|
من بوح قلمي ملتقى يختص بهمسات الاعضاء ليبوحوا عن ابداعاتهم وخواطرهم الشعرية |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() بريق (قصة) د. غادة نصار حملها على كفيه، غرَّدَتْ فهامَ في التغريد، وطفِقَ يُقَبِّلُ جناحيها الواهنين رائعي الألوان بانبهارٍ. حملها برفقٍ، ووضعها في قفصٍ من الذهبِ المرصع بالجُمان، له بريق يكاد يذهبُ بالأبصار، أتاها من فضل اللهِ الذي أوتي، أشبعَها طعامًا حدَّ التخمة، نسيتْ شكلَ العالم، وعبقَ الزهور، ولفحاتِ الهواء لجناحيها حين يتمدَّدان وهي تحلقُ، غابت في غياهب البريق، وشربَتْ من الوحدة حدَّ الثُّمالة. بعد حينٍ، لحق التغريد بالجناحين في غيابات الوهنِ، ثمة شيءٌ يَجثُمُ على حنجرتها، ذاك البريقُ يتسلل لعينيها، يَنخَر في أعصابها وخلاياها، يزيدها وهنًا على وهنٍ، أغمضَت عينيها؛ لئلا تراه، فما عادت تُطيق. (ألم يخلُقِ الله عميانًا؟!) هكذا سألتْ نفسها لتقنعَها أن ذاك العمى الاختياري ليس بمأساة. صوت قهقهاته يتصاعد في أذنيها، ضاحكًا من حُمقٍ يراهُ لا نظير له، ووهنٍ يراهُ لا عذرَ له، والقفص يعِجُّ بحبيبات البريق. (عينان غافيتان جاهلتان، لا تدركان أي بريقٍ تعافانه، مغبونةٌ جاهلةٌ هي) قرارٌ استقر في نفسه، وأبى التزعزع قِيدَ أنملة، فنظرتُه أبدًا لا تخيب. وفي ظلمة الغافييْن، كانت تسمع قهقهاته، وتسمع مواءً يتصاعد من أسفل الجدار المعلق عليه قفصها، قهقهات السخرية من وهنها وجهلها، ومواء هِرَر يمنعها عِظَمُ الجدار، وإحكامُ إغلاق القفص، من جعلها وجبةَ غداءٍ شهية. اختلطت القهقهات بصيحات منه ترهبها من الهرر المتربصة، وأخذ يفتح باب القفص زيادة منه في ترهيبها. (السخرية، الترهيب، التربص، إغفاءة اختيارية، اقتحام البريق، وجناحان واهنان). أصوات يتردد صداها في قلبها، رجاتٌ في أرجاء جسدها الواهن. (موت هذا، أم موت ينهيه؟) (ما الفارق بين ظلمةٍ اختيارية، وظلمةٍ في غياهب أمعاء قط جائع؟). مقارنة عجز عقلها الواهن عن إدراكها، بدأت تتخيل ظلمة أمعاء الهر، قسوة رائحة الإنزيمات وهي تهضم جسدها… (ولكن قضمة واحدة لرأسك، لا تضامي بعدها أبدًا، أي أمعاء، أي ظلمة، أي قسوة تفكرين فيها وأنتِ حينها جسدٌ بلا روحٍ؟!) هكذا أدرك عقلها الواهن. اقتربت القهقهات الساخرة، اختلطت أصواتها بالتهديدات، فُتحَ باب القفص، فتعالى مواء الهرر كالعادة، وتعالت القهقهات أكثر كالمعتاد، ولكنها في تلك المرة، كان صوت يتعالى في نفسها: (لا ضير، لن تضامي؛ إنما هي قضمة واحدة، لا تخشي). فتقدمتْ وتقدمت و... وغافلتْه، وخرجت من القفص الذي فتحه مقهقهًا، واثقًا أن الواهنيْن لن يحملاها، وأن الغافيين لا يملكان إبصارًا بعد طول عمًى. خرجت، شعرت بالواهنين يمتدان جانبًا دون إرادةٍ منها، تعالى المواء في أذنيها واقترب، تعالت القهقهات أكثر، اقترب الصوت حتى شعرته لامس رأسها، غرقت في الدهشة، القهقهات تلاصقها مع المواء كذلك. كيف اجتمعا؟! مر بها صوت هدير قوي، (أهو صوت مِعَى أحد الهرر؟). ولكن الهواء البارد ما زال يلفحها. (أيستغرق هبوطٌ من أعلى الجدار لفكِّ الهر ومخالبه كل هذا الوقت؟). هدير آخر. عبق ما يتسلل لأنفها. أخيرًا، قررت أن تفتح عينين طالت غفوتُهما، شعرت بالعمى، وبريق ما يقتحم عينيها قويٍّ. (أما زلتُ في القفص؟) ربما، فالقهقهات تكاد تلتصق برأسها. بُعيْد برهة، بدأت عيناها تبصران. ما هذا؟! الهدير طائرة تعبر بالقرب منها، جناحاها الواهنان ممتدان في الهواء يحملانها، نظرت حولها، لا قهقهات، لا مواء. لقد حلقت بعيدًا بعيدًا، وها هو بريق الشمس يداعب عينيها اللتين برزتا من أسفل الجفون بعد طول غفوة. (أنا أحلق رغم أن الجناحين واهنان)، هكذا قالت لنفسها. ومن نفسها علا صوت: (حمقاء أنت! وهل يحتاج قلبُ طائرٍ صغير لأكثر من جناحين واهنين ليحلقَ؟). أقنعها الرد، ففردت جناحيها أكثر، وحلقت بعيدًا بعيدًا، وصعِدت فوق السحاب مشتاقةً لضياء الشمس.
__________________
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |