|
ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() وترجل آخر الفرسان الثلاثة (كلمة في وفاة الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمه الله) محمد زياد التكلة كلمة في وفاة الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وقبضُ العلماء رزية وأيُّ رزية، ولا سيما وقت قلة العلم، وغربة السنَّة، وكثرة الفتن. وقد قدر الله وفاة أحد أعلام خَدَمة السنَّة النبوية، وهو مجيزنا الشيخ العالم المحقق الجليل، أبو أسامة، شعيب الأرناؤوط، الألباني الشّقُودْري أصلاً، الدمشقي مولدًا ونشأة، نزيل عَمَّان، والمتوفى بها بعد المغرب ليلة الجمعة 27 المحرم 1438، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه، عن تسعين سنة. كان والداه ممن هاجر في سبيل الله فرارًا بدينهم من ظلم وإلحاد حاكم ألبانيا الزائغ: أحمد زوغو، في جملة من مهاجرة قومهم، واستقر بهم المقام في دمشق، وتجمعوا في مكان بحي الديوانية، عُرف بحارة الأرناؤوط، وهي التسمية العثمانية الشائعة لأهالي ألبانيا وما حولها، وشاء الله أن يكون من أطفال هؤلاء المهاجرين بدينهم: الفرسانُ الثلاثة في الحديث: محمد ناصر بن نوح نجاتي الأرناؤوط، وقدري بن صوقل بن عبدو، وشعيب بن محرم. اشتهر - فيما بعد - أولُهم وأسنُّهم بمحمد ناصر الدين الألباني، والثاني بعبد القادر الأرناؤوط، والثالث بشعيب الأرناؤوط، رحم الله الجميع، والأخيران تِرْبان لِدان وزميلا دراسة وعمل طويلين، حتى ظنهما كثيرون أَخَوان شقيقان، وإنما هما أخوان في الله، وإلا فالشيخان ناصر وشعيب أصلهما من مدينة شقودرة، وعبد القادر أصله من فريلا في كوسوفا. وقد قام ثلاثتهم فيما بعد بخدمة السنة وتراثها بما يعرفه القاصي والداني، وكانوا حقًّا أكابرَ فرسانها في زمانهم، رحمهم الله تعالى، وتقبل أعمالهم. لعل المقام لا يناسب الترجمة الوافية للشيخ الفقيد، ولا سيما وقد قيَّض الله له من تلامذته عددًا كتب ووفى واستوفى، ولكنها مشاركة ومساهمة متواضعة من محب، يسجل بعض وقفات حول الفقيد: 1) أجد عبرةً كبيرة في هجرة قوم الفرسان الثلاثة في سبيل الله، حيث تركوا بلادهم وأراضيهم وخيراتهم فرارًا بدينهم، وصبروا وأيقنوا بربح هجرتهم، فأعقبهم الله عاقبة الخير في ذريتهم، حيث كثر فيهم الصالحون، وبرَّز منهم هؤلاء الثلاثة أكثر من غيرهم، ولا سيما في خدمة السنَّة وتراث أئمة الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ [النساء: 100]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. فهذه رسالة إلى المخلصين الصابرين الممتحَنين ممن يُهَجَّر لأجل دينه من أهل السنّة في بلاد الشام والعراق وغيرهما، ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]. 2) أجد عبرةً عَبر التاريخ في أن علوم الإسلام لا تختص بالعرب دون العجم، وكم سجل لنا التاريخ أن أبرز علماء الحديث في أوقاتٍ كانوا من أعاجم المشرق وبلاد ما وراء النهر، وحيناً من الأكراد، وفي العصور المتأخرة في أهل الهند، والأرناؤوط، وهكذا يسخر الله لهذه السنَّة من يحملها ويرفع رايتها وإن قصَّر آخرون، فدينُ الله خافق باقٍ، لا ينحصر في قوم ولا في عرق ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾، فطوبى لمن استخدمه الله لرفعة دينه، ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]. 3) سِيَر هؤلاء الفرسان الثلاثة فيها من العبر المشتركة الكثير، على تفاوتٍ فيما بينهم، مثل تحمل الغربة والكربة والأذى والهجرة، ويشتركون في الجد والمصابرة والمثابرة في الإنتاج العلمي النافع، بحيث كان إنتاج الواحد منهم مما تنوء به العصبة أولي القوة والإمكانات، وكلهم بقيت همته في العمل عشرات السنين إلى مشارف الوفاة. ومما اشتركوا فيه تتبع السُّنَّة عملاً واعتقاداً، واختلف تدرجهم في هذا، فأما الإمام الألباني فبكَّر متأثرًا بمجلة المنار، وصار من جبال السنَّة وأكابر دعاتها. وأما شيخنا عبد القادر فتعرف عليها بعد حادثة إبعاده من عند شيخه صالح الفُرْفُور، وكذلك صار إمام السنة مرجعها في دمشق. وأما الشيخ شعيب فما منعه كبر المكانة والسن أن يواصل تدرجه وتصفيته في هذا إلى أن استقر به المطاف مثل سابقيه، ولقد سمعت وقرأت له في هذا ما يسر الخاطر، وفي ترجمته الواسعة الأخيرة لصاحبنا الشيخ محمد بن يوسف الجوراني فصلٌ موثق محرر حول الأمر، فليراجعه من أحب، وقد صرَّح بأخرة أنه لا يجعل في حل من نسبه لغير مذهب السلف في الاعتقاد. 4) مما ينبغي الوقوف عنده والتذكير به ما استقر في كتب الطلب والأدب من ضرورة عدم الالتفات لخلاف المتعاصِرين والأقران، فضلاً عن التعصب له، فالمعاصرة حرمان، فإن قرأ أحدٌ كلاما للإمام الألباني في نقد بعض أحكام الشيخ شعيب، والعكس - مع كون الإمام الألباني أكبر منه - فهذا لا ينبغي أن يردده مَن بعدهما بنوع استخفاف للمردود عليه، بل يستفيد من النقد العلمي المجرد من أيٍّ كان دون أن يغمط أقدار الكبار، فخلاف المتعاصرين مما يُطوى ولا يُروى. ومثله وأشد ما قد يأتي من بعض حدثاء الأسنان والتأدب من قلة احترام هؤلاء الفرسان وأمثالهم، وشطب الثقة بنتاجهم الزاخر برميٍ عام بالتساهل وإطلاق تهمة عدم إعمال العلل - مع أن في الواقع تفصيلاً، ولا سيما عند الإمام الألباني - فرحم الله من عرف أقدار الكبار، وقدم لهم الأعذار، وحفظ لهم جهودهم وجهادهم، وغلَّب حسناتهم وإحسانهم، وتذكر أنه لولا جهودهم وأمثالهم ما راح مَن بعدهم ولا جاء. ومن تأمل غلبة الصواب، وكثرة نسبته الكاثرة، متناسبًا مع الكم الهائل من الأعمال والأحكام: خضع واعترف وتأدب. ومن الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ فجزى الله هؤلاء الثلاثة خير الجزاء على عظيم جهدهم وعطائهم، وجزى خيرًا من كان له الدور البارز في إبرازهم وتبني جهودهم، ولا سيما شيخنا زهير الشاويش رحمه الله، وكذا مؤسسة الرسالة التي واصل معها الشيخ شعيب رحمه الله. 5) كان لكلٍّ من الفرسان الثلاثة حصته من التفرغ للإنتاج العلمي مع التدريس والدعوة، ولكن كان الشيخ شعيب منصرفًا أكثر إلى التحقيق والتخريج غالب حياته، وإن زاد تدريسه آخر حياته في بيته، وسافر وشرَّف مجالس علمية خارجية بأخرة، مثل الكويت، وقطر، وطرابلس الشام، وكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له، ولكلٍّ مجالاته التي نفع الله بها. 6) أسجِّل كلمةً خاتمة سمعتها مرارًا في سنوات عديدة من شيخنا العلامة محمد بن لطفي الصبَّاغ، وهو أحد قدماء أصحاب الفرسان الثلاثة منذ ستة عقود، فكان يقول: لا أعلم الآن أعلم بالسنَّة ولا أكثر خدمة للحديث من الشيخ شعيب اليوم. وأسجل أيضًا أني كما سمعت الثناء عليه من علماء المشارقة، فقد وجدته أيضاً عند بعض علماء المغاربة ممن زرتهم قريبًا، من الترحم عليه والإشادة بخدماته، مثل الشيخين محمد بوخُبزة التّطْواني، وعبد الله التَّلِيدي في طنجة. ألا رحم الله الشيخ العلَّامة المحدِّث الكبير شعيبًا الأرناؤوط، تقبل الله عمله الذي زاد على ستين سنة في خدمة السنَّة والعلم، ولعل من عاجل بشراه ما أخبرني مغسله الشيخ الجوراني أن الشيخ كان مبتسماً مُشرق الوجه عند تغسيله، ثم كانت جنازته حافلة. رحمه الله، ثم رحمه الله، ورحم سائر علمائنا وخدمة السنَّة والشريعة، وتقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم، وأخلف على المسلمين أمثالهم. وكتب أفقر العباد محمد زياد بن عمر التُّكلة، حامدًا مصليًّا مسلِّمًا. في ليستر، ليلة الأحد 20 صفر 1438
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |