الإقناع في أن جمع المصحف ليس من الابتداع - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ميزات iOS 26.3.. أداة انتقال إلى أندرويد وتحسينات خصوصية وسد ثغرات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          ميزة ثريدز تخصص موجز الأخبار باستخدام الذكاء الاصطناعى.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          بعد عقد من iPhone X.. هل يصل iPhone XX إلى شاشة بلا حدود فى 2027؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          جوجل ديب مايند تطور محاكاة للمحادثات الجماعية بين البشر والذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          أنثروبيك توسع مزايا Claude المجانية فى مواجهة تحركات OpenAI (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          مايكروسوفت تدق ناقوس الخطر: الذكاء الاصطناعى قد يتحول إلى تهديد داخلى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          تسريبات تكشف ملامح آيفون حتى 2027.. Ultra قابل للطى ونسخة Flip قيد التطوير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          تحذيرات من إضافات متصفحات تسرب سجلات المستخدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تى-موبايل تطلق ميزة ترجمة فورية للمكالمات بدون تطبيق.. أكثر من 50 لغة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          5 أشياء تجعلك تغير هاتفك القديم.. استبدله لو ظهرت عليه هذه العلامات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-12-2020, 10:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,105
الدولة : Egypt
افتراضي الإقناع في أن جمع المصحف ليس من الابتداع

الإقناع في أن جمع المصحف ليس من الابتداع
خلدون بن محمود بن نغوي الحقوي




مُقَدِّمَةٌ:
إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.


أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّيْ كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيْلٍ - وَإِلَى الآنَ - أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُوْنَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعَالِى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُوْنَ أَحَدَ جُنُوْدِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِيْنَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ، كَمَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)[1].


وَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِيْنِ الإِسْلَامِ - عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ - مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ (جَاهِدُوا المُشْرِكِيْنَ بِأمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ)[2]؛ وَذَلِكَ بِنَشْرِ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ، وَبَيَانِ أُصُوْلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَقَوَاعِدِ الدِّيْنِ، وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَهْمِ دِيْنِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.


وَقَدْ رَأَيْتُ التَّعَرُّضَ لِرَدِّ شُبْهَةٍ لَطَالَمَا أَوْرَدَهَا أَهْلُ البِدَعِ فِي جُمْلَةِ مَا يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ فِي سِياقِ تَجْوِيْزِهِم الابْتِدَاعَ فِي الدِّيْنِ؛ أَلَا وَهِيَ الاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ جِمْعِ الصَّحَابَةِ لِلقُرْآنِ، لذلك قُمْتُ - مُسْتَعِيْنًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ - وَمُسْتَنِيْرًا بِشُرُوْحِ العُلَمَاءِ؛ بِإِعْدَادِ مَقَالَةٍ لَطِيْفَةٍ فِي بيَاَن ِأَوْجُهِ الرَّدِّ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلَالِ؛ عَلَى أَنْ تَكُوْنَ وَجِيْزةً فِي عِبَارَتِهَا، مُؤَدِّيَةً لِمَقْصِدِهَا.


وَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي رَدِّ تِلْكَ الشُّبْهَةِ! وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوْحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ - قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا - المَعْرُوْفِيْنَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ، وَرُسُوْخِ العِلْمِ، وَبُعْدِ النَّظَرِ[3].


فَحْوَى الشُّبْهَةِ:
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ - كَمَا يُوْرِدُهَا أَصْحَابُهَا -: أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم قَدْ عَمِلوا بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ مِمَّا رَأَوْهُ حَسَنًا وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ - وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ -؛ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَمْعِ القُرْآنِ وَكَتْبِهِ فِي المَصَاحِفِ، وَعَلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى المَصَاحِفِ العُثْمَانِيَّةِ أَيْضًا، وَطَرْحِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ القِرَاءَاتِ الَّتِيْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي زَمَنِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ! فَهُوَ دَلِيْلٌ صَرِيْحٌ عَلَى جَوَازِ الابْتِدَاعِ فِي الدِّيْنِ.



نَصُّ الأَحَادِيْثِ:
وَالحَدِيْثُ الأَوَّلُ - كَمَا فِي صَحِيْحِ البُخَارِيِّ -: "أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ - قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ)، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ)، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ)، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ، وَالعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ"[4] إِلَى آخِرِ الحَدِيْثِ.



وَالحَدِيْثُ الثَّانِي أَيْضًا فِي صَحِيْحِ البُخَارِيِّ - فِي قِصَّةِ جَمْعِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلمُصْحَفِ - أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ - وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِيْنِيَةَ وَأَذْرَبِيْجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ - فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: "يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ؛ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى! فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ"[5] إِلَى آخِرِ الحَدِيْثِ.


الجَوَابُ:
بِدَايَةً لَا بُدَّ مِنْ إِيْرَادِ جُمْلَةِ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيةِ التِي دَلَّتْ عَلَى النَّهْي عَنِ الابْتِدَاعِ فِي الدِّيْنِ، وَأَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا فِي بَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي ذَلِكَ تَأْصِيْلًا نَافِعًا - بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى - مَعْ كَثِيْرٍ مِنَ الأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ ضِمْنَ مَقَالَتِي اللَّطِيْفَةِ "الإِقْنَاعُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِـ (مَنْ سَنَّ) عَلَى الابْتِدَاعِ"[6]؛ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا.



أَمَّا بِخُصُوْصِ نَفْسِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَالجَوَابُ عَلَيْهَا حَاصِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ:
الوَجْهِ الأَوَّلِ:
أَنَّ جَمِيْعَ مَا ذُكِرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيْلِ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ؛ لَا مِنْ قَبِيْلِ البِدْعَةِ المُحْدَثَةِ.


فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ لَهُ فِي الجُمْلَةِ وَهُوَ الأَمْرُ بِتَبْلِيْغِ الشَّرِيْعَةِ وَحِفْظِهَا، وَقَدْ دَعْتَ إِلَيْهِ الضَّرُوْرَةُ وَهِيَ: حِفْظُ القُرْآنِ مِنَ الاخْتِلَافِ فِيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الدَّاعِي إِلَيْهِ مَوْجُوْدًا زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ الوَحْيُ مُتَجَدِّدًا لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.


وَجِنْسُ هَذَا العَمَلُ يُعَدُّ مِنَ العَمَلِ المَشْرُوْعِ، وَهِوَ مِمَّا يتَّصِلُ بِشَكْلٍ وَثِيْقٍ بِمَسْأَلَةِ الابْتِدَاعِ فِي الدِّيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَجْعَلْه الصَّحَابَةُ مِنَ البِدَعِ! بَلْ أَقَرُّوْهُ وَجَعَلُوْهُ سَائِغًا، وَعُمِلَ بِه مِنْ بَعْدِهِم أَيْضًا، وَقَدْ سَمَّى العُلَمَاءُ فِيْمَا بَعْدُ ذَلِكَ بِـ "المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ"، وَمَعْنَى "المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ" أَنَّ هَذَا العَمَلَ أَرْسَلَ - يَعْنِي: أَطْلَقَ - الشَّارِعُ حُكْمَهُ بِاعْتِبَارِ المَصْلَحَةِ؛ فَإِذَا رَأَى أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ فِيْهِ مَصْلَحَةً فَإِنَّ لَهُم أَنْ يَأْذَنُوا بِهِ؛ إِلَّا أَنَّه يُتَنَبَّهُ هُنَا إِلَى أَنَّ المَصْلَحَةَ المُرْسَلَةَ هَذِهِ لَا يُتَعَبَّدُ بِهَا بِنَفْسِهَا! وَهَذَا بِخِلَافِ البِدْعَةِ؛ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ صَاحِبِهَا، فَالبِدْعَةُ فِي الدِّيْنِ مُتَّجِهَةٌ إِلَى الغَايَةِ، وَأَمَّا المَصْلَحَةُ المُرْسَلَةُ فَهِي مُتَّجِهَةٌ إِلَى وَسَائِلِ تَحْقِيْقِ الغَايَاتِ[7]، وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ فالمُقْتَضِيَ لَهَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُوْدًا زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَيْدٌ هَامٌّ.


وَعِنْدَ تَأَمُّلِ هَذَا الجَمْعِ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَإِسْقَاطِهِ عَلَى تِلْكَ الضَّوَابِطِ نَجِدُ أَنَّ:
أ- هَذَا الجَمْعَ نَفْسَهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّدَيُّنِ بِذَلِكَ، بَلْ تَأَمَّلْ كَيْفَ اسْتَثْقَلَ زَيْدٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَمْعَ المُصْحَفِ، فَقَالَ: "فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُوْنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ"! فَلَوْ كَانَتْ عِبَادَةً عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الجَمْعِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ ذَلِكَ القَوْلُ!


ب- لَمْ يَكُنِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.


ج- أَنَّهُ وَسِيْلَةٌ إِلَى حِفْظِ القُرْآنِ مِنَ الضَّيَاعِ، كَمَا حَصَلَ مَعَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ.


قَالَ السُّيُوْطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَالَ الحَارِثُ المُحَاسَبِيُّ فِي كِتَابِ "فَهْمِ السُّنَنِ": كِتَابَةُ القُرْآنِ لَيْسَتْ بِمُحْدَثَةٍ! فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ؛ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالعُسُبِ، فَإِنَّمَا أَمَرَ الصَّدِيقِ بِنَسْخِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مُجْتَمِعًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَوْرَاقٍ وُجِدَتْ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا القُرْآنُ مُنْتَشِرٌ؛ فَجَمَعَهَا جَامِعٌ وَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ)[8].
قُلْتُ: وَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ أَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى ذَلِكَ الجَمْعِ.


وَأَمَّا مَا سِوَى المُصْحَفِ مِنْ جَمْعِ الحَدِيْثِ فَالأَمْرُ فِيْهِ أَسْهَلُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ كِتَابَةُ الحَدِيْثِ، فَفِي الحَدِيْثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أُكْتُبوا لِأَبِي شَاه)[9].
فَالكِتَابَةُ هَذِهِ هِيَ مِنْ قَبِيْلِ القَاعِدَةِ المَشْهُوْرَةِ: "مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ؛ فَهُوَ وَاجِبٌ".


الوَجْهِ الثَّانِي:
أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ هُوَ دَلِيْلُ صِحَّتِهِ شَرْعًا، إِذْ إِنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِنَّ اللهَ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ)[10]، وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الوَاقِعَةِ عَلَى جَوَازِ الابْتِدَاعِ أَصْلًا!


قَالَ السُّيُوْطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ؛ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي المَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا، قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ القِرَاءَةِ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ! وَهَذَا يَكَادُ يَكُونُ كُفْرًا، قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، قُلْنَا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ)[11].


الوَجْهِ الثَّالِثِ:
أَنَّ الَّذِيْ أَمَرَ بِالجَمْعِ هُوَ الخَلِيْفَةُ الرَّاشِدُ أَبُو بَكْرٍ والخَلِيْفَةُ الرَّاشِدُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَمْرُهُما مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لِكَوْنِهِما خَلِيْفَتا رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيْرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِيْنَ)[12]، فَهَذَا أَيْضًا يُخْرِجُ هَذِهِ الوَاقِعَةَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ الابْتِدَاعِ أَصْلًا.


قَالَ الشَّيْخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: "قَوْلُهُ (فَعَلَيْكُم بِسُنَّتِي): اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الزَمُوا؛ أَيْ: بِطَرِيْقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، (وَسُنَّةَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ المَهْدِيِّيْنَ): فَإِنَّهُم لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي، فَالإِضَافَةُ إِلَيْهِم: إِمَّا لِعَمَلِهم بِهَا، أَوْ لِاسِتْنِبَاطِهِم وَاخْتِيَارِهِم إِيَّاهَا"[13].


فَائِدَةٌ:
قَالَ السُّيُوْطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: الفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمْعِ عُثْمَانَ: أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ جُمْلَتِهِ، لْأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الَاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ القِرَاءَةِ حَتَّى قَرَؤُوْهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ؛ فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمِ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ! فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ؛ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ - وَإِنْ كَانَ قَدْ وُسِّعَتْ قِرَاءَتُهُ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الأَمْرِ -، فَرَأَى أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ قَدِ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ)[14].


وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن.



[1] صَحِيْحُ مُسْلِمٍ (1631).
وَأَنَا أَرْجُو اللهَ تَعَالَى الكَرِيْمَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ العَامِلِيْنَ المُنْتَفَعِ بِهِم؛ فَإِنَّ الدَّالَ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ - كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيْثِ -.

[2] صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (2504) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (3090).

[3] وَاسْتَفَدْتُ كَثِيْرًا مِنْ كِتَابِ "الاعْتِصَام" لِلإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.

[4] صَحِيْحُ البُخَارِيِّ (4679).

[5] صَحِيْحُ البُخَارِيِّ (4987).

[6] وَهِيَ مَنْشُوْرَةٌ فِي مَوْقِعِ "الأَلُوْكَةِ" عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوْتِيَّةِ.

[7] اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ صَالِح آلِ الشَّيْخِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى الأَرْبَعِيْن (شَرْحُ الحَدِيْثِ الخَامِسِ).

[8] الإِتْقَانُ فِي عُلُوْمِ القُرْآنِ (1/ 206).

[9] رَوَاهُ البُخَارِيُّ (2434)، وَمُسْلِمٌ (1355). وَأَبُو شَاه: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ أَرَادَ أَنْ تُكْتَبَ لَهُ خُطْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.

[10] حَسَنٌ. ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ (السُّنَّةُ) (82) عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (1331).

[11] الإِتْقَانُ فِي عُلُوْمِ القُرْآنِ (1/ 210)

[12] صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (2676). صَحِيْحُ الجَامِعِ (2549).

[13] مِرْقَاةُ المَفَاتِيْحِ (252/ 1).

[14] الإِتْقَانُ فِي عُلُوْمِ القُرْآنِ (1/ 210).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 70.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.07 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.36%)]