لَيختلفون في حكم الكذب الذي لا يترتب عليه إضرار بأحد، كما في الكذب في المزاح أو الإبداع الأدبي وما شابه ذلك.









شريعة قائمة على الصدق، فتتضافر نصوصها على تحريم الغش والتدليس في المعاملات الاقتصادية؛ حتى يكون وجود الغرر - وإن كان عن غير قصد - كفيلًا ببطلان المعاملة، والمنع منها.









فما الذي يحمل رجلًا كاذبًا مُدَّعيًا إلى الوصول إلى هذه الدرجة من الأخلاقية الصارمة في دين يخترعه بلا رقيب ولا حسيب عليه من أحد؟!









وقبل ذلك كله وبعده يُلزِم نفسه بتلك القواعد إلزامًا صارخًا في حياته الشخصية والعامة، وفي وقت سلمه، ووقت حربه، وفي وقت رضاه، ووقت سخطه، كما تقدم ذلك معنا عند الكلام عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ودلالتها على صدقه.









ما الذي يحمل كاذبًا مدعيًا أن يأتي بشريعة تحارب التكبر والتعالي على الناس، ويسوق في ذلك نصوصًا مختلفة، ويحمل نفسه على التواضع الجم الصادق في جميع المواطن، وفي كل الأطوار؟!









ماذا يحمل كاذبًا مدعيًا أن يأتي بشريعة تحارب الفخر بالأحساب والأنساب، والاستطالة على الآخرين بذلك، وممارسة العنصرية ضد الضعفاء والمساكين وذوي الأنساب المتواضعة؟!









وهذا الرجل نفسه من أشرف العرب نسبًا، وأنبلهم قبيلة، وأرفعهم مكانة اجتماعية، وهو ليس في إعواز من الشرف والنسب، حتى يقول قائل: إنه فعل ذلك لينفرد بالسُّؤْدَد، وليحصل له الاستقلال بالمكانة والوجاهة دون غيره من الوجهاء والأشراف.









ما الذي يحمل كاذبًا مدعيًا مخادعًا لله وللناس على الانحياز إلى الفقراء والمساكين والضعفاء، وسرد النصوص التي لا تُحصى كثرة حضًّا على الرفق بهم، ومساعدتهم، والإحسان إليهم، والسعي الحثيث في نفعهم بوجوه النفع المختلفة، والنهي عن إيذائهم ولو بالكلمة والإيماءة، والوعيد على التخلي عنهم، وعدم القيام بالواجب الاجتماعي حيالهم؟









ما حاجة الكذاب المدعي إلى هذا المسلك الأخلاقي، مع إلزام النفس به إلزامًا شديدًا في جميع أحواله وأطواره من سَعَةٍ وضيق، وغنًى وفقر؟!









أي نبل أخلاقي أحاط برجل كذَّاب مُدَّعٍ للنبوة بهتانًا وزورًا أن يعاديَ الظلم بجميع صوره وأشكاله معاداةً صارخةً لا هوادة فيها، وأن ينحاز للعدل انحيازًا كاملًا، حتى صار ذلك قاعدة عامة لشريعته، فيحملها طلبها للعدل ومحاربتها للظلم أن تحرم صورًا وأشكالًا من المعاملات الاقتصادية الرائجة في كل الأزمنة؛ لكون تلك المعاملة فيها ظلم لأحد الطرفين، حتى إن كان المظلوم راضيًا عن هذا الظلم، كما في تحريم الربا بصوره المختلفة على نحو لم تأتِ به شريعة سابقة، ولم تتابعها عليه الشرائع البشرية المعاصرة؟!









وقبل ذلك وبعده تكون سيرة ذلك الرجل الآتي بهذه الشريعة تعبيرًا صادقًا عن هذا الانحياز إلى العدل، والمجانبة للظلم، في القليل والكثير؟!









أنَّى للكذاب المدعي وتلك الشمائل الأخلاقية في سيرته وشريعته على حد السواء تنتشر انتشارًا ظاهرًا مطردًا مُتَّسقًا؟!









وأما الجانب الثاني، فهو: الباعث على التشريعات؛وذلك أن العقل قاضٍ بأن المدعي للنبوة كذبًا أو حتى لغيرها من الدعوات؛ كادعاء المهدوية أو الولاية، لا بد أن يكون همه وشاغله فيما يُحدِثه من تشريعات، ويسُنُّه من قوانين أن تصب هذه التشريعات وتلك القوانين في خدمة دعوته الكاذبة، وأن تزيد في سلطانه وسيطرته على أتباعه، وألَّا يكون في تلك التشريعات والقوانين ما يناقض هذا الهدف الرئيس في صلبه أو في ثمرته؛ أي تصديقه في دعواه الكاذبة، وجذب المزيد من الأتباع إليها.









ومن أمثلته أيضًا ما هو مشاهد في عالم السياسة؛ حيث يسعى الديكتاتور أول وصوله إلى السلطة، إلى تدبيج الدساتير والقوانين بما يطيل بقاءه في السلطة، وبما يسمح له بمباشرة البطش بالخصوم؛ حيث يغير من القوانين والتشريعات القائمة ما يمنعه من الوصول إلى تلك الغاية، وتصبح هذه معركته وقضيته، ولا يلتفت إلى ما سواها من القضايا إلا بالقدر الذي يساعده في الوصول إلى غايته، وتحقيقها، والمحافظة عليها إذا تحققت.









وكان المفترض في الحالة المحمدية حال صحة زعم الخصوم بكذب محمد في دعواه – حاشاه - أن تتمركز التشريعات المحمدية حول إحكام سيطرة محمد على السلطة، وتقوية دعوته ودولته، وإغراء الناس بالانضمام إليها، والابتعاد عما ينفرهم منها، وعدم الاهتمام بشأنهم الاجتماعي إلا بالقدر الذي يتمكن به محمد من السيطرة عليهم، وإخضاعهم لسلطته ودولته، وأما فيما عدا ذلك؛ فكان ينبغي عليه أن يترك الناس وشأنهم في تلك الأمور، ما دام ذلك لا يؤثر سلبًا على دعوته أو سلطته، فإن شأن كل كذَّاب مُضِل أن يتمركز حول ذاته ومصالحها، ولا يلتفت إلى الآخرين، إلا بالقدر الذي يخدم به نفسه ومصالحها ومنافعها.









لكننا إذا نظرنا إلى واقع الحالة المحمدية، لا نجد الأمر على ما يقتضيه هذا التصور المفترض، بل نجد الجانب الأخلاقي على ما تقدمت الإشارة إليه آنفًا، ونجد كذلك تشريعات اجتماعية وشخصية لا طائل منها، ولا محل لوجودها من الإعراب حال افتراض كون محمد كاذبًا - حاشاه - بل إننا نجد تشريعات تُضادُّ السيطرة المحمدية، وقد تنفر من الدعوة المحمدية، وتضر بالأطماع الشخصية لصاحب الدعوة حال كونه كاذبًا.









فأما التشريعات المتعلقة بالجانب الأخلاقي، فقد تناولنا ذلك في مطلع هذه المقالة، ونزيد هنا أن نقرر أن كل تشريع أخلاقي في الدعوة المحمدية حال كذب صاحبها – حاشاه - لا مبرر له، ولا معنى منطقيًّا لوجوده، إلا إذا كان وجوده بالقدر الذي يخدم الدعاية الكاذبة، ويوهم الناس بنبوة صاحب الدعوة، وقد قدَّمنا أنه كان يكفي من ذلك النزر اليسير الذي يحصل به تجميل وجه الدعوة وصاحبها، أما التغلغل الأخلاقي في التشريعات المحمدية، وفي سيرة صاحبها، فلا مبرر منطقيًّا له إلا صدق صاحب الدعوة، وأن تلك الدعوة ليست من عند نفسه، وأن صاحبها يرمي إلى تكوين أنموذج أخلاقي في تشريعاته يعيش أبد الدهر، وليس بضعة شعارات يستميل بها رجل كذَّاب معاصريه؛ ليصدقوه فيما يزعمه ويدعيه.









وأما الجانب الآخر؛ وهو التشريعات الاجتماعية أو المتعلقة بالحياة الخاصة بالأفراد؛ فهذا من أظهر ما يكون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في ادعاء النبوة؛ فإننا لا نعلم باعثًا منطقيًّا لهذه الجملة الكثيرة من التشريعات الاجتماعية والشخصية في الشريعة المحمدية، التي لا تعلق لها بالجانب السياسي، فهي بعيدة كل البعد عن أن يكون لها ثمرة سلطوية، يستفيد بها مدعي النبوة، إن كان كاذبًا في دعواه.









ولقد كان يكفي محمدًا صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبًا في دعوى النبوة، أن يترك الناس على ما هم عليه تشريعات متوارثة في الجانب الاجتماعي والشخصي، ولا يقتحم هذا الجانب ليضيق عليهم هذا التضييق؛ فإنه من المعلوم أن الشريعة الإسلامية هي أكثر الشرائع تناولًا للجانب الشخصي والاجتماعي.









إن لأصحاب العقول أن يتساءلوا:




ما الباعث الذي يحمل رجلًا يدعي النبوة كذبًا أن يضيِّق الخِناقَ على أتباعه، فيُلْزِمهم بالاقتصار على أربع زوجات؟!









وما الباعث الذي يجعله يحرمهم من زوجاتهم بعد الطلاق الثالث، وأنه لا سبيل إلى الالتقاء بعد الطلاق الثالث إلا بزواج المرأة برجل آخر، ثم موته أو طلاقها منه؟









وما الباعث المنطقي في تحريم المرأة على زوجها إذا قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي أو أختي؟









ألَا كان يَسَعُ مدعي النبوة كذبًا أن يترك أمور الزواج والطلاق على ما كانت عليه العرب، وعلى ما يألفه الناس في زمانه؟!









ألم يكن الجدير به أن يوسِّع على متبعيه وأصحابه فيما ضيقت عليهم التشريعات القائمة قبله، لا أن يقوم بالعكس ويضيق عليهم فيها؟!









من حق صاحب العقل أن يسأل:




ما الجدوى السياسية، وما العائد السلطوي على مدعي النبوة كذبًا من تحريمه على أصحابه ومتبعيه إتيان نسائهم إبان الحيض، أو ممارسة الجنس معهن في الدبر؟!









وأي ضير كان سيلحق دعوته وسلطته ودولته لو أباح لهم إتيان النساء في المحيض، أو في الأدبار؟!









تُرى هل أخبرته الأبحاث الطبية في عصره بالتأثيرات الطبية لهاتين الممارستين فراح يحرمها على أتباعه، أم هل يملك الكاذب المدعي ضميرًا أخلاقيًّا يشفق به على الآخرين ابتداء؟!









وأما الجانب الثالث؛ وهو التشريعات التي فيها تنفير عن الدعوة، أو إضرار بها، أو بأتباعها بوجه من الإضرار، فما أكثر ذلك! وما أوسع انتشاره!









ولنفتتح أمثلة ذلك بتحريم الخمر، ولقد كان شربها عادة مجتمعية متوارثة ومتأصلة في المجتمع العربي، حتى إن تحريمها في الشريعة الإسلامية لم يحصل دفعة واحدة، بل احتاج إلى تدريج في التشريع وصولًا إلى حصول الاستجابة المجتمعية للتحريم.









فنقول: ما الباعث وراء تحريم الخمر عند مدعي النبوة كذبًا؟ وما مصلحته في تحريمها؟




أليس تحريمها - وهي العادة المجتمعية المتأصلة - فيه مشقة على الناس الذين يريدون الدخول في دين هذا الرجل الكاذب؟! أليس في تحريمها تنفيرٌ لهم من دخول هذا الدين لحرمانهم من هذه اللذة؟!









إن الواقع يخبرنا أن تحريم الخمر كان بالفعل عائقًا أمام البعض من دخول الإسلام، كما في قصة الشاعر الجاهلي الشهير (الأعشى)، الذي همَّ بالذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام، لكنه رجع من الطريق لما علم أن الإسلام يحرم الخمر، وكان الرجل مولعًا بها، مدمنًا إياها.









فما الذي حمل محمدًا صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبًا على مثل هذا التشريع المنفِّر عن دعوته؟!









ومثل هذا يُقال في تشريع الصوم، فما الجدوى من فرض صيام شهر كامل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس على الأتباع، وفي الصوم من المشقة على النفوس والأجساد ما هو معلوم، ولا يحتاج إلى التدليل عليه؟!









أما كان الأليق بمدعي النبوة كذبًا إن كان لا بد فاعلًا ومشرعًا للصوم، أن يجعله يومين أو ثلاثة، بحيث لا يشق على أصحابه، ولا ينفرهم من دعوته الكاذبة؟!









وانظر إلى فرض الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، وكيف أن الرجال مطلوب منهم أن يؤدوها في المساجد جماعة، ومعلوم ما في ذلك من مشقة وتعطيل عن العمل لمن كان نظرته للأمور نظرة دنيوية محضة، وهي النظرة المتوجبة على مدعي النبوة كذبًا بلا ريب.









وقُلْ مثل ذلك في محظورات الإحرام؛ وهي الأشياء التي يُمنَع المحرِم - وهو الشخص الذي يقوم بأداء العمرة أو الحج - من ممارستها حال إحرامه.









فما الضير أو الضرر الواقع على الدعوة المحمدية حال كذب صاحبها من إباحة أن يلبس المحرم في نسك الحج والعمرة ثيابًا مخيطة، أو يقص أظفاره، أو يأخذ من شعره، أو يضع طيبًا قبل أن يفرغ من نسكه أو يستمتع بزوجه؟









بل هناك ما هو أشد من ذلك في أمر الحج: فقد جاء في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ [المائدة: 95].









فالإنسان الْمُحْرِم ممنوع من اصطياد الحيوانات البرية من وقت دخوله في الإحرام، وإلى وقت خروجه منه، وفي الزمن القديم وتبعًا لوسائل المواصلات في ذلك الوقت، كانت مدة الإحرام تستغرق وقتًا من بداية الميقات الذي يدخل الناس فيه في النسك والإحرام إلى وقت انتهائهم من أداء نسك الحج أو العمرة، فكانت الرحلة من ميقات المدينة – مثلًا - إلى مكة تستغرق أكثر من أسبوع كامل، يقطع المسافر فيها الصحراء، ويحتاج إلى الطعام، وكان الصيد في ذلك الزمان مصدرًا رئيسًا من مصادر الطعام عندهم.









فنسأل: ما الفائدة التي تعود على الكذاب المدعي وعلى دولته ونفوذه، إذا منع أصحابه من تناول طعام الصيد طوال هذه المدة، وفي تلك المسافة الطويلة؟









إننا نجد محمدًا صلى الله عليه وسلم يمتنع هو نفسه من تناول الصيد حال الإحرام، مع أن هذا الصيد جاءه في صورة هدية من أحد سكان المناطق التي مَرَّ بها في طريق حجِّه، بل الأغرب من ذلك أن تكون هناك عقوبات مالية كبيرة على من يقتل الصيد ليأكله وينتفع به، فهل يفعل كذاب مُدَّعٍ هذه الأمور، وهل يليق به أن يتصرف بما فيه إعناتٌ لنفسه ولأتباعه في غير طائل ولا فائدة؟!









وما سُقْناه من استفهام في أمر الحج نسوقه في أمر الجهاد نفسه، مع أن للمكذب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن يدفع بأن في الجهاد وقتال الأعداء فائدة على الدعوة المحمدية؛ ألا وهي حفظ هذه الدعوة، وقيام دولتها، بقطع النظر عن صدق صاحبها أو كذبه.









لكننا نقول: إن في تضاعيف هذا التشريع؛ أعني تشريع الجهاد وقتال الكفار، ما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الدين ليس من عنده، بل من عند الله.









ذلك أن الشريعة الإسلامية قد أمرت بالمحافظة على الصلاة حال القتال، وعدم تركها تحت أي ظرف، وجاءت بلزوم أدائها بحسب الحال؛ إما جماعة أو فرادى أو حال المشي حتى!










فنسأل:




ما المبرر المنطقي والعقلي لرجل كاذب أن يأمر أتباعه بالمحافظة على الصلاة حتى في هذا الموضع؛ موضع القتال، الذي ربما يهزم فيه جيشه، ويضيع فيه سلطانه وملكه؟!









أليس المنطقي أن يبادر الكذاب المدعي أن يقول لأتباعه: إن الله وضع عنا الصلاة حال الحرب، ولم يأمر بها، ما دمنا في قتال مع أعداء الله؛ وذلك لنتفرغ للقتال، وبعد ذلك نعود إلى الصلاة والعبادة؟!









أليس مثل هذا القول هو أنفع له ولسلطانه ولدعوته من تشريع الصلاة وقت القتال، وإلزام نفسه وأتباعه بها، حتى في حالة الحروب التي قد تتعرض فيها دعوته ودولته للزوال؟!









والحق أنه يطول جدًّا تعقُّبُ الأمثلة لجزئيات التشريع التي تصبح بلا معنى ولا فائدة، أو تلك التي تجلب ضررًا وحرجًا على أتباع الدعوة، حال افتراض كذب صاحب الدعوة وانتحاله لصفة الرسالة والنبوة، وإنما أردنا بما ذكرناه من أمثلة التدليلَ على دعوانا أن نفس التشريعات الإسلامية، وما فيها من كُلفة ومشقة، مع تنوعها وتوغلها في حياة الفرد والمجتمع - لا يتأتَّى صدورها عن متنبئ ولا دعِيٍّ أفَّاك؛ إذ الإفك والكذب يتعارض مصلحيًّا ونفعيًّا كل التعارض مع تلك التشريعات الإسلامية المختلفة، التي تأخذ من حياة الناس ومصالحهم الدنيوية في سبيل مصالحهم الأخروية، ومعلوم أن مصلحة الكاذب وهدفه وغايته في معزل وتعارض عن جميع ذلك.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-10-2024, 03:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (7) المضامين القرآنية ودلالتها عل

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

الحلقة السابعة (المضامين القرآنية ودلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم)

د. علي حسن الروبي

نواصل في هذه المقالة الحديث عن الأدلة العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة، ونخصصها للكلام عن المادة القرآنية ووجوه دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وكما اعتدنا في هذه السلسلة، فإننا لا نسلك الطريقة المألوفة في استعمال أدوات الاستدلال، وإنما ننظر إلى الأدلة ونتعامل معها من زوايا خاصة نزعم أن المخالف لا ينازع فيها إذا تجرد للحق وطلبِه.

ومن ثم، فلن نتكلم في هذه المقالة عن الإعجاز البلاغي للقرآن وما يتصل بذلك من فصاحة نظمه وتكامل بيانه وعجز العرب وهم أرباب الفصاحة عن مجاراته. أو عن وجوه إعجازه الأخرى كإخباره بمغيبات ثم وقوعها على نحو ما أخبر به، أو إيراده من أخبار الرسل والأمم ما لم يتقدم لمحمد صلى الله عليه وسلم معرفة به ولا اطلاع عليه قبل ذلك، إلى آخر ذلك من وجوه الإعجاز.

ومن باب أولى فلن نتعرض لما يذكره المعاصرون من الإعجاز العلمي والإعجاز العددي وما إلى ذلك، مما تنازع فيه المسلمون أنفسهم من إثباته ونفيه؛ فإنه خليق بالخصم أن يرده ولا يسلم به.

ولنلجْ الآن إلى المقصود فنقول:
دعوى الخصوم هي أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) ليس مرسلًا من عند الله، وأنه كان كاذبًا (حاشاه) في ادعاء النبوة وأنه فعل ذلك لتحصيل الجاه والسلطان الدنيوي على الناس وإخضاعهم له...إلخ، فدعونا ننظر في المادة القرآنية ومواضيعها ومضامينها وأغراضها ومراميها، هل هي تساعد على غرض محمد المفترض وتمهد له وتقويه وتثبته أم لا؟

لقد ذكرنا في طليعة هذه السلسلة أن الرجل الذي يدعي النبوة كذبا وينجح في خداع كثير من العقلاء وأرباب الذكاء في دعواه تلك- لا بد أن يتمتع بدرجة عالية من الذكاء وإلا كان الفشل العاجل حليفه.

ومقتضى الذكاء وموجبه أن يستعمل صاحبه كل الأدوات المتاحة لخدمة هدفه والوصول إلى مرامه وأن يتجنب ما يعارض ذلك ويعاكسه.

والهدف الذي ينشده المتنبي الكاذب أن يحصل له من الجاه والمكانة والسلطة الدنيوية؛ وعلى هذا، فموجب العقل والذكاء - مع افتراض كون القرآن محمديًا وليس إلهيًا- أن يصير مضمون النص القرآنية وقطب رحاه وإنسان عينه - هو الشخصية المحمدية والسعي في تفخميها وتمجيدها ورفعها عن منزلة البشرية والمساواة بالناس ونحو ذلك مما يخدم غرض مخترع هذا القرآن، ولا يكون حضور الله تعالى وتمجيده وتعظيمه إلا بالقدر الذي يحصل به إيهام الناس أن هذا القرآن من عند الله.

فهل الأمر كذلك في القرآن الذي بين أيدينا؟
إننا نجد القرآن من أوله إلى آخره هادفًا وراميًا إلى تمجيد لله تعالى والثناء عليه والتعريف بأسمائه وصفاته والتذكير بنعمه والآئه وحقوقه على عباده، وتوجيه الناس إلى لزوم عبادته والتضرع إليه ورجائه ومحبته والخوف من غضبه وعقابه والفرار إليه والتوكل عليه والإنابة إليه وتسفيه جميع المعبودات المتخذة من دونه والتشنيع على عقول أصحابها، ومدح من آمن به وبكتبه التي أنزل ورسله التي أرسل وبعثه للناس بعد موتهم ومحاسبتهم، وذم من كذب بجميع ذلك أو بعضه.

وهذا الغرض لا تكاد تخلو منه أو من بعضه سورة من سور القرآن، وإنك لتجد ذكر اسم الله يكاد أن يكون واردًا في كل آية من آيات القرآن الكريم.

إن أي ناظر في القرآن ومطالع له لا ينازع أن هذا الكتاب هو كتاب عن الله وأنه مجعول للدلالة على الله، سواء سلم بعد ذلك أنه من عند الله أو من عند غيره.

إن الله تعالى هو الموضوع الرئيس والمطلب الأصيل في النص القرآني، وما سوى ذلك من الموضوعات القرآنية فحضورها بالعرض لا بالأصالة وأهميتها ومكانتها جاءت من اتصالها بالموضوع الرئيس (الله) لا من جهة نفسها وذاتها.

والأمر نفسه مع الشخصيات التي ترد في القرآن ويكثر الثناء عليها، كما هو الحال في ثناء القرآن المتكرر على الأنبياء الكرام وثنائه على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وورد أسمائهم وأخبارهم في مواضع عديدة من الكتاب الكريم؛ فإن كل هذا لا يعني أنهم أصبحوا هدف هذا الكتاب ومضمونه الأصلي.

وإذا كان ذلك كذلك (أن الله تعالى هو موضوع القرآن النص القرآني ومقصوده)، فلا يستقيم هذا الواقع فيما لو كان القرآن من عند محمد وليس من عند الله كدعوى الخصوم؛ لأنه لو كان القرآن من اختلاق محمد فساعتها كانت آياته ستموج بتمجيد محمد والتسبيح بحمده وطلب عبادته مع الله بوجه من الوجوه وإسناد القدرة إليه مع الله في جلب النفع ودفع الضر وإنزال المطر وإرسال الرزق وتصريف أمور السماوات والأرض، وهذا شيء يسير صار في جانب ما يعتقده بعض الغلاة والجهال في كثير الأولياء والصالحين، فإسناد مثل هذا إلى مقام النبوة ليس مستبعدًا ولن يكون مستنكرًا لا من الوثنيين الجاهليين الذي عاصروا النبوة ولا من الأجيال التي جاءت بعد ذلك. وقد شهد التاريخ عبر القرون فئامًا من الغلاة يدعون أن النبي صلى الله عليه وسلم نورًا ذاتيًا لله تعالى، ومنهم من يجعله الواسطة التي انبثقت عنها المخلوقات، ومنهم من ينفي عنه الموت، ومنهم من يثبت له علم الغيب والتصرف في الأكوان...إلى غير ذلك من مظاهر الغلو التي نسبوها له أو حتى لغيره من الأولياء بدرجات متفاوتة.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فثمّ حديث مكذوب وموضوع على النبي صلى الله عليه وسلم، وله شهرة عند أهل الغلو، قد جاء فيه أن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك).

وإني لأقول: لو كان القرآن من عند محمد ولم يكن نبيًا مرسلًا (حاشاه)- لكان ممتلئًا بآيات هي على شاكلة هذا الحديث الموضوع المكذوب المختلق، ولعجت آياته من أوله إلى آخره بتفخيم قدره وربط أفئدة الناس بشخصه، ولجعلتْ منه نسخة عربية مضاهية لاعتقاد النصارى في المسيح عيسى ابن مريم السلام، ولتحول المضمون القرآني إلى ما يشبه قصائد المديح لشخص مولع بتمجيد نفسه. وهذا أقل ما يمكن أن ترتضيه النفس المريضة التي كذبت على الله وعلى الناس من أجل تحصيل المنزلة والمكانة والجاه والثناء.

نعم، قد جاء الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم كثيرًا لكن ليس للخصوم أن يتعلقوا بهذا فيما نحن بصدده من مناقشة لوجهين:
الأول: كون هذا الثناء يظل محدودًا بالنسبة لجملة النص القرآني ولا يصح أن يجعل منه غرض القرآني المركزي وهدفه المنشود، بجانب كونه أمرًا يتشاركه فيه غيره من الأنبياء الذين جاء التنويه بهم والثناء عليهم في القرآن الكريم لا سيما إبراهيم وموسى عليهما السلام.

وأما الوجه الثاني: فهو كون هذا الثناء القرآني على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب توقيره ونصرته واحترامه وتبجليه- ليس في شيء منه رفعه فوق درجة البشرية وإدخاله في حيز الربوبية والألوهية بأي وجه من الوجوه، بل فيه التأكيد الشديد على بشريته ومساواته للناس من هذه الحثيثة وأنه يفضلهم بالنبوة والرسالة فحسب.

فإن قال الخصوم: إن الثناء والتمجيد لا يتوقف على تخصيص آيات كثيرة بذلك، ولو دققنا لوجدنا أن أغلب آيات الوعد والوعيد والثواب والعقاب- مقترنة بالإيمان بالله وبمحمد وبطاعة الله وطاعة محمد، وأي تبجيل وتفخيم لمحمد فوق ذلك؟!

فنقول: إن ذلك واقع بالفعل وهو وإن كان يحمل تعظيمًا وتفخيمًا ضمنيا للنبي صلى الله عليه وسلم- إلا أن ذلك لا مندوحة منه ولا يتصور وقوع غيره؛ ذلك أنه من غير المنطقي أن يرسل الله تعالى رسولًا إلى الناس بأوامره ونواهيه ويجعل الثواب والعقاب مرتبًا على اتباع تلك الأوامر واجتناب تلك النواهي ثم يجعل الناس في سعة من تصديق ذلك الرسول أو تكذيبه أو يجعلهم في سعة من طاعته أو عصيانه!! فلأجل ماذا أرسل الله ذاك الرسول وأنزل معه كتابا وأعطاه شريعة، ما دام الناس في حل من الإيمان والكفر به والطاعة والعصيان له، وكيف يجوز أن يرتب الله ثوابا وعقابا أخرويين دون أن يوجب تصديق ذاك الرسول وطاعته؟!

إنه إذا كانت سبيل النجاة من العقاب والفوز بالنعيم في اتباع ما أنزل الله وما شرع للناس - فسبيل معرفة ما أنزل الله وما شرع لا يتأتى بتصديق رسول الله فيما أخبر به عن الله وفي طاعته فيما أمر به من أمر الله عنه. ولهذا فلا غرابة أن جاءت الآيات الكثيرة جدا تقرن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعة الله تعالى وتعلق الفوز بالجنة والنجاة من النار على ذلك.

ثم إننا لا ننكر المنزلة العليا للنبي صلى الله عليه وسلم عند الله حتى يحتج علينا الخصوم بوجود ما يدل عليها في القرآن أو في السنة، وإنما مقصودنا هنا أن الذات المحمدية ليست هي غاية النص القرآني أو محوره الرئيس، بل ذلك للذات الإلهية، وهذا لا يتماشى ولا ينسجم مطلقا مع دعوى الخصوم أن القرآن من إنشاء محمد وليس من عند الله.

ثم عودًا على بدءٍ نقول:
إن النص القرآني الذي لم يجعل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره من البشر محوره ولا غايته- قد جاء فيه ما يدحض دعوى الخصوم؛ ولست أعني فحسب الآيات النافية عن النبي صلى الله عليه وسلم علم غيب وعدم التحكم في مصير نفسه فضلًا عن مصير غيره وأن وظيفته الدلالة على الله تعالى والإرشاد إليه وأن أمر الجنة والنار والسعادة والشقاء كله في يد الله تعالى، وهذا كله خطاب شائع في القرآن تعرضنا للكلام عنه في مقالة سابقة، بل إضافة إلى ذلك نجد أمامنا تلك الآيات التي فيها نوع عتاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم،
﴿ ‌عَفَا ‌اللَّهُ ‌عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43].

﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ‌وَتَخْشَى ‌النَّاسَ ‌وَاللَّهُ ‌أَحَقُّ ‌أَنْ ‌تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37].

﴿ ‌مَا ‌كَانَ ‌لِنَبِيٍّ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُ ‌أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62-68].

وغير ذلك من الآيات التي يقر كل عاقل أن الكاذب الدجال لا يمكن أن يضمنها كتابا اختلقه في الأساس لأجل مصلحته الشخصية، وهذه الآيات إن لم تفتح باب التشكك عند الأتباع والأصحاب فهي تفتح الباب عند الخصوم بلا ريب، فما حاجة رجل ذكي لتوريط نفسه في هذه الإشكالية بلا داع ولا موجب، بل إني أدعو القارئ لأن يعمل النظر في الآيات التالية:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ‌فَتَكُونَ ‌مِنَ ‌الْمُعَذَّبِينَ ﴾ [الشعراء:213]
﴿ ‌وَإِنْ ‌كَادُوا ‌لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 73-75].

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا ‌بَعْضَ ‌الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ [الحاقة: 44-48].

ونحو ذلك من الآيات التي تحمل نفس اللون من الخطاب.

ونقول: أفبمثل هذا الخطاب يتوقع أن يمهد شخص كذاب يرمي لتعظيم نفسه وتقديسها؟
إن متوسطي الذكاء من الرجال ليفطنون إلى خطورة ما يحمله هذا الخطاب وأشباهه على دعوة مختلقة هدفها الرئيس تقديس صاحب الدعوة وتعظيمه.

ثم عطفًا على جميع ما سبق نتساءل كذلك:
هل نسي محمد (صلى الله عليه وسلم) لو كان متقولًا لهذا القرآن من عند نفسه، أن يمجد فيه أهل بيته وعشيرته وأن يجعل لهم الوصاية بالحكم من بعده؟!

نعم، ليسأل كل منصف نفسه هذا السؤال: لماذا لا توجد آيات صريحة في وجوب توسيد الملك والولاية بعد وفاة محمد إلى عشيرته وأقاربه من بعده؟!

لماذا يحرم رجل - يصفه الخصوم بالكاذب على الله والكاذب على الناس- أهلَ بيته وعشيرته من بعده من أن يتبوأوا الملك والسلطان من بعده؟!

ما العلة المانعة له من اختلاق آيات في هذا الشأن ونسبتها إلى الله كما نسب إليه آلاف الآيات غيرها بزعمكم؟

لقد صدّقه الناس في دعوى النبوة وخضعوا له خضوعًا كاملًا فلماذا لم يحابِ قومه وعشيرته بأن يجعل لهم الملك من بعده ويزعم أنه مراد إلهي وليس غرضًا شخصيًا ويخترع في ذلك مجموعة من الآيات ويضمنها القرآن؟!

ومن الغايات القرآنية التي تدل على أنه لا يمكن أن يكون منشؤه بشرًا مدعيا للنبوة كذبًا- الغاية الأخروية لهذا الكتاب؛ فهو كتاب أخروي بامتياز يركز كل التركيز على عالم الآخرة ويجعلها الشأن والغاية والهدف والمقصد، ويجعل الفوز فيها هو الفوز والخسارة فيها هي الخسارة، ويحقر ويهون ويقلل من شأن الدنيا ومتاعها وبهرجها وعذابها وآلامها، ويصورها كلحظة خاطفة في الوجود الإنساني لا قيمة لها من جهة نفسها ويدعو إلى ازدراء نعيمها وملذاتها وإلى الصبر على أكدارها وبلاءاتها....إلى آخر ما هنالك مما هو متصل بهذا المعنى.

ولعمر الحق إن مدعي النبوة كذبًا إنما هو رجل عبد ذليل للدنيا غارق في شهواتها العارضة من حب الثناء والمدح والتعظيم من الناس ولو بالكذب على الله وعلى الناس، متطلع إلى العلو في الأرض وطلب الصيت والجاه فيها، فكيف يكون الكتاب الذي اخترعه وجادت به قريحة طويته الفاسدة - مائجًا من أوله إلى آخره بتمجيد الآخرة والتذكير بها وتحقير الدنيا والإزراء على المتعلقين بها؟!

تالله إن الدعي الكذاب مصروفة نفسه عن مثل هذا ولا يلتفت إليه إلا بالقدر الذي يحتاجه من التلبيس والتدليس ليوهم الناس أنه رسول من عند الله ولا يمكنه أن يتجاوز هذا القدر إلى حد الإغراق في الأمر على النحو الذي نجده في القرآن الكريم.

ومما يتصل بهذا الباب المتعلق بالغايات والمرامي القرآنية - هو تلك الذروة الأخلاقية التي ينتهجها هذا الكتاب وحثه على الصدق والأمانة والكرم والإيثار ونصرة المظلوم والضعيف والمستجير، وقول كلمة الحق ولو على الأقربين أو الوالدين أو النفس، واستعمال العدل والوفاء بالوعد مع جميع الخلائق بما فيهم الأعداء حتى وإن كان كفارًا، والنهي والنعي على أخلاق الكذب والبهت والغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين والتنمر عليهم وازدراء الناس وتحقيرهم، وصولًا إلى مرتبة عالية من الكمال الخلقي كالإعراض عن اللغو والجهل ومقابلة السيئة بالحسنة واحتمال الأذى...إلخ.

ونقول في ذلك ما قلناه آنفًا في شأن تعظيم القرآن للآخرة وتحقيره للدنيا وأن الدَّعِي الكذاب غير منشغل بهذه الأمور ولا آبهٍ بها ولا هي من أولويات دعوته ولا تمثل مركزية فيها، ولا يورد من خطاباتها سوى ما يحتاج إليه من التعمية على كذبه والمخادعة عن حقيقة أمره.

ولولا أن يكون تكرارًا لتعرضنا في هذه المقالة لبعض التشريعات القرآنية ودلالتها على ربانية هذا الكتاب، كما صنعنا في مقالة ( التشريعات الإسلامية ودلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم) ، لكن لا بأس أن نومض هنا ومضة يسيرة يتضح بها مقصدنا، فإنك واجد في القرآن تعرضه لمسائل دقيقة وتهويله من شأنها وتعظيمه لأحكامها واشتباكه مع الأعراف الجاهلية السائدة زمانئذ، وذلك كما في قضايا الطلاق والظهار وأحكام العدة والرجعة والنفقة، وكما في التفصيل الدقيق في أحكام الميراث... وما شاكل ذلك من تشريعات تعرض لها القرآن، وقد قلنا في المقالة المشار إليه: إن الدَّعِي الكاذب على الله لا يشغل رأسه بهذه الأمور ولا تمثل عنده أولوية ولا يتقطع لها من تفكيره، فإن غايته وهدفه أن يصدقه الناس في دعواه وأن يظلوا على ولائهم له وخضوعهم لسلطان دولته، وهذا الأمور الاجتماعية لا تقدم له أي فائدة تتعلق بغايته وهدفه، ولو أبقى الناس على ما كانوا عليه من أعراف الجاهلية لما تأثرت دعوته الكاذبة بذلك قدر أنملة.

بل في بعض التشريعات التي جاء به القرآن اشتباك عنيف مع العادات والأعراف القديمة، وهذا جدير بصد الناس عن دعوته ونفورهم منها، والمفترض فيه أن يعمل جهده على استمالتهم ومصانعتهم ليصدقوه، ومن أمثلة ذلك تحريم الخمر والميسر والربا، والاشتباك الشديد مع القانون الجاهلي الذي كان يقضي بتحريم أكل بعض أنواع من الأطعمة أو الاستفادة من بعض الحيوانات.

وكما في تحريم القرآن للصيد أثناء الإحرام أو في محيط الحرم المكي، وفي هذا تشديد على الناس ومنعهم من منفعة اعتادوا عليها، وكما ذكرنا، فلا فائدة تعود على الدعي الكاذب من مثل هذه الأمور، بل يقضي العقل النفعي أن يكون تشريعه بما يوسع على اتباعه ويرفههم لا بما يحرجهم ويضيق عليهم.

ونختم هذه المقالة بالكلام على دلالة البناء القرآني من حيث القالب والمظهر على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن تناولنا دلالة المضمون والجوهر القرآني على ذلك. ونحن نزعم أن البناء القرآني دالٌ أنه رباني المصدر، لكننا كعادتنا لا نتناول ذلك من جهة ما تعرض له أهل العلم من الحديث عن بلاغته وفصاحته وكماله من حيث الصنعة البلاغية والأدبية واللغوية.

وحاصل ما نزعمه أن الظاهرة القرآنية الشائعة من جهة تكرار المعنى الواحد في مواضع كثيرة مع اختلاف يسير في الألفاظ- دليل على أن هذا القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم.

وبيان ذك أن تكرار نفس القصص والمواقف والمقالات بصيغ مختلفة اختلافًا يسيرًا عن طريق زيادة كلمة في العبارة المعادة أو نقصانها أو زيادة حرفٍ من كلمة أو حذفه منها ونحو ذلك. وهذا ما اصطلح على تسميته بين القراء والحفاظ بالآيات المتشابهات.

أقول: قد نتج عن هذا التكرار أمران:
الأول: أن هذا التكرار والتشابه مع التغيير في بعض الكلمات أو جزء منها- قد أوجب صعوبة على الحفاظ والقراء في استظهار القرآن، ولا ينكر أحد أن وجود المتشابهات يمثل عائقًا أمام إتقان حفظ القرآن واستظهاره.

والثاني: أن هذا القرآن أوجب طول النص القرآني، وهذا يمثل نفس العقبة في صعوبة حفظه واستظهاره عند كثير من الناس.

والذي أريد أن أصل إليه هو طرح السؤال المعتاد: أليس من اللائق بالدعي الكاذب أن يجعل كتابه سهلًا قصيرًا ميسرًا على أتباعه بحيث يتسنى حفظه بأقل مجهود؟!

ما الفائدة العائدة على الدعي الكاذب أن يكرر نفس المعنى مرات عديدة مع اختلاف يسير جدًا في اللفظ ينتج عنه تشابهًا يتعب الناس في الاستظهار والحفظ ويوقع في الخطأ عند تلاوته ويجعل نص القرآن بهذا الطول المعروف؟!

إن السبب الرئيس في استظهار الناس للقرآن الكريم مع طول نصه وتشابه عباراته- راجع إلى كون هذا القرآن من عند الإله الأعظم وأنه يسره على عقول عباده وقلوبهم ليستظهروه كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ‌يَسَّرْنَا ‌الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17-18] ولو كان القرآن بمادته الطويلة هذه ومتشابهاته غير إلهي وغير ميسر من عند الله- لكان حفظه من أشق ما يكون.

ولا يرتاب عاقل أن أي كذاب دجال منتحل- لن يعمد إلى مثل هذا التكرار وهذه الإطالة ويجعلهما سمة لكتابه الرئيس، والحال أنه سيبذل كل ما في وسعه ليسهل على الناس تصديق باطله وانطلائه عليهم، ولا ريب أن التشابه الشديد والإطالة بضد التيسير والتسهيل.

بل دونك أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الصادق الأمين ليس فيها طريقة القرآن في إعادة نفس المعنى وتكراره بألفاظ متقاربة متشابهة لكنها غير متطابقة.

فجميع ذلك يدلنا على أن النظم القرآني إلهي سماوي وليس من عند محمد صلوات عليه ولا من عند غيره من البشر.

وبهذا نصل إلى نهاية مان أردنا تجليته من دلالة القرآن في معناه ومبناه على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته ودعوته، آملين أن يكون قد حالفنا التوفيق فيما أردنا وما إليه قصدنا.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-10-2024, 04:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم(8) (تعبدات النبي صلوات الله عليه

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (8)

(تعبُّدات النبي صلوات الله عليه ودلالتها على صدقه في دعوى النبوة)

د. علي حسن الروبي

لعل عنوان هذه المقالة يُثير استغراب القارئ لهذه السلسلة، فقد جرينا فيها على إعمال العقل لإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوَّة، في حين يشير هذا العنوان إلى عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمر مقبول بين المؤمنين بالرسالة المتبعين لنبيِّها صلوات الله عليه، المقرين له بالصدق ابتداء... أما الخصوم والمشكِّكُون فكيف يمكن أن يقنعوا أن ملازمة العبادة الكثيرة دليل على صدق ادِّعاء النبوة؟!

وجوابًا أقول:
إن الذي دعاني لاعتبار تعبُّدات النبي صلى الله عليه وسلم وتألُّهاته من دلائل صدقه في دعوى النبوة= هو نفس ما يمكن أن يتمَسَّك به المخالفون من كون التعبُّد والتألُّه لا مدخل له في قضية صدق دعوى النبوة.

وبيان ذلك أننا نقول: إن الرجل العربي الذي كان معاصرًا للنبي صلى الله عليه وسلم قد يحمله على التصديق به ما رآه أو نقل إليه مستفيضًا من وقوع المعجزات على يديه؛ كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام الكثير، وشفاء من دعا له بالشفاء ونحو ذلك، أو بما يسمعه من القرآن المقرون بالتحَدِّي بالإتيان بمثله، أو بما استفاض عنده من استقامة حال محمد صلى الله عليه وسلم على حالة واحدة من الصدق والعِفَّة والأمانة وكريم الشمائل، وبُعْده عن تهمة الكذب.

لكن هذا العربي لن يغريه بالإسلام أن يقال: إن محمدًا كثير التعَبُّد من صلاة وصيام وذكر لله، فهذا شأنٌ لا يحمل على التصديق أو التكذيب.

وإذا ثبت هذا، فيتقَرَّر عنه أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى التزام التعَبُّد والجد فيه، وأخذ النفس به إلى درجة قاسية كما عُرِف من حاله؛ لأن ذلك ليس له تأثير في إيمان الناس به وتصديقهم أنه نبي أو كفرهم بدعوته وتكذيبهم له.

ثم بعد هذا التقرُّر، إذا ما ألقينا نظرةً على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخص الجانب التعَبُّدي سنجد أنه كان يُلزِم نفسه بمرتبة متعبة منهكة من التعَبُّد والإخبات، وهذا يدعو للتساؤل: ما الحامل لهذا الرجل إن لم يكن نبيًّا وكان مدعيًا للنبوَّة كما يزعم الخصوم أن يتعب نفسه كل هذا الإتعاب، ويجهدها كل هذا الجهد، ويشق عليها كل هذه المشقة مع أنها لا تفيده شيئًا على أرض الواقع، ولا تقدم له ولا تؤخِّر في قضيته الرئيسة وهي ادِّعاء النبوَّة؟!

ما الذي يدعو رجلًا يقول الخصوم: إنه متنبئ وليس نبيًّا ودجَّال وليس رسولًا= أن يجعل فيما اخترعه وافتراه على الله من القول أمرًا إلهيًّا وتكليفًا خاصًّا له بترك النوم والصلاة بالليل لمدة طويلة جدًّا، وليس في هذا التكليف -بالحسابات الدنيوية- تشريف دنيوي له أو إشادة به، أو ما يساعده على مطلبه من خداع الناس والتمويه عليهم؟ بل هو تكليف بأمر شاقٍّ على النفوس، ثقيل على القلوب، مُجْهِد للأبدان؛ فقد جاء في سورة المزمل وهي من أوائل ما نزل من القرآن: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4].

فيُطلب منه الصلاة بالليل لا مجرد صلاة ركعات يسيرات، بل قيام طويل إما قيام نصف الليل أو ثلثيه أو ثلثه؟

وليس لخَصْم أن يقول: إن هذا التكليف المشار إليه مجرد كلام اختلقه ليخبرنا أنه سيتعبد ولم ينفذ ذلك ولم يذق هذه المشقة.

لأنه من المنقول في القرآن وفي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بادر إلى امتثال ذلك الأمر وليس هو وحده، بل وجماعة ممن آمنوا به سلكوا هذا المسلك أيضًا، اقتداء به، ففي آخر هذه السورة أيضًا: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20].

ولقد قال أهل التفسير: إن هذه الآيات نزلت تخفيفًا للأمر السابق بعد أن كان بعض الصحابة يقوم الليل كله احتياطيًّا مخافة أَن يخطئ في تحديد النصف والثلثين، وكان من نتيجة ذلك أنه قد انتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم لمدة عام أو أَكْثر؛ فرحمهم اللهُ، وخفَّف عنهم، وشرع لهم قيام ما تيسَّر دون تحديد بقدر معين!

ولم يكن قيام الليل شيئًا عارضًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فعله في أوائل أيامه ثم تنكَّب عنه، بل جرى عليه إلى آخر وقت في حياته، وقد نقل عنه زوجاته وأهل بيته وخاصته أنه كان يصلي كل ليلة إحدى عشرة ركعة مع إطالة تلك الركعات في القراءة والركوع والسجود، وأنه كان يواظب على قيام الليل إلا لعارض من مرض ونحوه.

ونقل أيضًا أنه دخل عليه أحد أصحابه فوجده يصلي، فقام صلى معه، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء في ركعة واحدة، ثم ركع فأطال الركوع إلى قريب من وقت القراءة المتقدمة، وأطال القيام بعد الرفع من الركوع بنحو ذلك، وفعل ذلك في السجود، وهذا من شأنه أن يستغرق عدة ساعات!

وطبيعي أن ينتج من مثل هذا القيام الطويل وهذه الصلاة الممتدة تورُّم القدمين، فكانت زوجته عائشة تسأله: لمَ يفعل هذا بنفسه مع مغفرة الله له وكونه رسولَه ونبيَّه؟ فيجيب بأن هذا مقتضى الشكر.

وهذا الاستمرار والتعَهُّد والمحافظة على هذا القيام الليلي الطويل دفع بعض الفقهاء لأن يقولوا: إن قيام الليل مسنون ومستحب في حق عموم الناس، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان قيام الليل فرضًا واجبًا عليه.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر حادثة عامة مشهورة وقعت أمام جموع الناس، ولا سبيل إلى التشكيك فيها، وذلك أن الشمس قد كُسِفت يومًا ما ووافق كسوفها موت ابنٍ صغير للنبي صلى الله عليه وسلم وهو إبراهيم، فسارع الناس على عادتهم في كل عصر ومصر إلى القول بأن ذلك الكسوف قد وقع حزنًا على موت ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فتُرى ماذا كان موقف الرجل الذي يقول خصومه قديمًا وحديثًا: إنه كذَّاب متنبئ وليس بنبيٍّ؟ وهل استغل الفرصة التي جاءته على طبق من ذهب لإخضاع الناس له وربطهم بشخصه وأسرته؟

كلا، لقد بادر النبي الصادق صلى الله عليه وسلم إلى نفي العلاقة بين موت ابنه وكسوف الشمس، ثم ماذا فعل؟ لقد أمر بالنداء بالصلاة، وصلَّى بالناس صلاةً طويلةً جدًّا حتى إنه قد حصل إغماء لأسماء بنت أبي بكر الصديق بسبب تعبها من طول الوقوف في هذه الصلاة الطويلة!

فبالله إذا كان من يزعمونه دَجَّالًا كذَّابًا هذا صنيعه، فليخبرونا بصنيع النبي الصادق في رأيهم كيف سيكون؟! أما والله، إن محمدًا لصادق، وإنه لنبيٌّ مرسل.

والحال في تعَبُّد النبي صلى الله بالصوم كالحال في تعبُّده بقيام الليل وصلاته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مكثرًا من الصوم في الإقامة، وفي السفر، وفي الصيف والشتاء، وحتى مع اشتداد درجة الحرارة ووجود حال السفر= نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم أيضًا، ففي حديث أبي الدرداء أنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة).

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل الصوم أحيانًا، بمعنى أنه يصل صوم يوم بيوم آخر أو أكثر دون أن يفطر بينهما، وهذا فيه من المشقَّة ما فيه، وقد حاول أصحابه أن يتابعوه في هذا الفعل فنهاهم؛ لما فيه في المشقَّة عليهم، بل نهى أُمَّته عن الوصال في الصوم رحمةً بها وتخفيفًا عليها.

وليس سبيل إلى المجادلة في كون النبي صلى الله عليه وسلم بشرًا يشعر بالجوع والعطش كما يشعر البشر ويحتاج إلى الطعام والشراب كما يحتاج إليه البشر، ويحصل له من التألم الجسماني لفقدهما ما يحصل للناس عندما يجوعون ويظمأون، ومع ذلك كان يكثر الصوم، ويعرض نفسه للجوع والعطش، فما الذي يحمله على تعذيب نفسه بهذه الطريقة وبلا أي موجب إن لم يكن نبيًّا صادقًا في نفس الأمر يبتغي بذلك الزُّلْفى والقُرْبى عند الله؟!

فإن أورد الخصوم على ما ذكرنا أنه مع التسليم بأن التعبد ليس داعيًا ولا دافعًا لغير المسلم للدخول إلى الإسلام، لكن يمكن أن يقال: إنه يُحتاج إليه في التصَنُّع مع الأتباع لإيهامهم أنه رسول من عند الله وأنه نبي بحقٍّ؛ فإن عدم تعَبُّده يشكك من حوله في نبوَّته.

والجواب أن يقال: نعم، هذا احتمال عقلي وارد من جهة الاحتمالية المحضة، لكن العقل يقضي كذلك بأنه كان يكفي للوصول إلى هذا الغرض أدنى شيء من التعبُّد، وكان يكفي في ذلك مشاركتهم فيما أمرهم به من التعبُّدات الظاهرة؛ كالصلوات الخمس وصيام رمضان مثلًا، لا سيَّما وهو يعلن دائمًا أن شريعته سمحة مخففة ميسرة. فهو ليس بحاجة إلى كل هذا التعمُّق في التعبد على النحو الذي كان عليه؛ بل سبقت الإشارة في مقالة سابقة إلى أنه لو لم يكن نبيًّا لما شرع لهم هذه الصلوات الخمس على هذا النحو، ولا شرع لهم صوم رمضان بتلك الطريقة، ولتجنب أن يشق على نفسه وعليهم ابتداء.

وفوق هذا كله فإن ما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من الخوارق التي نسميها نحن معجزات، ويسميها الخصوم سحرًا وشعوذة، أقول: إن تلك الخوارق كان فيها غنية له عن اللجوء إلى التعبد كحيلة لضمان ولاء الأتباع، فإنهم بعد تلك الخوارق ما عادوا متشكِّكين في أمره وصدق نبوَّته؛ فلأي شيء يتعب نفسه كل هذا التعب في التعبد بلا موجب؟! لا سيَّما وأن عبادة كعبادة قيام الليل مع ما فيها من سهر ونَصَب تكون في الليل وفي بيته، ولا يطَّلِع عليه سوى زوجاته وأهل بيته وخدمه، فهل كان بحاجة إلى ممارسة التصنُّع أمام هذه الدائرة الضيقة المقرَّبة المأمونة الولاء في جميع الأحوال؟!

وجواب ثانٍ: وهو أن يُقال: كان بإمكان محمد لو أراد بعبادته خداع الأتباع - كما يزعم الخصوم – أن يلجأ لأمر سهل، يستريح هو فيه من نَصَب التعبُّد ومشقته ومن لائمة الأتباع وتشكُّكهم إذا ترك العبادة، وذلك بأن يقول لصحابته وأتباعه ما قد قاله بعض الدجاجلة والكذَّابين ممن ادَّعوا الولاية الربانية وتوقفوا عن ممارسة الشعائر الإسلامية وأخذوا في ارتكاب محرمات الشريعة وترك أوامرها، فقد قالوا لأتباعهم الذين اعتقدوا فيهم الولاية والقرب من الله لما أظهروه من كرامات مزعومة: إن التعبُّد والتقيُّد بأوامر الشريعة ونواهيها يليق بالعوام؛ لأن الغرض من ذلك الوصول إلى الله ونحن قد وصلنا إليه، فلم تعد هناك حاجة لممارسة الشعائر الدينية التي يمارسها العامة، ولا لترك المحرمات والمنهيات التي تلزم عموم الناس.

والعجيب أن أتباع أولئك الدجَّالين ممن اعتقد بولايتهم وكراماتهم صدَّق هذه القالة، وسلَّم لهم بتلك الحال العجيبة، واستمر على تبجيلهم وتوقيرهم، وأنهم أهل الله وخاصته، الواصلون إليه دون غيرهم!

فهل كان يعجز مَن خدع الناس وأوهمهم أنه نبي مرسل من عند الله تعالى أن يبرر تنصُّله من العبادات رأسًا، وأن يسوق حُجة كهاته الحجة، ويتذرَّع بذريعة كهاته الذريعة؟!

ألا ترى أنها حُجَّة سهلة، وقد اهتدى إليها دجاجلة عاديون ادَّعوا الولاية فحسب، فهل كانت ستخفى على دجَّال خارق ادَّعى النبوَّة وأقنع الناس بذلك؟!

ومن المنقول الذي يدل على أن العبادة كان سمة ظاهرة وغالبة على حياة محمد صلى الله عليه وسلم لا ينفك عنها ولا تنفك عنه، ما جاء عنه في عبادة الذكر، فقد قال عبدالله بن عمر: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتُبْ عليَّ إنك أنت التواب الرحيم)، وفي حديث عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه).

ومن التعبُّدات المنقولة عنه كذلك عبادة الدعاء والابتهال إلى الله واللَّجْأ إليه، وهو كثير ومنتشر، وأقواه شاهدًا على ما نحن فيه ما جاء في حديث علي بن أبي طالب (لقد ‌رأيتنا ‌ليلة ‌بَدْر، وما منا إنسان إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح).

ولك أن تتصوَّر هذا المشهد على النحو يقدمه الخصوم لنا: رجل يدعي النبوة، عدد رجال جيشه قرابة ثلاثمائة، وعدد رجال جيش عدوِّه قرابة الألف، وهو على موعد مع معركة فاصلة حاسمة، قد تطيح بدعوته للأبد، ويظهر على إثرها كذبه وزيفه أمام الناس، وتنتهي أحلامه الشخصية التي من أجلها كذب على الله وكذب على الدنيا كلها، هل يسعفه قلبه وعقله أن يقضي ليلته كلها يتقمَّص شخصية المصلِّي الداعي المبتهل؟! هل يطيق عتاة الممثلين والمخادعين في العالم أن يمارس هذه المخادعة في مثل هذا الظرف الحرج؟!

وأمرٌ أخير نختم به هذه المقالة: ليسأل العاقل اللبيب نفسه حتى وإن كان من الخصوم: من أين أتى محمد بهذه الطاقة الجبَّارة على ممارسة العبادات المذكورة آنفًا وغيرها إن كان كاذبًا مُتصنِّعًا (حاشاه)؟! إن الكذَّاب الدجَّال لا يمكنه أن يصطبر على هذه المشاقِّ بضعة أيام، فكيف يصطبر عليها عمرًا كاملًا من يوم ادِّعاء النبوة إلى يوم الوفاة؟!

وهذه العبادات لا تتمثل عقبتها فيما فيها من تعب ونصب فقط، بل فيما يقارنها من مَلَل وسأم وضجر، لا سبيل للتغلُّب عليه إلا بقلب حاضر، ونفس مواتية، وذهن صافٍ مساعد، بحيث تنقلب المشقة والتعب إلى لذة نفسية تستطيع معها النفس البشرية تحَمُّل المشقَّة والنَّصَب.

ودونك – أيها القارئ- فجرِّب أن تتطوَّع بالصلاة وذهنك مشغول وقلبك مُشتَّت، وانظر كيف ستكون مشقة الدقائق التي تقضيها في الصلاة وأنت على تلك الحال من عدم حضور القلب وفراغه واستعداده؟ فكيف كان الدجَّال الكذَّاب بزعم الخصوم يقضي الساعات الطوال منفردًا في الصلاة وفي الذكر والدعاء، ويستروح بذلك وينتعش قلبه به وهو الكاذب على الله المتقوِّل عليه (حاشاه)!


هل يدري الخصوم ما في كلامهم من شَطَط وبُعْد عن الواقع وعن العقل؟!

ثم عليك أيها القارئ أن تربط بين ما تعرفه من الحالة التعبُّدية العظيمة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين العبادات اليومية الكثيرة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية والتي لن تجد لها نظيرًا في الكثرة والتنوُّع في ديانة أخرى من الديانات الموجودة اليوم في العالم.

أقول: اربط بين هذين (حال النبي التعبُّدي والتعبُّدات في الشريعة الإسلامية)، ثم قارن هذه الحالة المحمدية الإسلامية بما يقفز إلى ذهنك عند استحضار حال كذَّاب دجَّال وما يمكن أن يكون عليه أمره في تعبُّداته الشخصية أو ما يأمر أتباعه به من عبادات.

فلعمرك، إنك ستجد بَوْنًا شاسعًا بين الحالتين وتناقضًا كبيرًا بين الشأنين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-01-2026, 11:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,116
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

من الدلائل العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (9)

(منزلة الدنيا في الرسالة المحمدية ودلالة ذلك على صدق النبوة)


د. علي حسن الروبي

نبين في هذه المقالة كيف أن نظرة الرسالة المحمدية إلى الحياة الدنيا وطريقة صاحب الرسالة (عليه الصلاة والتسليم) في العيش في الدنيا= تعد دليلًا على بُعده كل البعد عن انتحال الكذب في دعوى النبوة... فنقول:
يقوم المعتقد الإسلامي على أن للإنسان وجوديين وحياتين، أحدهما قصير محدود والآخر أبدي سرمدي، غير أن الوجود الأول القصير – وهو الحياة الدنيا- هو السبيل لتحديد كيفية الوجود الثاني السرمدي – وهو الحياة الأخروية- من جهة السعادة أو الشقاء في تلك الحياة الثانية التي تبدأ يوم القيامة.

وانبنى على هذا المعتقد أن الوجود الأخروي السرمدي هو المقصود بالأصالة وأما الوجود الدنيوي الزائل فهو وجود عارض لا أهمية له في نفسه ولا قيمة إلا من جهة كونه القنطرة التي لا بد من العبور عليها للوصول إلى السعادة والنجاة في الوجود الأخروي السرمدي، فالدنيا مزرعة الآخرة وهي قنطرة الوصول إليها، ومن هنا فحسب اكتسبت أهميتها.

ولما كان الإنسان من طبعه الانخداع بما هو ماثل أمامه ونسيان ما هو غيبٌ وبعيد عن واقعه = وجب تذكير الإنسان دائمًا بحقيقة وجوده الأول القصير في الدنيا وحقيقة وجوده الثاني السرمدي في الآخرة، وعلى هذا دارت نصوص الرسالة المحمدية سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية.

فالقرآن من أوله إلى آخره وكذلك السنة= مملوآن تصريحًا وتلميحًا حقيقة ومجازًا بذم الدنيا والتنفير من الاغترار بها والركون إليها أو الانخداع ببهرجها أو الانجراف إلى شهواتها أو السعي وراء زهرتها أو تعلق القلب بمتاعها أو التحسر على فوات الحظ منها. وفيهما ( القرآن والسنة) التزهيد الكامل في الدنيا والدعوة إلى التخفف منها قدر الطاقة وتصويرها على حقيقتها وأنها لحظة قصيرة في جانب الخلود الأخروي، وبيان عاقبة الذين آثروا الحياة الدنيا وشهواتها وملذاتها فكان العذاب الأخروي هو مصيرهم ومآلهم، ونهيُ أهل الإيمان بالآخرة عن مد أبصارهم إلى ما يستمتع به أهل الكفر في الدنيا من لذائذ ومحاسن في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب، وبيان أن جميع ذلك هو متعة وقتية محصورة وقصيرة جدا، وأن عوضها وبدائلها لأهل الإيمان بالآخرة هو لذات أخروية أبدية مكتملة غير مشوبة بأي من النقائص أو المنغصات.

ولنسق بعض الشواهد على هذا:
ففي القرآن الكريم:
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

﴿ فلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فاطر: 5].

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ [الأنعام: 32].

﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ﴾ [النساء: 77].

﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ﴾ [النازعات: 37 – 39].

﴿ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غافر: 39].

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [طه: 131].

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 16].

ومن الأحاديث النبوية:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما الدنيا في الآخرة، إلا مثلُ ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر: بم يرجع؟) [رواه مسلم]

وقال «ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها»؛ [رواه الترمذي].

وقال «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء»؛ [رواه الترمذي].

وقال «ألا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم»؛ [رواه الترمذي].

ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على سخلة ميتة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أترون هذه، هانت على أهلها حتى ألقوها؟» قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله. قال: «فوالذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»؛ [رواه الترمذي]

وهي مجرد أمثلة وشواهد على هذا المعنى الجليل (ذم الدنيا وتحقيرها وتهمشيها) الذي تضافرت نصوص القرآن والسنة على تثبيته في قلوب أهل الإسلام بوجوه مختلفة من وجوه البيان بحيث يكون حاضرًا في أذهانهم وقلوبهم على الدوام.

وإذا تقرر أن هذا هو تصور الرسالة المحمدية للدنيا ومنزلتها ومكانتها، فثمة سؤال يميله العقل والتفكر:
هل هذا التصور عن الدنيا وحقيقتها والذي يستتبع تحقير الدنيا وذمها وتهميشها= مما يحتاج الكاذب على الله تعالى وعلى الناس في ادعاء النبوة أن يستدعيه ويرسخه ويجعله ركنًا أصيلًا في دعوته؟؟!!

هل سيفعل الكاذب ذلك وباعثه- الذي حمله على الكذب على الله وعلى الناس- غرض دنيوي حقير من أغراض الدنيا كطلب العز والجاه والمكانة وأبهة الملك والسلطان أو كطلب المال وحيازته وما يستتبعه ذلك من تنعم وتفنن في المآكل والمشارب والمناكح؟!

نعم، مدعي النبوة كذبًا في حاجة إلى قدر معين من ذم الدنيا للتشبه بالرسل ولخداع الناس وتمرير كذبته عليهم، لكن لا يمكن بحالٍ أن يستطرد في هذا الأمر هذا الاستطراد الموجود في نصوص القرآن والسنة، لأنه بذلك يكون قد قطع الطريق على نفسه لأي محاولة منه للاستمتاع بلذائذ الدنيا التي كذب على الله وعلى الناس من أجل الوصول إليها ونيلها.

ولتوضيح هذا المعنى، لنفرض أنّه ظهر بيننا الآن رجل يدعي أنه يأتيه الوحي من السماء وأنه رسول من عند الله، وكان مقصوده بهذه الدعوى جمع المال وكنزه ووسيلته في ذلك ادعاء النبوة والرسالة، وكان جميع ما ينسبه إلى الله من وحي لا يخلو من ذم كنز المال والحرص عليه وأن الفقر خير من الغنى....إلخ، واستجاب لذلك المتنبي الكاذب فئام من الناس واتبعوه، وتخففوا من المال وزهدوا، وأما هو فحين واتته الفرصة لكنز المال اهتبلها، فأكثر من جمع المال وتضخمت ثروته، أفلا يكون ذلك مناقضًا لما كان يدعو إليه وينسبه إلى الله؟! أفلا يكون مدعاة لانفضاض أتباعه عنه وقد رأوا التناقض بين ما كان يدعوهم إليه وبين حاله التي صار إليها؟!

ولذلك نقول: إن مدعي النبوة كذبًا وهو شخص في حقيقة أمرة لا يؤمن بالآخرة، وإنما يؤمن بالدنيا وهي مبلغ علمه وأكبر همه ومنتهى سعيه، ومن أجل زخرفها الفاني كذب على الله وتقوّل عليه وخادع الناس وغشهم، فهذا الشخص بهذه النفسية وهذا الضمير الكافر بالآخرة المستعبد للدنيا وشهواتها= لا يتأتى أن يُقدم هذا التصور عن الدنيا والآخرة، ولا أن يكون دأبه وهجّيراه ولازمته التي لا ينفك عنها هو ذم الدنيا وتحقيرها والتحذير منها وتبجيل الآخرة وتفخيمها واستحضارها في كل شأن من شئون الحياة وفي كل معاملة من المعاملات.

إن هذا التصور وما فيه من تحجيم لمكانة الدنيا في قلوب الناس وتزهيد لهم فيها، وسحب أفئدتهم بعيدًا عن أمجادها وطموحاتها وزخارفها ولذاتها= لا يتأتى إلا من نبي صادق، يكون هو أول المستجيبين لهذا التصور الصارم، الشاق على النفوس، المعاكس للطبيعة البشرية القائمة على طول الأمل ونسيان الموت وما بعده.

لقد كان محمد النبي الصادق هو أول الممتثلين لصلب دعوته وجوهرها، فزهد في الدنيا ومتاعها وملذاتها زهد صادق مقتنع بحقيقتها لا زهد مدع متكلف أو مُرآء مُتصنع، حظه من الزهادة القول لا الفعل والشعارات لا التحققات.

ونتيجة لهذا الصدق في الزهادة في الدنيا= لا يقدر أعدى أعداء محمد (عليه الصلوات والتسليمات) أن ينازع في ترفعه عن الدنيا، ولا يقدر أن يرميه بالرغبة في متاعها والحرص على ملذاتها. إذ كيف يرميه الرامي بهذه التهمة وسيرته تخبرنا أنه قد عاش في الدنيا فقيرًا إلى أن مات، وأنه قد فارق الدنيا وما شبع من خبز الشعير لضيق الحال، ويمر الشهر والشهران لا توقد في بيته النار لإنضاج اللحم لعدم القدرة المالية على تحصليه، وكان يخرجه الجوع من البيت أحيانا لأنه ليس في بيته ما يأكله، وأما مسكنه فهو حجرات ضيقة صغيرة بجوار المسجد قريبة السقف، لا أثاث فيها ولا فراش، ينام على سرير خشن تبقى آثاره في جسده حتى يرثي له أصحابه من هذه الحال، وكذا ملابسه وسائر أمور معاشه شاهدة على أن التصنيف المالي يقضي بوضعه في عداد الفقراء وأهل الفاقة لا في عداد الأغنياء وذوي اليسار.

كل هذا والرجل له جيش وسرايا تحارب وتغنم ويقوم هو بنفسه بتقسيم المغانم العظيمة وتوزيعها، وظل إلى أن مات على نفس الحالة التي دخل فيها المدينة أول مرة من التقلل من الدنيا والتخفف من متاعها والإعراض عنها.

ولم يكن هذا الزهد مقتصرًا على المال بل امتد إلى الجاه والسلطان، فلم يبنِ لنفسه قصرًا بالمدينة ولم يضع تاجًا على رأسه ولم ينصب حجابًا على مجلسه ولا حراسًا بين يديه، بل كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم لا يعرفه الغريب حتى يسألهم ( أيكم محمد؟) وكان الأعرابي والبدوي يناديه باسمه مجردا، وكانت الجارية من جواري المدينة تستعين به أن يساعدها في إتمام بعض الأعمال المطلوبة منها.

ولعمر الله لهذا هو غاية الزهد في الرياسة والمال والدنيا جميعا، فأي استفادة يمكن أن يستفيدها مَن هذا حاله من ادعاء النبوة كذبًا وهو رجل مطلق للدنيا ولأغراض أهلها ابتداء؟!

لماذا يكذب ويدعي النبوة؟!


ألأجل المال وما يستتبعه من استمتاعات واستلدذات؟!

لقد عاش ومات فقيرًا باختياره وإرادته الكاملة مع قدرته على أن يعيش غنيًا موسرًا لو فعل ما يفعله الملوك والسلاطين من اختصاص أنفسهم بالحظ الأوفى من المغانم وغيرها من موارد الدولة؟

ألأجل تحصيل الملك والجاه والسلطان وما يستتبعه ذلك من أبهة؟!

لقد وافاه الأجل وسلطان دولته مبسوط على جزيرة العرب كلها وبدأ نفوذها يتهدد الامبراطورتين الفارسية والرومانية، ومع ذلك، فكما أشرنا قد عاش ومات بلا قصر ولا عرش ولا تاج ولا بلاط ولا أي مظهر من مظاهر الأبهة والسلطان التي تطيش لها عقول أبناء الدنيا وعبيدها.

ليسأل كل ذي عقل ولب نفسه:
ما الذي يحمل هذا الرجل على ادعاء النبوة كذبًا وهو معرض كل الإعراض وزاهد كل الزهد في الأشياء والغايات التي يكذب الكاذب ويدعي المدعي ويزور المزور من أجل الوصول إليها وتحصليها والظفر بها؟!

وفوق هذا، فالزهد في الدنيا والرغبة عنها وتحقير شأنها لم يكن مجرد خيار شخصي له، بل هو معنى أصيل تقوم عليه رسالته كما قدمنا في صدر هذه المقالة. وجميع ذلك أبعد ما يكون عنه الكاذب مدعي النبوة إنْ تنظيرًا وإنْ تطبيقًا، فهو لا يورط نفسه في التنظير له ولا تطاوعه نفسه الضعيفة الخسيسة على تطبيق شيء منه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 252.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 247.06 كيلو بايت... تم توفير 5.36 كيلو بايت...بمعدل (2.12%)]