|
ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() ادي الأرواح: سيدنا بلال.. هو حر في قيوده أم وفاء خناثة قوادري عبد ضعيف، كسَر جبروت الأسياد، وهدَّ كبرياءهم! اشتدَّ الغضَب بأميَّة بن خلف، أرعَد وأبرَق، يكاد الحنق يقتلُه، تلوَّن وجهُه كسوادِ الجحيم، قال وهو يشتطُّ لؤمًا: "إنَّ شمس هذا اليوم لن تغرب إلَّا ويغرب معها إسلامُ هذا العبد الآبِق". لكن هيهات هيهات! بلالٌ في قيوده، وفوق رِمال الصَّحراء كظلمة ليلٍ تَسطع أنوار نجومه، تَتلو الملائكةُ من حوله تراتيلَ الحمد والتهليل، ما كَلَّ ولا مَلَّ، حتى كَلَّ أعداؤه وملُّوا من تعذيبه. جلَدُه وصَبْره، يقينه وثَباته: حوَّل المحنةَ إلى مِنَحٍ ربَّانية، جلَّلَتها عطاءات قدسيَّة. وكأنَّ جبال مكَّة وشعابها وصخورها تُردِّد في إباءٍ: هو حُرٌّ في قيوده، هو حُر، هو حر! سمِع الصِّدِّيقُ النِّداء، فهبَّ مسرعًا، حضر فوقع. باع أميَّة، وأبو بكر اشترى! أخذ الجاهِلُ ثمنَ ترابٍ مشى عليه بلال. أمَّا أبو بكر، فاشترى الجنَّةَ لا بلالًا! هو السِّباق إلى الجنان إذًا بين أبي بكر وبلال. وذاك ما جاش في نَفس سهيل بن عمرو يوم رأى الخليفةَ عمر يقدِّم بلالًا على رهْط من سادة قريش، فيَأذن له ويؤخِّرهم عليه، فقال لأبي سفيان - متحسرًا -: "دُعِي القومُ إلى الإسلام ودُعيتم، فأسرعوا وأَبطأتم، فكيف بكم إذا دُعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟!"[1]. أحَد.. أحَد: انبلَج الحقُّ وأشرقَت الأرض بنور ربِّها. تسامَت أفئدةٌ هفَتْ لكَسر أغلال الجَهل والوثنيَّة. وأركَسَ الباطِلُ أخرى رضيَت بالعيش في مهانة الذلِّ والضلال. دَنا النَّفيرُ، فامتطى أهلُ الكمال سُفُنَ النجاة من لجج الشِّرك وفِتن الحياة. وخشخشة نعلَي مَن هذه بين يدي رسولِ الله في الجنَّة؟ وما سِرُّ هذه البشارة، وهذا الجوار الكريم، والقرب منه صلى الله عليه وسلم في دار الكرامة والنَّعيم؟ أجَل، هو الجزاء من جِنس العمل! فكما خدمتَ سيِّدَ الخلق، ومشيتَ بين يديه في الدنيا، كان جزاؤك أن تمشي بين يدَيه في الجنة. عبدٌ أسود حبشيٌّ، مملوك لأميَّة بن خلَف؛ هكذا أنت في ميزان الجاهلية، ألم يعِبْ فرعونُ على موسى عليه السلام أنَّه لم يُلْقَ عليه من ربِّه أساور من ذهب؟! وهكذا هي الجاهليَّة في أحكامها الماديَّة الخرقاء. لكنك في ميزان الله غير ذاك! أحد السَّبعة الأوائل الذين أظهروا إسلامَهم في مكَّة،والإسلام يومئذٍ غريب. هانت عليك نفسُك في الله، فما ترخَّصتَ بكلمة الكفر، وهي في حقك سائغةٌ جائزة. جابهتَ حَرَّ الرَّمضاء وحَرَّ السِّياط! عاندتَ الصخرةَ العظيمة وُضعَت على صدرك، والحبل في عُنقك، وغلمانًا يطوفون بك في شِعاب مكَّة. وكانت كلمتك هي دائمًا كلمتك، من غير تلكُّؤ ولا مُداراة ولا مواربة: • أحَد أحَد؛ وميض قلب نابِض بالحياة، نقَّاه رسوخُ العقيدة ورقَّاه، تلسعه الهمجيَّةُ بسياطها، فيزأر في عرينه: • أحَد أحَد؛ قذائف حق راجمات، تصيب الباطِل في مَقتل فتدمغه، تجتثُّه من فوق الأرض فما له من قرارٍ. • أحَد أحد؛ وخزات في قلوبٍ حائرة، ألجَمَها الباطِلُ، وكبَّلَتها الشهواتُ، كلَّما صَحَتْ عادت لسكرتها، فللباطل - من حولها - أحراس وأجراس. • أحَد أحد؛ صوتٌ رخيم، أمِن مزامير داود هو؟! تَناءى إلى الأسماع فنبَّهَها، أطرَبَها، ما كسره جوعٌ، ولا فَتَّ في عضده عطَشٌ ولا رمضاء. • أَحَد أحد؛ شِعار عقيدةٍ ثمنها الحياة، وحياة مَبعثها عقيدة، سرى دبيبُ نورها فأثمرَت طمأنينة وسكينة، ونعيمًا لو عَرَف حلاوتَه عتاةُ الأرض لجالدوا عليها بالسُّيوف. شوق ودموع: وأورقَت ذِكرى الحبيب، حين ارتفع صوتُ سيِّدنا بلال مؤذِّنًا، هزَّ القلوب وأحيا فيها الشوق والشجن. • اللهُ أكبر، الله أكبر. كان بدر التَّمام قد انكفَأ، والسِّراج المنير قد انطفأ، حينها نادى الولاءُ فيك والوفاءُ لمن صَحِبَك في حلِّه وترحاله: • "إنِّي لا أؤذِّن لأحَدٍ بعد رسول الله". وتساءل الصِّدِّيق متحيرًا: • "ومَن يؤذِّن لنا يا بلال؟". • أشهد أن لا إله إلا الله. • أشهد أن لا إله إلا الله. هي سَنوات انقطع فيها خبَرُ السَّماء عن الأرض، عشتَ تُغالِب الذِّكرى، والهيام بها يغلبك! وما كان لك اليوم إلَّا أن تتقدَّم؛ فملائكةُ الرَّحمن تزفُّ بشرى النَّصر إلى الرسول الكريم، بعد أن أعَزَّ الله المسلمين بفتح بيت المقدس، وها هو الفاروقُ يتسلَّم مفاتيحَها. • أشهد أنَّ محمدًا رسول الله! احتبس الصَّوتُ، وارتعشَت الفرائس، لَان أهلُ الصَّلابة والبأس، جاشَت النفوس شوقًا، وانهمرَت العيونُ أدمعًا، وبكى الصَّحابةُ الكرام كما لم يَبكوا من قبل! اخضلَّت اللِّحى بالعَبرات، والحنين يَستبق الزَّفرات: أَفيكِ لِحَمْل الشَّوقِ يا ريحُ مَوضعٌ ♦♦♦ فقد عجزَتْ عن حمل أشواقِنا البُدْنُ؟ غدًا نلقى الأحبة: ويطوف بلال حولَ القبر الشَّريف - حاملًا القِربةَ بيديه - يبلِّل الثرى الطَّاهِر وينضحه بالماء، يَعزُّ عليه فراقُ خير البريَّة، يرنُّ في أذنيه صدى بشراه صلى الله عليه وسلم: ((يا بلال، حدِّثني بأرْجى عمَلٍ عملتَه في الإسلام))[2]. فيجيب بلال رضي الله عنه أنَّه: "كان لا يُحْدِث إلا توضَّأ وصلَّى"[3]، هي طهارةٌ دائمة، وصلاة ملازمة، يَحرص عليهما، ويَرى ذلك أرجى عمَل قدَّمَه بين يدَي الله، يتورَّع أن يَذكر صبرَه على أشدِّ أنواع البَطش والتعذيب. يخفض الرَّأسَ حياء كلَّما سمع كلمات المَدح والإطراء، ويقول: • "إنَّما أنا حَبشي، كنتُ بالأمس عبدًا". لم ينسَ لأبي بكر شرَفَه وفضلَه، ويردِّد على الأسماع: • "إنَّما أنا حسَنةٌ من حسناته". تعاتِبه زوجتُه لكثرة ما يحدِّثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهجر البيتَ غاضبًا، ويسارِع النبيُّ إليها منبِّهًا: ((ما حدَّثَكِ عنِّي بلال فقد صدَق، بلالٌ لا يَكذب، فلا تُغضِبي بلالًا))[4]. ينصِّبه النبيُّ أمينًا على بيت مال المسلمين وعلى مالِه الخاص، كيف لا وهو المؤتمَن على مَواقيت الصَّلاة، ومواعيد الإفطار؟! يدخل الكعبةَ يوم الفتح مع الرسول الكريم، ثمَّ يرقى سطحَها، ويَصدح بالحقِّ عاليًا، وليقُل عدوُّه فيه ما شاء أن يقول! وفي حجَّة الوداع يَحرص أن يكون إلى جَنب سيِّده ومولاه - كما كان في غيرها - يظلِّلُه من حَرِّ الهَجير، طاعة وحبًّا ووفاء. وحين يَحضره الأجَلُ، تَبكي زوجتُه لوعةَ الفراق، فيواسيها قائلًا: • "بل وافَرَحاه، غدًا نلقى الأحبَّة؛ محمَّدًا وصحبَه!"[5]. الجائزة: وكانت الجائزة - يا سيِّدَنا -: أنْ مكَّنَك الله من عدوِّك - أميَّة بن خلف - فقتلْتَه بيديك، وقد هنَّأك أبو بكر قائلًا: هنيئـًا زادك الرَّحمنُ خيرًا ♦♦♦ لقد أدركـتَ ثأرَك يـا بِلالُ وكانت الجائزة: أن رفَعتَ عقيرتَكَ بكلمة التوحيد في الأذان - ما سبَقَك إليها من أحَد - وقد جاءك التَّفويض؛ أن دَعْه لبلال: ((إنَّه أندى صوتًا منكَ))[6]. وكانت الجائزةُ: بلالٌ سيِّدنا - قالها عمر وهو مَن هو- اعترافًا بسَبْقِك وفضلك. وكانت الجائزة: بشارة مَن لا يَنطق عن الهوى، وقد سمِع خشف نعلَيك بين يديه في الجنة. وكانت الجائزة: أن ازدان جبينُك المرصَّع بالشهادة، نلْتَها مرابطًا في سبيل الله في بلاد الشام سنة 20 هـ. • • • رضي الله عنك سيِّدَنا، هجرتَ عبوديَّةَ الخلق إلى عبادة الخالِق. سجَد قلبُك، وسجدَت جوارحُك في حضرة: "أَحَد.. أحد". عرفتَ فاغترَفْت! كان صوتك بالحقِّ هادرًا ومجلجلًا، وها هو صداه يختلج مع كلِّ أذان يتردَّد، في مشارق الأرض ومَغاربها، ليلِجَ القلوب ويَغمرها بفيضٍ من حبِّك. [1] "داعي السماء - بلال بن رباح"؛ عباس محمود العقاد ص: (64). [2] متفق عليه. [3] مسند الإمام أحمد. [4] "داعي السماء"؛ عباس محمود العقاد، ص: (66). [5] "داعي السماء"؛ عباس محمود العقاد، ص: (54). [6] خرَّجه الألباني في الإرواء، وقال: حديث حسن.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |