|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شهر رمضان شهر الصبر د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري الحمد لله وليِّ الصالحين، وناصرِ المستضعفين، وقاهرِ الجبابرة والظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا في ربوبيته ولا ألوهيَّته، ولا في أسمائه وصفاته، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وعلى أصحابه حُماةِ الدين، الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل نصرةِ الكتابِ المبين، وسُنةِ سيد المرسلين، وعلى مَن تبِعهم بإحسان وجهاد إلى يوم الدين. أيها الناس، خلَق الله تعالى البشر، وابتلاهم بعبادته، ووعدهم إن هم أطاعوه الجنة، وإنْ هم عصوا فالنار مثوى لهم، وجعل على طريق الجنة دعاةً يدعون الناس إليها، ويرغِّبونهم فيها، وجعل على طريق النار دعاة يَجرُّون الناس إليها، ويَقذفونهم فيها، وطريق الجنة محفوفة بالمكاره، مليئة بالعوائق، محاطة بالابتلاءات، وطريق النار محفوفة بالشهوات، مزدانة بالزخارف، مليئة بما يرغِّب الناس في سلوكها، ولذا كان سالكوها أكثر من سالكي طريق الجنة، وأهل النار أكثرَ من أهل الجنة؛ كما دلت على ذلك الأحاديث. من أجل ذلك - يا عباد الله - كان على العبد الذي يريد النجاة من العذاب، والفوز بالجنان - أن يصبِّر نفسه على الطاعات، ويُصابرها عن الشهوات، ويرابط عند الابتلاءات، قائمًا بأمر ربه، ثابتًا على دينه إلى أن يلقى الله تعالى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200]. أيها المؤمنون، الصبر خلقٌ عظيم، يرتبط بمقامات الدين كلها، فإنما تختلف أسماؤه بسبب اختلاف مواقعه، فإن كان في حبس النفس لمصيبة سُمِّي صبرًا، وإن كان في محاربة سُمِّي شجاعة، وإن كان في إمساك الكلام سُمِّي كتمانًا، وإن كان عن فضول العيش سُمِّي زهدًا، وإن كان عن شهوة الفرج سُمي عفَّة، وإن كان عن شهوة طعام سُمي شرفَ نفسٍ، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سُمي حلمًا، فكل هذه القِيَم ترجع في معناها إلى الصبر، ولِيَتخَلَّقَ المرء بها يحتاج إلى صبر! فالصبر أساسٌ لكل خُلُقٍ جميل، ووسيلةٌ إلى التنزه عن كلِّ خُلُقٍ ذميم، ولعِظَمِ شأنه تكرَّر ذكرُه في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة، بألفاظٍ مختلفة، فهو مِن عزائم الأمور التي يجب الحرصُ عليها والعزمُ على أدائها؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى:43]. أيها المؤمنون، رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم سمى هذا الشهر الذي تصومونه شهرَ الصبر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صومُ شهر الصبر وثلاثة أيامٍ من كل، شهر صوم الدهر»؛ رواه أحمد، فشهركم هذا شهر الصبر، وكيف لا يكون شهر الصبر ونحن نمتنع فيه عن الطعام والشراب الساعات الطوال! وكيف لا يكون شهر الصبر ونحن نصابر في سائر أوقاته على قراءة القرآن وتلاوته، وتَرداده ومدارسته المرات تلو المرات؟! وكيف لا يكون شهر الصبر ونحن نَنْصِبُ أرجُلَنا قيامًا للياليه؟! وكيف لا يكون شهر الصبر ونحن نعتكف عشرًا في بيوت الله إدراكًا لليلة القدر؟! وكيف لا يكون شهر الصبر ونحن نحاولُ جاهدين بألا تتلفَّظَ ألسنتُنا بسبابٍ أو شتمٍ أو قول زورٍ؟! صبرٌ متراكمٌ بعضه فوق بعض؛ من امتناع عن أفعالٍ محرمة، وسباقٍ في أعمال صالحة، وحينما قال اللهُ عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، فقد قال الله عز وجل: (الصَّوْمُ لي وأنا أجْزِي به)، وما عسى أن يكون جزاءُ الكريم الجواد واسعِ العطاء إلا أجرًا بغير حساب، سواءً بسواء، وحين قال رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: الصبر ضياء، وقال رسولنا وقرةُ أعيننا صلى الله عليه وسلم: الصومُ جُنَّة. فإذا كان الصيام جُنَّةً ووِقايةً وحِصنًا حَصينًا مِن المعاصي والآثامِ في الدُّنيا، ومِن النَّارِ في الآخِرةِ فهو بلا شك ضياءٌ يَستضيء به المؤمن بنور الإيمان، وضياءٌ يستضيء به المؤمن بلذةِ الطاعة وأنسها وجمالها، وضياءٌ يشعُّ نورًا يُبَلِّغُه رضا الرحمنِ الرحيم عنه، وشتان بين ضياءٍ يشعُّ نورًا بالطاعة، وظلمةٍ تطفئ نور الإيمان، وتُلهِب ضنك القلوب وقسوتَها، وتؤججُ جحيمَ الرانِ في صدورها. وحينما صبرنا أيها المؤمنون على ترك الطعام والشراب والأنسِ بالزوجات ساعات طوال، ونحن نحتاجه؛ لأنهما أساسٌ لبقاء حياة الإنسان، فإننا نستطيع أن نَمتنع عما حرَّمه الله تعالى علينا من معاصي الجوارح، وهي مضرةٌ بنا في الدنيا والآخرة، وإذا كان في المعصيةِ بلوغُ هوى نفسٍ، ونزوةِ طيشٍ، وأُنسِ لحظةٍ، فما بعد ذلك البلوغ إلا ضيقٌ في الصدرِ يُحيط به من كلِّ جانب، وما بعد سعادة اللحظة إلا تعاسة وشقاء، وما بعد التمادي في الذنوب والمعاصي إلا إدمانٌ وولهٌ يُصيب القلب، فلا يستطيع تركها إلا بشقِّ الأنفس، المعصية قبل فعلها سهلٌ عدمُ تجريبها، ولا تكلِّفُ المؤمن عظيمِ مجاهدة، ولكن بعد خطو خُطوة واحدة في ارتكابها، يحتاج الإنسان إلى علاجٍ مُرٍّ ودواءٍ مؤلمٍ وموجعٍ. عباد الله، من أراد أن يزيلَ عن صدره ما به مِن الغِشِّ والحِقدِ، أو غَيظَه، أو نِفاقَه، أو أشَدَّ الغَضبِ عنه، فليصم شهرَ الصَّبرِ، وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، فصيامها يُذْهِب وحَرَ الصَّدْرِ؛ كما قال ذلك رسولكم الحبيب صلى الله عليه وسلم. كيف لا يتخلق المسلم بالصبر، والصبر من أخلاق الأنبياء والمرسلين؟! فقد قال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنبياء: 85]. وقال عز وجل لنبيه الكريم محمد:﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ [الأحقاف: 35]. بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات وحكمةٍ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، استغفروه إنه غفور رحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمد الشاكرين، وأُثني عليه ثناء الذاكرين، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد أيها المؤمنون عباد الله، اتقوا الله تعالى، وراقِبوه سبحانه مراقبة مَن يعلم أن ربَّه يسمعه ويراه، واعلموا عباد الله أن الصبر من صفات المؤمنين المتقين، فقد قال تعالى بعد ذكره لصفات عباد الرحمن في سورة الفرقان: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 75، 76].أَجَل - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - مَن لم يَطهُرْ قَلبُهُ في رَمَضَانَ وَتَزكُ فِيهِ نَفسُهُ، وَلم تَقوَ إِرَادَتُهُ وَيَصدُقْ عَزمُهُ، وَلم يَنتَصِرْ عَلَى نَفسِهِ وَيَغلِبْ شَهوَتَهُ، وَلم يَتَرَفَّعْ عَنِ الأَحقَادِ وَالضَّغَائِنِ، وَلم يَتَخَلَّصْ مِنَ الجَدَلِ وَالعِنَادِ، فَمَتى عَسَاهُ أَن يُحَصِّلَ هَذِهِ الفَضَائِلَ؟! أيها المؤمنون، ثَمَّة مظاهر تنافي معاني الصبر في هذا الشهر، فمن كَانَ صَومُهُ مَخرُومًا بِالتَّهَاوُنِ في فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ، وَالنَّومِ عَنِ الجَمَاعَاتِ، وَالتَّكَاسُلِ عَنِ النَّوَافِلِ وَالتَّفرِيطِ فِيهَا، وَفي صَلاةِ التَّرَاوِيحِ وَالقِيَامِ، وَأَطلَقَ بَصَرَهُ وَأَرخَى سَمعَهُ، وَأَفلَتَ لِسَانَهُ فيما حرَّمهُ الله عليه، وَاكتَفَى مِنَ الصَّومِ بِتَركِ الطَّعَامِ وَالحِرمَانِ مِنَ الشَّرَابِ، فَذَاكَ حَظُّهُ مِن صَومِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ فَحَسبُ، وَهُوَ إِذْ لم يَصبِرْ في رَمَضَانَ وَالشَّيَاطِينُ مَحبُوسَةٌ، فَهُوَ في غَيرِ رَمَضَانَ أَقَلُّ صَبرًا وَأَقرَبُ جَزَعًا، وَأَكثَرُ تَفَلُّتًا وَأَدنَى لاتِّبَاعِ شَهَوَاتِ نَفسِهِ الضَّعِيفَةِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، الَّتِي صَرَعَتهُ في رَمَضَانَ وَالشَّيَاطِينُ مَغلُولَةٌ مُصَفَّدَةٌ، فَكَيفَ إِذَا اجتَمَعَت عَلَيهِ مَعَهُم في غَيرِ رَمَضَانَ؟! أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - وَلْنَصبِرْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَمَا يُرضِيهِ عَنَّا، وَلْنَصبِرْ عَن مَعصِيَتِهِ وَمَا يَجلِبُ سَخَطَهُ عَلَينَا، لْنَغلِبْ أَهوَاءَنَا وَلْنَنتَصِرْ عَلَى أَنفُسِنَا، وَلْنُعَوِّدْهَا الخَيرَ وَلْنُرَوِّضْهَا عَلَى الطَّاعَةِ، وَلْنُدَرِّبْهَا عَلَى الإِحسَانِ، وَلْنَأخُذْهَا بِالجِدِّ وَالاجتِهَادِ، وَلْنَحذَرِ الكَسَلَ وَحُبَّ الرَّاحَةِ وَالدَّعَةِ، فَإِنَّ مَن أَرَادَ أَن يَنعَمَ بِالرَّاحَةِ الأَبَدِيَّةِ وَالنَّعِيمِ الخَالِدِ في الآخِرَةِ، لم يَشغَلْهُ حُطَامُ الدُّنيَا الزَّائِلُ؛ إِذِ النَّعِيمُ لا يُدرَكُ بِالنَّعِيمِ، وَلا رَاحَةَ لِمَن لا تَعَبَ لَهُ، وَلا فَرحَةَ لِمَن لا هَمَّ لَهُ، وَلا لَذَّةَ لِمَن لا صَبرَ لَهُ، وَلا نَعِيمَ لِمَن لا شَقَاءَ لَهُ، وَكُلَّمَا كَانَتِ النُّفُوسُ أَشرَفَ وَالهِمَّةُ أَعلَى، كَانَ تَعَبُ البَدَنِ أَوفَرَ وَحَظُّهُ مِنَ الرَّاحَةِ أَقَلَّ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]. أيها الصائم، تذكَّر قول الله عز وجل - وأنت صائمٌ عن المحرمات، صابرٌ على الطاعات، ومنتصرٌ على الشهوات والأهواء - كما ورد في الحديث الصحيح: ((كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشرُ أَمثَالِهَا إِلى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي))؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ. صلُّوا على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال عزَّ من قائلٍ حكيمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: ((من صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشرًا)). صلَّى عليك إلهُ الكونِ ما بَسَمَت ![]() سحابةٌ وجرى مِن ثَغْرها مطرُ ![]() ![]() ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |